" ما ندعوه إبداعا هو مزيج من نسيان ما قرأناه ومن تذكره" بورخيس
صاحب هذه الديباجة هو نفسه الذي كان قد كتب : " كلّ مرّة أقرأ فيها مقالا ينتقدني أكون على اتّفاق تامّ مع صاحبه، بل إنّني أعتقد أنّه كان بإمكاني أن أكتب أنا نفسي أحسن من ذلك المقال. لربما كان عليّ أن أنصح أعدائي المزعومين بأن يبعثوا إليّ بانتقاداتهم، قبل نشرها، ضامنا لهم عوني ومساعدتي. كم وددت أن أكتب باسم مستعار مقالا قاسيا عن نفسي".
يؤكّد بورخيس هنا أنّه على أتمّ الاستعداد دوما لإعادة النظر فيما سبق أن كتبه، وأنّ ما يكتبه يشكو دوما من نقص ملازم، وأنّ النص، بما هو كذلك، في حاجة دائمة إلى من وما يتمّم نقصه. يعي الكاتب تمام الوعي أنّ كتابته مفعول لعوامل تتجاوزه، وأنّه ما يفتأ ينفصل عنها، بل إنّه في حاجة إلى من يقدّم له يد المساعدة للقيام بذلك. لذا فهو يعلّق كبير الأمل على نقّاده، وهو يؤكّد أنّه على استعداد لأن يقدّم لهم العون للكشف عما فلت من رقابته، وما نسيه مما قرأه فظنّ أنّه من إبداعه.
يتوجه بورخيس في هذا النص إذن لأولئك الذين، رغم ما قد يردّدونه عن موت المؤلف، ما زالوا يحاسبون النص كما لو كان من نحت فاعل فرد هو المسئول عما يكتبه، وهو المتحكم في شكله ومحتواه، ناسين أنّ الكتابة عملية مركّبة تدخل فيها عوامل متعدّدة من نشر وقراءة وترجمة ونقد وتعليق، وأنها تستمدّ شكلها ومضمونها من الجنس الذي تنتمي إليه واللغة التي تكتب بها، والفضاء الذي تنشر فيه، والأداة التي تخطّ بها، والمصادر التي تعتمد عليها.
إذا كان الكاتب يبدو مفعولا أكثر منه فاعلا فما الذي يتبقّى للناقد والحالة هذه؟ الظاهر أنّ الكاتب الأرجنتينيّ لا يكتفي هنا بأن يدعو الناقد إلى التعاون مع المؤلف، وإنما إلى أن يغدو هو نفسه مؤلفا، يدعوه لأن يشارك المؤلف عملية الكتابة ويتقاسم معه همومها ومسؤوليتها. لن تغدو مهمة النقد، والحالة هذه، الوقوف على الجوانب الايجابية أو السلبية للنص، وإنما، محاولة "سدّ نقص" الكتابة، أو على حدّ تعبير دولوز، "جعل النص يمتدّ"، لا جعله يمتدّ في اتجاه المستقبل وحده، وإنما أساسا في اتجاه الماضي، هذا إن ربطنا الذاكرة ربطا تقليديا بنمط معين للزمان هو نمط الماضي، وجعلناها مجرد فعالية سيكلوجية. أما إن سلمنا بأنها "الاقتراب أو الحضرة.. الاقتراب لا من الماضي وحده، بل من الحاضر ومما سيأتي"، فهمنا المدّ والتمديد قياما ضد الراهنl’intempestif ، بكلّ ما ينطوي عليه الراهن من كثافة ومن تداخل لأنماط الزمان.
حينئذ تغدو الكتابة عودة لا متناهية لما سبق أن كتب، ويغدو كل إبداع "نشأة مستأنفة"، نشأة تستعين بأياد متعددة متباينة لخطّ نصّ لا يفتأ يكتب ويستنسخ ويتناسخ ( مع التأكيد على بناء هذه الأفعال جميعها للمجهول).
المراجع
alawan.org
التصانيف
ثقافة العلوم الاجتماعية مقالات