لو عدنا إلى الثقافة العربية، لوجدنا وثائقها المؤسّسة تكشف عن أن صورة الإنسان في هذه الثقافة صورة ترتبط بالثبات والسكون وعدم التغييّر. أو بعبارة أخرى، الإنسان ـ بمقتضى هذه الثقافة ـ كيان محدّد تحديداً تاماً، أو هو موجود قد وجد على النحو الذي هو عليه مرّة واحدة وإلى الأبد، وأنه تامّ التكوين ناجز الوجود قد وُجد بحيث يكون من المتعذر على هذا الموجود، الذي نسميه بالإنسان، أن يدخل على نفسه أيّ نوع من التطور أو التغيير، أو حتى أن تُدخل عليه جملة القوى المحيطة به شيئاً من التطوّر أو التغييّر.
وأوّل مرحلة في تاريخ الإنسان، بمقتضى هذه الثقافة، هي أنه قد كان كائناً معدوماً لا وجود له. ولأمر ماّ ولسبب ماّ لا يعرفهما أحد وُجد الإنسان في هذا العالم بعد أن لم يكن. ومصادر التعبير عن هذا الانعدام أكثر من أن تُحصى. ولكنها جميعاً تنتهي إلى تذكير الإنسان بأنه (لم يكُ شيئاً). وعندما كان أو صار، أي عندما تحول من العدم إلى الوجود فقد امتلك صورة ثابتة لا يستطيع تغييرها أو الفكاك منها. فالوجود ـ وهو أغنى المفاهيم أو المقولات وأوسعها إطلاقاً ـ لا يكاد يتعين إلا في مجموعة قليلة من الصور الثابتة، أو في عدد قيل من التعينات التي يسهل علينا عدّها وإحصاؤها، حتى أنّ جميع هذه الصور أو التعينات يمكن اختزالها وردّها إلى بعضها بحيث تشكّل، في نهاية المطاف، صورا متقاربة أو صورا ثابتة قائمة من وراء كل الصور والتعينات التي ينكشف لنا وجود الإنسان من خلالها.
ولهذه الصورة الثابتة الناجزة، التي تضع الإنسان خارج كل إمكانية للتغيّر أو التطور، تجليات متعددة يكون الإنسان بموجبها قد تم تكوينه على أفضل صورة يمكن للإنسان أن يكونها. وفي هذه الحالة يكون الإنسان (في أحسن تقويم). غير أنه قد يكون في تعين آخر بصورته الثابتة الناجزة في وضع مناقض كل المناقضة للصورة السابقة فيكون في هذه المرة (أسفل سافلين).
وبالإضافة إلى هاتين الصورتين النمطيتين بوسعنا العثور على صور أخرى أو تعينات أخرى للإنسان هي بدورها تجسيد أو تشخيص لماهيات محدودة بصورة مسبقة قد اتفق للإنسان أن اكتسبها، أوقد فُرض عليه اكتسابها. ومن أمثلة ذلك وصف الإنسان بأنه ( خصيم ، ظلوم جهول، هلوع، كنود ). والخصيم هو كثير الجدال في الكفر . والظلوم تحيل إلى ظلم الإنسان لنفسه ولغيره. والهلوع هو من يتصرف عن غير روية أو إدراك و تسرع. والكنود هو الكافر وغير المؤمن .
ومن الواضح أننا هنا بإزاء أوصاف تحيل كلها إلى أمرين هامين : أولهما الإنسان منطوٍ على خصائص سلبية تستحق الإدانة الأخلاقية والنفسية. وثانيهما أنّ هذه الأوصاف ذاتها تشكل نوعاً من الصور أو التعينات الثابتة التي تحيل في نهاية المطاف إلى الصورتين الثابتتين اللتين سبقت الإشارة إليهما ( أسفل سافلين، أحسن تقويم ) وتتحد بهما في الوقت نفسه.
وسواء أكان الإنسان ذا الصورة الثابتة المستقرة غير القابلة للتغيير ( في أحسن تقويم ) أو (في أسفل سافلين) أو غيرها، فإنّه في الحالتين حبيس صورة محددّة مغلقة لا سبيل إلى تغييرها أو تطويرها أو توسيعها بالاعتماد على قدرة الإنسان ذاته. ذلك لأن الإنسان معطى من المعطيات في هذا الكون، أو مخلوق من مخلوقات الله التي ينحصر دورها في الإعراب عن كون الإنسان عاجزاً عن ُصنع نفسه وإنتاجها، بالمعنى الواسع لهاتين الكلمتين، أو بالمعنى الثقافيّ الذي يكون الإنسان بموجبه فعلاً من أفعال ذاته أو عملاً من أعمال إرادته، أو بعداً من أبعاد عقله. فبذلك، وبذلك فقط، يتمّ تخطّي المعنى الذي يكاد يقصر معنى الإنسان على نوع من التعين المادّيّ والتعيّن الروحيّ الناجزين اللذين يحرمان الإنسان من أهم خصائصه، وهي الحرية، ويجردان الإنسان من أهم طاقاته وقدرته على الفعل أعني الإرادة، ومن أهم ملكاته الذهنية والفكرية وأعني بها العقل.
ولو سلمنا بأن الإنسان وفقاً للتصور السابق الذي يكون الإنسان بموجبه تامّ الصنع من الناحية الروحية والمادية، فإن غياب كون الحرية جزءاً من لماهية الإنسانية ذاتها، بل كون الحرية هي الماهية ذاتها، من شأنه أن يجعل الحياة الروحية فقيرة جداً. فما ينتج هدى الإنسان وضلاله، علمه وجهله، حبه وكرهه، إنما هو الحرية ذاتها التي تشكل الشرط الجوهريّ لكل حياة روحية فذة، ولكل ما من شانه أن يكون مصدراً للإبداع والابتكار. وبما أن الإنسان إما أن يكون هذا أو ذاك، ولا وسط بينهما، ولا كائناً مركباً منهما، أي كائناً لا يصنع ذاته بذاته، فالنتيجة المترتبة على ذلك هي أنه يظل حبيس ماهية محددة لا يستطيع مفارقتها ولا الخروج منها. وبالتالي فإنه يكون مجبراً على أن يعيش ضمن ماهية محددة معينة مسبقاً لا يقوم هو ذاته باختيارها و إنتاجها.
ومن الواضح أن هذه الصورة السلبية لفقدان الحرية هي جزء لايتجزأ من البنية الانطولوجية للإنسان. فما دام الإنسان مكوّناً على نحو مكتمل، سواء في الإيجاب أو السلب، فليس به حاجة إلى الحرية. فغياب الحرية هنا بعد سلبيّ بكل تأكيد . هو سلبيّ بكلّ معاني السلبية انطولوجياً وأخلاقياً .
غير أن لهذه السلبية صورة إيجابية تتعين فيها وتكاد تتحدد من خلالها طبيعة الإنسان أو ماهيته تحديداً أدق وتعيناً يتسم بالمزيد من الوضوح والجلاء.
فالكائن غير الحرّ كائنٌ مجبر، أو هو مكره على أن يفعل ما يفعله من غير اختيار منه، بكل معاني الاختيار. فالجبرية إذن هي الصورة الإيجابية، أو لنقل هي التعيّن الإيجابيّ الذي يتجلّى من خلاله انعدام الحرية بالنسبة للإنسان أو حرمانه منها بحكم ماهيته المكتملة التي يولد وهو مزوّد بها، أو قد يولد وهو مفطور عليها.
تلكم هي صورة الإنسان كما تثبتها الثقافة العربية وتتبناها. والأهم من ذلك كله هو أنّ تصوّر الإنسان هذا ما يزال هو التصور الأكثر انتشاراً، بل و لذي يمتلك السلطة و لسيادة على نفوس أكثرية العرب وعقولهم. فإنك إن سرت في الأسواق والساحات العامّة و المدارس و الجامعات ودور العبادة، فستجد أنّ هذا التصوّر متحكمّ بذهنية الأكثرية من الناس، مما يجعلهم يشعرون بأنهم غير مسؤولين عما يفعلونه، وعما لا يفعلونه أيضاً.
المراجع
الموسوعة الالكترونية العربية
التصانيف
إنسانيات تصنيف :إنسان العلوم الاجتماعية