صفحة مطوية من تاريخ الجزيرة العربية
(الجزء الخامس)
"أثر الإخوان على توحيد المملكة"
"معركة تربة أنموذجاً"
الحمد لله وحده, والصلاة والسلام على من لا نبي بعده, وعلى آله وصحبه وحزبه, وبعد:
قد جعل الله تعالى للإخوان دور عظيم وفضل جسيم في توحيد المملكة العربية السعودية, فقد كانوا قوات البلاد الضاربة في العمق البعيد, والسوط المؤدب للمناكف العنيد, ولله درّ الإمام عبد العزيز الّذي وفّقه الله لنشر كتب الدعوة السّلفيّة, والعقيدة السنيّة المرضيّة, وإرسال الدّعاة الصّادقين, والعلماء الربانييّن(١) لتوجيه وتفقيه ذلك الجيل المثالي الصّادق, الّذي ضرب أروع الأمثلة في التّضحية لدينه, بعدما كان من سُنيّات قلائل تائهاً بين سراديب الزّمان, ضالّاً في حنادس الظّلام, طعامُهُ دمُ جارِه, وفخرُهُ التّرابُ والنّاقةُ
فللّه الحمد أولاً وآخراً في بعثه لهذا الجيل الصّافي التّليد, الّذي جدّدَ سير صحابة محمّد صلّى الله عليه وسلّم في زمان الغربة والهوان . ورحم الله تلك الجماجم والعظام, الّتي ظلمها بعض المؤرخين ظلماً فادحاً وبخسوها قيمتها بخساً فاحشاً, فبدلاً من إعطائهم حقّهم من الثّناء والتبجيل والدّعاء, وهو أقلّ القليل من حقوقهم ومكانتهم, والغضِّ عن قليل هفواتهم وزلاتهم الّتي لا يخلوا منها بشر, فبدلاً من ذلك, رأينا بعض الكتابات المؤسفة من مؤرخين فيهم نوع سذاجة, أوكُتّابٍ سطحيين, أو أُناسٍ _ وهم قلة _ قد فاض حقد قلوبهم على أفواههم وأقلامهم, فلطخوا صفحة الإخوان البيضاء بكذب صريح, وبهتان قبيح, بما ظنّوه غطاءً لشمس حقيقتهم, ونور دعوتهم, وصدق جهادهم, والله الموعد | .
وفي ظني أنّه لولا أنّ الله تعالى قيّض لهذه البلاد من مهدها أولئك الأماجد الأسود, والأشاوس الصيد، لم يكن الحال كالحال, والله أعلم, وله الحمد .
ومن أراد أن يعرف فضل الإخوان على هذه الدّولة السّعودية, ورؤية قوّتهم الضّاربة, وكسرهم لميزان القوى الإقليميّة, فليتأمّل معركة تربة كمثال حيّ شاهد | وإذا أردت مزيد إيضاح فانظر تفاصيل المعركة, وتأمّل نوعية أولئك المقاتلين, الّذين لا يتكرر مثالهم إلّا بين مئات السّنين, فالزّمان بأشباههم ضنين, حين قَضَى الله قِلّة ذلك المثال, والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلّا بالله العليّ العظيم .
وسأقول كلمةً رُبّمَا لم تُكتب من قبل في كتاب ولم تسطر بمداد, ولكنّي أراها حقيقةً كالشمس في رابعة النّهار, وهي أنّه لولا أنّ الله تعالى يسّر أمر هذه السّرايا الإخوانيّة في الوقت المناسب, لربّما لم يكُ هناك حجازٌ سعوديٌ البتّة | بل ربّما - والعلم عند الله - لو سار دولاب ذلك الزمن بدون وجود الإخوان في رَحَاهُ, لَرُبَّمَا كانت الدّولة السّعوديّة الثّالثة نَسياً منسياً | ولتعرّضت لخطر التلاشي تحت ركام الزمان | وغبار الليالي والأيام | لا يُذكر منها إلا تاريخ مسطور في بضعة كتب | أو لربما تكون دويلة بين دول | لكن الله حفظ بها التوحيد والجهاد والدعوة السلفية الصافية النقية .
وحتّى لا أكون متهوّكاً, أو مبالغاً، فلنتكلّم بلغة الأرقام ولنتأمّل معاً تلك الليلة الّتي أرسل فيها عبدالله "البيه" لوالِدِهِ: أنّه سيكلمه بعد شهر من البحرين بعد أن يضمّ نجداً والأحساء لمملكته الهاشميّة | وهو ما ردّ به الحسين على الإنجليز حين سألوه عن تحركات جيش ابنه عبد الله, فقال: خذوا الجواب من عبد الله من البحرين بعد واحد وثلاثين يوماً لا غير | وأرسل عبد الله كذلك للإمام عبد العزيز وكان في آخر شعبان: أنّه سيقضي عيد الفطر في الخرمة, والأضحى في الأحساء, وَصَدَقَ لولا عِنايةُ الله ولطفُهُ, فكلّ الحسابات الماديّة الأرضيّة تنطق بذلك, فجيشه الكثيف مع أنّه كان لا يُمَثِّلُ إلّا نسبةً من الجيش الحجازيّ لوالده, كان قوامة قرابة الأربعين ألفاً على بعض الروايات, ومعهم المدافع والرّشّاشات, والجنود النظاميّة, وفوق ذلك ألوف الجنيهات الصّفراء, والسبائك الحمراء, مُغَيّرةَ النّفوس ومُبَدِّلةَ الولاءات | الذّهب الّذي يُغْرِي الحاضرة فضلاً عن البادية | ويَجلب ولاءهم ويُحيله من ذلك الخندق للآخر كما هو معلوم, وفوق هذا كلّه بريطانيا الّتي أعطته الضّوء الأخضر لفعله, عِرفاناً منها لجميله عليها في مناصرته لها في حرب أعدائها الأتراك . بينما في الخندق الآخر, نجد جيش الإمام عبدالعزيز _ بدون الإخوان _ قرابة (12000 ) وبأقصى تقدير فلم يتجاوز ( 15000 ) من العارض وما جاورهم, وسلاحهم البنادق العتيقة القديمة | .
لذا فلولا أنّ الله تعالى قد اقتضت رحمتُه وحكمتُهُ وُجُودَ أولائك الأسود الأشاوس, لربّما كُنَّا نقرأُ الآنَ ملحمةً ثانيةً لهدم الدّرعيةِ ولكن باسم جديد هو الرياض | وبباشا جديد وهو "البيه" وبشهيد جديد | ولكنّ الله سلّم, فله الحمد أولاً وآخراً وظاهراً وباطناً, ولا يعني هذا إلغاء دور الإمام عبد العزيز وإنكار فضله, بل له فضل وريادة وتوجيه وإعانة رحمه الله وإياهم.
وبالجملة فالملك عبد العزيز قد استفاد كثيراً من الإخوان, وكان لهم فضل كبير بعد فضل الله تعالى في تعزيز ملكه وبسط سلطانه كمّاً وكيفاً (٢) كما كان له فضل عليهم بإمدادهم بالعلماء والدعاة والكتب والسلاح, وأكثر ما عكّر صفاء جوّهم واتحاد وجهتهم؛ اتفاقاته المسبقة مع الإنجليز في ترسيم الحدود الشمالية, ممّا حداه فيما بعد للوفاء بهذا الالتزام ومنع الإخوان من تجاوز حدوده إلى دول الجوار, وهو ما كان يأباه فريق كبير منهم طمعاً في مواصلة الجهاد لفتح القدس وتحريرها من الصهاينة | بينما آثر الملك عبدالعزيز بناء دولته, وتقويتها من الداخل, وتحصين حدودها وأقاليمها الشاسعة؛ إذ يرى أنه لا طاقة له بنزال الجيوش المدمرة في الشمال, وهي المغامرة التي قد تكون مقامرة | فلو خسرها لربما دُمّرت مملكته, وسُحق شعبه | . وعلى كلٍّ؛ فحكم الحاكم يرفع الخلاف المعتبر, والسمع والطاعة واجبان له عليهم, والمقصود: أن الملك عبد العزيز قد استفاد منهم وهم كذلك قد استفادوا منه, رحم الله الجميع .
يا سِعْد من يسبق زمانه على ظهور نجايب تدرك مسيرات الإخوان
روحه على كفه سعيد ومسرور يقول وين أقرب طريق من جنان
يرمي شعيل النار ويصوّب ظهور في ساعة صارت لهيب ودخّان
عِزِّه بدينه ما هو بالجهل مدمور ما همه أصله من تميم وقحطان
"معركة تربة"
" الملحمة "
( 25شعبان 1337 )
وفي الأشهر الثّلاثة الأولى من هذه السنة انتشر وباء حمّى الإنفلونزا _ولعلها الإسبانيولية_ وقد توفّي بسببها الألوف من أهل نجد منهم الأمير تركي بن عبد العزيز عن تسعة عشر ربيعاً, والّذي اشتهر ببسالته العسكريّة وهو أكبر أنجال الإمام – وبه يُكْنَى - وَوَلِيَ العهدَ من بعده سعود, حتّى سمّوها بسنة الرّحمة تفاؤلاً برحمة الله لموتاهم .
وهي السّنة الّتي انتهت فيها الحرب العالميّة الأولى, والّتي كانت شرارتها قد اندلعت عام (1332) .
كان أهل تربة قد بايعوا الإمام عبد العزيز بن محمد عام: (1212) في عهد الدّولة السّعوديّة الأولى(٣).
وتُعَدُّ معركة تربة للمتتبّعِ لتاريخ نجد الحديث, هي المعركة المفصليّة الحقيقيّة, الّتي غيّرت وجه الخرائط الجغرافيّة الحدوديّة الحديثة في جزيرة بني يعرب, فَقَبْلَها كان هناك توازنٌ في القوى الإقليميّة, وبخاصّة الوسطى ممثلة بنجد آل سعود, والشّماليّة بدولة أمراء الجبل آل الرّشيد, والشّمال الشرقيّ ممثّلة في الكويت وآل الصّباح, أمّا الشّرقيّة والجنوبيّة فوضعهما كان أقلّ من أن تُحسب له الرّهانات الكبيرة في توازن القوى الإقليميّة في ذلك الزّمان . فالبترول لم يُكتشف بعد في الشّرقية, وليس هناك كبير مُخرجاتٍ اقتصادية لليمن, أمّا بالنسبة إلى القوّة الرّابضة في الحجاز فقد كان يُحسب لها ألف حساب, ولم يفكّر أحدٌ ممن ذكرنا بأخذ شبر منه, دعك من مناكفتها فكيف بغزوها وطردها | لأنّها كانت مُحاطة بحواجز عالية؛ من تعظيم الأمّة للقتال فيها, مع ضميمة حمايتها من الباب العالي مباشرة, كذلك دخولها في دهاليز ووعود التّاج البريطاني, إضافةً إلى غِنى شريفها ذَهَبَاً وَنَسَبَاً, وحقّهم المستقرّ في نفوس العواّم بوصايتهم التّقليديّة على الأراضي المقدّسة قرابة الألف سنة . فعبد العزيز كان يُصارع الدّول القرينة له من الرّشيد والصّباح, أمّا الشريف فقد كان عبد العزيز يَرْضَى منه بالكفّ عنه, وترسيم الحدود ولو بشيء من الضّيم, دفعاً لجشع المارد الغشوم, ألا وهو الشّريف حسين بن علي, الّذي آذاه بتبعيّةِ العتبان له لمّا صبّ عليهم الذّهب والعساكر, وهم من هم في ميزان القوى القبلية؟ | كذلك فهم الجيران القريبون من العارض حصن آل سعود الحصين بسواعد أهله وولائهم لبيت ملكه.
بيد أنّ معركة تربة قلبت الطّاولة على المقامرين الدّوليّين الكبار, وألجمتهم أمام معادلة جديدة في توازن القوى ,كان بيدقها الرّابح وحصانها السّابق جيش الإخوان بإمامة عبدالعزيز, الذي عركته الحوادث بِثِفَالها, وغذّته المجامع بِلَبَانها, وَتَرْكَتْهُم هذه المعركة بين واضع كفّ حائرٍ على ذقنٍ أو قارعاً سنّ نادمِ | فحتّى المخابرات الإنجليزيّة لم تكن تتوقّع هذه القوّة الضّاربة من الجيش الوليد الفتيّ, وجنديّه المقدام الأبيّ, وقُدرتِه العجيبةِ على التّعبئةِ الكاملة في ظرف محدود, ووقت قصير, فمِن حين وصول الأمر بالجهاد, إلّا والجنود كلٌّ قد أخذ سلاحه على متنه, حاملاً خِرجَه وقد جهّزه بما استطاع من الذّخيرة, ومعه بضع تمرات في مزودته يقمن صلبه الباسق, ونُطفةَ ماء في قربته تكفيه عن طلب الإمداد "اللوجستي | " ثمّ انطلق على ذلوله إن كانت, وإلاّ رَكِبَ قدميه اللّتين عرَكَتْهُمَا حياةُ الباديةِ والصّحراء والشّظف والشّدّةِ, وَأَلْبَسَهُمَا الإيمانُ قوّة وشدّةً ومَضَاءً وتصميماً, فصارتا عينين نفّاذتين, فوق محرّكين نفّاثين لا يكلّان ولا يفتران من المشي الدؤوب, لحين الوثوب على أعداء الملّة وغُزاة الدّيانة, وما هو إلّا العدوّ أمامه والأمر بالهجوم خلفه, إلّا وترى البسالة النّادرة, والمهارة الفائقة, في جندلة الفرسان, وسحق الرجّالة, وقطف الهامِ, وإغراق العدو في الهزيمة, الّتي أجحظت عيون المراقبين دهشةً ورُعباً, وتعجّباً وفزعاً, حتّى أنّ أحد المؤرّخين الغربيّين لَيَتَفَاخَرُ عند بني جلدته أنّه قد رأى أحد الإخوان رؤيا عين | ثمّ أخذ يصف شكله ولونه وطوله وشعره ومشيته,كأنّما يصف مارداً يطرد عفاريت الشرّ بوجوده.
لسان حالهم:
جيش من الكفر مهزوم إذا صَدَقَت نيّات قومي إلى أعـلى أعاليها
نمشي حفاة على الرّمضاء تأسرنا فردوس ربي فلا الدّنيا تدانيـها
نسعى بعزم وفي الأنفال شرعـتنا يا أبلـغ الله أجـناداً أمانيها
فتربة تعتبر البوّابة الطّبيعيّة للطّائف, والّذي هو بدوره البّوابة الطبيعيّة لمن أراد دخول مكّة المكرّمة المشرّفة.
وقبل معركة تربة كانت بريطانيا تُراهن على الشريف وتغريه وتُمنّيه, بينما كانت تعلّل عبدالعزيز بالكثير من الوعود وبالقليل من الوفاء, حتّى كانت كاسحةَ المعاركِ في تربة, وَظَهَرَ ضعف الشّريف وقلّته وهزيمته, أمام الطّرف الأقوى والحظ الصاعد في ميدان السّياسة والحرب, إنّه عبد العزيز بكتائب الإخوان العاصفة وسراياهم القاصفة.
وكانت سياسة بريطانيا قبل تربة في صفّ الملك حسين دون عبدالعزيز الذي كان يخطب ودها راغبة عنه ولم تُرعِهِ بالاً, وفي تقرير الكرنل "ويلسون" المعتمد البريطاني في جدة إلى الجنرال "وينغت" المندوب السّامي في القاهرة قال: ( ولا يُخامرني أدنى شكّ في أنّ من الضّروري حقّاً أن يُعيد الملك حسين احتلال الخرمة وأن يَطرد خالد من تلك المنطقة ...الخ)(٤) وفي تقرير آخر بَعَثَهُ بعد عدّة أشهر, لماّ ازدادت قوّةُ الإخوان التي وصلت أصداء انتصاراتها خارج الحدود قال _ بعد أن قارن بين الملك حسين والإمام عبدالعزيز_: (هذان هما الرّجلان اللذان كما يبدو لي يجب أن تختار حكومة صاحب الجلالة بينهما وأن تختار سريعاً ) (٥).
وبعد هذه المعركة حَسَمَت بريطانيا أمرها, ورأت قوّة جيش عبد العزيز الجديدة الكاسحة, فأخذت العجوز الماكرة بريطانيا تخطب ودّ عبد العزيز وتتزيّن له, علّهُ يرتبط معها بعهود ومواثيق جديدة, تنفعها وتحيّد أعداءها وقرناءها الكبار, كروسيا وفرنسا بل وألمانيا - قبل سقوطها الأول- الّلاتي بَدَأْنَ بإرسال الوفود لعبد العزيز وكلٌّ له أَجِنْدَتُهُ وأهدافه, خاصّةً أنّ الحرب العالميّة قد وضعت أوزارها . واستنفذت بريطانيا جهد الحسين وسرقت عسله وشمعه, فاحترقت ورقته وصار عِبْئَاً عليها . أمّا ابن رشيد في حائل فانتهى أمرُهُ وَحَسَمَتْ أَمرَها فيه بعد تربة | وكيف ذاك؟ فالجواب: أنّ من انتصر على جيش الشريف العربيّ الترّكيّ النّظامي الحديث, فليس من الحكمة إغضابه بدعم جيش قد غربت شمسه وآذن مأتم ملكه.
ونعود إلى ثرى المعركة, فبعد معركة القُرَيْنِ تسامع الإخوان في أرجاء الجزيرة بأحداث الخُرمة, والحملات العسكريّة الظّالمة عليها, في حوقان وجبار والحنو والقرين, والخامسة في تربة تمهيداً لغزو الخرمة وما بعدها شرقاً, فتتابعت أرسالهم وأفواجهم من كلّ فجّ من بيشة ورنية والغطغط والرّين وسنام وساجر ونفي والأرطاويّة ...وغيرها, فجاء سلطان بن بجاد بن حميد أمير برقا من الغطغط بألف ومئتين من المجاهدين(٦) وجاءت قحطان بقيادة معيض العبّود من الصبيخة من تثليث, كذلك حمود بن عمر ومن معه من قحطان, وجاء الدّواسر بقيادة ابن قويد, كذلك عمر بن ربيعان أمير الرّوقة ومن معه, أمّا أهل بيشة فجاؤا تحت خمس وعشرين راية, وتكاملت جموع فرسان التّوحيد, وبينما هم في سيرهم لقيهم عند الدوّارة أهلُ عشرِ ركائبٍ من القواودة البقوم, فبايعوا خالد بن لؤي على الكتاب والسّنّة, وهو بدوره قد بايع عبدالعزيز من قبل, وأخبروه بجيش الشريف وقوّاته وعددها وعتادها وأماكنها, وأبلغوا الإخوان أنّ جيش الشريف أفسد في الأرض, ثمّ أقبلت عليهم امرأة وصاحت فيهم ووصفت فسق القوم بهنّ, قال أحدهم: والله لكأنّي أراها الآن قد تحلّب ثديُها وهي مرضع, وتصيح في القوم عند خيمة القيادة: كيف وَسِعَكُمُ القُعُودُ بينما التّركُ يفعلون الأفاعيل بالحريم؟ | فاخضلّت لِحَى الإخوان من البُكاء, وقال بعضهم: انتظروا وصول إمامكم فهو في الطريق, وقال آخرون: بل أغيثوا إخوانكم . وكانت كلمة الفصل عند علمائهم الّذين قالوا: حَرُمَ القُعُودُ.
أقول وقـولوا معي يا أباة بصوت يطول أعالي القممْ
إذا الدّين أضحى ينادي رجالاً فلا خير فينا إذا لم نقمْ
ولا خير فيمن يصيح به الدّين صيحة غـوث فلم ينتقمْ
فساروا ثمّ أناخوا على "القويعيّة"_ بين الخرمة وتربة _ ونادى خالد فيهم: لا يبت أحدٌ إلّا وذلوله عند رأسه, ثمّ باتوا لصبح أكبر معركة لهم في تاريخهم.
وجهّزَ الشّريف حسين طوابير من جيوشه فجهّز ابنه عبدالله "البيه" معه الكثير من التّرك والشوامّ والعِراقيين الّذين رافقوه بعد حصاره للمدينة النبوية وَفَلِّ جيشِها التركيّ واستسلام الباشا, ومعهم الجموع من مكّة والطّائف من القبائل الموالية للشّريف, وخرج في جيش كثيف يدقّ الحجر من كثرته وثقله, لا تعدّه الأقلام, قدّرهُ بعضهم بخمسة وعشرين ألف مقاتل, وقال آخرون بأنّ عددهم قرابة ثلاثين ألف مقاتل, منهم خمسة آلاف من الجنود المدرّبين النّظاميّين, والبقيّة من الأعراب والمتطوّعة _ وبعضهم قد أوصل العدد إلى أربعين ألفاً -. وقال آخرون: كانت القوات النّظامية ستّة أو خمسة آلاف, ومن البادية عشرة آلاف . وقال بعضهم: إنّ القوّات النّظاميّة ثمانمئة والأعراب عشرة آلاف, والله أعلم . والجيش يجرّ المدافع والسّلاح الّذي غنمه من التّرك, كذلك الّذي أمدّته بريطانيا به.
أمّا جيش الإخوان, فقرابة الخمسة آلاف, وقيل بل ثلاثة آلاف فقط, وبهذا _ إن صحّ هذا العدد_ يكون الواحد من الإخوان يقابله العشرة من العدو ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين) (الأنفال: 65). والأقرب أنّهم خمسة آلاف مقابل خمسة عشر ألف, أما الباقي فمبالغ فيه والله أعلم.
ثمّ إنّ الشّريف خيّم على سفح جبل حضن شهراً كاملاً عند عشيرة, وأصابه الغرور الشّديد لكثرة جموعه, ولمّا أرسل له الإمام عبد العزيز مستفسراً عن سبب اقترابه من الخرمة, ومتوعّداً إياه إن قدم بالعذاب الإخواني, ردّ عليه عبد الله بأنّه سيصوم رمضان في الخرمة والأضحى في الشّرقيّة _ بعد سَحْقِه لنجد وسيره على جثّتها للشرقيّة بالطبع بزعمه _ وكتب لوالده حسين: بأنّه بعد شهرين سيكلّمه من البحرين بعد أن يضم نجداً والشّرقيّة لمملكته | . وقد ودّ بعدها لو كان قد قنع من الغنيمة بالإياب | .
ومما كتبه لعبدالعزيز كذلك في ذلك الكتاب – وهي كلمات تدل على فصاحة عالية, وبلاغة باذخة, ولكن ليته كان على المنهج الأسمى والفعل القويم, ومنها: "وهل تذكر رجلاً من قريش, ثم من بني عبد مناف, ثم من بني هاشم, جده الرسول صلى الله عليه وسلم وعلي بن أبي طالب؛ يقعقع بالشنان؟ | ويردع بمثل تلك الأقاويل؟ | "(٧).
ثمّ دخل الشريف عبد الله "البيه" تربه, بعد معركةٍ مع صالحي أهلها دامت ساعة ونصفاً, وقيل بل لم يحدث قتال أصلاً, وهذا ما دعى شاكر الشريف أن يقول له فيما بعد _ كما ذكره العبيّد _ لماّ حذّره من أهل الخرمة, واحتجّ عليه عبد الله بسهولة دخوله تربة, فقال شاكر: إنّ تربة هي الّتي دعتك لنفسها أمّا الإخوان فهم أمامك فخذ حذرك . وكان دخوله لتربة في (21شعبان 1337 ) ثمّ أَسَرَ بعض الموحّدين الّذين كانوا يستخْفون منه حتّى لا يقتلهم بتهمة الوهّابيّة, فوضع فيهم الحديد وعددهم اثنا عشر رجلاً, ثمّ أهان منهم اثنان وقال أنتم تكفروننا؟ فقالا: لا نكفّر إلّا من كفّره القرآن والسّنّة . ثمّ أمرهما بتكفير الإمام المجدّدّ محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى, فأبيا ذلك وهما عامر بن مسيّب (٨) والثّاني هو الطُعَيْمِي, ويقال إنّ الشّريف "البيه" قال لهما: كفّرا محمد بن عبدالوهاب . فصاح أحدهما: الكافر أنت وليس محمد بن عبد الوهاب, قال: سأقتلكما . قالا : إن قتلتنا فهي الشّهادة.
وقَوْلي كُلّمَا جَشَأت وَجَاشَت مَكَانَكِ تُحْمَدِي أَوْ تَسْتَرِيحِي
فلمّا أعيته الحيلة في استخلاص ما يريد من الشّماتة بالموحّدين, ولِما أراد الله لهما من الشهادة في سبيله, ولا نزكيهما على الله, أمر الطّاغية بوضعهما على فم المدفع, ثمّ أطلق قنابل المدفع الّتي نثرت أشلاءهما الطّاهرة الشّاهدة بحجم الظلم والاستعباد والجبروت من ذلك الطّاغية الفاسد البائد, الّذي لم يَعْلَم أنّهُ بعد أربع ليال سيفرّ هارباً بثياب نومه جريحاً على فرس عُرْيٍ ليس لها لجام, بعد أن صَرّعَت جندَهُ شَفراتُ البِيْضِ, ومُرهفات الهنادي, بأيدي الموحّدين أنصارِ الموحّدين ( ولا يحيق المكر السّيِءُ إلاّ بأهله ) (فاطر:43).
فما هو إلّا الوحي أَو حَدُّ مُرْهَفٍ تُزيلُ ضُباهُ أَخدعَي كُلّ مائلِ
فَهَذَا شِفَاءٌ للّنفوسِ من العَمَى وَهَذَا شفَاءُ العِيّ مِنْ كُلّ سَائلِ
فما راع "البيه" وهو في خيمته إلّا وإخوان من أطاع الله يصيحون مكبّرين مهلّلين في أرجاء صيوانه بعد أن ذبحوا علوجه الترك, وغسلوا الأرض بدمائهم لأنّهم دنّسوها البارحة بمعاصيهم وبغيهم وفجورهم, وسَالَت أرواحُهم على ضُبَاتِ سيوف الحنفاء أنصار الملة من الإخوان، وأحدهم يهتف مكبراً وقد وصل لخيمة البيه: صبي التوحيد وأنا أخو من أطاع الله | لكن الحكيم أمهله لحكمة أرادها جلّ جلاله، لعل منها أن يشهد سقوط أمبراطورية والده، وحتى يستمر مسلسل إذلاله، وهو الذي لا يقعقع له بالشنان بزعمه | فتذله العرب ثم تذله العجم والروم، ولكل باغ مصرع، وعليه تدور الدوائر، وما يد إلا يد الله فوقها، وعند الله تجتمع الخصوم، (إن ربك لبالمرصاد) (الفجر: ١٤).
قال محمد الوابلي: والله لقد قرنونا بالسّلسلة وسجنونا ونحن اثنا عشر رجلاً كي يقتلوننا بعد الطعيمي وابن مسيّب بتهمة أننا وهّابية, ولم يطلقنا إلّا الإخوان.
وقال محمد العلي العُبيّد في مخطوطته النجم اللامع: إنّ عبد الله البيه قد أمر بحصر كلّ المقيمين من أهل نجد بتربة, فحصروا ثمّ حبسوا في أحد المنازل هم ونساؤهم, وبلغ عددهم مئة وأربعون, وأمر بتجهيز الرّواحل في الصّباح كي يُرسَلوا للطّائف ومكة وجدة على أنّهم أُسَارا حرب من "المديّنة" - أي المتديّنين - ولكنّ الله سلّم, ففي الصّباح كان الفرج قد لاح بإذن الله تعالى, ثمّ بسيوف أهل التّوحيد الأقحاح, الّذين سطّروا على ثرى تربة ملحمةً بطوليّةً بِطُولِ الزّمان, وهتفت سيوفهم بنصر الإسلام, ونطقت رماحهم بعزّة الإيمان, رحمهم الرحيم الرحمن.
وقُتِلَ من الإخوان الكثير, فقد كانوا يرمون بأجسادهم على فوّهات المدافع والرّشّاشات, ليتحرّروا من رِبْقَةِ أجساد الدّنيا للخلود الأبديّ في نعيم الجنّات, لا حرمهم الله مقصودهم ولا نزكيهم عليه. واختلفت الرّوايات في عدد شهدائهم فمن قائل بأنّهم قد بلغوا (400) ومن قائل ( 500 ) ومن قائل ( 150 ) إلى غير ذلك, والله أعلم.
قبل معركة تربة بيوم أو ساعات, ناوشت بعض خيل الشريف تجريدة للإخوان عند مكان يقال له "العِرْقَين" فقتلوا أحد كبار الإخوان وهو من قحطان من أهل الرّين, ثم إنّهم جزّوا رأسه وحملوه للشريف, وقالوا: هذا رأس واحد من كبار المديّنة, فنظر الشريف عبد الله البيه, ثمّ قال: تريد الجنة والله لن تراها عينك | .
وأخذ المدفع يزفر ويزمجر فسمعه الإخوان وظنّه أحدهم رَعْدَاً, فقال: كريم كريم (٩) أبشروا بالمطر هذا الرّعد . فقالوا له: هذا رعد لن تربّع فيه العشار | هذه بندقية الشريف الكبيرة تزلزل . ( فلا تخشوهم واخشوني ) (البقرة:150).
وكان الإخوان يقولون:
استعـنا بالإله المعـتلي يوم النصارى تعتزي بجنودها
وكانوا قد أرسلوا للإمام عبد العزيز وهو في الرّياض بسرعة القدوم للموقعة الفاصلة, فأرسلوا شبيب بن جميع بكتابهم إليه فوصل بعد أربعة أيام فأعطاه الكتاب, فتغير وجهه وتغيض على الإخوان لأنهم حركوا عليه الشريف | وهو ليس على استعداد الآن لمواجهته, فخشي شبيب أن لّا يعجل الإمام بالنّجدة, لذلك فمن حين خروجه من مجلسه قعد عند جدار القصر وأخذ يرتجز أبياتاً بصوت عال ومنها:
من تدبّر تالي الأنفالِ جانا قدام يجيه داعينا
وَأَسْمَعَ الإمامَ وتسامع من حول القصر من أهل الرياض, وبدأ بعضهم يرتجز معه ويعرضون عرضة الحرب النجدية, فناداه الإمام وأعطاه كتاباً للإخوان: إنّي إليكم بالأثر, وعلى الله الظفر . فقال الإخوان: مرحباً بالإمام.
أرسل الملك عبد العزيز كتاباً للشريف "البيه" مع صِيتان قال: خُذِ الكتاب ولا تَعُد إلا بردّ الشريف معك . فذهب صِيتانُ إلى تربة وكان عبدالله البيه قد دخلها فأناخ على ابن عمّه هَوْصَان المقاطي(١٠) وكان هوصان عند الشريف كابن جميعة عند عبد العزيز, أي وزيراً لعطايا البادية, فقال: ما تريد؟ قال: كتاباً معي من عبد العزيز إلى معزّبك _ أي الشريف _ فقال هوصان: خِبت ياصيتان لن يأخذ منك الشريف شيئاً, الشريف يريد الرّياض والشّرقية, ومعه هذا الجيش الّذي تراه فلن يردّه إلّا بحر الشّرقيّة, وهو لايراكم شيئاً من الاحتقار . فقال: اذهب بي إليه ولا يهمّك ما يكون . فقال: نَمِ الآن وَغَدَاً لكلّ حادث حديث . فباتا فلمّا أصبحا قال: والله ماغمضت عيني على نوم, فطول ليلي وأنا بين جاءكم وجاءكم, أرِحني من الكتاب, وادخلني على الشريف, أو خذ كتابي له . قال انتظر, فلمّا ارتفعت الشّمس وقام الشّريف من تصفيرته - أي نومه بالضّحى - ذهب لكتائبه يتفقّد أحوالها فقال هوصان: قُمْ ياروقيّ هذا الشّريف عند فرسه, فقام صيتان وقال: ياسيدي (١١) أنا صيتان معي كتاب لك من عبد العزيز جئت من أمس ولم أجد من يأخذ كتابي, فلمّا أنهى كلامه صعّر له خده, ثمّ أعرض عنه, وركب فرسه وكأن لم يكن عنده أحد من احتقاره لعبد العزيز والإخوان . ثمّ أن هوصان قال لصيتان: اهرب قبل أن تُقتل فمثلك مقتول منهوب | ففرّ صيتان بكتابه وانطلق, ولمّا وَصَلَ لـ"العِرْقَيْن" (١٢) إذِ الإخوان قد أناخوا فيها, وأمامهم رُتْبَة للشريف _ أي كتيبة _ من بني سفيان في مكان يقال له: "ركبة الذراعين" وتناوشت الخيل واشتبكت, واستشهد اثنان من كبار الإخوان؛ أحدهما من بني عمر والآخر من قحطان, ثمّ إنّ صيتان لمّا سأله الإخوان وقد اجتمعوا عليه؛ هوّن عليهم أمر الشريف وقال: لم يمنعكم منه إلّا ذنوبكم, وليس معه إلّا دراويش الحجّاج . ثمّ إنّه أناخ على ابن بجاد, ففرح به سلطان وسأله الخبر, فأخبره أنّ جنود الشريف كالجراد قد جمع التّرك وقبائل الحجاز والقصيم, معه المدافع الجرّارة والرّشّاشة, وأنّهم لا يرونكم شيئاً, ولا أقوى منهم إلّا الله, ونصحه ببياتهم في الّليل, فقال سلطان: سيكفيناهم الله . إذهب إلى خالد وأخبره الخبر, فذهب لخالد وأخبره ثمّ قال: لكن سينصركم الله عليهم, فقال خالد: وما حملك على ذلك؟ فقال: لأنّهم لا يصلون, يؤذّن ابن حجلان فربّما أتاه الواحد والإثنين, وربّما صلّى وحده | فقال خالد: اذهب لسلطان فأخبره, قال: أخبرته.
قال محمد العبيّد: ( ثمّ اجتمع كبار الإخوان وقادة الكتائب وعقدوا مجلس شورى, فأشار عليهم خالد بن لؤي بقوله: أرى أن نرسل رسولاً لعبدالله نُهدِّدُهُ ونتوعّده فإنّ هذا سوف يشتّت ذهنه من الانزعاج, ثمّ إنّه لن يأخذ بمشورة من عنده من أهل الحزم فهو ماقد علمتُهُ من معاشرتي له: لا يريد ذلك, حتّى لا يُقال: أصاب برأي غيره . فوافقه الإخوان فأرسل أمّ سلطان العبّود (١٣) فأرسلوها برسالة شفهيّة وفيها: يقول الإخوان: إنّا مصبّحينك فجر الغد | فإن كنت يا عبد الله ولد الحسين وأتيت من عَصَب ظهره, فاثبت إذا هلّلنا عليك وعلى جندك | . فأوصلت المرأة الرّسالة من الرأس دون القرطاس كما قال عبيّد العلي الرشيد:
يادارنا من جاك جيناه عجلين بالليل نسري والعصر والقوايل
فان كانهم عنا بالانشاد محفين فمن الراس ما نعتاز رد الرسايل
ثمّ إنّ المرأة سألت عن شاكر بن زيد بن فواز, نائب البيه فأخبرته الخبر, فدخل من حينه على البيه وأخبره, ولم يزد عبد الله أن ردّ عليه: قد بلغ بك الجبن إلى هذا الحدّ, كيف يجرؤ المدينّة على هذه النيران الملتهبة معنا, الّتي سيأكلهم شررها قبل لهبها | فارجع لفراشك وَنَمْ واترك عنك الوساوس . فرجع شاكر وخرج متعثّراً في ثيابه, ثمّ التفت عبد الله إلى من عنده, وجمع عشرة من كبار القوّاد, ومنهم شرف بن راجح بن فواز الشريف, وعبدالله بن دخيل الله, رئيس عقيل وكانوا زُهَاءَ ألفين كلّهم من أهل نجد, وغازي بن محمد بن صالح الحارث الشريف, وسلطان العبّود قائد الخيل, وعبد الله بن عسيلان شيخ المعابدة, فاتفق رأيهم على سحب الجند لداخل تربة وأن يتحصّنوا بها إلى الصباح, لكنّ عبداللهً رفض ذلك قائلاً: أتريدونا أن ندخل تربة وننجحر فيها, ونهزم أنفسنا قبل هزيمة عدوّنا لنا . فقال غازي الحارث: يا عبد الله هؤلاء الإخوان والله لا ينهزمون حتىّ تقتلهم جميعاً, وقومك ليسوا بقوم بيات. فسفّهَ عبد الله رأيهم, غَيْرَ أنّه أَمَرَ قوّاد العسكر بتنظيم عسكرهم ومدافعهم ) (١٤) ثمّ اجتمعت كتائب الإخوان وسارت مع "ريع الثنية" بقرب قرية "شِعْر" (١٥) ثمّ أناخت في "القويعيّة" (١٦) ثمّ اجتمع كبارهم في الثّلث الآخر من الّليل عند السَّحَر على رأس خالد بن لؤي, وسلطان بن بجاد, وسلطان أبا العلا وغيرهم, وكانوا عند قويعيّة المرازيق, وتشاوروا في تكتيك المعركة ووقت الهجوم, فاتّفقوا على تقسيم الكتائب الهجوميّة إلى ثلاثة أقسام, فقسم على الذّراعين والرّكبتين من جهة الحرّة, وقسم مع بطن الوادي باتّجاه السّوق, وقسم على رمادان وخيمة الشريف.
وقال سلطان بن بجاد: يا خالد سر مع بطن المسيلة حتّى تدخل مخيّم البيه والسوق ورمادان ومنيف, وأنتم يا أهل الحرّة العمريّة والصّملة فمع الحرّة وأمامكم كتيبتان للشريف كلّ كتيبة قوامها ثمانمئة مقاتل, وأنا معي الخيل على راس الحيّة يا موسى سنهجم على مطرح الشريف, ويعني بها الجنود النظامية بعد الخنادق والمتاريس . فسعوا وهم يرتجزون:
هبّت هبوب الجنّة وين أنت يا باغيها
وقاتلوا وهم يتلون: (إيّاك نعبد وإياك نستعين)(الفاتحة:4) (١٧) وكانت خيل سلطان بن بجاد أسبق في الوصول لمخيّم الشريف الذي فرّ بعدما كاد.
ولتوضيح التّقسيم المذكور نقول: القسم الأوّل وهم العمريّة والصّملة: فَيَهجمون من الجهة اليمنى لاحتلال المرتفعات الواقعة شمال غرب مخيّم الشريف للهجوم على الكتيبتين الرابضتين هناك, ثمُّ يقطعون خطّ الرّجعة على الشريف وعلى جنده, ومن ثَمّ يكون الوصول لمخيم الشريف وقتله.
وأمّا القسم الثاني بقيادة خالد بن لؤي: فينطلقون إلى الجهة اليسرى عبر الوادي الذي يحدّ تربة من الشّرق, فيسير هذا القسم حتى يلتفّ على الجيوش النظامية من الخلف, ويدخل مركز القيادة ومخيّم الأمير عبد الله.
وأمّا القسم الثالث فبقيادة سلطان بن بجاد: فيتقدّمون مباشرة جهة الجنوب الغربي باتّجاه الجيش النّظامي المواجه للإخوان, وهو ما كانوا يُسمّونه بالمطرِح, وفيه القوّة الرئيسيّة لجيش الشّريف, وقِطع المدفعيّة والرشّاشات, وثِقَل الجيش المدرب, بقيادة الّلواء حلمي باشا.
ثمّ إنّ الشّريف قد وضع له حُبوراً وسَرَايا دون تربة, حتّى تعيق تقدم الإخوان.
وفي ثلث الليل الثّاني قام الإخوان من رقادهم كما قدّمنا آنفاً, إن كانوا قد ناموا أصلاً, واستعدّوا للّقاء الفاصل وهبّت رياح الجنّة فيما نرجو, ويُقال: إنّهم لحرصهم على التّبكير للمعركة ظنّوا الفجر قد ظهر فصلّوا, ثمّ تبيّن لهم أنّه الفجر الكاذب فانتظروا حتّى صلّوا الفجر بعد طلوع الصّادق . ويقال: إنّ الّذي قد صلّى بهم ابن بجاد, وقرأ سورتي الإخلاص في الرّكعتين؛ الكافرون في الأولى, والإخلاص في الثّانية . وقيل : بل صلّى الشّيخ ابن حسين, ومن جَمَال صوته أمّنت الكتائب الأخرى على قراءته الحمْد . ثمُّ: يا خيل الله اركبي (١٨).
صلّى الإخوان الصبح, ولمّا فرغ الشّيخ من صلاته قام سلطان بن بجاد فقال: يا شجاع الجِلْد, وهو حامل رايته, قال: نعم . فقال: لا تركُز البيرق_اللواء_ إلّا في وسط خيام جيشهم . وفعلاً تقدّم ولمّا وصل لخيام الأمير وقف وركز البيرق (١٩) وتتابعت عليه الخيل, لسنابكها وَهجٌ, ولهدّها رَهج, ولِصُدُورِها ضَبْحٌ, ولكرّها قَدْحٌ, قد ثار نقعها في البيداء وأرعد حمسها الأعداء.
نَمْشِيْ حُفَاةً عَلَىْ الرَّمْضَاءِ تَأْسُـرُنَا فِرْدَوْسُ رَبِّيْ فَلَا الدُّنْيَا تُدَانِيـهَا
نَسْعَىْ بِعَزْمٍ وَفِي الأَنْفَالِ شِـرْعَتَنَا يَا أَبْلَغُ الله أَجْـنَاداً أَمَـانِيـهَا
فساروا وأقبلوا على سهل تربة, وكان تعداد الأخوان من الخرمة قرابة الألف أو ينقصون قليلاً, ومن الغطغط ألف ومئتان تقريباً, ومن البقيّة قرابة الثّلاثة آلاف مقاتل, فصار مجموعهم خمسة آلاف, وأمامهم جيش كثيف مدرّب مسلّح, يفوقهم بثلاثة أضعاف على أقلّ التّقديرات, وستّة أضعاف على تقديرات أخرى .
وكان عن يمين جيش الإخوان وشمالهم رجلان على ناقتين صفراوين يُذَكِّرَانهم بأمر العلماء بِحُرمة قتل الضعفة, فيصرخان بقوّة: اسمعوا يا إخوان: إن المريض والطفل والمرأة والشيخ الكبير لا يُقتلون, ارفعوا عنهم البنادق, لا يقتل إلا رجل خائن, ومن كذبنا فليسأل الشيخ ابن عتيق. والآخرون بحالهم ومَقالهم: سَمْعَاً وطاعة.
ما نبي منك يا عبّاد الأصــنام كود تقرأ الكتاب وتتبع السنة
ومشوا ولأرض الحزم وئيدٌ, وتنزّلت عليهم السّكينة, وأحدهم يقول لصاحبه: كم من واحدٍ مِنّا غَداً في مثل هذه السّاعة ميّت | (٢٠) فالحرب سجال وعثراتها لا تُقَال, اللهم رحمتك ونصرك.
وقابلوا خيلاً للشّريف في شِعب "رِيحان" فكسروهم, ثمّ تقدموا لتربة وكان حامل لواء خالد في مغازيه فهد الهلقمي القحطاني, وهو أوّل من نزل هجرة خالد, وفي معركة تربة كثرت رايات الإخوان, وكلُّ قبيلةِ تحت رايتها أمّا القيادة العامّة فهي لخالد بن لؤي, ومستشاره الأعلى هو القائد سلطان بن بجاد, الّذي يكاد أن يكون هو القائد لكثرة أهل الغطغط في ذلك النهار, وأهلُ الغطغط هم أوّل من دخل قصر منيف في تربة . ويقال: إنّهم أَمَّنُوا مَنْ بداخله لمدّة ساعةٍ واحدةٍ لتسليم أنفسهم, وبعد السّاعة سَحَقُوا مَنْ وَجدوا سَحْقَاً, ويُقال: إنّ عدد من كان في الحصن "قصر منيف" قرابة الأربع مئة, وذكر الرّيحاني: أنّ مِمَّن كان في القصر عون بن هاشم الشريف, وكان وقتها صغيراً، وذكر عن نفسه: أنّه بقي بعد المعركة سنة كاملة وهو يرى الماء أحمراً لغزارة ما رأى من الدّم, وتعجّب مِنْ تَرْكِ الإخوان القتال وقت الصّلاة ودخولهم المسجد لأدائها, وذكر أنّ معه شاكر بن زيد, وأنهما هربا أثناء صلاة الإخوان الظهر.
وذهب آل عمر والصّملة مع الحرّة, وهجموا على الكتائب الأماميّة من جهة الحرّة. وكانت رَحَى المعركة من الصّبح حتّى الظّهر, وبعدها هَمَدَتِ الأَرواح . فهجم الإخوان قبل بزوغ شعاع شمس ذلك اليوم الّذي كان رصاصهم أسبق إلى أعناق أعدائهم منه, فهجموا هجوماً كاسحاً يسبقهم التكبير, غير مبالين بالمدافع الرّشّاشة الّتي حَصَدَتْهُمْ حَصْداً, وألقت أوائلهم على أواخرهم صرعى, لكن سلعة الله غالية, والله قد اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة, فكانوا لا يفرّون ولا يتراجعون, ولمّا رأى رُماةُ المدافع والرشّاشات هؤلاء الّذين كلّما عضّتهم النّيران ازداد إصرارهم وتفانيهم؛ همّوا بالهروب والانهزام, لكن أنّى لهم ذلك, ففي أرجلهم سلاسل الحديد قد قُيّدوا في مدافعهم, قيّدهم قائدهم البغداديّ الّلواء حِلْمِي باشا, ثمّ ثنى ركبته معهم وأخذ مدفعاً رشّاشاً بعد أن قيّد نفسه فيه, ثمّ ألقى بالمفاتيح بعيداً حتّى يريَهم شدة بأسه وتضحيته بنفسه معهم | (٢١) فوصلهم رجال التّوحيد, وحرّاس الملّة, وطلّاب الجنّة, فذبحوهم بالسّيوف الهندية, وألهبوهم بالرّماح السمهرية, والقَنَى المشرفيّة, حتىّ لم يبق منهم عين تطرف, ولا عرق ينبض, وكانوا كأمس الدابر, وليله الغابر | كأنما عنترة واقف يصف حالهم بقوله:
حكّمْ سيُوفَكَ في رقابِ العُذَّل واذا نزلتْ بدار ذلَّ فارحل
وإذا الجبانُ نهاكَ يوْمَ كريهة ٍ خوفاً عليكَ من ازدحام الجحفل
فاعْصِ مقالَتهُ ولا تَحْفلْ بها واقْدِمْ إذا حَقَّ اللِّقا في الأَوَّل
واختَرْ لِنَفْسِكَ منْزلاً تعْلو به أَوْ مُتْ كريماً تَحْتَ ظلِّ القَسْطَل
فالموتُ لا يُنْجيكَ منْ آفاتِـهِ حصنٌ ولو شيدتهُ بالجندل
موتُ الفتى في عزّةٍ خيرٌ له منْ أنْ يبيتَ أسير طرفٍ أكحل
ورميتُ مهري في العجاجِ فخاضهُ والنَّارُ تقْدحُ منْ شفار الأَنْصُل
خاضَ العجاجَ محجلاً حتى إذا شهدَ الوقعية َ عاد غير محجل
ولقد نكبت بني حريقة َ نكبة ً لما طعنتُ صميم قلب الأخيل
لا تسقني ماءَ الحياة ِ بذلةٍ بل فاسقني بالعزَّ كاس الحنظل
ثمّ هجم الإخوان من جهاتهم الثّلاث على جيش الشّريف, وذبحوهم مذبحة عظيمة جداً, وتحصّن باقي جيش الشريف الّذي لم يهرب في السّوق, واستصعب على الإخوان دخوله إلّا في اليوم الثّالث حين قطعوا عنهم الماء (٢٢).
وقد اشتهر عن الإخوان أنّهم في بدء أمرهم لا يأسرون ولا يمنعون (٢٣) ولعلّهم رأوا أنّ الدّولة الفتيّة النّاشئة إذا دخلت في حروب مع المشركين, فعليها أن لاّ تأسر ولا تقبل الفداء في مراحل الجهاد الأولى ( فشرّد بهم من خلفهم ) (الأنفال: 57) فالله تعالى قد عاتب نبيّه صلى الله عليه وسلم لمّا أخذ الفداء في أسرى بدر فقال تعالى: ( ما كان لنبيّ أن يكون له أسرى حتىّ يثخن في الأرض ) (الأنفال: 67) لذا فقد أكثرَ الإخوان القتل في عدوّهم وأثخنوهم إثخاناً, وصار قتلى الشريف أُلُوفاً, عِلماً بأن الإخوان قد أمّنوا عدوهم مرّتين, فمرةً في قصر منيف قبل اقتحامه, ومرّة في السّوق, لمّا استسلم من فيه واشترطوا الأمان فأمّنهم خالد وأطلقهم وكانوا أربعمئة كما أسلفنا, أمّا أربعمئة منيف فقُتلوا إذ لم يستسلموا, ولم يرع الشريف إلّا والإخوان قد وصلوا خيمته, وَأَحَدُ أهل الغطغط يكبّر ويهلل ويقول وقد وصل صيوانه ودخل خيامه: صبيّ التوحيد وأنا أخو من أطاع الله, فذُهل "البيه" وصُعِقَ | ثمّ بادر فرسه الّتي ساقها إليه شاكر فركبها عُرْياً, ولم يصل الطائف إلّا وقد حَفِيَت أفخاذه, ومعه ثلاثة عشر من قوّاده, ومنهم شاكر ابن عمه, قال محمد بن صعيبان السبيعي, وقد كان معه في هروبه, قبل أن يهديه الله للحق, ويعود للإخوان قال: لمّا ابتعدنا عن تربة وصرنا في مأمن من فتك كتائب الإخوان قال شاكر شامتاً: هاه يا عبد الله اليوم صارت شاكريّة | يُعيّرُهُ ويذكِّرُه بقوله حين ردّ عليه قوله: إنّ الإخوان لا يهربون ولا يدبرون ولا يردّهم شيء, فقال عبد الله حينها:وهل هي شاكريّة؟ أي لستُ مثلك حين هزموك في الحنو, فلمّا سمع عبد الله شماتة شاكر نهره وقال: ليس هذا بوقت الشّماته, ثمّ إنّه بكى واستعبر فسُئل عن ذلك فقال: أبكي أبناء النساء الذين أرسلتهم ولم أردهم لأهلهم | (٢٤) _يعنى القتلى من جنده_ ثمّ هرب بمن معه إلى الأُخيضر, وأرسل لوالده يخبره بالفاجعة, وكان معه في الأخيضر أربعمئة هجّان ومئة وخمسين خيّالاً . ثمّ ذهب عبد الله للطائف في يوم تالٍ, وكلّمَ والده هاتفيّاً فلمّا نهره وأغلظ عليه, قال له: هل تريدني أن أنتحر | فأمره بالعودة للأخيضر, فقال: كيف أعود وليس معي رجل واحد | . وَأَصْلُ المكالمة موجود في تقرير الوثائق البريطانية (٢٥) . وذكر التّقرير كذلك أنّ الضّبّاط السّبعة الّذين نجوا من القتل قد وصلوا للطائف بملابس النّوم | وقد حصر التّقرير أعداد جيش البيه بـ(800) من الجيش النّظامي, ومعهم نسبة كبيرة من المتطوّعين الأتراك من بقايا الحامية التركيّة في المدينة النبويّة, الّذين رافقوا عبد الله بعد دخوله للمدينة النبوية, واستسلامهم له, و(10,000) من البدو و(12) مدفعاً و(20) رشاشاً.
يَا رَاقِدَ الّليلِ مَسْـــرُوراً بِأَوّلِهِ إِنَّ الحَوَادِثَ قَدْ يَطْرُقْنَ أَسْحَاراً
أمّا في رسالة الإمام عبد العزيز للأمير سعود بن عبد العزيز الرّشيد الّتي يبشره فيها بالنّصر, والّتي كانت بتاريخ: (الأول من رمضان لعام: 1337) فكان فيها: ( أنّه كان مع جند الشريف (4000) تركي انضمّوا إليه من حامية المدينة, و (7000) رجل من الحجاز, مع (20) مدفعاً, و(40) رشّاشاً, ومؤن وعتاد يحملها على (10,000) بعير . بينما جماعة "إخواننا"لم يزد عددهم على (2000) ومن هؤلاء (500) لا سلاح لهم سوى السّيوف والسّكاكين ..... وبدأ الإخوان بتقدّمهم في منتصف الليل, وحين وصلوا الصّبح استعانوا بـ"لا إله إلّا الله" ضدّ الشريف ومدافعه, وهجموا عليه من الصّباح, ودامت المعركة النّهار كلّه واللّيلة التّالية, حتّى اندحر الشريف ورجاله .....وأرسلوا لي الأخبار السّارّة حين غادرت القنصليّة (٢٦) لتوّي وأنا الآن قرب الخُرْمَةِ في طريقي إلى تربة مصليّاً لله طالباً التّوفيق . وقد فقد الإخوان (150) رجلاً و (50) سربة ولا يعرف أحد منهم ) (٢٧) وفي مخطوطة العبيّد: أنّ جند الشريف كانوا (13000) والقتلى منهم: (9000) أمّا جيش الإخوان فكان ( 3500 ) وشهداءهم (350).
إذن فقد اختلفت تقديرات الشهداء والقتلى كما أسلفنا, فالشّهداء تراوحت روايات أعدادهم بين الخمسمئة والمئة وخمسين, وقُدِّرَ القتلى من جند الشريف بين الخمسة آلاف والخمسة عشر ألفاً, منهم مئة وثمانون من الأشراف, وقيل لم ينج من الجيش النّظامي للشريف سوى ثمانية عشر رجلاً منهم ستّةُ ضبّاط, والله أعلم, لكن المؤكد أنّ جثث القتلى في قصر رمادان قد ارتفعت حتىّ السّور الخارجي.
وقال العبيّد: وكان قد انتدب عشرة من الإخوان على قتل الشريف عبد الله البيه, وعلى رأسهم تركي بن شبيب بن حِجْنَة أمير النفعة من برقا, فتعاهدوا على قتله أو الموت دونه, فكبسوه في خيمته, ولم يكن بها غيره سوى شاكر وعبداً له يقال له: ريحان . فتقدّم شاكر مسرعاً بالفرس لعبد الله, وأركبه وخرجا من الباب الآخر للخيمة . وفي رواية أخرى أنّ العبد شقّ الخيمة لسيّده, فلمّا وصل الإخوان فراشه لم يدركوا سوى العبد فذبحوه(٢٨). وقال: عايض بن مهرس وهو من رؤساء الشّلاوا: كنت فيمن فرّ مع الشريف عبدالله وابن عمه شاكر بن زيد, وكان معي أربعة من أصحابي مع الشّريف, ثمّ أدركَنَا آخرون من جماعتي فانهزمنا جميعاً حتّى مسّنا الظُّهر, فنزلنا في ظلّ شجرة, فاتّكأ البيه عليها وقال: يا أصحاب هل معكم زاد؟ فقلت: نعم . فقُمت إلى جراب معي فيه تمر وإقط, وفرشت له جاعداً فوضعته فيه, ثمّ صَببت عليه السّمن من عُكّةٍ كانت معي, فقدّمته للأمير ومن معه, فأكل ثمّ زَفَرَ من صدره زفرةً, وقال: قاتل الله الدنيا, ومن يغترّ بها | بالأمس كان يأكل في كفايتنا ثلاثة عشر ألف, واليوم نحتاج لزاد بدوي | )(٢٩).
فَنَفْسَـكَ لمُ ْوَلَا تَلُمِ المَطَايَا وَمُتْ كَمَداً فَلَيْسَ لَكَ اعْتِذَارُ
وتعاهد مجموعة من الإخوان أهل الخرمة على قتل الباشا قائد الجيش النظامي وهو اللّواء محمّد محمود حلمي وأصله عراقي, وكان قد قيّد نفسه بالسّلاسل في مدفعه الرشّاش, ورمى المفتاح بعدما قيّد جنوده وراءه, وكان أمامه جديّر صغير يتَّقي به, فأقبلت عليه المجموعةُ بكلِّ بسالة وقوّة فَسَحَقَ مقدّمتَها بمدفعه, وهو يهوشهم بمدفعه هَوْشَاً مروّعاً, لكنّ الله عقره بأن أَوْصَلَ منهم ستة؛ وهم هذال بن رشدان, وقطيم بن ختّام, وحمود العماني, ومطلق بن عليان, وعبدالهادي الطاحون, ولبيّد, فأوّل من وصله محمد العماني فأطار الباشا ذراعه بمدفعه من مقطع الكوع فسقط على ظهره, ثمّ أسرع قطيم إليه لكن رصاصة المدفع سبقته فرمته بعيداً, ثمّ ألحق به عبدالهادي برصاصة على فخذه, ثمّ أرخى المدفع على قدم هذّال فَعَقَرَهُ, ولم يبق منهم من يطيق القتال سوى مطلق بن عليان الّذي قفز عليه من أعلى الجدار, فَعَدَلَ الباشا رشّاشه عليه فأطارت رصاصاته عمامته, ونجّاه الله ثمّ قفز عليه بالنّمشة (٣٠) فأطار رأس الباشا صائحاً: صبيّ التوحيد وأنا أخو من أطاع الله .
كأنّما عناهما عنترة:
ومدجّج كره الكماة نزاله لا ممعنٍ هرباً ولا مستسـلم
جادت يداي له بعاجل طعنة بمثقّف صَدْقِ الكُعُوب مقوَّمِ
برحيبة الفرْغين يَهدي جرسُها بالّليل معتسَّ الذّئاب الضرّم
فشككت بالرمح الأصم ثيابه ليس الكريم على القنا بمحرّم
فتركته جـزر السباع ينشنه ما بين قلّة رأسـه والمعصم
لمّا رآني قـد نزلـت أريده أبدى نواجـذه لغير تبسّم
فطعـنته بالرمح ثم علوته بمهنّد صافي الحديدة مِخْذَم
عهدي به مدّ النهار كأنما خُضب البنان ورأسه بالعِظلم
ثمّ أخذ حزامه واحتزم به, وأخذ شرشوره (٣١) وعلّقَهُ على كاهله, وأخذ بندقيته أمّ ركبة (٣٢) وبعد المعركة عاد مطلق بن عليان حاملاً الكثير من البنادق ممّن قتلهم, فسأله الشّيخ ابن حسين: من يشهد لك بقتلك أصحابها؟ فقال: تشهد لي يميني, ثمّ إنّه قد أتى من الإخوان من شهد له ببعضها فأخذها رحمه الله.
سلي الرماح العوالي عن معاليناواستشهدي البيض هل خاب الرجا فينا؟
لماّ سعينا فما رقّت عزائمناعمّا نروم ولا خابت مساعينا
وللدماء على أثوابنا علقبنشره عن عبير المسك يغنينا
بيض صنائعنا سود وقائعناخضر مرابعنا حمر مواضينا
نغشى الخطوب بأيدينا فندفعهاوإن دهتنا دفعناها بأيدينا
وفرّ العسكر, ومن لم يفرّ أكلته سيوف الأخوان ورصاصهم . ولمّا تكلّم قوّاد الشّريف معه قبل اللقاء وحذّروه تلك الليلة من هجوم الإخوان وبياتهم قال: لا عليكم, الإخوان ليسوا بشيء ولن يأتوا, فما طلع الشّفق إلّا وسيوف الموحّدين تلمع ظمآنة لدماء الباطل وأهله, كما قال ابن كلثوم في معلقته:
قريناكم فعجّلنا قِراكم قبيل الصبح مرداة طحونا
نطاعن ما تراخى الناس عنا ونضرب بالسيوف إذا غشينا
بسمر من قنا الخطّيّ لُدْنٌ ذوابل أو ببيض يختلينا
نجذّ رؤوسهم في غير برّ فما يدرون ماذا يتّقونا
بشبّان يرون القتل مجداً وشيب في الحروب مجربينا
ولمّا أصبح الإخوان أخرجوا الجنائز الكثيرة من قصر رمادان, وذلك أنّ الجند الأحياء دخلوا تحت جثث الأموات, حتّى وصلت الجنائز للسُقُف كما يُروى, فصار الإخوان يسحبون الجثث, ومن وجدوه تحتها ألحقوه بها.
استُشهد من بني عمر في تربة خمسة وأربعون رجلاً, على رأسهم أميرهم جبر بن عبيدان السبيعي, وقيل إنه استشهد في معركة الخرائق.
واستُشهد عبد الله بن حامد, الّذي كان يقول: الّلهم اجعل قتلنا مقبلين غير مدبرين؛ فأصابته الرّصاصة مع نحره رحمه الله . كما قيل:
وَلَسْنَا عَلَى الأَعْقَابِ تدْمَى كُلُومنا وَلكِـنْ عَلَى أَقْدَامِنَا يَقْـطُرُ الدَّمُ
وقتل من التّرك الكثير, منهم قائدهم اللّواء حلمي باشا, وهو الّذي حذّره غازي الحارث من هجوم الإخوان ليلاً فلم يعبأ به, وقتل معه سعيد جودة .
وقال رجل من إحدى القبائل: كنّا تسعمئة جندي من آل فلان مع الشريف ولم يبق منا بعد تربة غير تسعة والبقيّة قتلوا .
وكان رجال من إحدى القبائل ينشدون:
نحماك ياساحق الريحان من فصاع المديّنة
يالابتي يا بني ( فلان ) جانا من الشرق غيّره
وَكَذَبَ فالإخوان قد بلغوا في العفاف الذّروة رحمهم الله, بل لم يكونوا يسبون الحريم, بل ولا يُلحقون بهن أذىً إنّما بطشهم في المقاتلة من الرجال, الّذين رأى الإخوان أنّهم قد أرتدّوا عن الإسلام وخرجوا من الملّة, بحرب التّوحيد وأهله, ونقض لا إله
المراجع
ملتقى أهل الحديث
التصانيف
تاريخ
login |