سورة الاعراف {1} المص الْقَوْل فِي تَفْسِير السُّورَة الَّتِي يُذْكَر فِيهَا الْأَعْرَاف { المص } قَالَ أَبُو جَعْفَر : اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْل اللَّه تَعَالَى : { المص } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : أَنَا اللَّه أَفْضَل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11128 - حَدَّثَنَا سُفْيَان , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ أَبِي الضُّحَى , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { المص } : أَنَا اللَّه أَفْضَل . 11129 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْقَاسِم بْن سَلَّام , قَالَ : ثنا عَمَّار بْن مُحَمَّد , عَنْ عَطَاء بْن السَّائِب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , فِي قَوْله : { المص } : أَنَا اللَّه أَفْضَل . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ هِجَاء حُرُوف اِسْم اللَّه تَعَالَى الَّذِي هُوَ الْمُصَوِّر .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11130 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { المص } قَالَ : هِيَ هِجَاء الْمُصَوِّر . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء اللَّه أَقْسَمَ رَبّنَا بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11131 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { المص } قَسَم أَقْسَمَهُ اللَّه , وَهُوَ مِنْ أَسْمَاء اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11132 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { المص } قَالَ : اِسْم مِنْ أَسْمَاء الْقُرْآن.

  • حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ حُرُوف هِجَاء مُقَطَّعَة . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مِنْ حِسَاب الْجُمَّل . وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ حُرُوف تَحْوِي مَعَانِي كَثِيرَة دَلَّ بِهَا اللَّه خَلْقه عَلَى مُرَاده مِنْ ذَلِكَ. وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ حُرُوف اِسْم اللَّه الْأَعْظَم . وَقَدْ ذَكَرْنَا كُلّ ذَلِكَ بِالرِّوَايَةِ فِيهِ , وَتَعْلِيل كُلّ فَرِيق قَالَ فِيهِ قَوْلًا . وَأَمَّا الصَّوَاب مِنْ الْقَوْل عِنْدنَا فِي ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَأَدِلَّته فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

{2} كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك } قَالَ أَبُو جَعْفَر : يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره هَذَا الْقُرْآن يَا مُحَمَّد فِي كِتَاب أَنْزَلَهُ اللَّه إِلَيْك . وَرُفِعَ " الْكِتَاب " بِتَأْوِيلِ : هَذَا كِتَاب .

{2} كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَلَا يَضِقْ صَدْرك يَا مُحَمَّد مِنْ الْإِنْذَار بِهِ مَنْ أَرْسَلْتُك لِإِنْذَارِهِ بِهِ , وَإِبْلَاغه مَنْ أَمَرْتُك بِإِبْلَاغِهِ إِيَّاهُ , وَلَا تَشُكّ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِي , وَاصْبِرْ بِالْمُضِيِّ لِأَمْرِ اللَّه وَاتِّبَاع طَاعَته فِيمَا كَلَّفَك وَحَمَّلَك مِنْ عِبْء أَثْقَال النُّبُوَّة , كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْم مِنْ الرُّسُل , فَإِنَّ اللَّه مَعَك . وَالْحَرَج : هُوَ الضِّيق فِي كَلَام الْعَرَب , وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى ذَلِكَ بِشَوَاهِدِهِ وَأَدِلَّته فِي قَوْله : { ضَيِّقًا حَرَجًا } 6 125 بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته . وَقَالَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , مَا : 11133 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } قَالَ : لَا تَكُنْ فِي شَكّ مِنْهُ . 11134 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } قَالَ : شَكّ.

* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 11135 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , قَالَ : ثنا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } : شَكّ مِنْهُ .

* حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة مِثْله 11136 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } قَالَ : أَمَّا الْحَرَج : فَشَكّ .

* حَدَّثَنَا الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد الْمَدَنِيّ , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا , فِي قَوْله : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ } قَالَ : شَكّ مِنْ الْقُرْآن . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ التَّأْوِيل عَنْ أَهْل التَّأْوِيل هُوَ مَعْنَى مَا قُلْنَا فِي الْحَرَج ; لِأَنَّ الشَّكّ فِيهِ لَا يَكُون إِلَّا مِنْ ضِيق الصَّدْر بِهِ وَقِلَّة الِاتِّسَاع لِتَوْجِيهِهِ وِجْهَته الَّتِي هِيَ وِجْهَته الصَّحِيحَة . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْعِبَارَة عَنْهُ بِمَعْنَى الضِّيق , لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْغَالِب عَلَيْهِ مِنْ مَعْنَاهُ فِي كَلَام الْعَرَب , كَمَا قَدْ بَيَّنَّاهُ قَبْل .

{2} كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لِتُنْذِر بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : هَذَا كِتَاب أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْك يَا مُحَمَّد لِتُنْذِر بِهِ مَنْ أَمَرْتُك بِإِنْذَارِهِ , { وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } وَهُوَ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَمَعْنَاهُ : كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك لِتُنْذِر بِهِ , وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ , فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مَعْنَاهُ كَانَ مَوْضِع قَوْله : { وَذِكْرَى } نَصْبًا بِمَعْنَى : أَنْزَلْنَا إِلَيْك هَذَا الْكِتَاب لِتُنْذِر بِهِ , وَتُذَكِّر بِهِ الْمُؤْمِنِينَ . وَلَوْ قِيلَ : مَعْنَى ذَلِكَ : هَذَا كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ أَنْ تُنْذِر بِهِ وَتُذَكِّر بِهِ الْمُؤْمِنِينَ , كَانَ قَوْلًا غَيْر مَدْفُوعَة صِحَّته . وَإِذَا وُجِّهَ مَعْنَى الْكَلَام إِلَى هَذَا الْوَجْه كَانَ فِي قَوْله : { وَذِكْرَى } مِنْ الْإِعْرَاب وَجْهَانِ : أَحَدهمَا النَّصْب بِالرَّدِّ عَلَى مَوْضِع لِتُنْذِر بِهِ , وَالْآخَر الرَّفْع عَطْفًا عَلَى الْكِتَاب , كَأَنَّهُ قِيلَ : المص كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ .

{3} اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونه أَوْلِيَاء } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ مِنْ قَوْمك الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَان وَالْأَصْنَام : اِتَّبِعُوا أَيّهَا النَّاس مَا جَاءَكُمْ مِنْ عِنْد رَبّكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى , وَاعْمَلُوا بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبّكُمْ , { وَلَا تَتَّبِعُوا } شَيْئًا { مِنْ دُونه } يَعْنِي : شَيْئًا غَيْر مَا أَنْزَلَ إِلَيْكُمْ رَبّكُمْ , يَقُول : لَا تَتَّبِعُوا أَمْرَ أَوْلِيَائِكُمْ الَّذِينَ يَأْمُرُونَكُمْ بِالشِّرْكِ بِاَللَّهِ وَعِبَادَة الْأَوْثَان , فَإِنَّهُمْ يُضِلُّونَكُمْ وَلَا يَهْدُونَكُمْ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْف قُلْت : مَعْنَى الْكَلَام قُلْ اِتَّبِعُوا , وَلَيْسَ فِي الْكَلَام مَوْجُودًا ذِكْر الْقَوْل ؟ قِيلَ : إِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَذْكُورًا صَرِيحًا , فَإِنَّ فِي الْكَلَام دَلَالَة عَلَيْهِ , وَذَلِكَ قَوْله : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ لِتُنْذِر بِهِ } , فَفِي قَوْله : " لِتُنْذِر بِهِ " الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ , وَفِي الْأَمْر بِالْإِنْذَارِ الْأَمْر بِالْقَوْلِ لِأَنَّ الْإِنْذَار قَوْل . فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : أَنْذِرْ الْقَوْم وَقُلْ لَهُمْ : اِتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ , كَانَ غَيْر مَدْفُوع . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَقُول قَوْله : { اِتَّبِعُوا } خِطَاب لِلنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَعْنَاهُ : كِتَاب أُنْزِلَ إِلَيْك , فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرك حَرَج مِنْهُ , اِتَّبِعْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك . وَيُرَى أَنَّ ذَلِكَ نَظِير قَوْل اللَّه : { يَا أَيّهَا النَّبِيّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } 65 1 إِذْ اِبْتَدَأَ خِطَاب النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ثُمَّ جَعَلَ الْفِعْل لِلْجَمِيعِ , إِذْ كَانَ أَمْر اللَّه نَبِيّه بِأَمْرٍ أَمْرًا مِنْهُ لِجَمِيعِ أُمَّته , كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ يُفْرَد بِالْخِطَابِ وَالْمُرَاد بِهِ هُوَ وَجَمَاعَة أَتْبَاعه أَوْ عَشِيرَته وَقَبِيلَته : أَمَا تَتَّقُونَ اللَّه ؟ أَمَا تَسْتَحْيُونَ مِنْ اللَّه ؟ وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام . وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ وَجْهًا غَيْر مَدْفُوع , فَالْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ أَوْلَى بِمَعْنَى الْكَلَام لِدَلَالَةِ الظَّاهِر الَّذِي وَصَفْنَا عَلَيْهِ .

{3} اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ وَقَوْله : { قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } يَقُول : قَلِيلًا مَا تَتَّعِظُونَ وَتَعْتَبِرُونَ , فَتُرَاجِعُونَ الْحَقّ .

{4} وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : حَذِّرْ هَؤُلَاءِ الْعَابِدِينَ غَيْرِي وَالْعَادِلِينَ بِي الْآلِهَة وَالْأَوْثَان سَخَطِي , لَا أُحِلّ بِهِمْ عُقُوبَتِي فَأُهْلِكهُمْ كَمَا أَهْلَكْت مَنْ سَلَكَ سَبِيلهمْ مِنْ الْأُمَم قَبْلهمْ , فَكَثِيرًا مَا أَهْلَكْت قَبْلهمْ مِنْ أَهْل قُرًى عَصَوْنِي وَكَذَّبُوا رُسُلِي وَعَبَدُوا غَيْرِي . { فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا } يَقُول : فَجَاءَتْهُمْ عُقُوبَتنَا وَنِقْمَتنَا لَيْلًا قَبْل أَنْ يُصْبِحُوا , أَوْ جَاءَتْهُمْ قَائِلِينَ , يَعْنِي نَهَارًا فِي وَقْت الْقَائِلَة . وَقِيلَ : " وَكَمْ " لِأَنَّ الْمُرَاد بِالْكَلَامِ مَا وَصَفْت مِنْ الْخَبَر عَنْ كَثْرَة مَا قَدْ أَصَابَ الْأُمَم السَّالِفَة مِنْ الْمَثُلَاث بِتَكْذِيبِهِمْ رُسُله وَخِلَافهمْ عَلَيْهِ , وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب إِذَا أَرَادُوا الْخَبَر عَنْ كَثْرَة الْعَدَد , كَمَا قَالَ الْفَرَزْدَق : كَمْ عَمَّة لَك يَا جَرِير وَخَالَة فَدْعَاء قَدْ حَلَبَتْ عَلَيَّ عِشَارِي فَإِنْ قَالَ قَائِل . فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ أَهْلَكَ قُرًى , فَمَا فِي خَبَره عَنْ إِهْلَاكه الْقُرَى مِنْ الدَّلِيل عَلَى إِهْلَاكه أَهْلهَا ؟

قِيلَ : إِنَّ الْقُرَى لَا تُسَمَّى قُرًى وَلَا الْقَرْيَة قَرْيَة إِلَّا وَفِيهَا مَسَاكِن لِأَهْلِهَا وَسُكَّان مِنْهُمْ , فَفِي إِهْلَاكهَا مَنْ فِيهَا مِنْ أَهْلهَا . وَقَدْ كَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَرَى أَنَّ الْكَلَام خَرَجَ مَخْرَج الْخَبَر عَنْ الْقَرْيَة , وَالْمُرَاد بِهِ أَهْلهَا . وَاَلَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَوْلَى بِالْحَقِّ لِمُوَافَقَتِهِ ظَاهِر التَّنْزِيل الْمَتْلُوّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } وَهَلْ هَلَكَتْ قَرْيَة إِلَّا بِمَجِيءِ بَأْس اللَّه وَحُلُول نِقْمَته وَسَخَطه بِهَا ؟ فَكَيْفَ قِيلَ " أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا " وَإِنْ كَانَ مَجِيء بَأْس اللَّه إِيَّاهَا بَعْد هَلَاكهَا ؟ فَمَا وَجْه مَجِيء ذَلِكَ قَوْمًا قَدْ هَلَكُوا وَبَادُوا وَلَا يَشْعُرُونَ بِمَا يَنْزِل بِهِمْ وَلَا بِمَسَاكِنِهِمْ ؟ قِيلَ : إِنَّ لِذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيل وَجْهَيْنِ كِلَاهُمَا صَحِيح وَاضِح مَنْهَجه : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون مَعْنَاهُ : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا بِخِذْلَانِنَا إِيَّاهَا عَنْ اِتِّبَاع مَا أَنْزَلْنَا إِلَيْهَا مِنْ الْبَيِّنَات وَالْهُدَى وَاخْتِيَارهَا اِتِّبَاع أَمْر أَوْلِيَائِهَا , الْمُغْوِيهَا عَنْ طَاعَة رَبّهَا , فَجَاءَهَا بَأْسنَا إِذْ فَعَلَتْ ذَلِكَ بَيَاتًا , أَوْ هُمْ قَائِلُونَ. فَيَكُون إِهْلَاك اللَّه إِيَّاهَا : خِذْلَانه لَهَا عَنْ طَاعَته , وَيَكُون مَجِيء بَأْس اللَّه إِيَّاهُمْ جَزَاء لِمَعْصِيَتِهِمْ رَبّهمْ بِخِذْلَانِهِ إِيَّاهُمْ. وَالْآخَر مِنْهُمَا : أَنْ يَكُون الْإِهْلَاك هُوَ الْبَأْس بِعَيْنِهِ . فَيَكُون فِي ذِكْر الْإِهْلَاك الدَّلَالَة عَلَى ذِكْر مَجِيء الْبَأْس , وَفِي ذِكْر مَجِيء الْبَأْس الدَّلَالَة عَلَى ذِكْر الْإِهْلَاك .

وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ سَوَاء عِنْد الْعَرَب بُدِئَ بِالْإِهْلَاكِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْبَأْسِ , أَوْ بُدِئَ بِالْبَأْسِ ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ بِالْإِهْلَاكِ , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : زُرْتنِي فَأَكْرَمْتنِي إِذْ كَانَتْ الزِّيَارَة هِيَ الْكَرَامَة , فَسَوَاء عِنْدهمْ قَدَّمَ الزِّيَارَة وَأَخَّرَ الْكَرَامَة , أَوْ قَدَّمَ الْكَرَامَة وَأَخَّرَ الزِّيَارَة فَقَالَ : أَكْرَمْتنِي فَزُرْتنِي . وَكَانَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة يَزْعُم أَنَّ فِي الْكَلَام مَحْذُوفًا , لَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ الْكَلَام صَحِيحًا , وَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا , فَكَانَ مَجِيء بَأْسنَا إِيَّاهَا قَبْلَ إِهْلَاكنَا .

وَهَذَا قَوْل لَا دَلَالَة عَلَى صِحَّته مِنْ ظَاهِر التَّنْزِيل وَلَا مِنْ خَبَر يَجِب التَّسْلِيم لَهُ , وَإِذَا خَلَا الْقَوْل مِنْ دَلَالَة عَلَى صِحَّته مِنْ بَعْض الْوُجُوه الَّتِي يَجِب التَّسْلِيم لَهَا كَانَ بَيِّنًا فَسَاده. وَقَالَ آخَر مِنْهُمْ أَيْضًا : مَعْنَى الْفَاء فِي هَذَا الْمَوْضِع مَعْنَى الْوَاو , وَقَالَ : تَأْوِيل الْكَلَام : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا وَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا . وَهَذَا قَوْل لَا مَعْنَى لَهُ , إِذْ كَانَ لِلْفَاءِ عِنْد الْعَرَب مِنْ الْحُكْم مَا لَيْسَ لِلْوَاوِ فِي الْكَلَام , فَصَرْفهَا إِلَى الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَاهَا عِنْدَهُمْ مَا وُجِدَ إِلَى ذَلِكَ سَبِيل أَوْلَى مِنْ صَرْفهَا إِلَى غَيْره . فَإِنْ قَالَ : كَيْفَ قِيلَ : { فَجَاءَهَا بَأْسنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } , وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْأَغْلَب مِنْ شَأْن " أَوْ " فِي الْكَلَام اِجْتِلَاب الشَّكّ , وَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون فِي خَبَر اللَّه شَكّ ؟ قِيلَ : إِنَّ تَأْوِيل ذَلِكَ خِلَاف مَا إِلَيْهِ ذَهَبْت , وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَكَمْ مِنْ قَرْيَة أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَ بَعْضهَا بَأْسنَا بَيَاتًا , وَبَعْضهَا وَهُمْ قَائِلُونَ . وَلَوْ جُعِلَ مَكَان " أَوْ " فِي هَذَا الْمَوْضِع الْوَاو لَكَانَ الْكَلَام كَالْمُحَالِ , وَلَصَارَ الْأَغْلَب مِنْ مَعْنَى الْكَلَام : أَنَّ الْقَرْيَة الَّتِي أَهْلَكَهَا اللَّه جَاءَهَا بَأْسه بَيَاتًا , وَفِي وَقْت الْقَائِلَة ; وَذَلِكَ خَبَر عَنْ الْبَأْس أَنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ قَدْ هَلَكَ وَأَفْنَى مَنْ قَدْ فَنِيَ , وَذَلِكَ مِنْ الْكَلَام خُلْف ; وَلَكِنَّ الصَّحِيح مِنْ الْكَلَام هُوَ مَا جَاءَ بِهِ التَّنْزِيل , إِذْ لَمْ يَفْصِل الْقُرَى الَّتِي جَاءَهَا الْبَأْس بَيَاتًا مِنْ الْقُرَى الَّتِي جَاءَهَا ذَلِكَ قَائِلَة , وَلَوْ فُصِلَتْ لَمْ يُخْبِر عَنْهَا إِلَّا بِالْوَاوِ . وَقِيلَ : " فَجَاءَهَا بَأْسنَا " خَبَرًا عَنْ الْقَرْيَة أَنَّ الْبَأْس أَتَاهَا , وَأَجْرَى الْكَلَام عَلَى مَا ابْتُدِئَ بِهِ فِي أَوَّل الْآيَة ; وَلَوْ قِيلَ : فَجَاءَهُمْ بَأْسنَا بَيَاتًا لَكَانَ صَحِيحًا فَصِيحًا رَدًّا لِلْكَلَامِ إِلَى مَعْنَاهُ , إِذْ كَانَ الْبَأْس إِنَّمَا قُصِدَ بِهِ سُكَّان الْقَرْيَة دُون بُنْيَانهَا , وَإِنْ كَانَ قَدْ نَالَ بُنْيَانهَا وَمَسَاكِنهَا مِنْ الْبَأْس بِالْخَرَابِ نَحْو مِنْ الَّذِي نَالَ سُكَّانهَا . وَقَدْ رُجِعَ فِي قَوْله : { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } إِلَى خُصُوص الْخَبَر عَنْ سُكَّانهَا دُون مَسَاكِنهَا لِمَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ الْمَقْصُود بِالْبَأْسِ كَانَ السُّكَّان وَإِنْ كَانَ فِي هَلَاكهمْ هَلَاك مَسَاكِنهمْ وَخَرَابهَا. وَلَوْ قِيلَ : " أَوْ هِيَ قَائِلَة " . كَانَ صَحِيحًا إِذْ كَانَ السَّامِعُونَ قَدْ فَهِمُوا الْمُرَاد مِنْ الْكَلَام . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَلَيْسَ قَوْله : { أَوْ هُمْ قَائِلُونَ } خَبَرًا عَنْ الْوَقْت الَّذِي أَتَاهُمْ فِيهِ بَأْس اللَّه مِنْ النَّهَار ؟ قِيلَ : بَلَى . فَإِنْ قَالَ : أَوَلَيْسَ الْمَوَاقِيت فِي مِثْل هَذَا تَكُون فِي كَلَام الْعَرَب بِالْوَاوِ الدَّال عَلَى الْوَقْت ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ , فَإِنَّهُمْ قَدْ يَحْذِفُونَ مِنْ مِثْل هَذَا الْمَوْضِع اِسْتِثْقَالًا لِلْجَمْعِ بَيْن حَرْفَيْ عَطْف , إِذْ كَانَ " أَوْ " عِنْدهمْ مِنْ حُرُوف الْعَطْف , وَكَذَلِكَ الْوَاو , فَيَقُولُونَ : لَقِيتنِي مُمْلَقًا أَوْ أَنَا مُسَافِر , بِمَعْنَى : وَأَنَا مُسَافِر , فَيَحْذِفُونَ الْوَاو وَهُمْ مُرِيدُوهَا فِي الْكَلَام لِمَا وَصَفْت .

{5} فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَمْ يَكُنْ دَعْوَى أَهْل الْقَرْيَة الَّتِي أَهْلَكْنَاهَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا وَسَطْوَتنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ , إِلَّا اِعْتِرَافهمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِأَنَّهُمْ كَانُوا إِلَى أَنْفُسهمْ مُسِيئِينَ وَبِرَبِّهِمْ آثِمِينَ وَلِأَمْرِهِ وَنَهْيه مُخَالِفِينَ. وَعَنَى بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { دَعْوَاهُمْ } فِي هَذَا الْمَوْضِع دُعَاءَهُمْ. وَلِلدَّعْوَى فِي كَلَام الْعَرَب وَجْهَانِ : أَحَدهمَا الدُّعَاء ; وَالْآخَر الِادِّعَاء لِلْحَقِّ . وَمِنْ الدَّعْوَى الَّتِي مَعْنَاهَا الدُّعَاء قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ } 21 15 وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَإِنْ مَذِلَتْ رِجْلِي دَعَوْتُك أَشْتَفِي بِدَعْوَاك مِنْ مَذْل بِهَا فَيَهُون وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى قَبْل أَنَّ الْبَأْس وَالْبَأْسَاء : الشِّدَّة , بِشَوَاهِد ذَلِكَ الدَّالَّة عَلَى صِحَّته , بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَفِي هَذِهِ الْآيَة الدَّلَالَة الْوَاضِحَة عَلَى صِحَّة مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ قَوْله : " مَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ " . وَقَدْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ كَذَلِكَ بَعْضهمْ .

11137 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ أَبِي سِنَان , عَنْ عَبْد الْمَلِك بْن مَيْسَرَة الزَّرَّاد , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ رَسُول اللَّه : " وَمَا هَلَكَ قَوْم حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسهمْ " قَالَ : قُلْت لِعَبْدِ الْمَلِك : كَيْفَ يَكُون ذَلِكَ ؟ قَالَ : فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا } الْآيَة فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } وَكَيْفَ أَمْكَنَتْهُمْ الدَّعْوَى بِذَلِكَ وَقَدْ جَاءَهُمْ بَأْس اللَّه بِالْهَلَاكِ , أَقَالُوا ذَلِكَ قَبْل الْهَلَاك ؟ فَإِنْ كَانُوا قَالُوهُ قَبْل الْهَلَاك , فَإِنَّهُمْ قَالُوا قَبْل مَجِيء الْبَأْس , وَاَللَّه يُخْبِر عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوهُ حِين جَاءَهُمْ لَا قَبْل ذَلِكَ , أَوْ قَالُوهُ بَعْد مَا جَاءَهُمْ فَتِلْكَ حَالَة قَدْ هَلَكُوا فِيهَا , فَكَيْفَ يَجُوز وَصْفهمْ بِقِيلِ ذَلِكَ إِذَا عَايَنُوا بَأْس اللَّه وَحَقِيقَة مَا كَانَتْ الرُّسُل تَعِدهُمْ مِنْ سَطْوَة اللَّه ؟ قِيلَ : لَيْسَ كُلّ الْأُمَم كَانَ هَلَاكهَا فِي لَحْظَة لَيْسَ بَيْن أَوَّله وَآخِره مَهْل , بَلْ كَانَ مِنْهُمْ مَنْ غَرِقَ بِالطُّوفَانِ , فَكَانَ بَيْن أَوَّل ظُهُور السَّبَب الَّذِي عَلِمُوا أَنَّهُمْ بِهِ هَالِكُونَ وَبَيْن آخِره الَّذِي عَمَّ جَمِيعهمْ هَلَاكه الْمُدَّة الَّتِي لَا خَفَاء بِهَا عَلَى ذِي عَقْل ; وَمِنْهُمْ مَنْ مُتِّعَ بِالْحَيَاةِ بَعْد ظُهُور عَلَامَة الْهَلَاك لِأَعْيُنِهِمْ أَيَّامًا ثَلَاثَة , كَقَوْمِ صَالِح وَأَشْبَاههمْ , فَحِينَئِذٍ لَمَّا عَايَنُوا أَوَائِل بَأْس اللَّه الَّذِي كَانَتْ رُسُل اللَّه تَتَوَعَّدهُمْ بِهِ وَأَيْقَنُوا حَقِيقَة نُزُول سَطْوَة اللَّه بِهِمْ , دَعَوْا : { يَا وَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ } { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ } مَعَ مَجِيء وَعِيد اللَّه وَحُلُول نِقْمَته بِسَاحَتِهِمْ , فَحَذَّرَ رَبّنَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ الَّذِينَ أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ سَطْوَته وَعِقَابه عَلَى كُفْرهمْ بِهِ وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله , مَا حَلَّ بِمَنْ كَانَ قَبْلهمْ مِنْ الْأُمَم , إِذْ عَصَوْا رُسُله وَاتَّبَعُوا أَمْر كُلّ جَبَّار عَنِيد .

{6} فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : لَنَسْأَلَنَّ الْأُمَم الَّذِينَ أَرْسَلْت إِلَيْهِمْ رُسُلِي مَاذَا عَمِلَتْ فِيمَا جَاءَتْهُمْ بِهِ الرُّسُل مِنْ عِنْدِي مِنْ أَمْرِي وَنَهْيِي , هَلْ عَمِلُوا بِمَا أَمَرْتهمْ بِهِ وَانْتَهَوْا عَمَّا نَهَيْتهمْ عَنْهُ وَأَطَاعُوا أَمْرِي , أَمْ عَصَوْنِي , فَخَالَفُوا ذَلِكَ ؟ { وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } يَقُول : وَلَنَسْأَلَنَّ الرُّسُل الَّذِينَ أَرْسَلْتهمْ إِلَى الْأُمَم , هَلْ بَلَّغَتْهُمْ رِسَالَاتِي وَأَدَّتْ إِلَيْهِمْ مَا أَمَرْتهمْ بِأَدَائِهِ إِلَيْهِ , أَمْ قَصَّرُوا فِي ذَلِكَ فَفَرَّطُوا وَلَمْ يُبَلِّغُوهُمْ ؟ .

وَكَذَلِكَ كَانَ أَهْل التَّأْوِيل يَتَأَوَّلُونَهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11138 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } قَالَ : يَسْأَل اللَّه النَّاس عَمَّا أَجَابُوا الْمُرْسَلِينَ , وَيَسْأَل الْمُرْسَلِينَ عَمَّا بَلَّغُوا . 11139 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } إِلَى قَوْله : { غَائِبِينَ } قَالَ : يُوضَع الْكِتَاب يَوْم الْقِيَامَة فَيَتَكَلَّم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ . 11140 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ } يَقُول فَلَنَسْأَلَنَّ الْأُمَم مَا عَمِلُوا فِيمَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل , وَلَنَسْأَلَنَّ الرُّسُل هَلْ بَلَّغُوا مَا أُرْسِلُوا بِهِ . 11141 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد الْمَدَنِيّ , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : { فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ } الْأُمَم , وَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ عَمَّا اِئْتَمَنَّاهُمْ عَلَيْهِ , هَلْ بَلَّغُوا .

{7} فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَلَنُخْبِرَنَّ الرَّسْل وَمَنْ أَرْسَلْتُهُمْ إِلَيْهِ بِيَقِينِ عِلْم بِمَا عَمِلُوا فِي الدُّنْيَا فِيمَا كُنْت أَمَرْتهمْ بِهِ , وَمَا كُنْت نَهَيْتهمْ عَنْهُ , وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ عَنْهُمْ وَعَنْ أَفْعَالهمْ الَّتِي كَانُوا يَفْعَلُونَهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَسْأَل الرُّسُل وَالْمُرْسَل إِلَيْهِمْ , وَهُوَ يُخْبِر أَنَّهُ يَقُصّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ بِأَعْمَالِهِمْ وَأَفْعَالهمْ فِي ذَلِكَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره لَيْسَ بِمَسْأَلَةِ اِسْتِرْشَاد وَلَا مَسْأَلَة تَعَرُّف مِنْهُمْ مَا هُوَ بِهِ غَيْر عَالِم , وَإِنَّمَا هُوَ مَسْأَلَة تَوْبِيخ وَتَقْرِير مَعْنَاهَا الْخَبَر , كَمَا يَقُول الرَّجُل لِلرَّجُلِ : أَلَمْ أُحْسِنْ إِلَيْك فَأَسَأْت ؟ وَأَلَمْ أَصِلْكَ فَقَطَعْت ؟ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَة اللَّه الْمُرْسِل إِلَيْهِمْ بِأَنْ يَقُول لَهُمْ : أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلِي بِالْبَيِّنَاتِ ؟ أَلَمْ أَبْعَث إِلَيْكُمْ النُّذُر فَتُنْذِركُمْ عَذَابِي وَعِقَابِي فِي هَذَا الْيَوْم مَنْ كَفَرَ بِي وَعَبَدَ غَيْرِي ؟ كَمَا أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُ قَائِل لَهُمْ يَوْمئِذٍ : { أَلَمْ أَعْهَد إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَم أَلَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِين وَأَنْ اُعْبُدُونِي هَذَا صِرَاط مُسْتَقِيم } 36 60 : 61 وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل الَّذِي ظَاهِره ظَاهِر مَسْأَلَة , وَمَعْنَاهُ الْخَبَر وَالْقَصَص وَهُوَ بَعْد تَوْبِيخ وَتَقْرِير . وَأَمَّا مَسْأَلَة الرُّسُل الَّذِي هُوَ قَصَص وَخَبَر , فَإِنَّ الْأُمَم الْمُشْرِكَة لَمَّا سُئِلَتْ فِي الْقِيَامَة قِيلَ لَهَا : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُل مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَات رَبّكُمْ } أَنْكَرَ ذَلِكَ كَثِير مِنْهُمْ وَقَالُوا : مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِير وَلَا نَذِير , فَقِيلَ لِلرُّسُلِ : هَلْ بَلَّغْتُمْ مَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ؟ أَوْ قِيلَ لَهُمْ : أَلَمْ تُبَلِّغُوا إِلَى هَؤُلَاءِ مَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ ؟

كَمَا جَاءَ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِأُمَّةِ نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّة وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاء عَلَى النَّاس وَيَكُون الرَّسُول عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } 2143 فَكُلّ ذَلِكَ مِنْ اللَّه مَسْأَلَة لِلرُّسُلِ عَلَى وَجْه الِاسْتِشْهَاد لَهُمْ عَلَى مَنْ أُرْسِلُوا إِلَيْهِ مِنْ الْأُمَم وَلِلْمُرْسَلِ إِلَيْهِمْ عَلَى وَجْه التَّقْرِير وَالتَّوْبِيخ , وَكُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْقَصَص وَالْخَبَر . فَأَمَّا الَّذِي هُوَ عَنْ اللَّه مَنْفِيّ مِنْ مَسْأَلَته خَلْقه , فَالْمَسْأَلَة الَّتِي هِيَ مَسْأَلَة اِسْتِرْشَاد وَاسْتِثْبَات فِيمَا لَا يَعْلَمهُ السَّائِل عَنْهَا وَيَعْلَمهُ الْمَسْئُول , لِيَعْلَم السَّائِل عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَله , فَذَلِكَ غَيْر جَائِز أَنْ يُوصَف اللَّه بِهِ ; لِأَنَّهُ الْعَالِم بِالْأَشْيَاءِ قَبْل كَوْنهَا وَفِي حَال كَوْنهَا وَبَعْد كَوْنهَا , وَهِيَ الْمَسْأَلَة الَّتِي نَفَاهَا جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ نَفْسه بِقَوْلِهِ : { فَيَوْمئِذٍ لَا يُسْأَل عَنْ ذَنْبه إِنْس وَلَا جَانّ } 55 39 وَبِقَوْلِهِ : { وَلَا يُسْأَل عَنْ ذُنُوبهمْ الْمُجْرِمُونَ } 28 78 يَعْنِي : لَا يَسْأَل عَنْ ذَلِكَ أَحَدًا مِنْهُمْ عِلْم مُسْتَثْبِت , لِيَعْلَم عِلْم ذَلِكَ مِنْ قِبَل مَنْ سَأَلَ مِنْهُ , لِأَنَّهُ الْعَالِم بِذَلِكَ كُلّه وَبِكُلِّ شَيْء غَيْره . وَقَدْ ذَكَرْنَا مَا رُوِيَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ مِنْ الْخَبَر فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع , فَكَرِهْنَا إِعَادَته . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي مَعْنَى قَوْله : { فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ } أَنَّهُ يَنْطِق لَهُمْ كِتَاب عَمَلهمْ عَلَيْهِمْ بِأَعْمَالِهِمْ . هَذَا قَوْل غَيْر بَعِيد مِنْ الْحَقّ , غَيْر أَنَّ الصَّحِيح مِنْ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَد إِلَّا سَيُكَلِّمُهُ رَبّه يَوْم الْقِيَامَة لَيْسَ بَيْنه وَبَيْنَهُ تُرْجُمَان , فَيَقُول لَهُ : أَتَذْكُرُ يَوْم فَعَلْت كَذَا وَفَعَلْت كَذَا ؟ حَتَّى يَذْكُر مَا فَعَلَ فِي الدُّنْيَا " . وَالتَّسْلِيم لِخَبَرِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى مِنْ التَّسْلِيم لِغَيْرِهِ .

{8} وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } الْوَزْن : مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : وَزَنْت كَذَا وَكَذَا , أَزِنهُ وَزْنًا وَزِنَة , مِثْل : وَعَدْته أَعِدهُ وَعْدًا وَعِدَة , وَهُوَ مَرْفُوع بِالْحَقِّ , وَالْحَقّ بِهِ . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَالْوَزْن يَوْم نَسْأَل الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَالْمُرْسَلِينَ , الْحَقّ . وَيَعْنِي بِالْحَقِّ : الْعَدْل . وَكَانَ مُجَاهِد يَقُول : الْوَزْن فِي هَذَا الْمَوْضِع : الْقَضَاء .

11142 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ : الْقَضَاء . وَكَانَ يَقُول أَيْضًا : مَعْنَى الْحَقّ هَهُنَا : الْعَدْل . ذِكْر الرِّوَايَة بِذَلِكَ : 11143 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } قَالَ الْعَدْل . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } وَزْن الْأَعْمَال .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11144 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } تُوزَن الْأَعْمَال . 11145 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } قَالَ : قَالَ عُبَيْد بْن عُمَيْر : يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الْعَظِيم الطَّوِيل الْأَكُول الشَّرُوب , فَلَا يَزِن جَنَاح بَعُوضَة. * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } قَالَ : قَالَ عُبَيْد بْن عُمَيْر : يُؤْتَى بِالرَّجُلِ الطَّوِيل الْعَظِيم , فَلَا يَزِن جَنَاح بَعُوضَة .

11146 - حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن صُهَيْب , عَنْ مُوسَى , عَنْ بِلَال بْن يَحْيَى , عَنْ حُذَيْفَة , قَالَ : صَاحِب الْمَوَازِين يَوْم الْقِيَامَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : يَا جِبْرِيل زِنْ بَيْنهمْ , فَرُدَّ عَلَى الْمَظْلُوم , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَات حُمِلَ عَلَيْهِ مِنْ سَيِّئَات صَاحِبه ! فَيَرْجِع الرَّجُل عَلَيْهِ مِثْل الْجِبَال , فَذَلِكَ قَوْله : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله : { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه } فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَمَنْ كَثُرَتْ حَسَنَاته. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11147 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد : { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه } قَالَ : حَسَنَاته. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه الَّتِي تُوزَن بِهَا حَسَنَاته وَسَيِّئَاته , قَالُوا : وَذَلِكَ هُوَ الْمِيزَان الَّذِي يَعْرِفهُ النَّاس , لَهُ لِسَان وَكِفَّتَانِ .

ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11148 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , قَالَ : قَالَ اِبْن جُرَيْج : قَالَ لِي عَمْرو بْن دِينَار : قَوْله : { وَالْوَزْن يَوْمئِذٍ الْحَقّ } قَالَ : إِنَّا نَرَى مِيزَانًا وَكِفَّتَيْنِ , سَمِعْت عُبَيْد بْن عُمَيْر يَقُول : يُجْعَل الرَّجُل الْعَظِيم الطَّوِيل فِي الْمِيزَان , ثُمَّ لَا يَقُوم بِجَنَاحِ ذُبَاب. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي ذَلِكَ عِنْدِي الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مِنْ أَنَّ ذَلِكَ : هُوَ الْمِيزَان الْمَعْرُوف الَّذِي يُوزَن بِهِ , وَأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَزِن أَعْمَال خَلْقه الْحَسَنَات مِنْهَا وَالسَّيِّئَات , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينه } مَوَازِين عَمَله الصَّالِح , { فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } يَقُول : فَأُولَئِكَ هُمْ الَّذِينَ ظَفِرُوا بِالنَّجَاحِ وَأَدْرَكُوا الْفَوْز بِالطَّلَبَاتِ , وَالْخُلُود وَالْبَقَاء فِي الْجَنَّات , لِتَظَاهُرِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : " مَا وُضِعَ فِي الْمِيزَان شَيْء أَثْقَل مِنْ حُسْن الْخُلُق " , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ الْأَخْبَار الَّتِي تُحَقِّق أَنَّ ذَلِكَ مِيزَان يُوزَن بِهِ الْأَعْمَال عَلَى مَا وَصَفْت . فَإِنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ جَاهِل بِتَوْجِيهِ مَعْنَى خَبَر اللَّه عَنْ الْمِيزَان وَخَبَر رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وِجْهَته , وَقَالَ : وَكَيْفَ تُوزَن الْأَعْمَال , وَالْأَعْمَال لَيْسَتْ بِأَجْسَامٍ تُوصَف بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّة , وَإِنَّمَا تُوزَن الْأَشْيَاء لِيُعْرَف ثِقَلهَا مِنْ خِفَّتهَا وَكَثْرَتهَا مِنْ قِلَّتهَا , وَذَلِكَ لَا يَجُوز إِلَّا عَلَى الْأَشْيَاء الَّتِي تُوصَف بِالثِّقَلِ وَالْخِفَّة وَالْكَثْرَة وَالْقِلَّة ؟ قِيلَ لَهُ فِي قَوْله : " وَمَا وَجْه وَزْن اللَّه الْأَعْمَال وَهُوَ الْعَالِم بِمَقَادِيرِهَا قَبْل كَوْنهَا " : وَزْن ذَلِكَ نَظِير إِثْبَاته إِيَّاهُ فِي أُمّ الْكِتَاب , وَاسْتِنْسَاخه ذَلِكَ فِي الْكِتَاب مِنْ غَيْر حَاجَة بِهِ إِلَيْهِ وَمِنْ غَيْر خَوْف مِنْ نِسْيَانه , وَهُوَ الْعَالِم بِكُلِّ ذَلِكَ فِي كُلّ حَال وَوَقْت قَبْل كَوْنه وَبَعْد وُجُوده , بَلْ لِيَكُونَ ذَلِكَ حُجَّة عَلَى خَلْقه , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي تَنْزِيله : { كُلّ أُمَّة تُدْعَى إِلَى كِتَابهَا الْيَوْم تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ هَذَا كِتَابنَا يَنْطِق عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ } 45 28 : 29 الْآيَة , فَكَذَلِكَ وَزْنه تَعَالَى أَعْمَال خَلْقه بِالْمِيزَانِ حُجَّة عَلَيْهِمْ وَلَهُمْ , إِمَّا بِالتَّقْصِيرِ فِي طَاعَته وَالتَّضْيِيع وَإِمَّا بِالتَّكْمِيلِ وَالتَّتْمِيم.

وَأَمَّا وَجْه جَوَاز ذَلِكَ , فَإِنَّهُ كَمَا : 11149 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن زِيَاد الْإِفْرِيقِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَزِيد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , قَالَ : يُؤْتَى بِالرَّجُلِ يَوْم الْقِيَامَة إِلَى الْمِيزَان , فَيُوضَع فِي الْكِفَّة , فَيَخْرُج لَهُ تِسْعَة وَتِسْعُونَ سِجِلًّا فِيهَا خَطَايَاهُ وَذُنُوبه . قَالَ : ثُمَّ يَخْرُج لَهُ كِتَاب مِثْل الْأُنْمُلَة , فِيهَا شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ : فَتُوضَع فِي الْكِفَّة فَتَرْجَح بِخَطَايَاهُ وَذُنُوبه . فَكَذَلِكَ وَزْن اللَّه أَعْمَال خَلْقه بِأَنْ يُوضَع الْعَبْد وَكُتُب حَسَنَاته فِي كِفَّة مِنْ كِفَّتَيْ الْمِيزَان , وَكُتُب سَيِّئَاته فِي الْكِفَّة الْأُخْرَى , وَيُحْدِث اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثِقَلًا وَخِفَّة فِي الْكِفَّة الَّتِي الْمَوْزُون بِهَا أَوْلَى اِحْتِجَاجًا مِنْ اللَّه بِذَلِكَ عَلَى خَلْقه كَفِعْلِهِ بِكَثِير مِنْهُمْ مِنْ اِسْتِنْطَاق أَيْدِيهمْ وَأَرْجُلهمْ , اِسْتِشْهَادًا بِذَلِكَ عَلَيْهِمْ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ حُجَجه . وَيُسْأل مَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ , فَيُقَال لَهُ : إِنَّ اللَّه أَخْبَرَنَا تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ يُثَقِّل مَوَازِين قَوْم فِي الْقِيَامَة وَيُخَفِّف مَوَازِين آخَرِينَ , وَتَظَاهَرَتْ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَحْقِيقِ ذَلِكَ , فَمَا الَّذِي أَوْجَبَ لَك إِنْكَار الْمِيزَان أَنْ يَكُون هُوَ الْمِيزَان الَّذِي وَصَفْنَا صِفَته الَّذِي يَتَعَارَفهُ النَّاس ؟

أَحُجَّة عَقْل ؟ فَقَدْ يُقَال : وَجْه صِحَّته مِنْ جِهَة الْعَقْل , وَلَيْسَ فِي وَزْن اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ خَلْقه وَكَتْب أَعْمَالهمْ , لِتَعْرِيفِهِمْ أَثْقَل الْقِسْمَيْنِ مِنْهَا بِالْمِيزَانِ خُرُوج مِنْ حِكْمَة , وَلَا دُخُول فِي جَوْر فِي قَضِيَّة , فَمَا الَّذِي أَحَالَ ذَلِكَ عِنْدك مِنْ حُجَّة أَوْ عَقْل أَوْ خَبَر ؟ إِذْ كَانَ لَا سَبِيل إِلَى حَقِيقَة الْقَوْل بِإِفْسَادِ مَا لَا يَدْفَعهُ الْعَقْل إِلَّا مِنْ أَحَد الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْت وَلَا سَبِيل إِلَى ذَلِكَ . وَفِي عَدَم الْبُرْهَان عَلَى صِحَّة دَعْوَاهُ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وُضُوح فَسَاد قَوْله وَصِحَّة مَا قَالَهُ أَهْل الْحَقّ فِي ذَلِكَ . وَلَيْسَ هَذَا الْمَوْضِع مِنْ مَوَاضِع الْإِكْثَار فِي هَذَا الْمَعْنَى عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْمِيزَان الَّذِي وَصَفْنَا صِفَته , إِذْ كَانَ قَصْدنَا فِي هَذَا الْكِتَاب الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل الْقُرْآن دُون غَيْره , وَلَوْلَا ذَلِكَ لَقَرَنَّا إِلَى مَا ذَكَرْنَا نَظَائِره , وَفِي الَّذِي ذَكَرْنَا مِنْ ذَلِكَ كِفَايَة لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ إِنْ شَاءَ اللَّه .

{9} وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسهمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِين أَعْمَاله الصَّالِحَة فَلَمْ تَثْقُل بِإِقْرَارِهِ بِتَوْحِيدِ اللَّه وَالْإِيمَان بِهِ وَبِرَسُولِهِ وَاتِّبَاع أَمْره وَنَهْيه , فَأُولَئِكَ الَّذِينَ غَبَنُوا أَنْفُسهمْ حُظُوظهَا مِنْ جَزِيل ثَوَاب اللَّه وَكَرَامَته ; { بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ } يَقُول : بِمَا كَانُوا بِحُجَجِ اللَّه وَأَدِلَّته يَجْحَدُونَ , فَلَا يُقِرُّونَ بِصِحَّتِهَا , وَلَا يُوقِنُونَ بِحَقِيقَتِهَا . كَاَلَّذِي : 11150 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد : { وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينه } قَالَ : حَسَنَاته . وَقِيلَ : " فَأُولَئِكَ " و " مَنْ " فِي لَفْظ الْوَاحِد , لِأَنَّ مَعْنَاهُ الْجَمْع , وَلَوْ جَاءَ مُوَحَّدًا كَانَ صَوَابًا فَصِيحًا .

{10} وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْض وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَقَدْ وَطَّأْنَا لَكُمْ أَيّهَا النَّاس فِي الْأَرْض , وَجَعَلْنَاهَا لَكُمْ قَرَارًا تَسْتَقِرُّونَ فِيهَا , وَمِهَادًا تَمْتَهِدُونَهَا , وَفِرَاشًا تَفْتَرِشُونَهَا . { وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِش } تَعِيشُونَ بِهَا أَيَّام حَيَاتكُمْ , مِنْ مَطَاعِم وَمَشَارِب , نِعْمَة مِنِّي عَلَيْكُمْ وَإِحْسَانًا مِنِّي إِلَيْكُمْ. { قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } يَقُول : وَأَنْتُمْ قَلِيل شُكْركُمْ عَلَى هَذِهِ النِّعَم الَّتِي أَنْعَمْتُهَا عَلَيْكُمْ لِعِبَادَتِكُمْ غَيْرِي , وَاِتِّخَاذكُمْ إِلَهًا سِوَايَ . وَالْمَعَايِش : جَمْع مَعِيشَة . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَتهَا , فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { مَعَايِش } بِغَيْرِ هَمْز , وَقَرَأَهُ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج : " مَعَائِش " بِالْهَمْزِ . وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ عِنْدنَا : { مَعَايِش } بِغَيْرِ هَمْز , لِأَنَّهَا مَفَاعِل مِنْ قَوْل الْقَائِل : عِشْت تَعِيش , فَالْمِيم فِيهَا زَائِدَة وَالْيَاء فِي الْحُكْم مُتَحَرِّكَة , لِأَنَّ وَاحِدهَا مَفْعَلَة مَعْيَشَة مُتَحَرِّكَة الْيَاء , نُقِلَتْ حَرَكَة الْيَاء مِنْهَا إِلَى الْعَيْن فِي وَاحِدهَا ; فَلَمَّا جُمِعَتْ رُدَّتْ حَرَكَتهَا إِلَيْهَا لِسُكُونِ مَا قَبْلهَا وَتَحَرُّكهَا . وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب بِالْيَاءِ وَالْوَاو إِذَا سَكَنَ مَا قَبْلهمَا وَتَحَرَّكَتَا فِي نَظَائِر مَا وَصَفْنَا مِنْ الْجَمْع الَّذِي يَأْتِي عَلَى مِثَال مَفَاعِل , وَذَلِكَ مُخَالِف لِمَا جَاءَ مِنْ الْجَمْع عَلَى مِثَال فَعَائِل الَّتِي تَكُون الْيَاء فِيهَا زَائِدَة لَيْسَتْ بِأَصْلٍ , فَإِنَّ مَا جَاءَ مِنْ الْجَمْع عَلَى هَذَا الْمِثَال فَالْعَرَب تَهْمِزهُ كَقَوْلِهِمْ : هَذِهِ مَدَائِن وَصَحَائِف وَنَظَائِر , لِأَنَّ مَدَائِن جَمْع مَدِينَة , وَالْمَدِينَة : فَعِيلَة مِنْ قَوْلهمْ : مَدَّنْت الْمَدِينَة , وَكَذَلِكَ صَحَائِف جَمْع صَحِيفَة , وَالصَّحِيفَة فَعِيلَة مِنْ قَوْلك : صَحَّفْت الصَّحِيفَة , فَالْيَاء فِي وَاحِدهَا زَائِدَة سَاكِنَة , فَإِذَا جُمِعَتْ هُمِزَتْ لِخِلَافِهَا فِي الْجَمْع الْيَاء الَّتِي كَانَتْ فِي وَاحِدهَا , وَذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي وَاحِدهَا سَاكِنَة , وَهِيَ فِي الْجَمْع مُتَحَرِّكَة , وَلَوْ جُعِلَتْ مَدِينَة مَفْعَلَة مِنْ دَانَ يَدِين , وَجُمِعَتْ عَلَى مَفَاعِل , كَانَ الْفَصِيح تَرْك الْهَمْز فِيهَا وَتَحْرِيك الْيَاء . وَرُبَّمَا هَمَزَتْ الْعَرَب جَمْع مَفْعَلَة فِي ذَوَات الْيَاء وَالْوَاو وَإِنْ كَانَ الْفَصِيح مِنْ كَلَامهَا تَرْك الْهَمْز فِيهَا , إِذَا جَاءَتْ عَلَى مَفَاعِل تَشْبِيهًا مِنْهُمْ جَمْعهَا بِجَمْعِ فَعِيلَة , كَمَا تُشَبِّه مَفْعَلًا بِفَعِيلٍ , فَتَقُول : مَسِيل الْمَاء , مِنْ سَالَ يَسِيل , ثُمَّ تَجْمَعهَا جَمْع " فَعِيل " , فَتَقُول هِيَ أَمْسِلَة فِي الْجَمْع تَشْبِيهًا مِنْهُمْ لَهَا بِجَمْعِ بَعِير وَهُوَ فَعِيل , إِذْ تَجْمَعهُ أَبْعِرَة , وَكَذَلِكَ يُجْمَع الْمَصِير وَهُوَ مَفْعَل مُصْرَان , تَشْبِيهًا لَهُ بِجَمْعِ بَعِير وَهُوَ فَعِيل , إِذْ تَجْمَعهُ بُعْرَان , وَعَلَى هَذَا هَمَزَ الْأَعْرَج : " مَعَائِش " , وَذَلِكَ لَيْسَ بِالْفَصِيحِ فِي كَلَامهَا . وَأَوْلَى مَا قُرِئَ بِهِ كِتَاب اللَّه مِنْ الْأَلْسُن , أَفْصَحهَا وَأَعْرَفهَا دُون أَنْكَرهَا وَأَشَذِّهَا.

{11} وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيس لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيل ذَلِكَ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } فِي ظَهْر آدَم أَيّهَا النَّاس , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } فِي أَرْحَام النِّسَاء خَلْقًا مَخْلُوقًا وَمِثَالًا مُمَثَّلًا فِي صُورَة آدَم. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11151 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } , قَوْله : { خَلَقْنَاكُمْ } يَعْنِي آدَم , وَأَمَّا صَوَّرْنَاكُمْ فَذُرِّيَّته.

* حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } الْآيَة , قَالَ : أَمَّا خَلَقْنَاكُمْ فَآدَم , وَأَمَّا صَوَّرْنَاكُمْ : فَذُرِّيَّة آدَم مِنْ بَعْده . 11152 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ أَبِي جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } يَعْنِي : آدَم , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } يَعْنِي : فِي الْأَرْحَام .

* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } يَقُول : خَلَقْنَاكُمْ خَلْق آدَم , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ . 11153 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } يَقُول : خَلَقْنَا آدَم ثُمَّ صَوَّرْنَا الذُّرِّيَّة فِي الْأَرْحَام .

11154 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : خَلَقَ اللَّه آدَم مِنْ طِين , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْد خَلْق , عَلَقَة ثُمَّ مُضْغَ

ة ثُمَّ عِظَامًا , ثُمَّ كَسَا الْعِظَام لَحْمًا , ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَر . 11155 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : خَلَقَ اللَّه آدَم ثُمَّ صَوَّرَ ذُرِّيَّته مِنْ بَعْده . 11156 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا عُمَر بْن هَارُون , عَنْ نَصْر بْن مشارس , عَنْ الضَّحَّاك : { خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : ذُرِّيَّته .

* حَدَّثَنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } يَعْنِي آدَم , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } , يَعْنِي : ذُرِّيَّته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَاب آبَائِكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11157 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال , وَصَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَام النِّسَاء .

* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , مِثْله . 11158 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُؤَمَّل , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : سَمِعْت الْأَعْمَش يَقْرَأ : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : خَلَقْنَاكُمْ فِي أَصْلَاب الرِّجَال , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِي أَرْحَام النِّسَاء . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : { خَلَقْنَاكُمْ } يَعْنِي آدَم , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } يَعْنِي فِي ظَهْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11159 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } قَالَ : آدَم , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : فِي ظَهْر آدَم .

* حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } فِي ظَهْر آدَم .

* حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج ; عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : صَوَّرْنَاكُمْ فِي ظَهْر آدَم .

* حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو سَعْد الْمَدَنِيّ , قَالَ : سَمِعْت مُجَاهِدًا فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : فِي ظَهْر آدَم لِمَا تَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ الثَّوَاب فِي الْآخِرَة . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ فِي بُطُون أُمَّهَاتكُمْ , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ فِيهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 11160 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , قَالَ : { خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } قَالَ : خَلَقَ اللَّه الْإِنْسَان فِي الرَّحِم , ثُمَّ صَوَّرَهُ فَشَقَّ سَمْعه وَبَصَره وَأَصَابِعه .

قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ } وَلَقَدْ خَلَقْنَا آدَم , { ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } بِتَصْوِيرِنَا آدَم , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مِنْ خِطَاب الْعَرَب الرَّجُل بِالْأَفْعَالِ تُضِيفهَا إِلَيْهِ , وَالْمَعْنِيّ فِي ذَلِكَ سَلَفه , وَكَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمَنْ بَيْن أَظْهُر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْيَهُود عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقكُمْ الطُّور خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ } 2 63 وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْخِطَاب الْمُوَجَّه إِلَى الْحَيّ الْمَوْجُود وَالْمُرَاد بِهِ السَّلَف الْمَعْدُوم , فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } مَعْنَاهُ : وَلَقَدْ خَلَقْنَا أَبَاكُمْ آدَم , ثُمَّ صَوَّرْنَاهُ .

وَإنَّمَا قُلْنَا هَذَا الْقَوْل أَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ , لِأَنَّ الَّذِي يَتْلُو ذَلِكَ قَوْله : { ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } وَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَمَرَ الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لِآدَم قَبْل أَنْ يُصَوِّر ذُرِّيَّته فِي بُطُون أُمَّهَاتهمْ , بَلْ قَبْل أَنْ يَخْلُق أُمَّهَاتهمْ , و " ثُمَّ " فِي كَلَام الْعَرَب لَا تَأْتِي إِلَّا بِإِيذَانِ اِنْقِطَاع مَا بَعْدهَا عَمَّا قَبْلهَا , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : قُمْت ثُمَّ قَعَدْت , لَا يَكُون الْقُعُود إِذْ عُطِفَ بِهِ بِ " ثُمَّ " عَلَى قَوْله : " قُمْت " إِلَّا بَعْد الْقِيَام , وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي جَمِيع الْكَلَام . وَلَوْ كَانَ الْعَطْف فِي ذَلِكَ بِالْوَاوِ جَازَ أَنْ يَكُون الَّذِي بَعْدهَا قَدْ كَانَ قَبْل الَّذِي قَبْلهَا , وَذَلِكَ كَقَوْلِ الْقَائِل : قُمْت وَقَعَدْت , فَجَائِز أَنْ يَكُون الْقُعُود فِي هَذَا الْكَلَام قَدْ كَانَ قَبْل الْقِيَام , لِأَنَّ الْوَاو تَدْخُل فِي الْكَلَام إِذَا كَانَتْ عَطْفًا لِتُوجِب لِلَّذِي بَعْدهَا مِنْ الْمَعْنَى مَا وَجَبَ لِلَّذِي قَبْلهَا مِنْ غَيْر دَلَالَة مِنْهَا بِنَفْسِهَا , عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي وَقْت وَاحِد أَوْ وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ , أَوْ إِنْ كَانَا فِي وَقْتَيْنِ أَيّهمَا الْمُتَقَدِّم وَأَيّهمَا الْمُتَأَخِّر .

فَلَمَّا وَصَفْنَا قُلْنَا إِنَّ قَوْله : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ } لَا يَصِحّ تَأْوِيله إِلَّا عَلَى مَا ذَكَرْنَا. فَإِنْ ظَنَّ ظَانّ أَنَّ الْعَرَب إِذَا كَانَتْ رُبَّمَا نَطَقَتْ " ثُمَّ " فِي مَوْضِع الْوَاو فِي ضَرُورَة شِعْر كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : سَأَلْت رَبِيعَة مَنْ خَيْرهَا أَبًا ثُمَّ أُمًّا فَقَالَتْ لِمَهْ بِمَعْنَى : أَبًا وَأُمًّا , فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِز أَنْ يَكُون نَظِيره , فَإِنَّ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظُنَّ ; وَذَلِكَ أَنَّ كِتَاب اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَزَلَ بِأَفْصَحِ لُغَات الْعَرَب , وَغَيْر جَائِز تَوْجِيه شَيْء مِنْهُ إِلَى الشَّاذّ مِنْ لُغَاتهَا وَلَهُ فِي الْأَفْصَح الْأَشْهَر مَعْنًى مَفْهُوم وَوَجْه مَعْرُوف . وَقَدْ وَجَّهَ بَعْض مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَته بِكَلَامِ الْعَرَب ذَلِكَ إِلَى أَنَّهُ مِنْ الْمُؤَخَّر الَّذِي مَعْنَاهُ التَّقْدِيم , وَزَعَمَ أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ , ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ : اُسْجُدُوا لِآدَم , ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ .

وَذَلِكَ غَيْر جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب , لِأَنَّهَا لَا تُدْخِل " ثُمَّ " فِي الْكَلَام وَهِيَ مُرَاد بِهَا التَّقْدِيم عَلَى مَا قَبْلهَا مِنْ الْخَبَر , وَإِنْ كَانُوا قَدْ يُقَدِّمُونَهَا فِي الْكَلَام , إِذَا كَانَ فِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا التَّأْخِير , وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : قَامَ ثُمَّ عَبْد اللَّه عَمْرو ; فَأَمَّا إِذَا قِيلَ : قَامَ عَبْد اللَّه ثُمَّ قَعَدَ عَمْرو , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون قُعُود عَمْرو كَانَ إِلَّا بَعْد قِيَام عَبْد اللَّه , إِذَا كَانَ الْخَبَر صِدْقًا , فَقَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا } نَظِير قَوْل الْقَائِل : قَامَ عَبْد اللَّه ثُمَّ قَعَدَ عَمْرو فِي أَنَّهُ غَيْر جَائِز أَنْ يَكُون أَمْر اللَّه الْمَلَائِكَة بِالسُّجُودِ لِآدَمَ كَانَ إِلَّا بَعْد الْخَلْق وَالتَّصْوِير لِمَا وَصَفْنَا قَبْل. وَأَمَّا قَوْله : { لِلْمَلَائِكَةِ اُسْجُدُوا لِآدَم } فَإِنَّهُ يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَلَمَّا صَوَّرْنَا آدَم وَجَعَلْنَاهُ خَلْقًا سَوِيًّا , وَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحنَا , قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ : اُسْجُدُوا لِآدَم , اِبْتِلَاء مِنَّا وَاخْتِبَارًا لَهُمْ بِالْأَمْرِ , لِيُعْلَم الطَّائِع مِنْهُمْ مِنْ الْعَاصِي ; { فَسَجَدُوا } يَقُول : فَسَجَدَ الْمَلَائِكَة { إِلَّا إِبْلِيس } فَإِنَّهُ { لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ } لِآدَم حِين أَمَرَهُ اللَّه مَعَ مَنْ أَمَرَ مِنْ سَائِر الْمَلَائِكَة غَيْره بِالسُّجُودِ. وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجَله اِمْتَحَنَ جَلَّ جَلَاله مَلَائِكَته بِالسُّجُودِ لِآدَم , وَأَمْر إِبْلِيس وَقَصَصه , وَبِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تفسير القران الكريم