ستار التقليد ستار شفّاف، مهما كانت قتامة لونه. إذ يكفي أن يرفع كي يكشف عما يتستر وراءه. لا ثالث هنا بين الستار وما خلفه. الثالث مرفوع مثلما هو الأمر في منطق الميتافيزيقا.

أما ستار الحداثة فهو ستار منثن حتى إن كان شفافا. فان لم يكن تعدديا في "طبيعته"، فهو كذلك في انثناءاته. كائن الحداثة كائن جيولوجيّ. لعلّ ليفي ستروس أوّل من التفت إلى هذه الخاصية الجيولوجية للكائن الحديث حينما ربط الماركسية والتحليل النفسيّ بالجيولوجيا فكتب في "مدارات حزينة :" كانت الماركسية تبدو لي أنها تنهج الطريق نفسها التي تنهجها الجيولوجيا والتحليل النفسي بالمعنى الذي أعطاه إياه مؤسسه: فالثلاثة تبين أنّ الفهم يعني رد واقعة إلى أخرى، وأنّ الواقع الفعليّ ليس هو أكثر الوقائع ظهورا وتجليا، وأنّ طبيعة الحقيقي تتجلى في حرصه على الاحتجاب".

لا ينبغي أن ينصرف ذهننا إلى أغوار الميتافيزيقا للبحث عن خبايا الكائن وبلوغ أعماقه. ذلك أنّ الاحتجاب هنا وعدم الانكشاف ليس راجعا لـ"عمق" الكائن، وإنما لمفعول الستار.

فعلى عكس الستار الميتافيزيقي الذي لا قيمة له إلا بما يحجبه، فان ستار الحداثة ستار فعّال، عنه يصدر الوهم الذي يمنعنا من أن ننظر إليه كستار.

ستار التقليد حجاب شفاف، انه مجرد قشرة تخفى اللبّ. هذا اللبّ الذي ينكشف في "عرائه" بمجرّد نزع القشور.

أما ستار الحداثة، فلا يخفي شيئا سوى ذاته. انه شفاف، لكن شفافيته كثيفة، وسطحه عميق، وظاهره مبطن. كتب نيتشه:" ليس الظاهر عندي ستارا لا حياة فيه. انه الحياة والفعالية ذاتها. إنها الحياة التي تسخر من ذاتها كي توهمني أن لا وجود إلا للمظاهر".


المراجع

alawan.org

التصانيف

ثقافة   العلوم الاجتماعية   مقالات