قال الرّاوي: فطفِقَتِ الجَماعَةُ تُمِدّهُ بالدّعاء. وهوَ يقلّبُ وجْهَهُ في السّماء. إلى أن دمَعَتْ أجفانُهُ. وبَدا رَجفانُهُ. فصاحَ: اللهُ أكبرُ بانَتْ أمارَةُ الاستِجابَةِ. وانْجابَتْ غِشاوَةُ الاستِرابَةِ. فجُزيتُمْ يا أهلَ البُصَيْرَةِ. جَزاءَ منْ هدَى منَ الحَيرَةِ. فلمْ يبْقَ منَ القوْمِ إلا منْ سُرّ لسُرورِهِ. ورضخَ لهُ بمَيْسورِهِ. فقَبِلَ عفْوَ بِرّهِمْ. وأقبلَ يُغْرِقُ في شُكرِهِمْ. ثمّ انحدَرَ منَ الصّخرَةِ. يؤمّ شاطئَ البَصرَةِ. واعْتَقَبْتُهُ إلى حيثُ تخالَيْنا.
وأمِنّا التّجسّسَ والتّحسّسَ علَيْنا. فقلْتُ لهُ: لقدْ أغْرَبْتَ في هذِهِ النّوبَةِ. فما رأيُكَ في التّوبَةِ؟ فقال: أُقسِمُ بعَلاّمِ الخَفيّاتِ. وغَفّارِ الخطيّاتِ. إنّ شأني لَعُجابٌ. وإنّ دُعاء قومِكَ لَمُجابٌ. فقلتُ: زِدْني إفْصاحاً. زادَكَ اللهُ صَلاحاً
فحفَزَني إليْهِ النّزاعُ. ورأيتُها فُرصَةً لا تُضاعُ. فارْتَحلْتُ رِحلَةَ المُعِدّ. وسِرْتُ نحوَهُ سيرَ المُجِدّ. حتى حللْتُ بمسْجِدِهِ. وقرارَةِ متعبّدِهِ. فإذا هوَ قد نبَذَ صُحبَةَ أصْحابِهِ. وانتصَبَ في مِحْرابِهِ. وهو ذو عَباءةٍ مخلولَةٍ. وشمْلَةٍ موصولَةٍ. فهِبْتُهُ مَهابَةَ منْ ولَجَ على الأسودِ. وألْفَيْتُهُ ممّنْ سِيماهُمْ في وُجوهِهِمْ منْ أثَرِ السّجودِ. ولمّا فرَغَ منْ سُبْحتِهِ. حيّاني بمُسبِّحَتِهِ. منْ غيرِ أن نغَمَ بحديثٍ. ولا استَخْبرَ عنْ قديمٍ ولا حَديثٍ. ثمّ أقْبلَ على أوْرادِهِ. وتركَني أعجَبُ منِ اجتِهادِهِ. وأغبِطُ مَنْ يَهدي اللهُ منْ عِبادِهِ. ولمْ يزَلْ في قُنوتٍ وخُشوعٍ. وسُجودٍ ورُكوعٍ. وإخْباتٍ وخُضوعٍ. إلى أن أكْملَ إقامَة الخمْسِ. وصارَ اليومُ أمْسِ. فحينئذٍ انْكفأ بي إلى بيتِهِ. وأسْهَمَني في قُرْصِهِ وزَيْتِهِ. ثمّ نهضَ إلى مُصلاّهُ. وتخلّى بمُناجاةِ موْلاهُ. حتى إذا التمَعَ الفجرُ. وحقّ للمُتهَجِّدِ الأجْرُ. عقّبَ تهجّدَهُ بالتّسْبيحِ. ثمّ اضطَجَعَ ضِجْعَةَ المُستريحِ. وجعلَ يرجّعُ بصوْتٍ فَصيحٍ:
خلِّ ادّكـارَ الأرْبُــعِ والمعْهَدِ المُـرتَـبَـعِ والظّاعِـنِ الـمـودِّعِ وعـدِّ عـنْــهُ ودَعِ وانْدُبْ زَماناً سـلَـفـا سوّدْتَ فيهِ الصُّحُفـا ولمْ تزَلْ مُعـتـكِـفـا على القبيحِ الشّـنِـعِ كمْ لـيلَةٍ أودَعْـتَـهـا مآثِمـاً أبْـدَعْـتَـهـا لشَهوَةٍ أطَـعْـتَـهـا في مرْقَدٍ ومَضْجَـعِ وكمْ خُطًى حثَثْـتَـهـا في خِزْيَةٍ أحْدَثْتَـهـا وتوْبَةٍ نـكَـثْـتَـهـا لمَلْـعَـبٍ ومـرْتَـعِ وكمْ تجـرّأتَ عـلـى ربّ السّمَواتِ العُلـى ولـمْ تُـراقِـبْـهُ ولا صدَقْتَ في ما تدّعـي وكمْ غمَـصْـتَ بِـرّهُ وكمْ أمِنْـتَ مـكْـرَهُ وكـمْ نـبَـذْتَ أمـرَهُ نبْذَ الحِذا الـمـرقَّـعِ وكمْ ركَضْتَ في اللّعِبْ وفُهْتَ عمْداً بالكَـذِبْ ولـمْ تُـراعِ مـا يجِـبْ منْ عهْدِهِ الـمـتّـبَـعِ فالْبَسْ شِـعـارَ الـنّـدمِ واسكُبْ شـآبـيبَ الـدّمِ قبـلَ زَوالِ الـقـــدَمِ وقبلَ سوء المـصْـرَعِ واخضَعْ خُضوعَ المُعترِفْ ولُذْ مَلاذَ المُـقـتـرِفْ واعْصِ هَواكَ وانحَـرِفْ عنْهُ انحِرافَ المُقـلِـعِ إلامَ تـسْـهـو وتَـنـي ومُعظَمُ العُمـرِ فَـنـي في ما يضُرّ المُقْـتَـنـي ولسْـتَ بـالـمُـرْتَـدِعِ أمَا ترَى الشّـيبَ وخَـطْ وخَطّ في الرّأسِ خِطَـطْ ومنْ يلُحْ وخْطُ الشّـمَـطْ بفَـودِهِ فـقـدْ نُـعـي ويْحَكِ يا نفسِ احْرِصـي على ارْتِيادِ المَخـلَـصِ وطاوِعي وأخْـلِـصـي واسْتَمِعي النُّصْحَ وعـي واعتَبِرِي بمَـنْ مـضـى من القُرونِ وانْقَـضـى واخْشَيْ مُفاجاةَ القَـضـا وحاذِري أنْ تُخْـدَعـي وانتَهِجي سُبْـلَ الـهُـدى وادّكِري وشْـكَ الـرّدى وأنّ مـثْـواكِ غـــدا في قعْرِ لحْـدٍ بـلْـقَـعِ آهاً لـهُ بـيْتِ الـبِـلَـى والمنزِلِ القفْرِ الـخَـلا وموْرِدِ السّـفْـرِ الأُلـى واللاّحِـقِ الـمُـتّـبِـعِ بيْتٌ يُرَى مَـنْ أُودِعَــهْ قد ضمّهُ واسْـتُـودِعَـهْ بعْدَ الفَضاء والـسّـعَـهْ قِيدَ ثَـــــلاثِ أذْرُعِ لا فـرْقَ أنْ يحُـلّـــهُ داهِـيَةٌ أو أبْــلَـــهُ أو مُعْسِـرٌ أو مـنْ لـهُ مُلكٌ كـمُـلْـكِ تُـبّـعِ وبعْدَهُ الـعَـرْضُ الـذي يحْوي الحَييَّ والـبَـذي والمُبتَدي والمُـحـتَـذي ومَنْ رعى ومنْ رُعـي فَيا مَفـازَ الـمـتّـقـي ورِبْحَ عبْـدٍ قـد وُقِـي سوءَ الحِسابِ المـوبِـقِ وهـوْلَ يومِ الـفــزَعِ ويا خَسـارَ مَـنْ بـغَـى ومنْ تعـدّى وطَـغـى وشَبّ نـيرانَ الـوَغـى لمَطْعَـمٍ أو مـطْـمَـعِ يا مَنْ عليْهِ الـمـتّـكَـلْ قدْ زادَ ما بي منْ وجَـلْ لِما اجتَرَحْتُ مـن زلَـلْ في عُمْري الـمُـضَـيَّعِ فاغْفِرْ لعَبْـدٍ مُـجـتَـرِمْ وارْحَمْ بُكاهُ المُنسـجِـمْ فأنتَ أوْلـى مـنْ رَحِـمْ وخـيْرُ مَـدْعُـوٍّ دُعِـي قال الحارثُ بنُ همّامٍ: فلمْ يزَلْ يرَدّدُها بصوتٍ رقيقٍ. ويصِلُها بزَفيرٍ وشَهيقٍ. حتى بكيتُ لبُكاء عينيهِ. كَما كُنتُ منْ قبلُ أبكي عليْهِ. ثمّ برزَ إلى مسجِدِهِ. بوُضوء تهجّدِهِ. فانطلَقْتُ رِدْفَهُ. وصلّيتُ مع مَنْ صلّى خلفهُ. ولمّا انفَضّ مَنْ حضَرَ. وتفرّقوا شغَرَ بغَرَ. أخذَ يُهَينِمُ بدَرْسِهِ. ويسْبِكُ يومَهُ في قالِبِ أمْسِهِ. وفي ضِمْنِ ذلِكَ يُرِنّ إرْنانَ الرَّقوبِ. ويبْكي ولا بُكاءَ يعْقوبَ.
حتى استَبَنْتُ أنهُ التحقَ بالأفْرادِ. وأُشرِبَ قلبُهُ هوى الانْفِرادِ. فأخطَرْتُ بقَلْبي عَزْمَةَ الارتِحالِ. وتخْلِيَتَهُ والتّخلّي بتِلكَ الحالِ. فكأنهُ تفرّسَ ما نويْتُ. أو كوشِفَ بما أخْفَيْتُ. فزفَرَ زَفيرَ الأوّاهِ. ثمّ قرأ: فإذا عزَمْتَ فتوكّلْ على اللهِ. فأسْجَلْتُ عندَ ذلِكَ بصِدْقِ المُحدّثينَ. وأيقَنْتُ أنّ في الأمّةِ محَدّثينَ. ثمّ دنَوْتُ إليْهِ كما يدْنو المُصافِحُ.
وقلتُ: أوْصِني أيها العبْدُ النّاصِحُ. فقال: اجعَلِ الموتَ نُصْبَ عينِكَ. وهذا فِراقُ بيني وبينِكَ. فودّعْتُهُ وعبَراتي يتحدّرْنَ منَ المآقي. وزَفَراتي يتصَعّدْنَ منَ التّراقي. وكانتْ هذِهِ خاتِمَةَ التّلاقي.
المراجع
al-hakawati.la.utexas.edu
التصانيف
تصنيف :أعمال أدبية الآداب
login |