تحقيق: اشراقة النور - زهرة الخليج تظل العنوسة واحدة من اكثر المشكلات التي تؤرق البيوت، وعلى الرغم من ان الفتاة في مجتمعنا قد خرجت الى العلم والعمل، ويعتقد كثيرون ان ذلك منحها فرصة اوسع لاختيار شريك العمر، الا ان الارقام والاحصاءات الواردة من مختلف انحاء الوطن العربي في هذا الشأن لا تبدو مطمئنة. وبغض النظر عن الظروف والعوامل المتشابكة خلف هذه الظاهرة فان بعض الفتيات يحلن الاهل مسؤولية تأخرهن في الزواج بسبب مغالاتهم في طلباتهم من مهر وتكاليف زفاف وخلافه، او بسبب اصرارهم على ان يكون العريس من عائلة بعينها، او \"طمعاً\" في راتب البنت، اذا كانت تعمل ما يجعلهم \"يطفشون\" العرسان ويقفلون الباب وجوههم.
فكيف يمكن ان يكون الاهل الذين لا هم الا سعادتنا، سبباً في تعاستنا؟ حصة تبلغ من العمر 37 عاماً جامعية لا تعمل تتمتع بالجمال، وتحمل لقب \"عانس\" تقول ان والدها ارتكب جرماً عظيماً في حقها، على الرغم من انها وحيدته وذلك عندما رفض اول عريس تقدم اليها، وكان يمثل فتى احلامها واحلام كل الفتيات من حولها، لما كان يتمتع به من وسامة وادب، كما كان من اسرة ميسورة الحال، حدث ذلك منذ اكثر من اثنى عشر عاماً، وجاء رفض والدها بحجة غريبة جداً، وهي ان جده كان قد تورط منذ قرابة النصف قرن، في خلافات مالية مع جدها، بحكم مركزيهما كتاجرين في السوق، تتذكر حصة هذا الموقف: \"حلف والدي بانه لن يضع يده في يد حفيد من ناصب اباه العداء، وزاحمه في رزقه وقوت ابنائه\"، وقال: \"لن اصاهره ونجوم السماء اقرب اليه من هذا الامر\". تغمض حصة عينيها قبل ان تتابع: \"خرج العريس يومها وهو مكسور الخاطر، سائلاً أي ذنب اخذ، وسمعت انه تزوج بعد وقت قصير وابنه البكر الان على اعتاب المرحلة الثانوية\". تحكي حصة كيف رفض والدها بعد ذلك عريسين تقدما الى خطبتها، لا عيب فيهما، ولاسباب واهية ايضاً، ومنذ ذلك الحين لم يعد يتقدم لها أي عريس، بعدما عمت الحي سمعة والدها في رفض العرسان، فلم يكن احد يريد ان يعرض نفسه للحرج، وتضيف: \"اصبحت الان كالتحفة الانيقة داخل البيت، امضي وقتي في التشاجر مع الخدم، \"والريموت كونترول\" لا يفارق يدي، وليس لدي أي امل في الحياة، ولا يزال والدي يصر على انني \"سيدة نساء العالم\" وان الذي يستاهلني سوف يأتي قريباً\". -bbbb- شروط تعجيزية اما فوزية ذات الاربعين عاماً، وشقيقاتها الثلاث اللوتي يصغرنها بقليل، فهن يتميات الوالد وموظفات في مواقع مرموقة حظهن ليس باوفر من حظ حصة، هذه المرة الام هي السبب اذ اخذت بعد وفاة الوالد، تتحكم في كل شيء يتعلق بمستقبلهن، فوضعت شروطاً تعجيزية لمن يرغب في الزواج منهن: \"ظلت امي ترفض كل عريس يتقدم الي وشقيقاتي، منذ اكثر من عشرين عاماً بحجج مختلفة: هذا قصير وذلك فقير هذا خالته قبيحة وذاك جدته ثرثارة، أي والله كانت الحجج مضحكة، ولم نكن ندري تماما ما تريده امنا في عريس المستقبل، الى ان سرقنا العمر\". تتابع: \" كانت تقول لشقيقاتي، انه اذا لم تتزوج اختكن الكبرى، فلا تفكرن في الزواج ابداً حتى كرهنني وحملنني مسؤولية عنوستهن قبل ان يحملنها امي\". تمارس فوزية الان وشقيقاتها عقاباً جماعياً لوالدتهن فقد انطوين على انفسهن ولم يعدن يختلطن باي مجتمع اضافة الى عدم اهتمامهن بانفسهن كفتيات يرغبن في الزواج: \"اثنتان من شقيقاتي زهدتا في الحياة، واصبحتا من مرتادات المساجد وحلقات الذكر، اما الثالثة فاقتنت كلباً بات كل عالمها\". وعنها تؤكد فوزية ان هوايتها الوحيدة اصبحت الجلوس امام امها، وكشف رأسها المملوء بالشيب، ما يدخل الاخيرة في حال هستيرية، صارخة: \"اصبغي هذا الشعر اصبغيه او لا تريني اياه مرة اخرى\"، فترد عليها فوزية: \"وهل يصلح العطار ما افسده الدهر؟ احصدي ما زرعته خمس نساء البيت كالوقف، لا رجل يسندهن ولا ضجة اطفال تؤنس وحشة البيت\". -bbbb- الجانية \"عريس من الخيطان ولا يعدوني من العزبان\" شعار ترفعه موزة حالياً ولكن بعدما مضى بها العمر، وخط الشيب شعرها، قائلة: \"جنت امي علي برفضها أي عريس تقدم الي، لانه ليس في مستوانا المادي، او ليس في مثل حسبنا او نسبنا. وجنيت على نفسي لانني استسلمت لهذه القرارات من دون ان احتج او ادفع عن حقوقي في ان يكون لي زوج واطفال وبيت\". تضيف:\" امي بشخصيتها المسيطرة ووالدي بطبعه النقيض جعلها الامر الناهي في البيت، ولما كانت شخصيتي مثل ابي، الذي توفى لاحقاً، فانني لم اكن اجرؤ ابداً على ان اخالف لها راياً، فقد زوجت شقيقاتي البنات على مزاجها، ولما لم يوافق مزاجها أي ممن تقدموا لي، لسوء حظي، اصبحت انسة في التاسعة والثلاثين، وقريباً جداً ساصبح جدة، تسألونني كيف؟ ابنة شقيقتي التي لم تتجاوز عامها العشرين اصبحت اماً، ولانني من دون مسؤوليات فالمطلوب مني ان اكون تحت الطلب لخدمة شقيقاتي وزوجات اشقائي، فتارة اذهب معهن الى مستشفى الولادة واخرى اعاود تلك وهكذا، اضافة الى عنايتي بوالدتي المسنة التي اصيبت اخيراً بالشلل التام، لتتعطل كل ادوات سيطرتها وجبروتها ولاتحرر الان فقط من سيطرتها لكن دون ان يوجد من يهتم بمصيري الكل مشغول بنفسه، بل على العكس فان زواجي لن يكون في مصلحة أي فرد في هذه الاسرة التي سوف تفتقد بلا شك خادمة امينة مطيعة\". تستطرد موزة في شرح حالها: \"اعود الى غرفتي ليلاً فاشعر بالوحدة القاتلة تنهشني وانظر الى نفسي في المرآة، واتذكر ما سرقه الزمن من جمالي ونضارتي لذا قررت ان انتفض على هذا الواقع، واتزوج الطارق الاول لبابي، حتى لو كان غير مناسب لي، المهم ان يكون رجلاً اعذروني انا اشتاق الى الاطفال، والى كلمة ماما، اريد ان اعوض ما حرمت منه، بسبب سلبيتي وتهاوني في حقوقي\". -bbbb- عانس ولا شحاذ من الطبيعي ان يبحث الاباء والامهات عن سعادة بناتهم فهل من المعقول ان يتسببوا في تعاستهن بالصاق صفة العنوسة بهن، لاسباب وحدهم فقط يرونها مبررة؟ لا يجد العم خميس رجل اعمال، أي حرج في ان تظل ابنته التي تجاوزت الثلاثين من عمرها، من دون زواج على هذه الحالة معترفاً بانه كان السبب وراء ذلك: \" نعم لقد رفضت عشرات العرسان وبصراحة افضل ان تعيش ابنتي في كنفي معززو مكرمة، الى ان يأتيها ابن الحلال الذي يناسب مستوانا المادي والاجتماعي، ولن ارضى ابداً بعريس \"شحاذ\" حتى وان ظلت هكذا من دون زواج لا بد للمتقدم ان يكون قادراً على فتح بيت مثل بيت ابيها، ابنتي تربت على مستوى معيشي معين، ولن اعطيها لاحد ليبهدلها\". على عكس ما يطلبه العم خميس فان الحاجة فتحية سليم، تمنت ان يطرق باب بناتها العريس الفقير مؤمنة بان الفقر الحقيقي ليس في قلة المال، وانما في قلة العقل والدين: \"لم اشترط ان يكون العريس غنياً كما تحلم الامهات في العادة، لاننا اسرة بسيطة وحلمت دائماً بان يكون ازواج بناتي بسطاء متواضعين والحمد لله، جميع زيجات بناتي كانت موفقة، فقد تزوجت الكبرى بتاجر والثانية بمحاسب والصغرى باستاذ ولم اتدخل في اختيارهم قط، كما لم اقف في وجه أي منهن وهن الان يعشن مكرمات سعيدات وهذه غاية كل ام تحب بناتها\". -bbbb- نشتري رجالة كذلك يحكي محمد بيبرس وكيل وزارة متقاعد عن تجربته في تزويج بناته الثلاث قائلاً: \"الزواج هو السكن والمودة للفتاة والطمأنينة لوالدها بانها في ايد امينة، لذا لم اضع أي شروط للعرسان الذين تقدموا الى بناتي الا التحلي بالخلق الكريم وتركت لكل بنت حرية الاختيار في هذه المسألة لانها هي التي سوف تعيش مع العريس وليس انا، وبالتالي عليها تحمل مسؤولية خيارها\". وفي ما يتعلق بالمسائل المادية، يقول بيبرس انه لم يمارس أي ضغوط على ازواج بناته، كما لم تكن له أي مطالب غير الستر: \"قلت لهم: اللي تقدروا تجيبوه جيبوه واللي ما تقدروش مش مهم نحن بنشتري رجالة\". يعيد بيبرس تدخل بعض الاباء والامهات، في مسألة رفض او اختيار عريس لابنتهم من غير موافقتها الى الجهل وقلة الوعي مؤكداً ان من حق الفتاة شرعاً، ان تختار من ترغب فيه زوجاً اذ ينحصر دور الاهل في التوجيه او النصح فقط اما الاكراه فلا. يؤمن أبو ايمن ايضاً وهو رجل اعمال واب لثلاث بنات، احداهن في سن الزواج، بحق الفتاة في اختيار زوجها: \" لا احد يرضى بان تظل ابنته عانساً، لذلك لا بد ان يظهر الاهل مرونة في تقويم العريس المتقدم لخطبة ابنتهم، وان يتم اشراك البنت في اتخاذ القرار، باعتبارها صاحبة الشأن\"، ويضيف: \"ان تزمت الاهل في هذه المسألة لن يعود عليهم الابنتائج وخيمة، فقد تعنس ابنتهم بسبب عزوف الشبان عن طلب يدها على اثر الشروط التعجيزية التي يضعها اهلها، او قد تصبح هي نفسها زاهدة في الزواج عقاباً لاهلها لعدم قبولهم بمن تحب\". يؤكد ابو ايمن انه لني يتدخل ابداً في اختيارات بناته ازواج المستقبل، الا في الحدود المطلوبة منه كأب حريص على سعادتهن ويلفت الانتباه الى ان التربية الجيدة دائماً تؤدي الفتيات الى الخيارات الصحيحة وليس المطلوب منا الا ان نغرس غرساً جيداً والحصاد سيكون مرضياً للجميع\". -bbbb- قلق طبيعي من جانبه يرى عامر السماك، طبيب انه على الرغم من الانفتاح الحادث الا ان زواج البنت في المجتمعات الشرقية لا تزال تحكمه النظرة العشائرية والقبلية ومقولات تقليدية، مثل \"البنت ما لها الا ابن عمها\"، وهناك اباء يرفضون تزويج بناتهم باي شخص من خارج محيط العائلة من دون ان يغفل الاشارة الى الشرط المادي الذي يضعه العديد من الاهل: \"فهاتان الفكرتان تعكسان قلق الاهل على مستقبل البنت، ففي اعتقادهم ان الاقرباء ربما يراعونها ويعرفون قيمتها اكثر من الغرباء، كما انهم على قناعة بانم المستوى المادي المريح للعريس من شأنه ان يسهم في استقرار الزواج، ولكن هذه الشروط وحدها ليست كافية لتحقيق ما يظنونه وبالتالي ربما يضيعون على الفتاة فرصاً اخرى كان يمكن ان تنجح وتكفيها شر العنوسة\". -bbbb- قلة وعي لكن، هل تستسلم فتيات اليوم، المتعلمات العاملات لما يقرره لهن الاهل في مسألة اختيار زوج المستقبل؟ ماذا لو قال الاهل: \"لا\" لكل \"عريس\": يطرق الباب؟\". تؤكد ثريا كريني، التي تعمل موظفة البالغة من العمر (25) عاماً ان مصيرها لن يكون مثل مصير خالتها، التي فاتها قطار الزواج بسبب رعايتها امها المسنة: \"سافعل ما في وسعي لمساعدة اهلي والوقوف الى جانبهم متى احتاجوا الي، لكن هذا لن يكون ابداً على حساب حياتي الخاصة فانا استطيع ان اوفق بين حاجات اسرتي المعنوية والمادية، وبين الزواج وتكوين اسرة خاصة بي، ولن اسمح لاي احد او ظرف بان يسلبني هذا الحق\". وحول رد فعلها اذا وقف الاهل ضد رغبتها في الزواج بمن تحب تقول ثريا: \"سوف احرص منذ البداية، على الا ارتبط باحد اعلم سلفاً انه لن يجد القبول من اهلي، فوالدي حازم وصعب بعض الشيء، ولن اجرؤ على ان اقدم له شخصاً اعلم مسبقاً، انه سيكون مرفوضاً لديه، لذا ساحاول التوفيق بين ما احبه وما يحبه اهلي لي، وبذلك اتفادى هذا المأزق\". تصف هدى الرايح موظفة الامهات والاباء الذين يضعون العقبات امام العرسان، ويفرضون عليهم شروطاً مادية معينة بقلة الوعي وضيق الافق، \"لا يمكن ان نقوم أي شخص بما يملك من فلوس،فالاموال زائلة وما يبقى قيم اهم كخلاق المرء، ويجب على الفتاة الا تقبل بان تكون الدفاع عن خيارها في الارتباط بمن تود، ولا تتنازل ابداً فهذه حياتها، ومن حقها ان تقرر فيها كما تشاء وتتحمل مسؤولية هذا القرار خصوصاً اذا كانت ناضجة وعلى الاهل تفهم هذا الامر جيداً\". -bbbb- وقلة حياء في قناعة ندى محمد، موظفة في الثامنة والعشرين من العمر، ان زمن تقرير المصير في مسألة زواج الفتيات من جانب الاهل وقد ولى، \"معظم الفتيات في الوقت الراهن، نلن حظهن من التعليم الجامعي، وتوسعت مسؤولياتهن في المشاركة في جميع مناحي الحياة، وبات لهن الرأي الاول والاخير في مسألة الزواج، خصوصاً بعدما امتلكن من النضج ما يؤهلن لاختيار العريس المناسب\". وترى ندى ان رفض الاهل عريساً معيناً يتقدم الى ابنتهم كثيراً ما يكون سبباً في عنوستها فالفتاة في هذه الحال تجد نفسها امام خيارين، احلاهما مر: اما ان تضحي باهلها او بمستقبلها مع من تحب وفي الاغلب تختار الاهل كما قد افعل انا اذا تعرضت لموقف مماثل\". ولا تنفق نهى عبد الرحيم طالبة مع الرأي السابق، تقول: \"ان الفتاة الشرقية مهما بلغت درجة تعليمها او وعيها فانها في الاغلب تظل اسيرة عادات العائلة وتقاليدها شأنها في ذلك شأن أي واحدة لم تنل حظاً من التعليم ويمنعها الحياء في كثير من الاحياتن، من ان تقف في وجه اهلها، مطالبة بحقها عندما يرفضون لها عريساً\". وتستطرد: \"ان المجتمع الذي نعيش فيه ينظر الى الفتاة التي تناقش في مسائل الزواج وتقول ارفض هذا واريد ذاك باعتبارها جرئية وقليلة الحياء\".
المراجع
www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=241موسوعة الأبحاث العلمية
التصانيف
الأبحاث