محمد مسعاد من برلين: quot;بلا طبيعي أن أخاف، وإذا أردت أن تعرفي بالضبط يرافقني الخوف كل يومquot;. لم يكن هذا سوى جواب الكاتب والناشر التركي من أصول أرمينية هرانت دينك، على سؤال طرح عليه في حوار كانتأجرته معه مجلة الشتيرن الألمانية خمسة أيام قبل مقتله على يد متطرف تركي يميني. هذا هو قدر عدد كبير من الكتاب والمبدعين في العالم. قدرهم أن يعيشوا خائفين تترصدهم رصاصة جبانة أو مقصلة. كتاب يعيشون الفزع فقط لأنهم يحاولون التفرغ لذواتهم، يقفزون في لحظة انتشاء القلم على قواعد المجتمع وأفكارهم التي أحيانا تكون لهم بالمرصاد، في حوار لي سابق مع وزير الثقافة المغربي السابق الشاعر والكاتب والسجين السياسي أيضا محمد الأشعري بمناسبة اليوم العالمي للكاتب السجين، حول سؤال لماذا يسجن الكاتب فكان جواب الوزير الشاعر quot;لأنه يحاول أن يدبر المستحيل على عكس السياسي الذي يدبر الممكنquot;. يشكل الخامس عشر من نوفمبر من كل سنة مناسبة ليقف فيها أصحاب القلم والأفكار والصحفيين والكتاب ليتأملوا وضعهم كحملة لقلم يعيش دائما تحت فزاعة الموت الذي يلاحقه كالقدر أو في أحسن الأحول يكون السجن تلك المعادلة الأخرى التي تنتظره، غرفة بئيسة باردة، ليسكن الكاتب إلى نفسه يحاورها ويتأمل هذا العالم الذي لم يستطع أن يمنحه فسحة ولو ضيقة ليرى الكرة الأرضية من زاوية أخرى مخالفة للسواد الأعظم.

يرميه السجان إلى غرفة قد تكون انفرادية أيضا معتقدا أنه خلص العالم من شيطان الكتابة. أما نحن الذين نسمع عن عذابات هذا الكاتب أو تلك الكاتبة هنا أو هناك دون أن تكون لنا حتى الجرأة لطرح التساؤل، أين تذهب القصائد والحكايات التي يحمله الكاتب السجين في رأسه؟ مرة تساءلت الشاعرة جاكلين سلام مع نفسها في إحدى الندوات التي شاركت فيها كان قد أحياها نادي القلم الكندي فقالت: quot;أين تذهب القصائد والحكايات التي يحملها في رأسه الكاتب السجين حين يحرمونه من أدوات الكتابة والقراءة، ويسلمونه أمانة في يد الجلاد وأدوات التعذيب الحديثة والبربرية وهل تتشابه معاناة السجناء وقصائدهم وسيرهم الذاتية في شرق الأرض ومغاربها، كما تتشابه ملفات الحكومات الدكتاتورية وممارساتها؟ هنا أقتطف بعض الشواهد التي تشير إلى وجع الكاتب وتكشف خوف الطاغية من مجد الكلمة ومبدعيها. يقول الكاتب النيجيري laquo;ول سوينكاraquo; الحائز على جائزة نوبل في أحد حواراته عام 1998 بعد سنوات على إطلاق سراحه: laquo;كنتُ في الزنزانة الإنفرادية لمدة سنة وعشرة أشهر، من مجمل الفترة التي تجاوزت مدتها سنتان. أدركت حقيقة أن هذه محاولة لتحطيم عقلي، منعت عني الكتب، وكل وسائل الكتابة، وحرصت على أنواع التواصل الإنسانيraquo;. لعلنا ندرك ذلك إذا تصفحنا مذكرات أي سجين(ة) تظيف الشاعرة جاكلين قائلة quot;وفي موقع وزمان آخر يقول الشاعر السوري فرج بيرقدار في حوار نشر في مجلة laquo;نزوىraquo; العدد 31، وهو الحائز على جائزة القلم الدولية عام 2004: laquo;لم يكن مضى على اعتقالي كثيراً حتى بدأت اكتشف الشعر بوصفه ومضاً في مواجهة العتمة، وعدالة في مواجهة الظلم، وحباً في مواجهة الكراهية والطغيان... وبدأت الكتابة على الذاكرة، إذ لم يكن هناك أوراق وأقلام. ولكن بعد سنوات، أحالونا إلى سجن صيدنايا وهناك استطعت إفراغ ذاكرتي وذاكرة الأصدقاء من قصائد...

لاحقاً عرفتُ من الصديق المرحوم جميل حتمل، وبالتعاون مع آخرين انهم استطاعوا الحصول على دفعة أولى ونشروها بعد عدة سنوات من وصولها إليهمraquo;. هذه باختصار معانات الكاتب أو الكاتبة مع زمنها وقدرها، لكن يبقى السؤال الشرعي، وهل ينجح الجلاد أو السجين في طمس الحقيقة، حقيقة الكلمة التي تصبح شهادة تفضح هشاشة هذا العالم الذي لا يقوى أمام كلمة أو حروف هي هيروغليفية الزمن الآتي.
قد ينجحون في تغييب الجسد، قد ينجحون في تشويه عقل الكلمة كما هو شأن الكاتب الصيني يو دونغ يو الذي حكم عليه بالسجن لمدة سبع عشرة سنة، وأصيب بالجنون من جراء التعذيب، لكونه شوّه جدارية ماوتسي تونغ التي تنتصب في ساحة تيان مين الشهيرة. حكايات كثيرة وأمثلة لا تعد ولا تحصى لكتاب ضاقت بهم الأرض ولم تتحمل شساعة أفكارهم.

كتاب يعيشون القلق والخوف اليومي تحت رحمة القناعات الكسولة التي لا تكون مستعدة لنفض الغبار عنها وترك كوة صغيرة لهذا الكاتب أو ذاك. أحيانا كثيرة يصاب المرء منا بهستيريا الضحك حين يتناهى إلى علمه صك اتهام هذا الكاتب أو ذاك: فدولما كياب البالغ من العمر 31 سنة، سجن فقط لأنه كتب كتابا عن التبيت وتاريخهم و ديانتهم، نفس المصير لقيه زميله الشاعر فين ريشن سانغبو البالغ من العمر 30 سنة، الذي سجن وعذب بل لقح بعقار على مستوى الفخذ، أجبره على المكوث على السرير أسابيع عديدة، وحتى بعد الافراج عنه بسبب الضغوطات الدولية القوية أختبأ لمدة طويلة في الجبال خوفا من الاعتقال مجددا. أما الكاتب والناشر الكوبي ريكاردو غونساليس ألفونسو فحكم بعشرين سنة لا لشيئ سوى لأنه أسس مدرسة للصحفيين المستقلين وأصدر مجلة أدبية تحت اسم quot;دي كوباquot;.

ولم يكن مصير الكاتب الروسي فلاديمير خوكونوف أحسن حال من زملائه في باقي المعمور والذي تعرض للاعتقال مباشرة بعض حصوله على جائزة أدري زاخاروف نظرا لمجهوداته في لنتعريف بوضعية حقوق لانسان في روسيا. وقضى أكثر من خمسة شهور معتقلا دون محاكمة. ومؤخرا حصل على العضوية الشرفية لنادي القلم الألماني منذ مايو الأخير صحبة الكاتب الكوبي والكاتبان دولما كياب وفين ريشن سانغو. وهنا لا بد من الاشارة للمجهودات الكبيرة التي يبذلها نادي القلم الدولي للتعريف بمأساة الكتاب في أرجاء المعمور حيث نشر مؤخرا تقريره السنوي الذي يطلب من خلاله الافراج عن سجناء الرأي والكلمة في كل أنحاء العالم، مشيرا إلى وجود أكثر من 700 كاتب وصحفي في سجون العالم إلى غاية النصف الأول من السنة الحالية كما هو مبين في الجدول الحالي.


المراجع

alawan.org

التصانيف

فنون  أدب   الآداب  مجتمع