ينصرف ذهننا عند ذكر العدمية إلى فلسفات العبث وتيارات اللامعقول وجميع المذاهب الفوضوية والمواقف المتشكّكة. يرى نيتشه أنّ هذه المواقف والتيارات، إذ تحاول أن تتجاوز ما يطلق عليه "العدمية الضمنية" التي يجسّدها الموقف الأفلاطوني، فهي تظل مع ذلك سجينة التأويل الميتافيزيقي وتبقى من ثمة "عدمية ناقصة".

فإذا كان ما تعدمه "العدمية الضمنية" هو ما يطلق عليه نيتشه الحياة، أي العالم من حيث هو تناقض وتعدّد وصيرورة، إذا كانت العدمية الضمنية تعدم الحياة فتبتدع " العالم الحقيقيّ"، فإنّ "العدمية الناقصة" التي تريد أن تذهب بالفكر إلى مداه البعيد سعيا وراء "الحقيقة كل الحقيقة"، لا تحيد عن التصوّر الميتافيزيقيّ الذي يقول بتأويل واحد حقّ: " تظهر العدمية من جديد لا لأنّ النفور من الحياة أصبح أقوى مما كان عليه، وإنما احتراسا وتخوّفا من إمكانية وجود المعنى. لقد قضت هذه العدمية على تأويل بعينه. ولكن بما أنّها كانت تنظر إلى هذا التأويل على أنّه التأويل الوحيد الممكن يظهر لها أنّه لم يعد للحياة من معنى وأنّ كلّ شيء تافه لا جدوى منه".

بهذا المعنى فإنّ هذه العدمية، رغم تشكّكها فهي لا تحيد عن دائرة الميتافيزيقا، وهي تفكّر وفق أزواجها المعهودة، لذا فهي تبقى ناقصة رغم ما قد تتوهّمه من أنها ذهبت إلى أقصى ما يمكن، وبحثت عن الحقيقة مهما كان الثمن. إنها لا تنفي المعنى إلا بحثا عن المعنى. في هذا الإطار كان نيتشه يقول عن الشكاّك إنهم يشكّون "إيمانا بالحقيقة".

وعلى رغم ذلك فقد ظلّ هذا المعنى هو المعنى الشائع عن العدمية. فعندما يُنعت فكر ما بأنه فكر عدميّ غالبا ما ينصرف الذهن إلى هذا المعنى مع ما يحمله من تشكّك على مستوى الاعتقاد، ومن عطالة على مستوى الفعل.

لا نستطيع أن نتبيّن، والحالة هذه، كيف ينعت فيلسوف في مستوى جياني فاتيمو فكره بأنه عدميّ ما لم نفهم العدمية على أنها لا تكون كذلك ما لم تكتمل. وهي لن تكتمل إلا إن هي "خرجت" عن منطق الميتافيزيقا وفكّكت أزواجها، وأعادت النظر في واحدية التأويل وأحادية المعنى، مع ما يستلزمه ذلك من قضاء على التمييز الأفلاطوني بين الحقيقة والمظهر، ومن إعادة الاعتبار للمظهر الذي سيغدو هو الوجود الحقّ الذي تنطبق عليه جميع النعوت، "بما فيها النعوت المتناقضة".

ضدّ العدمية الناقصة "المعدمة"، تقف العدمية "المكتملة" الثريّة التي لا تخلص إلى العطالة والتشكك، وإنما إلى الثراء والتعدّد : تعدّد التأويلات وفيض المعاني.


المراجع

alawan.org

التصانيف

ثقافة   العلوم الاجتماعية   مقالات