مؤلف هذا الكتاب هو الباحث دافيز أ. يونغ المختص بالشؤون اللاهوتية وقضايا الإصلاح الديني في أوروبا. وهو يتناول في هذا الكتاب شخصية أحد كبار المصلحين الذين أثروا على القارة الأوروبية في القرن السادس عشر وهزوها هزا. إنه المصلح الفرنسي جون كالفن الذي يعتبر بمثابة المصلح الثاني بعد الألماني مارتن لوثر. فمن هو جان كالفن هذا يا ترى؟عن هذا السؤال يجيب المؤلف قائلا: لقد ولد جون كالفن عام 1509 في مدينة نويون بشمال فرنسا.
وقد نشأ وترعرع في هذه المدينة المشهورة بتدينها وطبقتها الاكليروسية المسيحية. وكان والده مسؤولا عن الشؤون الدينية. ولذلك استطاع ابنه أن يتم دراساته دون مشكلة على عكس أبناء الشعب الآخرين. ومعلوم أن فرنسا كانت مقسومة آنذاك إلى ثلاث طبقات: طبقة النبلاء والعائلات الارستقراطية، وطبقة الاكليروس المسيحي أو رجال الدين، وطبقة عموم الشعب. ووحدها الطبقة الأولى كانت مسيطرة على الجميع ولكن بمعونة الطبقة الثانية.
ثم سافر جون كالفن إلى باريس في مقتبل عمره لإكمال دراساته في العاصمة. والواقع أنه رافق أبناء العائلات الأرستقراطية، واستفاد من صحبتهم لكي يستطيع أن يكمل شهاداته العلمية. ولكن المدارس أو حتى الجامعات كانت كلها دينية في ذلك الوقت وتسيطر عليها الكنيسة المسيحية.
وكانت فرنسا لم تخرج بعد من مرحلة القرون الوسطى. ومعلوم أن الأديب الشهير رابليه طالما تهكّم بالأديرة المسيحية والمدارس الكهنوتية المرتبطة بها. وكان يعتبرها مدارس متخلفة تفرّخ التعصب والجهل ليس إلا.
وقد تهكم بها أيضا المفكّر الكبير الآخر: ايراسموس الذي كان يعتبر بمثابة أمير عصر النهضة. فالواقع أن النهضة كانت قد ابتدأت ووصلت أصداؤها إلى فرنسا. ولكن دون أن يعني ذلك أن فرنسا قد خرجت بعد من ظلمات العصور الوسطى. فهذا من يتحقق إلا بعد زمن طويل.
ثم يردف المؤلف قائلا: لقد اطلع الشاب جون كالفن على أفكار النهضويين المتحررة من عقائد اللاهوت المسيحي إلى حد ما. كما اطلع على أفكار المصلح الديني الكبير مارتن لوثر وأعجب بها. وكل ذلك سوف يدفعه لأن ينخرط لاحقا في خط الإصلاح الديني ويعلن الخروج على روما والفاتيكان كما فعل لوثر من قبل.
ولكن قبل أن يحصل ذلك كان عليه أن يكمل دراساته الجامعية، ولهذا الغرض نقله والده من باريس إلى مدينتين في الأقاليم هما: أورليان وبورج حيث استحدثت جامعتان كبيرتان لامعتان. وهناك أكمل دراسة الحقوق وتعرف على شخص سيكون له تأثير كبير على شخصيته هو: ميليشيور ولمار.
وأصله ألماني وكان مطلعا على أفكار لوثر الإصلاحية التي ابتدأت تدخل إلى فرنسا سرا تحت المعطف كما يقال، وهو الذي عرّفه على هذه الأفكار الجديدة ودفعه باتجاه العقلانية الدينية والخروج على الأفكار القديمة المتحنطة أو المتكلّسة للقرون الوسطى.
ثم يضيف المؤلف قائلا: وبعد موت والده عام 1531 شعر جون كالفن بالتحرر من الوصاية الضاغطة عليه. والواقع أنه كان قد انخرط في دراسة الحقوق غصبا عنه ولإرضاء والده فقط. وأما الآن فأصبح حرا في أن يدرس ما يشاء أو ما يرغب. وكان يرغب بالآداب الجميلة ويحبها. كما كان في البداية معجبا بأمير الآداب اليونانية والرومانية القديمة إيراسموس أكثر مما كان معجبا بأمير الإصلاح الديني لوثر.
ولكنه فشل في تحقيق نجاح كبير في مجال الآداب. فاتجه عندئذ نحو الدراسات الدينية أو اللاهوتية. ثم مرّ بعدئذ بأزمة روحية كبقية المصلحين والمفكرين الكبار. وقد انحلّت على ما يبدو عام 1533 عندما وجد طريقه الذي يبحث عنه. وشعر عندئذ بالارتياح وحمد الله على هذه النعمة: نعمة التخلص من العقائد القديمة الخاطئة للكنيسة، والتوصل إلى إيمان جديد وعقائد جديدة.ثم حصلت بعدئذ حادثة أدت بكالفن إلى إعلان القطيعة مع الكنيسة الكاثوليكية والهرب من فرنسا فقد كتب خطابا مليئا بالعقائد الجديد لإيراسموس ولوثر وأعطاه لرئيس جامعة السوربون لكي يقرأه أمام حشد من علماء الدين والأساتذة وعلية القوم.
وعندئذ أصدرت السلطات العليا في الكنيسة فتوى بإدانته مع رئيس الجامعة بل وتكفيره. فاضطر للهرب أولا إلى مدينة فرنسية أخرى حيث اختبأ عنه أحد أصدقائه. وفي مدينة انغوليم وجد مكتبة ضخمة فغرق في القراءات والمطالعات التي أدت في نهاية المطاف إلى تأليف أول كتاب هام وشهير له هو: المؤسسة المسيحية،أو بالأحرى: تأسيس الدين المسيحي. وهو كتاب يحتوي على أفكار إصلاحية وتجديدية مضادة لمعتقدات الكنيسة الأكثر رسوخا. إنه كتاب منفتح على الفلسفة الإنسانية لعصر النهضة وعلى التفسير الجديد للدين المسيحي
.ولكن كالفن لم يكتف بتأليف هذا الكتاب فقط، وإنما راح يشكل أولى حلقات الدعوة المضادة لما هو سائد وكانت مشكّلة من الأتباع الأوائل والأنصار المتحمسين للخروج من الانسداد الفكري الخانق لرجال الدين التقليديين. ثم راحوا يظهرون أفكارهم علنيا عن طريق ملصقات يضعونها على جدران باريس أو سواها.
وعندئذ غضب الملك فرانسوا الأول غضبا شديدا وأمر بملاحقة الهراطقة. ونصبت محاكم التفتيش وأشعلت المحرقة. وكان أول ضحاياها تاجر غني من أصدقاء جان كالفن الخلّص. ولكن هذا الاضطهاد لم يقض على حركة الإصلاح الديني التي دشنها كالفن في فرنسا، على العكس، لقد زادها اشتعالا.
والدليل على ذلك أن عدد أتباعه أخذ يتزايد بدلا من أن يتناقص. ولكنه اضطر إلى الفرار من فرنسا والذهاب إلى مدينة ستراسبورغ. وفي أثناء الطريق عرّج على جنيف معتقدا أنها ستكون محطة استراحة لليلة واحدة. فإذا بها تصبح عاصمة الإصلاح الديني البروتستانتي.
ومعلوم أن جنيف هي المقابل لروما بالنسبة لأتباع كالفن فكما أن روما هي عاصمة الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، فإن جنيف هي عاصمة كالفن والكنيسة البروتستانتية. وبين الكنيستين أو المذهبين الكبيرين للمسيحية الأوروبية سوف تدور حرب داحس والغبراء، وسوف تستمر هذه الحروب المذهبية مدة قرنين أو ثلاثة، وسوف تكلف ملايين الضحايا الذين سقطوا في المجازر الطائفية أو الحروب الأهلية والمذهبية.
ثم يختتم المؤلف كلامه قائلا: حقا لقد كان جون كالفن شخصا عظيما، ولولاه لما انتصر الإصلاح الديني في أوروبا. لا ريب في أن لوثر كان أعظم منه وأقوى شخصية. ثم إنه كان هو البادئ وهو الذي دشّن حركة الإصلاح اللاهوتي لأول مرة. ولكن كالفن سار على خطاه وأكمل المسيرة ورسخ دعائم المذهب البروتستانتي الوليد. واليوم عندما نقول مدية كالفن فإن الناس يفهمون فورا أنها مدينة جنيف.
المراجع
albayan.ae
التصانيف
تصنيف :كتب العلوم الاجتماعية