{65} وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب } وَهُمْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , { آمَنُوا } بِاَللَّهِ وَبِرَسُولِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَدَّقُوهُ وَاتَّبَعُوا مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . { وَاتَّقَوْا } مَا نَهَاهُمْ اللَّه عَنْهُ فَاجْتَنَبُوهُ . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9563 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَلَوْ أَنَّ أَهْل الْكِتَاب آمَنُوا وَاتَّقَوْا } يَقُول : آمَنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , وَاتَّقَوْا مَا حَرَّمَ اللَّه . { لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتهمْ } .
{65} وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
يَقُول : مَحَوْنَا عَنْهُمْ ذُنُوبهمْ , فَغَطَّيْنَا عَلَيْهَا وَلَمْ نَفْضَحهُمْ بِهَا .
{65} وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ
يَقُول : وَلَأَدْخَلْنَاهُمْ بَسَاتِين يَنْعَمُونَ فِيهَا فِي الْآخِرَة .
{66} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل } وَلَوْ أَنَّهُمْ عَمِلُوا بِمَا فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , { وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } يَقُول : وَعَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ مِنْ الْفُرْقَان الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يُقِيمُونَ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مَعَ اِخْتِلَاف هَذِهِ الْكُتُب وَنَسْخ بَعْضهَا بَعْضًا ؟ قِيلَ : وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فِي بَعْض أَحْكَامهَا وَشَرَائِعهَا , فَهِيَ مُتَّفِقَة فِي الْأَمْر بِالْإِيمَانِ بِرُسُلِ اللَّه وَالتَّصْدِيق بِمَا جَاءَتْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه ; فَمَعْنَى إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقهمْ بِمَا فِيهَا وَالْعَمَل بِمَا هِيَ مُتَّفِقَة فِيهِ وَكُلّ وَاحِد مِنْهَا فِي الْخَبَر الَّذِي فُرِضَ الْعَمَل بِهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : لَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ السَّمَاء قَطْرهَا , فَأَنْبَتَتْ لَهُمْ بِهِ الْأَرْض حَبّهَا وَنَبَاتهَا فَأَخْرَجَ ثِمَارهَا . وَأَمَّا قَوْله : { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : لَأَكَلُوا مِنْ بَرَكَة مَا تَحْت أَقْدَامهمْ مِنْ الْأَرْض , وَذَلِكَ مَا تُخْرِجهُ الْأَرْض مِنْ حَبّهَا وَنَبَاتهَا وَثِمَارهَا , وَسَائِر مَا يُؤْكَل مِمَّا تُخْرِجهُ الْأَرْض . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9564 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ } يَعْنِي : لَأَرْسَلَ السَّمَاء عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا . { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } تُخْرِج الْأَرْض بَرَكَتهَا . 9565 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : إِذًا لَأَعْطَتْهُمْ السَّمَاء بَرَكَتهَا وَالْأَرْض نَبَاتهَا . 9566 حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَوْ عَمِلُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِمَّا جَاءَهُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , لَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ الْمَطَر فَأَنْبَتَ الثَّمَر . 9567 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ } أَمَّا إِقَامَتهمْ التَّوْرَاة : فَالْعَمَل بِهَا , وَأَمَّا مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبّهمْ : فَمُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ . يَقُول : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } أَمَّا مِنْ فَوْقهمْ : فَأَرْسَلْت عَلَيْهِمْ مَطَرًا , وَأَمَّا مِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ , يَقُول : لَأَنْبَتّ لَهُمْ مِنْ الْأَرْض مِنْ رِزْقِي مَا يُغْنِيهِمْ . 9568 حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } قَالَ : بَرَكَات السَّمَاء وَالْأَرْض . قَالَ اِبْن جُرَيْج : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ الْمَطَر , وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ مِنْ نَبَات الْأَرْض . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : لَأَكَلُوا مِنْ الرِّزْق الَّذِي يَنْزِل مِنْ السَّمَاء , { وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } يَقُول : مِنْ الْأَرْض . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : إِنَّمَا أُرِيدَ بِقَوْلِهِ : { لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقهمْ وَمِنْ تَحْت أَرْجُلهمْ } التَّوْسِعَة , كَمَا يَقُول الْقَائِل : هُوَ فِي خَيْر مِنْ فَرْقه إِلَى قَدَمه . وَتَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل بِخِلَافِ مَا ذَكَرْنَا , هَذَا الْقَوْل , وَكَفَى بِذَلِكَ شَهِيدًا عَلَى فَسَاده .
{66} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { مِنْهُمْ أُمَّة } مِنْهُمْ جَمَاعَة . { مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُقْتَصِدَة فِي الْقَوْل فِي عِيسَى اِبْن مَرْيَم قَائِلَة فِيهِ الْحَقّ إِنَّهُ رَسُول اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ , لَا غَالِيَة قَائِلَة إِنَّهُ اِبْن اللَّه , تَعَالَى عَمَّا قَالُوا مِنْ ذَلِكَ ! وَلَا مُقَصِّرَة قَائِلَة هُوَ لِغَيْرِ رَشْدَة . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9569 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } وَهُمْ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب ; { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9570 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن كَثِير , أَنَّهُ سَمِعَ مُجَاهِدًا يَقُول : تَفَرَّقَتْ بَنُو إِسْرَائِيل فِرَقًا , فَقَالَتْ فِرْقَة : عِيسَى هُوَ اِبْن اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ اللَّه , وَقَالَتْ فِرْقَة : هُوَ عَبْد اللَّه وَرُوحه ; وَهِيَ الْمُقْتَصِدَة , وَهِيَ مُسْلِمَة أَهْل الْكِتَاب . 9571 حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ اللَّه : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدة } يَقُول : عَلَى كِتَابه وَأَمْره . ثُمَّ ذَمَّ أَكْثَر الْقَوْم , فَقَالَ : { وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } . 9572 حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة } يَقُول : مُؤْمِنَة . 9573 حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : الْمُقْتَصِدَة أَهْل طَاعَة اللَّه . قَالَ : وَهَؤُلَاءِ أَهْل الْكِتَاب . 9574 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , فِي قَوْله : { مِنْهُمْ أُمَّة مُقْتَصِدَة وَكَثِير مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } قَالَ : فَهَذِهِ الْأُمَّة الْمُقْتَصِدَة الَّذِينَ لَا هُمْ فَسَقُوا فِي الدِّين وَلَا هُمْ غَلَوْا . قَالَ . وَالْغُلُوّ : الرَّغْبَة , وَالْفِسْق : التَّقْصِير عَنْهُ .
{66} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ
يَعْنِي مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ أَهْل الْكِتَاب , الْيَهُود وَالنَّصَارَى .
{66} وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ
يَقُول : كَثِير مِنْهُمْ سَيِّئ عَمَلهمْ , وَذَلِكَ أَنَّهُمْ يَكْفُرُونَ بِاَللَّهِ , فَتُكَذِّب النَّصَارَى بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَزْعُم أَنَّ الْمَسِيح اِبْن اللَّه , وَتُكَذِّب الْيَهُود بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّه عَلَيْهِمَا , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى فِيهِمْ ذَامًّا لَهُمْ : { سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ } فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلهمْ .
{67} يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغَتْ رِسَالَته } وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , بِإِبْلَاغِ هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ أَهْل الْكِتَابَيْنِ الَّذِينَ قَصَّ اللَّه تَعَالَى قَصَصهمْ فِي هَذِهِ السُّورَة وَذَكَرَ فِيهَا مَعَايِبهمْ وَخُبْث أَدْيَانهمْ وَاجْتِرَاءَهُمْ عَلَى رَبّهمْ وَتَوَثُّبهمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَتَبْدِيلهمْ كِتَابه وَتَحْرِيفهمْ إِيَّاهُ وَرَدَاءَة مَطَاعِمهمْ وَمَآكِلهمْ ; وَسَائِر الْمُشْرِكِينَ غَيْرهمْ , مَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فِيهِمْ مِنْ مَعَايِبهمْ وَالْإِزْرَاء عَلَيْهِمْ وَالتَّقْصِير بِهِمْ وَالتَّهْجِين لَهُمْ , وَمَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَنَهَاهُمْ عَنْهُ , وَأَنْ لَا يُشْعِر نَفْسه حَذَرًا مِنْهُمْ أَنْ يُصِيبهُ فِي نَفْسه مَكْرُوه , مَا قَامَ فِيهِمْ بِأَمْرِ اللَّه , وَلَا جَزَعًا مِنْ كَثْرَة عَدَدهمْ وَقِلَّة عَدَد مَنْ مَعَهُ , وَأَنْ لَا يَتَّقِي أَحَدًا فِي ذَات اللَّه , فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى كَافِيه كُلّ أَحَد مِنْ خَلْقه , وَدَافِع عَنْهُ مَكْرُوه كُلّ مَنْ يَتَّقِي مَكْرُوهه . وَأَعْلَمهُ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ إِنْ قَصَّرَ عَنْ إِبْلَاغ شَيْء مِمَّا أُنْزِلَ إِلَيْهِ إِلَيْهِمْ , فَهُوَ فِي تَرْكه تَبْلِيغ ذَلِكَ وَإِنْ قَلَّ مَا لَمْ يَبْلُغ مِنْهُ , فَهُوَ فِي عَظِيم مَا رَكِبَ بِذَلِكَ مِنْ الذَّنْب بِمَنْزِلَتِهِ لَوْ لَمْ يَبْلُغ مِنْ تَنْزِيله شَيْئًا . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9575 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته } يَعْنِي : إِنْ كَتَمْت آيَة مِمَّا أُنْزِلَ عَلَيْك مِنْ رَبّك , لَمْ تُبَلِّغ رِسَالَتِي . 9576 حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك } الْآيَة , أَخْبَرَ اللَّه نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ سَيَكْفِيهِ النَّاس وَيَعْصِمهُ مِنْهُمْ , وَأَمَرَهُ بِالْبَلَاغِ . ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ : لَوْ اِحْتَجَبْت ! فَقَالَ : " وَاَللَّه لَأُبْدِيَنَّ عَقِبِي لِلنَّاسِ مَا صَاحَبْتهمْ " . 9577 حَدَّثَنِي الْحَارِث بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا سُفْيَان الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك } قَالَ : " إِنَّمَا أَنَا وَاحِد , كَيْفَ أَصْنَع ؟ تَجْتَمِع عَلَيَّ النَّاس ! " فَنَزَلَتْ : { وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته } الْآيَة . 9578 حَدَّثَنَا هَنَّاد وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا جَرِير , عَنْ ثَعْلَبَة , عَنْ جَعْفَر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَحْرُسُونِي إِنَّ رَبِّي قَدْ عَصَمَنِي " . 9579 حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم وَابْن وَكِيع , قَالَا : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ الْجَرِيرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَقِبهُ نَاس مِنْ أَصْحَابه , فَلَمَّا نَزَلَتْ : { وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } خَرَجَ فَقَالَ : " يَا أَيّهَا النَّاس اِلْحَقُوا بِمُلَاحِقِكُمْ , فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَصَمَنِي مِنْ النَّاس " . 9580 حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ عَاصِم بْن مُحَمَّد , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَارَسُهُ أَصْحَابه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك وَإِنْ لَمْ تَفْعَل فَمَا بَلَّغْت رِسَالَته } إِلَى آخِرهَا . 9581 حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا الْحَارِث بْن عُبَيْدَة أَبُو قُدَامَة الْإِيَادِيّ , قَالَ : ثنا سَعِيد الْجَرِيرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَقِيق , عَنْ عَائِشَة , قَالَتْ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَس , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } قَالَتْ : فَأَخْرَجَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسه مِنْ الْقُبَّة , فَقَالَ : " أَيّهَا النَّاس اِنْصَرِفُوا , فَإِنَّ اللَّه قَدْ عَصَمَنِي " . 9582 حَدَّثَنَا عَمْرو بْن عَبْد الْحَمِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَاصِم , عَنْ الْقُرَظِيّ : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا زَالَ يُحْرَس حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه : { وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي مِنْ أَجْله نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ بِسَبَبِ أَعْرَابِيّ كَانَ هَمَّ بِقَتْلِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَكَفَاهُ اللَّه إِيَّاهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9583 حَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا عَبْد الْعَزِيز , قَالَ : ثنا أَبُو مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَغَيْره , قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا نَزَلَ مَنْزِلًا اِخْتَارَ لَهُ أَصْحَابه شَجَرَة ظَلِيلَة , فَيَقِيل تَحْتهَا , فَأَتَاهُ أَعْرَابِيّ , فَاخْتَرَطَ سَيْفه ثُمَّ قَالَ : مَنْ يَمْنَعك مِنِّي ؟ قَالَ : " اللَّه " . فَرَعَدَت يَد الْأَعْرَابِيّ , وَسَقَطَ السَّيْف مِنْهُ . قَالَ : وَضَرَبَ بِرَأْسِهِ الشَّجَرَة حَتَّى اِنْتَثَرَ دِمَاغه , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَزَلَتْ لِأَنَّهُ كَانَ يَخَاف قُرَيْشًا , فَأُومِنَ مِنْ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9584 حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَهَاب قُرَيْشًا , فَلَمَّا نَزَلَتْ : { وَاللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } اِسْتَلْقَى ثُمَّ قَالَ : " مَنْ شَاءَ فَلْيَخْذُلْنِي ! " مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . 9585 حَدَّثَنَا هَنَّاد , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ أَبِي خَالِد , عَنْ عَامِر , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : مَنْ حَدَّثَك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْي فَقَدْ كَذَبَ . ثُمَّ قَرَأَتْ : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك } الْآيَة .-bb
حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ الْمُغِيرَة , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : مَنْ قَالَ إِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ فَقَدْ كَذَبَ وَأَعْظَمَ الْفِرْيَة عَلَى اللَّه , قَالَ اللَّه : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك } الْآيَة .-bb حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , قَالَ : أَخْبَرَنَا دَاوُد بْن أَبِي هِنْد , عَنْ الشَّعْبِيّ , عَنْ مَسْرُوق , قَالَ : قَالَتْ عَائِشَة : مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَتَمَ شَيْئًا مِنْ كِتَاب اللَّه فَقَدْ أَعْظَم عَلَى اللَّه الْفِرْيَة , وَاَللَّه يَقُول : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك } الْآيَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني اللَّيْث , قَالَ : ثني خَالِد , عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال , عَنْ مُحَمَّد بْن الْحَمِيم , عَنْ مَسْرُوق بْن الْأَجْدَع , قَالَ : دَخَلْت عَلَى عَائِشَة يَوْمًا , فَسَمِعْتهَا تَقُول : لَقَدْ أَعْظَمَ الْفِرْيَة مَنْ قَالَ : إِنَّ مُحَمَّدًا كَتَمَ شَيْئًا مِنْ الْوَحْي , وَاَللَّه يَقُول : { يَا أَيّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك } .
{67} يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّه يَعْصِمك مِنْ النَّاس } يَمْنَعك مِنْ أَنْ يَنَالُوك بِسُوءٍ , وَأَصْله مِنْ عِصَام الْقِرْبَة , وَهُوَ مَا تُوكَأُ بِهِ مِنْ سَيْر وَخَيْط , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَقُلْت عَلَيْكُمْ مَالِكًا إِنَّ مَالِكًا سَيَعْصِمُكُمْ إِنْ كَانَ فِي النَّاس عَاصِم يَعْنِي : يَمْنَعكُمْ .
{67} يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ
وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّ اللَّه لَا يَهْدِي الْقَوْم الْكَافِرِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : إِنَّ اللَّه لَا يُوَفِّق لِلرُّشْدِ مَنْ حَادَ عَنْ سَبِيل الْحَقّ وَجَارَ عَنْ قَصْد السَّبِيل وَجَحَدَ مَا جِئْته بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , وَلَمْ يَنْتَهِ إِلَى أَمْر اللَّه وَطَاعَته فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَهُ .
{68} قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ } وَهَذَا أَمْر مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِبْلَاغِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجَره , يَقُول تَعَالَى ذِكْره لَهُ : قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى : { يَا أَهْل الْكِتَاب } التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل , لَسْتُمْ عَلَى شَيْء مِمَّا تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ عَلَيْهِ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْشَر الْيَهُود , وَلَا مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ عِيسَى مَعْشَر النَّصَارَى , حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْفُرْقَان , فَتَعْمَلُوا بِذَلِكَ كُلّه وَتُؤْمِنُوا بِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصْدِيقه , وَتُقِرُّوا بِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ عِنْد اللَّه , فَلَا تُكَذِّبُوا بِشَيْءٍ مِنْهُ وَلَا تُفَرِّقُوا بَيْن رُسُل اللَّه فَتُؤْمِنُوا بِبَعْضٍ وَتَكْفُرُوا بِبَعْضٍ , فَإِنَّ الْكُفْر بِوَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ كُفْر بِجَمِيعِهِ ; لِأَنَّ كُتُب اللَّه يُصَدِّق بَعْضهَا بَعْضًا , فَمَنْ كَذَّبَ بِبَعْضِهَا فَقَدْ كَذَّبَ بِجَمِيعِهَا . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ جَاءَ الْأَثَر : 9586 حَدَّثَنَا هَنَّاد بْن السَّرِيّ وَأَبُو كُرَيْب , قَالَا : ثنا يُونُس بْن بُكَيْر , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : ثني مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد مَوْلَى زَيْد بْن ثَابِت , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : جَاءَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَافِع بْن حَارِثَة , وَسَلَّام بْن مِشْكَم , وَمَالِك بْن الصَّيْف , وَرَافِع بْن حُرَيْمِلَة , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد أَلَسْت تَزْعُم أَنَّك عَلَى مِلَّة إِبْرَاهِيم وَدِينه , وَتُؤْمِن بِمَا عِنْدنَا مِنْ التَّوْرَاة , وَتَشْهَد أَنَّهَا مِنْ اللَّه حَقّ ؟ فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بَلَى , وَلَكِنَّكُمْ أَحْدَثْتُمْ وَجَحَدْتُمْ مَا فِيهَا مِمَّا أُخِذَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْمِيثَاق , وَكَتَمْتُمْ مِنْهَا مَا أُمِرْتُمْ أَنْ تُبَيِّنُوهُ لِلنَّاسِ , وَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ أَحْدَاثكُمْ ! " قَالُوا : فَإِنَّا نَأْخُذ بِمَا فِي أَيْدِينَا , فَإِنَّا عَلَى الْحَقّ وَالْهُدَى , وَلَا نُؤْمِن بِك وَلَا نَتَّبِعك . فَأَنْزَلَ اللَّه : { قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة , وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ } إِلَى : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } . 9587 حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { قُلْ يَا أَهْل الْكِتَاب لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ } قَالَ : فَقَدْ صِرْنَا مِنْ أَهْل الْكِتَاب ; التَّوْرَاة لِلْيَهُودِ وَالْإِنْجِيل لِلنَّصَارَى . وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبّكُمْ , وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا مِنْ رَبّنَا . أَيْ لَسْتُمْ عَلَى شَيْء حَتَّى تُقِيمُوا حَتَّى تَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ .
{68} قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا } وَأَقْسَمَ لَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْ هَؤُلَاءِ الْيَهُود وَالنَّصَارَى الَّذِينَ قَصَّ , قَصَصهمْ فِي هَذِهِ الْآيَات الْكِتَابُ الَّذِي أَنْزَلْته إِلَيْك يَا مُحَمَّد طُغْيَانًا , يَقُول : تَجَاوُزًا وَغُلُوًّا فِي التَّكْذِيب لَك عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ لَك مِنْ ذَلِكَ قَبْل نُزُول الْفُرْقَان , { كُفْرًا } يَقُول : وَجُحُودًا لِنُبُوَّتِك . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَان عَنْ مَعْنَى الطُّغْيَان فِيمَا مَضَى قَبْل .
{68} قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ
وَأَمَّا قَوْله : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } يَعْنِي : يَقُول { فَلَا تَأْسَ } فَلَا تَحْزَن , يُقَال : أَسِيَ فُلَان عَلَى كَذَا : إِذَا حَزِنَ يَأْسَى أَسًى , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : وَانْحَلَبَتْ عَيْنَاهُ مِنْ فَرْط الْأَسَى يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ : لَا تَحْزَن يَا مُحَمَّد عَلَى تَكْذِيب هَؤُلَاءِ الْكُفَّار مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَك , فَإِنَّ مِثْل ذَلِكَ مِنْهُمْ عَادَة وَخُلُق فِي أَنْبِيَائِهِمْ , فَكَيْفَ فِيك ؟ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 9588 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك طُغْيَانًا وَكُفْرًا } قَالَ : الْفُرْقَان . يَقُول : فَلَا تَحْزَن . 9589 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْم الْكَافِرِينَ } قَالَ : لَا تَحْزَن .
{69} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَاَلَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَهُمْ أَهْل الْإِسْلَام , { وَاَلَّذِينَ هَادُوا } وَهُمْ الْيَهُود وَالصَّابِئُونَ . وَقَدْ بَيَّنَّا أَمْرهمْ . { وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ } مِنْهُمْ { بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخَر } فَصَدَّقَ بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات , وَعَمِلَ مِنْ الْعَمَل صَالِحًا لِمَعَادِهِ , { فَلَا خَوْف عَلَيْهِمْ } فِيمَا قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ أَهْوَال الْقِيَامَة , { وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } عَلَى مَا خَلَّفُوا وَرَاءَهُمْ مِنْ الدُّنْيَا وَعَيْشهَا بَعْد مُعَايَنَتهمْ مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ جَزِيل ثَوَابه . وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْه الْإِعْرَاب فِيهِ فِيمَا مَضَى قَبْلُ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته .
{70} لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُول بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسهمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أُقْسِم لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى الْإِخْلَاص وَتَوْحِيدنَا , وَالْعَمَل بِمَا أَمَرْنَاهُمْ بِهِ , وَالِانْتِهَاء عَمَّا نَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ بِذَلِكَ رُسُلًا , وَوَعَدْنَاهُمْ عَلَى أَلْسُن رُسُلنَا إِلَيْهِمْ عَلَى الْعَمَل بِطَاعَتِنَا الْجَزِيل مِنْ الثَّوَاب , وَأَوْعَدْنَاهُمْ عَلَى الْعَمَل بِمَعْصِيَتِنَا الشَّدِيد مِنْ الْعِقَاب , كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُول لَنَا بِمَا لَا تَشْتَهِيه نُفُوسهمْ وَلَا يُوَافِق مَحَبَّتهمْ كَذَّبُوا مِنْهُمْ فَرِيقًا وَيَقْتُلُونَ مِنْهُمْ فَرِيقًا , نَقْضًا لِمِيثَاقِنَا الَّذِي أَخَذْنَاهُ عَلَيْهِمْ , وَجَرَاءَة عَلَيْنَا وَعَلَى خِلَاف أَمْرنَا .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم