| تناولَتْ من أُمها قنينةََََََ الدواءْ
|
| وقبّلتْ جبينها الذاوي
|
| وسوَّتْ حولها الغطاءْ
|
| وقبلَ أن تنْدسَّ في فراشها الباردْ
|
| تغلغلت رطوبة ُ الحجرة في عظامِها
|
| فالتصقتْ بالموقد الهامدْ
|
| وأرسلتْ عبر الزجاج نظرةًًً حزينه:
|
| كان دويّ ُ مَِرحٌ يُسمعُ في المدينه
|
| وأسهمٌ نارية ٌ تصعد في الفضاءْ
|
| مُطِلقةًَ في زرقة الليل ِ
|
نوافيرَ من الضياءْ |
| |
| وفي الزقاق ِ أوقفتْ مركبة ٌ هدبرَها ..
|
| ثم تعالى لََغَط ٌ خفيفْ
|
| وضاعَ في الجوارْ ...
|
فأيقنت أن البيوتَ حولها تستقبلُ الزّوّارْ |
| |
| وفجأةً أحست الصمت ثقيِلاً
|
| وسََرَتْ في جسمها النحيفْ
|
| رعدةُ خوفٍ ،
|
| وبدا كأنّما الدنيا بما فيها من البهجة والأعيادْ
|
| قد رحلتْ وخلّفتْها
|
في عَراءٍ باردٍ ، مخيف |
| |
| وفكرّت وهي تُديرُ إصبعاًً مقرورةً
|
| في كومة الرمادْ :
|
"هاهي قد حَلَّتْ أخِيراً ليلة ُ الميلادْ |
| |
| " فهل سيأتي هذه المرّةَ في الموعدْ
|
" وكيسُه ملآن ُ بالأثواب والُلعَبْ ؟| ...
| |
| "لكنني أخاف أن يغلبني النعاسُ والتَعَبْ
|
"والبردُ يشتدّ ُ ...ولا أحطابَ للموقدْ |
| |
| " لم أعرف الراحة َ منذ الفجر ِ...
|
| "أصلحت ُ لأُمّي ثوبها العتيقْ ..
|
| "جففتُ عنها عَرق الحمَّى
|
| "واعددتُ لها الطعامْ..
|
"مسكينةٌ أُمّي |
| |
محاها الداءُ محواً ، لم يَََدع منها سوى العِظامْ |
| |
| قالت بهمسٍ ، واعتراها شَجَنٌ عميقْ
|
| وأفلتتْ من جفنها عَبْره :
|
"لا ! لا أريد لُعبة ً منه ولا رِداءْ |
| |
| "سأرتمي ضارعةً أمامهُ ..
|
"لعلّه يمنحها الشِفاءْ |
| |
"لكنْ ...أآتٍ هو حقاً هذه المرهْ ؟|
| |
| " أم سيديرُ وجهه عن بابِنا ،
|
"مثل َ جميع الناس ؟|
| |
"لا ، هو لن يفعل هذا | ...
| |
| "كيف ينسى طفلة ً مجروحة الإحساس ْ
|
"ترقب أن يجىء منذ عامْ؟|
| |
"لكنني يملؤني الخوف من النعاسْ |
| |
| "ماذا يقولُ لو رآى منزلنا يسوده الظلامْ ،
|
"موقده منطفىءٌ وأهلُهُ نيامْ ؟|
| |
| "ألن يعودَ غاضباً ؟..."
|
| ....والتمعت ْ في ذهنها فكره ْ :
|
| "قد تستميل قلبه رسالة ٌ
|
| "أتركها بجانب الشّباكْ
|
| "لعله يلمحها هناك ْ
|
"إذا أجال َ طرفهُ في هذه الحجرهْ | "
| |
|
| رأته في منامها يجىءُ
|
في زحّافةٍ تجرّها الوعولْ|
| |
| كان كما يظهرُ في الصَُوَرْ
|
| بلحيةٍ كالقطن في بياضِها
|
وطلعةٍ زهراءَ كالقَمرْ |
| |
| وثم ذرّاتٌ من الثلج على مِعطفِه المبلولْ.
|
| ربَّتَ في لُطفٍ على مفرِقهِا وخدّها الشاحبْ
|
| وقال : " لا تبتئسي ، يا طفلتي ،
|
| "ما أنا بالغاضبْ .
|
| "أعرف عنك كلّ شيء ، كلَّ احزانِكْ .
|
| "وكل ما تَلقيْنَ من إذلال ْ
|
| "وأنتِ ترتجفين برداً بين أقرانكْ
|
"بالجورب المثقوب والأسمال ْ|
| |
| " أدري بما كابدت ِ في يومك من نصبْ
|
"لتدرئي عن أمّك البائسة العناءْ |
| |
| " لا تحزني ،بنيّتي ..أٌمُك أحضرتُ لها الدواءْ
|
"وهذه كلّ هداياك ِ، هنا ، في هذه العُلَبْ |
| |
| في العلبة الأولى رأت ْ
|
| خُفَّينِ ناعمين مشغولينِ بالفراءْ
|
| وفوجئت في العلبة الأخرى
|
| بمعطف ٍ رأته من خلف الزجاجِ مرةً
|
| يسبح في الأضواءْ
|
في أحد المخازن ِ الكبرى |
| |
| وابتسم الشيخ الودودُ قائلاً ينبرةٍ عذْبَه:
|
| "وهذه العُلبه
|
| " تضمُ، يا صغيرتي ، الحلوى التي يحبّها الأطفالْ
|
"أدري ...لقد كتمتِ عني هذه الرغبه |
| |
"أكنتِ تخشينَ من الإلحاح في السؤالْ ؟|
| |
| ولم تجد عبارة ً تقولها فقبّلت يَدَيهْ
|
| واجهشت باكيةً فضمّها برقّةٍ إليه ْ
|
| وعندما غادرها بكتْ من السعاده...
|
بكت إلى أن غرِقتْ بدمعها الوساده |
| |
|
| في غَبَشِ الفجر استبدتْ نوبةُُ السُعالْ
|
| بأمّها فانتفضتْ مذعورةً ،
|
| وفجأةً تذكّرتْ قنينة الدواء والهدايا
|
| فالتفتت ملهوفةً تبحث في الزوايا ...
|
| لكنها لم ترَ في العَتْمةِ من شيءٍ
|
سوى الحطامِ والأسمالْ |
| |
| وأطلقتْ شهقة َ حزن ٍ ،
|
| ومضت ترنو بلا حَراكْ
|
حين رأتْ وريقةًَ مطوية ً بجانب الشبّاكْ |
| |
| __________
|
| بغداد 1986 |