بوابة القرية أشبه بطريق يقود إلى حدائق ، ربما قرأت عنها في أسفار ، او رحلات بعض المستشرقين ، مزروع على أطرافها ، و على سفوح تلك الروابي أنواع من العنب يشبه حزمة من قناديل عملت ربّة الحرث على تصفيفها بهدوء الآلهة و جمال روحها.


عشقت الليل بين دوالي أرهقها عطاؤها ، و تناديني أن أخفف حملها ، و كنت أفعل .
القمر يُرسل أشعته ، تحاول الدخول إلى ظل الدوالي و تنجح ، الريح تساعدها لتحقيق غايتها .
تزودت بكمية من العنب ، و ضعتها في جعبتي ، إتكأت على ما تبقى من قوتي و نهضت ، سرت أنا أودّع كل شجرة بذاتها.


و في اتجاه الجنوب الغربي ، أخذت منحدراً نزولاً الى عمق وادٍ ، يتحول الى نهر في شتاء تلك البلاد.


توسدتُ حجراً و أرسلتُ عيني الى نجوم كم تمنيت أن أعرف أسماءها.
قالي لي جدتي : إن جدك بين هذه النجوم.
سألتها : هل كل الأموات يتحولون الى نجوم ؟
كان مبكراً هذا الحديث في عمري ، و أحببت من يومها أن أتعرف على ذلك الرجل.
كان يعجبني أن اطلق اسمه على نجم ، يرافق في سيره البدر ، أما الآن فكلما تذكرت سذاجة و براءة طفولتي ، تمنيت أن يكون ما قالته جدتي حقيقياً.


غفوتُ ...
في تلك الإغفاءة حضرني آلاف الأصدقاء ...
طرفة بن العبد ...أبو ذر .. اسبارتكوس ...
و آخرون لم أتبين أشكالهم ، و لم أتعرف على أسمائهم و تساءلت لماذا يأتون في هذا المكان ....؟


تفرستُ في المكان ، كان أشبه بنزل أقيم على طريق صحراوي ، يُشعرني بالألفة و كأني خلقت من تراب ذلك المكان و يعطيني الشعور بالطمأنينة حتى التوحد ، هل هو أول مكان صاغه الله فأبدع ؟ أم هو آخر عنقود الجمال في ملهاة آلهة لم تعلن ذاتها بعد ؟


حملت وزري و أفكاري ، و ودعت النجم الذي أُحب قبل أن يتوارى خلف بحار قد لا تُ طلقه .
صعدتُ .. بدأ الدم يتدفق بغزارة من أنفي المتعب ، تذكرت أمي عندما كانت تمسك صدغي قائلة :
لا تخف هذا دم فاسد ، كم عشقت تدفق الدم الفاسد.


تابعتُ سيري منشياً ، متخلصاً مما يُفسد روحي ، و عند تقاطع السماء مع الجبل ، توسدت ذراعي ، ونمت كأنني قطعة من الصخر .. تجمدت أطرافي.


و عندما شعرت بدفءٍ يدغدغ خلايا جسدي ، أشعلتُ لفافة تبغ ، و اعتصرتُ حبّات من العنب ، و بدأت المسير مُبعداً أغصان الشجر عن طريقي ، و كأنني لا أرى المسافات الخالية ، و عند منتصف السفح التقيت عيناي بكائن صغير يقف على صخرة كساها الإخضرار.


اقتربت منه ، كان غزالاً صغيراً يسترق النظر إليّ ، يلوي عنقه و يختلس شكلي في عينين كأنهما الإشراق و الغروب.


اقتربت أكثر ... لم يكن فزعاً ، لم يحاول الفرار .. وضعت قدمي اليمنى على الصخرة ذاتها ، في تلك اللحظة و بهدوء نزل و قفز الى صخرة أخرى .. حدّق في الأفق ، و أعاد رأسه قبالتي ....
قلت / أبتعد يا صغيري ...ربما جاء صياد ...


حرّك رأسه ، و عاد الى سكونه ... فهمت أن دمي هو المطلوب لا دمه .......


المراجع

new.alnoor.se

التصانيف

تصنيف :شعر    الآداب