منذ بدء تكون التجمعات البشرية الأولى قام بقيادتها زعيمان، الحاكم وظلّه الروحيّ (العرّاف أو الساحر) الذي يعينه في أمور الحكم عبر توثيق السلطة الزمنية بالسلطة الروحية المبنيّة على الخرافات والشعوذة، حينها لعب العرّافون دورا هامّا في وضع ما يشبه التشريع للمجتمعات لقولبتها حسب "رؤيا" الحاكم وإلا غضبت منهم الأرواح في قبورها وأنزلت بهم دمارا وخرابا. لقد تطوّرت هذه الوظيفة وحلّ دور رجال الدين محلّ العرّافين فيما سمي بعصر الإصلاح الدينيّ في أوروبا حيث سادت محاكم التفتيش وسيطر الفكر الدينيّ على الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية، وهي الحالة الأكثر تجذّرا في المجتمعات حتى المتطوّر منها، ما جعل العقيدة الأساسية تختفي خلف أقوال وأفعال وأحيانا ارتباكات السلطة الروحية وظلالها.
رغم التطوّر الحاصل والقفزات الكبرى للبشرية وصولا إلى مناقشة اقتسام الفضاء أو محاصصته، ما زال الدين من المحاور الهامّة المؤثّرة حتى يومنا هذا ليس على الجماهير فقط إنما على الرؤساء أيضا، فالرئيس جورج بوش الذي يقود أقوى دول العالم اكتشف القوّة الدينية اليمينية التي تغلغلت في الحزب الجمهوريّ وتحوّلت إلى قوّة سياسية ضاربة، خصوصا في الجنوب الأمريكيّ، واستفاد منها بوش في تقلّد منصب حاكم ولاية تكساس، ثم في انتخابه رئيسا فيما بعد، مصرّحا عن الرجل الذي أثّر في حياته الدينية (القسيس "بيل غراهام" أبرز وجوه اليمين المسيحيّ الصهيونيّ في أميركا) قائلا "إنه الرجل الذي قادني إلى الربّ". منحته تلك القوى "رؤياه" فأنصاره على الأغلب من البيض البروتستانت، وممن ينتمون للكنيسة المعمدانية أو الكنيسة المنهجية التي ينتمي إليها، ومعظم اليهود الأمريكيين بمختلف طوائفهم المتدينة والليبرالية يؤيّدون بقوّة سياساته في فلسطين والعراق، منهم مَن صاغ تلك السياسة وخطط لها عبر معاهد الدارسات الفاعلة في توجيه سياسة الإدارات الأمريكية، وأثناء غزو العراق قدم ريتشارد بيرل الذي ترأّس فريق "معهد الاستراتيجيات المتقدمة والدراسات السياسية" اقتراحاته حول ضرورة الغزو آنذاك، ودعا إلى انتهاج سياسة هجومية عدائية ضدّ الفلسطينيين، والتخلّي عن فكرة "السّلام الشامل" لصالح فكرة "السلام القائم على ميزان القوى" ونذكر أنه عمل عضوا في مجلس إدارة "المعهد اليهوديّ لدراسات الأمن القوميّ" ومديرا لصحيفة "الجيروزالم بوست" الإسرائيلية. كما ترأّس "مجلس سياسات الدفاع" في الولايات المتحدة، وعمل مستشارا لوزير الدفاع دونالد رامسفيلد آنذاك.
أمّا في بلادنا الإسلامية فيتمّ استخدام الدّين لإخضاع المجتمعات العربية وسوقها عندما ترغب بذلك السلطة الحاكمة التي ما زالت غارقة في نظرية السلطة والخلافة في الفكر السياسيّ الإسلاميّ، فهي تحتضن مؤدلجيها وكلّ من يخدم مصالحها في مؤسسات لا تعمل لخدمة الدين بل لخدمة أهداف لا تقلّ خطرا عن خطر الجهل في هذه المجتمعات، فالعاملون في هذه المؤسسات هم موظفون يدّعون أنهم قيّمون على الإنسان -عقله وقلبه وعواطفه- يركزون على إلهاء المجتمعات بالقشور والصغائر التافهة وتجاهل القضايا المصيرية (دائما حسب رغبة السلطة الحاكمة وقرارها) بحيث يكثر اللغط والاجتهاد والفتاوى التي تزداد تأجّجا كلما ازدادت الأزمات الخارجية أو الداخلية في هذا البلد أو ذاك، ومن إصدارات هذه المؤسسات- على سبيل المثال- بعض الفتاوى التي تصدرت الأحداث دون مبرر لوجودها سوى التشويه والإفلاس والإلهاء.
في سنوات الانتفاضة الفلسطينية الأولى أصدر ناصر الدين الألباني عضو رابطة علماء فلسطين، فتوى تشجع الفلسطينيين على مغادرة وطنهم حفاظاً على حياتهم من "بطش اليهود" ولأنّهم ما عادوا يأمنون هناك على أنفسهم ودينهم
| وقبل ذلك زار الرئيس المصري الأسبق أنور السادات القدس عام 1977 ووقّع معاهدة كامب ديفيد مزوّدا بفتاوى تدعو للسلام من المصادر نفسها التي أفتت له بصوابية حرب تشرين –أكتوبر 1973، وجهة أخرى تكفّره فتاوى علماء إسلاميين خارج إطار الأزهر. فقد انقسمت الفتوى الدينية بحسب الانقسام السياسيّ الذي حلّ بالعرب حينها دون أن يلاحظ المفتون أنّ الإفتاء في أمر سياسيّ متغيّر قضية محرجة تفيد فقط في نزع احترامهم. أمّا الفتوى التي تمّت بحق المفكر المصري سيّد القمني لانتقاده الفكر الظلاميّ الذي يؤمن أتباعه بامتلاك الحقيقة المطلقة، ولو أعادتنا إلى مراحل ما قبل التاريخ، فقد أرغمته على التراجع عن " كفرياته "على صفحات روز اليوسف. لتأتي الفتوى التي قدمها السيد السيستاني بمكروهية زواج الشيعيّة من السنّيّ (رغم كثرتها) خوفاً من الفتنة | | متناسيا أنّ الفتنة تقع في حال عدم الاختلاط وليس به. أما الفتاوى التي ارتكبت بحقّ المرأة فهي كثيرة من تصفّح المرأة للإنترنت بدون محرم الى كلّ ما سبقها وما لحقها وجميعها لا تخلو من الإدهاش وأحيانا المخالفة للعقيدة ذاتها فالفتوى التي فجّرها د.عزت عطية رئيس قسم الحديث بكلية أصول الدين بجامعة الأزهر حيث أباح للمرأة العاملة أن تقوم بإرضاع زميلها في العمل خمس رضعات منعاً للخلوة المحرمة، وأكد عطية لـ"العربية.نت" إن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي رخّص ذلك، وأنّ من ينفذ أمراً شرعياً أو رخصة شرعية يقوم بعمل دينيّ في إتباع الشرع. ولم يكتف (الفتّاؤون) فقد برز القاضي السعودي اللحيدان رئيس مجلس القضاء السعودي الأعلى الذي أثار ضجة ولا يزال في فتواه بوجوب قتل بعض أصحاب الفضائيات، ثم عدّل الفتوى بإقراره أنّ الحكم بالقتل يجب أن يصدر من القضاء بعد الفحص والتمحيص | | ليتبعه رجل الدين السعوديّ محمد المنجّد مهاجما الفئران بضراوة داعياً إلى قتلها في الحلّ والحرم بوصفها ممقوتة في الشريعة الإسلامية وهي من جنود إبليس. وأخيرا وليس آخرا الشيخ بن جبرين وفتواه التي تعتبر بحق فتوى «تكميم الأفواه» من الدرجة الأولى، حيث أفتى لا فُضّ فوه بجلد كل من ينتقد العلماء المذكورين | .
يمكن القول، رغم وفاة الرسول التي رافقها اعتراف بانتهاء عهد النبوة فكان آخر الأنبياء، ما زالت النصوص المقدسة والأحاديث النبوية تلاك وتتلوّن على لسان بعض العرّافين الأدعياء كبعد إيديولوجيّ لا يقلّ تأثيره ببعض النفوس عن العقيدة نفسها. وما ينطق به الفقهاء وعلماء الدين والمفتون فيه تناسٍ لعملية التطور في المجتمعات وتنظيمها يدفعهم للسقوط في عدم التوفيق بين ما هو دينيّ وما هو دنيويّ. في النتيجة لا نستطيع تحمّيل القسيس بيل غراهام مسؤولية خطايا جورج بوش و"رؤياه" ونتائجها المدمرة بالكامل، لكن لن نتجاهل آثاره الدموية كعرّاف، بالمقابل نرى أنّ استعادة مدينة القدس من وجهة النظر الدينية أهم بكثير من الانشغال بنشر مصائد الفئران. ونجد أنّ عمل السحرة والعرّافين محفوف دائما بمخاطر انقلاب السّحر على الساحر. فالفكر ليس كالمادة في سرعة الانقراض لذا تبدو تأثيراته الكبيرة والصغيرة قائمة، وانّ حالة التضادّ بين الماديين والمثاليين من خلال مواقف دينية أو علمانية تندرج ضمن الصراع الفكريّ الذي يؤكد على الجهود المبذولة أو الواجب بذلها من قبل المفكرين العرب والاتجاهات العلمانية في صياغة الإصلاح المتعلق بثقافتنا الروحية وتعاليم الأسلاف التي تحولت إلى نصوص مغلقة تهدد كل من يقترب منها أو يجاورها بفتوى التكفير والارتداد والدعوة للقتل. وتغيير هذه الحالة لن يتمّ إلا بالتأكيد على حتمية الطلاق بين المؤسسات الدينية والسلطة الزمنية واعتبار مرجعية الأولى هي النص الثابت أما الثانية فالتحوّل الدائم ـ بحكم التطوّر الذي يرافق المجتمعات الإنسانية ـ هو مرجعيتها المطلقة.
إن التنظيمات الإسلاميّة التكفيرية أخذت في الإعداد لتكون البديل الديني والفكر النقيض لكل ما هو سياسي سائد في العالم، معتبرة أن النهج الديني هو البديل السليم لكل الأفكار والأيديولوجيات والمنقذ من كل الأدوات المصطنعة والفتاكة التي أنتجها العلم، وأنه لا خيار للنجاة وتحقيق العدل إلا بالعقيدة الإسلامية التي تمتلك أجوبة جاهزة دون تعب أو عناء عبر ما انزل من السماء لتنظيم حياة البشر، وهذا النهج الديني يترافق بشكل مباشر بقوى سياسية داعمة لهذه السلطة الدينية التي تعيد إنتاج ذاتها في ظل موازين القوى ودعم الحكومات ما أدى بمرور الوقت الى نمو التيارات الدينية والقوى الطائفية وحركات الدعوة والتبشير والتكفير… والتي لا تعيش إلا بكنف أنظمة قادرة على تبادل المصالح معها، واصلين إلى مآربهم عبر وسائل الإعلام والتعليم وقوانين الأحوال الشخصية في المحكمة والمسجد وكل الأجهزة التي تنشئها الحكومات والتي تدعم بشكل أو بآخر أسباب وجود وانتشار هؤلاء كحل قائم لأمور الدنيا.
والأمثلة في تاريخنا كثيرة كما حدث في عهد المأمون وصولا إلى مباريات اصطياد رؤوس المعتزلة في عهد المتوكل العباسي، ولم تتوقف مسألة رفض الآخر وإحلال القصاص منه وهدر دمه حسب مشيئة السلطة السياسية القائمة والداعمة لاستغلال النهج الديني عبر مفاهيمه المتجذرة داخل عقول تسجل وتحفظ فقط.
المراجع
alawan.org
التصانيف
ثقافة العلوم الاجتماعية مقالات
login |