{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَهْل الْكِتَاب } : يَا أَهْل الْإِنْجِيل مِنْ النَّصَارَى , { لَا تَغْلُوا فِي دِينكُمْ } يَقُول : لَا تُجَاوِزُوا الْحَقّ فِي دِينكُمْ فَتُفَرِّطُوا فِيهِ , وَلَا تَقُولُوا فِي عِيسَى غَيْر الْحَقّ , فَإِنَّ قِيلكُمْ فِي عِيسَى إِنَّهُ اِبْن اللَّه قَوْل مِنْكُمْ عَلَى اللَّه غَيْر الْحَقّ , لِأَنَّ اللَّه لَمْ يَتَّخِذ وَلَدًا , فَيَكُون عِيسَى أَوْ غَيْره مِنْ خَلْقه لَهُ اِبْنًا . { وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّه إِلَّا الْحَقّ } وَأَصْل الْغُلُوّ فِي كُلّ شَيْء : مُجَاوَزَة حَدّه الَّذِي هُوَ حَدّه , يُقَال مِنْهُ فِي الدِّين قَدْ غَلَا فَهُوَ يَغْلُو غُلُوًّا , وَغَلَا بِالْجَارِيَةِ عَظْمهَا وَلَحْمهَا : إِذَا أَسْرَعَتْ الشَّبَاب , فَجَاوَزَتْ لِدَاتِهَا , يَغْلُو بِهَا غُلُوًّا وَغَلَاء ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل الْحَارِث بْن خَالِد الْمَخْزُومِيّ : خَمْصَانَة قَلِق مُوَشَّحهَا رُؤْد الشَّبَاب غَلَا بِهَا عَظْم 8531 - وَقَدْ حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَالَ : صَارُوا فَرِيقَيْنِ : فَرِيق غَلَوْا فِي الدِّين , فَكَانَ غُلُوّهُمْ فِيهِ : الشَّكّ فِيهِ وَالرَّغْبَة عَنْهُ . وَفَرِيق مِنْهُمْ قَصَرُوا عَنْهُ فَفَسَقُوا عَنْ أَمْر رَبّهمْ .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم رَسُول اللَّه } يَعْنِي ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا الْمَسِيح عِيسَى اِبْن مَرْيَم } : مَا الْمَسِيح أَيّهَا الْغَالُونَ فِي دِينهمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب بِابْنِ اللَّه كَمَا تَزْعُمُونَ , وَلَكِنَّهُ عِيسَى اِبْن مَرْيَم دُون غَيْرهَا مِنْ الْخَلْق , لَا نَسَب لَهُ غَيْر ذَلِكَ . ثُمَّ نَعَتَهُ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِنَعْتِهِ وَوَصَفَهُ بِصِفَتِهِ , فَقَالَ : هُوَ رَسُول اللَّه , أَرْسَلَهُ اللَّه بِالْحَقِّ إِلَى مَنْ أَرْسَلَهُ إِلَيْهِ مِنْ خَلْقه . وَأَصْل الْمَسِيح : الْمَمْسُوح , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , وَسَمَّاهُ اللَّه بِذَلِكَ لِتَطْهِيرِهِ إِيَّاهُ مِنْ الذُّنُوب ; وَقِيلَ : مُسِحَ مِنْ الذُّنُوب وَالْأَدْنَاس الَّتِي تَكُون فِي الْآدَمِيِّينَ , كَمَا يُمْسَح الشَّيْء مِنْ الْأَذَى الَّذِي يَكُون فِيهِ فَيَطْهُر مِنْهُ , وَلِذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد وَمَنْ قَالَ مِثْل قَوْله : الْمَسِيح : الصِّدِّيق. وَقَدْ زَعَمَ بَعْض النَّاس أَنَّ أَصْل هَذِهِ الْكَلِمَة عِبْرَانِيَّة أَوْ سُرْيَانِيَّة " مَشِيحَا " فَعُرِّبَتْ , فَقِيلَ الْمَسِيح , كَمَا عُرِّبَ سَائِر أَسْمَاء الْأَنْبِيَاء الَّتِي فِي الْقُرْآن مِثْل إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمُوسَى وَعِيسَى . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَلَيْسَ مَا مُثِّلَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لِلْمَسِيحِ بِنَظِيرٍ ; وَذَلِكَ أَنَّ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , أَسْمَاء لَا صِفَات , وَالْمَسِيح صِفَة , وَغَيْر جَائِز أَنْ تُخَاطَب الْعَرَب وَغَيْرهَا مِنْ أَجْنَاس الْخَلْق فِي صِفَة شَيْء إِلَّا بِمِثْلِ مَا يُفْهَم عَمَّنْ خَاطَبَهَا , وَلَوْ كَانَ الْمَسِيح مِنْ غَيْر كَلَام الْعَرَب وَلَمْ تَكُنْ الْعَرَب تَعْقِل مَعْنَاهُ مَا خُوطِبَتْ بِهِ . وَقَدْ أَتَيْنَا مِنْ الْبَيَان عَنْ نَظَائِر ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا فِيهِ الْكِفَايَة عَنْ إِعَادَته. وَأَمَّا الْمَسِيح الدَّجَّال , فَإِنَّهُ أَيْضًا بِمَعْنَى الْمَمْسُوح الْعَيْن , صُرِفَ مِنْ مَفْعُول إِلَى فَعِيل , فَمَعْنَى الْمَسِيح فِي عِيسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمَمْسُوح الْبَدَن مِنْ الْأَدْنَاس وَالْآثَام , وَمَعْنَى الْمَسِيح فِي الدَّجَّال : الْمَمْسُوح الْعَيْن الْيُمْنَى أَوْ الْيُسْرَى كَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا وَأَمَّا قَوْله : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِالْكَلِمَةِ : الرِّسَالَة الَّتِي أَمَرَ اللَّه مَلَائِكَته أَنْ تَأْتِيَ مَرْيَم بِهَا , بِشَارَة مِنْ اللَّه لَهَا الَّتِي ذَكَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي قَوْله : { إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَة يَا مَرْيَم إِنَّ اللَّه يُبَشِّرك بِكَلِمَةٍ مِنْهُ } يَعْنِي : بِرِسَالَةٍ مِنْهُ , وَبِشَارَة مِنْ عِنْده وَقَدْ قَالَ قَتَادَة فِي ذَلِكَ , مَا : 8532 - حَدَّثَنَا بِهِ الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة : { وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } قَالَ : هُوَ قَوْله : كُنْ فَكَانَ. وَقَدْ بَيَّنَّا اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ مِنْ أَهْل الْإِسْلَام فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع. وَقَوْله : { أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم } يَعْنِي : أَعْلَمَهَا بِهَا وَأَخْبَرَهَا , كَمَا يُقَال : أَلْقَيْت إِلَيْك كَلِمَة حَسَنَة , بِمَعْنَى أَخْبَرْتُك بِهَا , وَكَلَّمْتُك بِهَا .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا وَأَمَّا قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } فَإِنَّ أَهْل الْعِلْم اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَنَفْخَة مِنْهُ , لِأَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ نَفْخَة جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام فِي دِرْع مَرْيَم بِأَمْرِ اللَّه إِيَّاهُ بِذَلِكَ , فَنُسِبَ إِلَى أَنَّهُ رُوح مِنْ اللَّه , لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ كَانَ , قَالَ : وَإِنَّمَا سُمِّيَ النَّفْخ رُوحًا لِأَنَّهَا رِيح تَخْرُج مِنْ الرُّوح , وَاسْتَشْهَدُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلهمْ بِقَوْلِ ذِي الرُّمَّة فِي صِفَة نَار نَعَتَهَا : فَلَمَّا بَدَتْ كَفَّنْتهَا وَهْيَ طِفْلَة بِطَلْسَاء لَمْ تَكْمُل ذِرَاعًا وَلَا شِبْرًا وَقُلْت لَهُ اِرْفَعْهَا إِلَيْك وَأَحْيِهَا بِرُوحِك وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَة قَدْرَا وَظَاهِرْ لَهَا مِنْ بَائِس الشَّخْت وَاسْتَعِنْ عَلَيْهَا الصَّبَا وَاجْعَلْ يَدَيْك لَهَا سِتْرَا فَلَمَّا جَرَتْ لِلْجَزْلِ جَرْيًا كَأَنَّهُ سَنَا الْبَرْق أَحْدَثْنَا لِخَالِقِهَا شُكْرَا وَقَالُوا : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : أَحْيِهَا بِرُوحِك : أَيْ أَحْيِهَا بِنَفْخِك . وَقَالَ بَعْضهمْ : يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَرُوح مِنْهُ } : أَنَّهُ كَانَ إِنْسَانًا بِإِحْيَاءِ اللَّه لَهُ بِقَوْلِهِ : " كُنْ " , قَالُوا : وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } : وَحَيَاة مِنْهُ , بِمَعْنَى : إِحْيَاء اللَّه إِيَّاهُ بِتَكْوِينِهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { وَرُوح مِنْهُ } وَرَحْمَة مِنْهُ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي مَوْضِع آخَر : { وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ } 58 22 . قَالَ : وَمَعْنَاهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع : وَرَحْمَة مِنْهُ . قَالَ : فَجَعَلَ اللَّه عِيسَى رَحْمَة مِنْهُ عَلَى مَنْ اِتَّبَعَهُ وَآمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ , لِأَنَّهُ هَدَاهُمْ إِلَى سَبِيل الرَّشَاد . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَرُوح مِنْ اللَّه خَلَقَهَا فَصَوَّرَهَا , ثُمَّ أَرْسَلَهَا إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَتْ فِي فِيهَا , فَصَيَّرَهَا اللَّه تَعَالَى رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8533 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن سَعْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ } 7 172 قَالَ : أَخَذَهُمْ فَجَعَلَهُمْ أَرْوَاحًا , ثُمَّ صَوَّرَهُمْ , ثُمَّ اِسْتَنْطَقَهُمْ , فَكَانَ رُوح عِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاح الَّتِي أَخَذَ عَلَيْهَا الْعَهْد وَالْمِيثَاق , فَأَرْسَلَ ذَلِكَ الرُّوح إِلَى مَرْيَم , فَدَخَلَ فِي فِيهَا فَحَمَلَتْ الَّذِي خَاطَبَهَا , وَهُوَ رُوح عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى الرُّوح هَهُنَا : جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . قَالُوا : وَمَعْنَى الْكَلَام : وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم , وَأَلْقَاهَا أَيْضًا إِلَيْهَا رُوح مِنْ اللَّه , ثُمَّ مِنْ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام . وَلِكُلِّ هَذِهِ الْأَقْوَال وَجْه وَمَذْهَب غَيْر بَعِيد مِنْ الصَّوَاب .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُله } فَصَدِّقُوا يَا أَهْل الْكِتَاب بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه وَرُبُوبِيَّته , وَأَنَّهُ لَا وَلَد لَهُ , وَصَدِّقُوا رُسُله فِيمَا جَاءُوكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَفِيمَا أَخْبَرْتُكُمْ بِهِ أَنَّ اللَّه وَاحِد لَا شَرِيك لَهُ , وَلَا صَاحِبَة لَهُ , وَلَا وَلَد لَهُ.
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا { وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَة } يَعْنِي : وَلَا تَقُولُوا الْأَرْبَاب ثَلَاثَة . وَرُفِعَتْ الثَّلَاثَة بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر , وَهُوَ " هُمْ " . وَمَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تَقُولُوا هُمْ ثَلَاثَة. وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ لِأَنَّ الْقَوْل حِكَايَة , وَالْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي الْحِكَايَة , وَمِنْهُ قَوْل اللَّه : { سَيَقُولُونَ ثَلَاثَة رَابِعهمْ كَلْبهمْ } وَكَذَلِكَ كُلّ مَا وَرَدَ مِنْ مَرْفُوع بَعْد الْقَوْل لَا رَافِع مَعَهُ , فَفِيهِ إِضْمَار اِسْم رَافِع لِذَلِكَ الِاسْم .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ثُمَّ قَالَ لَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ مُتَوَعِّدًا لَهُمْ فِي قَوْلهمْ الْعَظِيم الَّذِي قَالُوهُ فِي اللَّه : اِنْتَهُوا أَيّهَا الْقَائِلُونَ اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة عَمَّا تَقُولُونَ مِنْ الزُّور وَالشَّكّ بِاَللَّهِ , فَإِنَّ الِانْتِهَاء عَنْ ذَلِكَ خَيْر لَكُمْ مِنْ قِيله , لِمَا لَكُمْ عِنْد اللَّه مِنْ الْعِقَاب الْعَاجِل لَكُمْ عَلَى قِيلكُمْ ذَلِكَ , إِنْ أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ وَلَمْ تُنِيبُوا إِلَى الْحَقّ الَّذِي أَمَرْتُكُمْ بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ وَالْآجِل فِي مَعَادكُمْ.
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا اللَّه إِلَه وَاحِد } : مَا اللَّه أَيّهَا الْقَائِلُونَ : اللَّه ثَالِث ثَلَاثَة كَمَا تَقُولُونَ , لِأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ وَلَد فَلَيْسَ بِإِلَهٍ , وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ لَهُ صَاحِبَة فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون إِلَهًا مَعْبُودًا , وَلَكِنَّ اللَّه الَّذِي لَهُ الْأُلُوهَة وَالْعِبَادَة , إِلَه وَاحِد مَعْبُود , لَا وَلَد لَهُ , وَلَا وَالِد , وَلَا صَاحِبَة , وَلَا شَرِيك .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ثُمَّ نَزَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَفْسه وَعَظَّمَهَا وَرَفَعَهَا عَمَّا قَالَ فِيهِ أَعْدَاؤُهُ الْكَفَرَة بِهِ , فَقَالَ : { سُبْحَانه أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد } يَقُول : عَلَا اللَّه وَجَلَّ وَعَزَّ وَتَعَظَّمَ وَتَنَزَّهَ عَنْ أَنْ يَكُون لَهُ وَلَد أَوْ صَاحِبَة .
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا ثُمَّ أَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَاده أَنَّ عِيسَى وَأُمّه , وَمَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض , عَبِيده , وَمُلْكه , وَخَلْقه , وَأَنَّهُ رَازِقهمْ وَخَالِقهمْ , وَأَنَّهُمْ أَهْل حَاجَة وَفَاقَة إِلَيْهِ , اِحْتِجَاجًا مِنْهُ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ اِدَّعَى أَنَّ الْمَسِيح اِبْنه , وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ اِبْنه كَمَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ ذَا حَاجَة إِلَيْهِ , وَلَا كَانَ لَهُ عَبْدًا مَمْلُوكًا , فَقَالَ : { لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض } يَعْنِي : لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ الْأَشْيَاء كُلّهَا , مُلْكًا وَخَلْقًا , وَهُوَ يَرْزُقهُمْ وَيَقُوتهُمْ وَيُدَبِّرهُمْ , فَكَيْفَ يَكُون الْمَسِيح اِبْنًا لِلَّهِ وَهُوَ فِي الْأَرْض أَوْ فِي السَّمَوَات غَيْر خَارِج مِنْ أَنْ يَكُون فِي بَعْض هَذِهِ الْأَمَاكِن !
{171} يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا وَقَوْله : { وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } يَقُول : وَحَسْب مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض بِاَللَّهِ قَيِّمًا وَمُدَبِّرًا وَرَازِقًا , مِنْ الْحَاجَة مَعَهُ إِلَى غَيْره .
{172} لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح } : لَنْ يَأْنَف وَلَنْ يَسْتَكْبِر الْمَسِيح { أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ } يَعْنِي : مِنْ أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ . كَمَا : 8534 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { لَنْ يَسْتَنْكِف الْمَسِيح أَنْ يَكُون عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ } : لَنْ يَحْتَشِم الْمَسِيح أَنْ يَكُون عَبْد اللَّه وَلَا الْمَلَائِكَة .
{172} لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا وَأَمَّا قَوْله : { وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَنْ يَسْتَنْكِف أَيْضًا مِنْ الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَالْإِذْعَان لَهُ بِذَلِكَ رُسُله الْمُقَرَّبُونَ الَّذِينَ قَرَّبَهُمْ اللَّه وَرَفَعَ مَنَازِلهمْ عَلَى غَيْرهمْ مِنْ خَلْقه . وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي ذَلِكَ مَا : 8535 - حَدَّثَنِي بِهِ جَعْفَر بْن مُحَمَّد الْبُزُورِيّ , قَالَ : ثنا يَعْلَى بْن عُبَيْد , عَنْ الْأَجْلَح , قَالَ : قُلْت لِلضَّحَّاكِ : مَا الْمُقَرَّبُونَ ؟ قَالَ : أَقْرَبهمْ إِلَى السَّمَاء الثَّانِيَة .
{172} لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَسْتَنْكِف عَنْ عِبَادَته وَيَسْتَكْبِر فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : وَمَنْ يَتَعَظَّم عَنْ عِبَادَة رَبّه , وَيَأْنَف مِنْ التَّذَلُّل وَالْخُضُوع لَهُ بِالطَّاعَةِ مِنْ الْخَلْق كُلّهمْ , وَيَسْتَكْبِر عَنْ ذَلِكَ .
{172} لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا يَقُول : فَسَيَبْعَثُهُمْ يَوْم الْقِيَامَة جَمِيعًا , فَيَجْمَعهُمْ لِمَوْعِدِهِمْ عِنْده .
{173} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورهمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِذَلِكَ : فَأَمَّا الْمُؤْمِنُونَ الْمُقِرُّونَ بِوَحْدَانِيَّةِ اللَّه , الْخَاضِعُونَ لَهُ بِالطَّاعَةِ , الْمُتَذَلِّلُونَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَالْعَامِلُونَ الصَّالِحَات مِنْ الْأَعْمَال , وَذَلِكَ أَنْ يُرَدُّوا عَلَى رَبّهمْ , قَدْ آمَنُوا بِهِ وَبِرُسُلِهِ , وَعَمِلُوا بِمَا أَتَاهُمْ بِهِ رُسُله مِنْ عِنْد رَبّهمْ , مِنْ فِعْل مَا أَمَرَهُمْ بِهِ , وَاجْتِنَاب مَا أَمَرَهُمْ بِاجْتِنَابِهِ ; { فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورهمْ } يَقُول : فَيُؤْتِيهِمْ جَزَاء أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة وَافِيًا تَامًّا .
{173} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا { وَيَزِيدهُمْ مِنْ فَضْله } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَيَزِيدهُمْ عَلَى مَا وَعَدَهُمْ مِنْ الْجَزَاء عَلَى أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة وَالثَّوَاب عَلَيْهَا مِنْ الْفَضْل وَالزِّيَادَة مَا لَمْ يُعَرِّفهُمْ مَبْلَغه وَلَمْ يَحُدّ لَهُمْ مُنْتَهَاهُ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه وَعَدَ مَنْ جَاءَ مِنْ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ بِالْحَسَنَةِ الْوَاحِدَة عَشْر أَمْثَالهَا مِنْ الثَّوَاب وَالْجَزَاء , فَذَلِكَ هُوَ أَجْر كُلّ عَامِل عَلَى عَمَله الصَّالِح مِنْ أَهْل الْإِيمَان الْمَحْدُود مَبْلَغه , وَالزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ تَفَضُّل مِنْ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَإِنْ كَانَ كُلّ ذَلِكَ مِنْ فَضْله عَلَى عِبَاده ; غَيْر أَنَّ الَّذِي وَعَدَ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُوَفِّيَهُمْ فَلَا يَنْقُصهُمْ مِنْ الثَّوَاب عَلَى أَعْمَالهمْ الصَّالِحَة , هُوَ مَا حَدَّ مَبْلَغه مِنْ الْعَشْر , وَالزِّيَادَة عَلَى ذَلِكَ غَيْر مَحْدُود مَبْلَغهَا , فَيَزِيد مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه عَلَى ذَلِكَ قَدْر مَا يَشَاء , لَا حَدّ لِقَدْرِهِ يُوقَف عَلَيْهِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : الزِّيَادَة إِلَى سَبْعمِائَةِ ضِعْف . وَقَالَ آخَرُونَ : إِلَى أَلْفَيْنِ. وَقَدْ ذَكَرْت اِخْتِلَاف الْمُخْتَلِفِينَ فِي ذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْل بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع.
{173} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا وَقَوْله : { وَأَمَّا الَّذِينَ اِسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأَمَّا الَّذِينَ تَعَظَّمُوا عَنْ الْإِقْرَار لِلَّهِ بِالْعُبُودَةِ وَالْإِذْعَان لَهُ بِالطَّاعَةِ , وَاسْتَكْبَرُوا عَنْ التَّذَلُّل لِأُلُوهَتِهِ وَعِبَادَته وَتَسْلِيم الرُّبُوبِيَّة وَالْوَحْدَانِيَّة لَهُ .
{173} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا { فَيُعَذِّبهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يَعْنِي : عَذَابًا مُوجِعًا .
{173} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا { وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُون اللَّه وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } يَقُول : وَلَا يَجِد الْمُسْتَنْكِفُونَ مِنْ عِبَادَته وَالْمُسْتَكْبِرُونَ عَنْهَا إِذَا عَذَّبَهُمْ اللَّه الْأَلِيم مِنْ عَذَابه سِوَى اللَّه لِأَنْفُسِهِمْ وَلِيًّا يُنَجِّيهِمْ مِنْ عَذَابه وَيُنْقِذهُمْ مِنْهُ . وَلَا نَصِيرًا : وَلَا نَاصِرًا يَنْصُرهُمْ , فَيَسْتَنْقِذهُمْ مِنْ رَبّهمْ , وَيَدْفَع عَنْهُمْ بِقُوَّتِهِ مَا أَحَلَّ بِهِمْ مِنْ نِقْمَته , كَاَلَّذِي كَانُوا يَفْعَلُونَ بِهِمْ إِذَا أَرَادَهُمْ غَيْرهمْ مِنْ أَهْل الدُّنْيَا فِي الدُّنْيَا بِسُوءٍ مِنْ نُصْرَتهمْ وَالْمُدَافَعَة عَنْهُمْ.
{174} يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ } : يَا أَيّهَا النَّاس مِنْ جَمِيع أَصْنَاف الْمِلَل , يَهُودهَا وَنَصَاراهَا وَمُشْرِكِيهَا , الَّذِينَ قَصَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَصَصهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة ; { قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : قَدْ جَاءَتْكُمْ حُجَّة مِنْ اللَّه تُبَرْهِن لَكُمْ بِطُولِ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ أَدْيَانكُمْ وَمِلَلكُمْ , وَهُوَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه عَلَيْكُمْ حُجَّة قَطَعَ بِهَا عُذْركُمْ , وَأَبْلَغَ إِلَيْكُمْ فِي الْمَعْذِرَة بِإِرْسَالِهِ إِلَيْكُمْ , مَعَ تَعْرِيفه إِيَّاكُمْ صِحَّة نُبُوَّته وَتَحْقِيق رِسَالَته . { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } يَقُول : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ مَعَهُ نُورًا مُبِينًا , يَعْنِي : يُبَيِّن لَكُمْ الْمَحَجَّة الْوَاضِحَة وَالسُّبُل الْهَادِيَة إِلَى مَا فِيهِ لَكُمْ النَّجَاة مِنْ عَذَاب اللَّه وَأَلِيم عِقَابه إِنْ سَلَكْتُمُوهَا وَاسْتَنَرْتُمْ بِضَوْئِهِ . وَذَلِكَ النُّور الْمُبِين هُوَ الْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّه عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 8536 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ } قَالَ : حُجَّة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 8537 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا النَّاس قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ } : أَيْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ , { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } , وَهُوَ هَذَا الْقُرْآن . 8538 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَان مِنْ رَبّكُمْ } يَقُول : حُجَّة. 8539 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : بُرْهَان , قَالَ : بَيِّنَة ; { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا } قَالَ : الْقُرْآن .
{175} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاَللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ صَدَّقُوا بِاَللَّهِ , وَأَقَرُّوا بِوَحْدَانِيَّتِهِ , وَمَا بَعَثَ بِهِ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْل الْمِلَل ; { وَاعْتَصَمُوا بِهِ } يَقُول : وَتَمَسَّكُوا بِالنُّورِ الْمُبِين الَّذِي أُنْزِلَ إِلَى نَبِيّه ; كَمَا : 8540 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَاعْتَصَمُوا بِهِ } قَالَ : بِالْقُرْآنِ .
{175} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا { فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَة مِنْهُ وَفَضْل } يَقُول : فَسَوْفَ تَنَالهُمْ رَحْمَته الَّتِي تُنَجِّيهِمْ مِنْ عِقَابه وَتُوجِب لَهُمْ ثَوَابه وَرَحْمَته وَجَنَّته , وَيُلْحِقهُمْ مِنْ فَضْله مَا أَلْحَقَ أَهْل الْإِيمَان بِهِ وَالتَّصْدِيق بِرُسُلِهِ .
{175} فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا { وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } يَقُول : وَيُوَفِّقهُمْ لِإِصَابَةِ فَضْله الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَى أَوْلِيَائِهِ , وَيُسَدِّدهُمْ لِسُلُوكِ مَنْهَج مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْل طَاعَته , وَلِاقْتِفَاءِ آثَارهمْ , وَاتِّبَاع دِينهمْ . وَذَلِكَ هُوَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم , وَهُوَ دِين اللَّه الَّذِي اِرْتَضَاهُ لِعِبَادِهِ , وَهُوَ الْإِسْلَام . وَنَصَبَ الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم عَلَى الْقَطْع مِنْ الْهَاء الَّتِي فِي قَوْله "إِلَيْهِ " .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم