من بين دعائم القول الفلسفيّ التي أراد الغزّالي تقويضها وإثبات تهافتها مبدأ السببية الذي تناوله وفق خلفية لاهوتية إيمانية، لما يوفّره له ذلك من حقل نموذجيّ يمكن استدراج الفلسفة إليه و من ثمة محاكمتها، وبالتالي تكفير الفلاسفة وتجريمهم لأنهم أنكروا المعجزات ولم يسلّموا بقدرة الله على قلب العصا ثعبانا، وإحياء الموتى الخ، لذلك يتصدّى لإثبات هذه المعجزات ” ولأمر آخر وهو نصرة ما أطبق عليه المسلمون من أنّ الله تعالى قادر على كل شيء ” الغزّالي، تهافت الفلاسفة،م س، ص 238.
وهكذا فانه إذا كان الفلاسفة يقولون بالاقتران الضروريّ والمنطقيّ بين الأسباب والمسبّبات فإنّ الغزّالي ينفي ذلك معتبرا إياه ضربا من ضروب التوهّم، إذ لو صحّ لبطلت المعجزات وانتفت قدرة الله ومشيئته وحدّدت بالتالي إرادته، فالقول الفلسفيّ متهافت برأيه، إذ الاقتران بين السبب والنتيجة اقتران عرضيّ لا أكثر، فنحن عندما نقول عن شيئين أنّ أحدهما سبب الآخر، إنما مردّ قولنا إلي التساوق بين حدّين متتاليين مرتبطين في المكان أو في الزمان فقط، ولا وجود لأيّ برهان يمكن أن يؤكّد لنا الاقتران الضروريّ بين ظواهر الطبيعة باستثناء مشاهداتنا للحوادث.
والمشاهدة لا تدلّ حسب رأيه على حصول الشيء بالشيء، فالنار مثلا لا تسبّب الاحتراق إذ هي من الجمادات، وبالتالي لا فعل لها، فالفعل من خصائص الكائنات الحية، ومن ثمة استوجب إسناد كل فعل إلى الله ” بوساطة الملائكة أو بغير وساطة، فأما النار وهي جماد، فلا فعل لها ” م ن، ص 240.
والاقتران بين الأسباب والمسببات برأيه مصدره العادة فنحن نلاحظ حصول شيء بعد شيء آخر، ويتكرر حدوث ذلك بالصورة نفسها مرات ومرات فنستنتج توهّما أنّ هناك اقترانا ضروريا بينهما وطالما أنّ الله ” على كلّ شيء قدير ” فبإمكانه خرق تلك العادة، يقول الغزالي :” الاقتران بين ما يعتقد في العادة سببا وبين ما يعتقد مسببا ليس ضروريا عندنا، بل كلّ شيئين ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمّنا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنا لنفي الآخر، فليس من ضرورة وجود أحدهما وجود الآخر، ولا من ضرورة عدم أحدهما عدم الآخر، مثل الريّ والشرب والشبع والآكل والاحتراق ولقاء النار والنور وطلوع الشمس والموت وجزّ الرقبة ” م ن ، ص 239.
ويريد حجّة الإسلام هنا كسر حلقة الربط المنطقية بين السبب والمسبب، مضحّيا بالمعرفة على عتبة الإيمان، ولا يجد حرجا في أن يؤكد أنّ ” في المقدور خلق الشبع دون الأكل، وخلق الموت دون جزّ الرقبة، وإدامة الحياة مع جزّ الرقبة “م ن ، ص ن، بهدف إيجاد مخرج ما فوق عقليّ لمسالة المعجزات وفاء لإيمانية لا عقل لها، إذ لو تمّ الأخذ بالمبدأ المذكور لبطلت المعجزات، وهو ما وقع فيه الفلاسفة الذين ” أنكروا وقوع إبراهيم في النار مع عدم الاحتراق وبقاء النار نارا، وزعموا أنّ ذلك لا يمكن إلا بسلب الحرارة من النار وذلك يخرجها من كونها نارا، أو بقلب ذات إبراهيم وردّه حجرا أو شيئا لا تؤثر فيه النار، ولا هذا ممكن ولا ذاك ممكن” م ن، ص 243.
وتصل اللاعقلانية أوجها لديه فلا يجد حرجا في إعلان أنّ ” تحريك الله تعالى يد الميت، ونصبه على صورة حيّ يقعد ويكتب حتى تحدث من حركة يده الكتابة المنظومة، فليس بمستحيل في نفسه، مهما أحلنا الحوادث إلى إرادة مختار”” م ن، ص 251.
وإنكاره لمبدأ السببية هو إنكار لمبدأ كان يعدّ في عصره من أبرز المبادئ التي تقوم عليها علوم الطبيعة من حيث هي جزء من البنيان الفلسفيّ في ذلك الحين، فمقصده إنما كان نسف القول الفلسفيّ بنسف أحد مرتكزاته.
وبالإضافة إلى ذلك تركّزت استراتيجيا الغزالي التي وضعت نصب عينها كهدف تحويل التفلسف إلى جريمة على إنكار المبدأ الفلسفيّ القائل بقدم العالم، هذا المبدأ الذي أخذ به الفارابي وابن سينا وسارا فيه على خطى الفلاسفة اليونانيين ومن بينهم أفلاطون وأرسطو، فوفق وجهة نظر المشّائين العرب فانّه لماّ كان الأوّل (الله) أزليّا وكماله أزليّا فإنّ ما صدر عنه من مصنوعات يعتبر بالضرورة أزليّا، وهذا ما استنفر الغزالي لأجل الهجوم عليه كامل طاقته، إذ كيف يقبل من وجهة النظر الإيمانية النصية الإقرار بمبدأ كهذا؟ ألم يؤكّد القران أنّ الله خلق الكون من عدم؟ ثم ألا يؤدّي ذلك إلى نفي الإرادة الإلهية القائمة على الخلق الحرّ فتكون النتيجة البيّنة والصريحة الكفر الذي لا مراء فيه؟
ومثلما هو الأمر بالنسبة إلي مسالة قدم العالم يكفّر الغزالي الفلاسفة لإنكارهم المعاد الجسمانيّ، فهم لا يقرّون بعث الأجساد بصورة فعلية وإنما يقولون فقط ببعث الأرواح، لذلك يأخذ على عاتقه مهمة القيام ” بإبطال إنكارهم لبعث الأجساد ورد الأرواح إلى الأبدان، ووجود النار الجسمانية، ووجود الجنة والحور العين وسائر ما وعد به (الله) الناس وقولهم : إنّ كل ذلك أمثلة ضربت لعوامّ الخلق” م، ن، ص 282. وهو يتشبث هنا بحرفية النص ملاحظا أنّ العقل عاجز عن إثبات خلود النفس لذلك يتوجّب في رأيه العودة إلى النص لإثبات ذلك، وهذا النص وفقه لا يخالف الفلاسفة في القول بالسعادة الروحانية بل يخالفهم في إنكارهم اللذات الجسمانية، فالله قادر على الجمع بين اللذتين حتى يبلغ الناس ذروة السعادة التي يعدهم بها في كتابه.
من خلال هذا العرض السريع لهجوم الغزالي على العقل والفلسفة يمكننا القول إننا إزاء خطاب إيمانيّ كان له تأثيره البالغ على سيرورة العقلنة في المجتمع العربيّ الوسيط من حيث هو معطّل وكابح لحركتها باعتماد التكفير، يقول ماجد فخري متحدّثا عن كتاب الغزالي تهافت الفلاسفة : ” انّه كان عاملا من العوامل الفعالة في تدهور الحركة الفلسفية في العالم الإسلامي بعد القرن الثاني عشر” ماجد فخري، دراسات في الفكر العربي، م س ، ص 127.
وذلك في اختلاف واضح مع تقليد رائج يرى عكس ذلك إذ لا يخفي البعض إعجابهم بشخصية الغزالي التي وجهت إلى العقلانية العربية المبكرة أعنف الطعنات، أمثال المستشرق هنري كوربان الذي يمتدح الغزالي لاعتزاله الناس وتوجهه ناحية البحث عن اليقين المطلق بقوله ” شهدت السنة السادسة والثلاثون من حياة الغزالي تحوّلا حاسما، ففي هذه الفترة واجه أبو حامد مشكلة اليقين الفكريّ، وهي مشكلة طرحت في وجدانه بإلحاح وعنف مما سبّب له أزمة داخلية حادّة شلّت نشاطه التعليميّ وحولت مجرى حياته العائلية… وترك عائلته مضحيا بكل شيء في سبيل البحث عن الاطمئنان الداخلي الذي هو ضمان للحقيقة “هنري كوربان، تاريخ الفلسفة الإسلامية، عويدات، الطبعة الثانية، بيروت – باريس 1983، ص 273.
وهو ما يكشف حسب رأيه عن الشخصية الخارقة التي كان يمثلها، وينكر كوربان الرأي القائل إنّ هذه الشخصية قد أسهمت بقسط وافر في انحطاط الفكر الفلسفيّ في البلاد العربية قائلا :” يبدو من المبتذل القول( بأنّ نقد الغزالي) للفلسفة كما قيل في القرن الماضي قد وجّه للفلسفة ضربة لم تقم لها بعدها في الشرق قائمة ” م ن، ص 272.
غير أنّ كوربان برغم تأكيداته هذه يقرّ من جانب آخر أنّ الغزالي كان مدفوعا في كتاباته وردوده على خصومه بهاجس سياسيّ واجتماعيّ، وبذلك يتناقض كوربان مع نفسه، فهل إنّ الأمر يتعلق بمفكّر واقع تحت وطأة مشكلة وجدانية فاندفع ناحية البحث عن اليقين المطلق؟ أم بمفكّر يحركه هاجس سياسيّ اجتماعيّ فيكتب وفق ما تفرضه عليه مصلحته الاجتماعية والمذهبية؟
وغنيّ عن البيان أنّ حجّة الإسلام كان منخرطا في صراع مرير بين العقلانية وخصومها من الإيمانيين النقليين، معتمدا التكفير سلاحا ضدّ أصحاب البرهان من الفلاسفة العرب الوسيطين، الذين أدركوا بعبقريتهم المبكّرة المخاطر التي أضحت تهدّد مسيرة العرب نحو العقلنة، هذه المسيرة التي سينقطع حبلها مما مكّن الظلام الفكريّ من أن ينيخ بكلكله علي الجموع على مدى قرون، وهو ما نبّه ابن خلدون إلى ولوج نفقه الواسع بقوله في المقدمة : ” كأنما نادى لسان الكون في العالم بالخمول والانقباض فبادر بالإجابة”.