كتب رولان بارت :” التنجيم لا يتنبأ، وإنما يصف ( انه يصف بكيفية واقعية أوضاعا اجتماعية)”.
يتعذر علينا أن نسلم بفحوى هذه القولة إن نحن تمسكنا بالتقابلات التي اعتدنا التفكير حسبها كالواقع والحلم، الحقيقة والخيال، الوهم واللاوهم… وان نحن تشبثنا بتحديد التنجيم على أنه انتقال من إشارات يبثها الواقع إلى القدرة على التنبؤ بممكناته والتكهن بمستقبله. فهذه القولة لا تتطلب منا تدقيق هذا التحديد، ولا إعادة النظر في طرف واحد من هذه الثنائيات فحسب، إنها لا تدعونا إلى مراجعة مفهومنا عن الواقعي أو الحقيقي أو الخيالي أو الوهمي، وإنما تقتضي إعادة النظر في تلك الثنائيات ذاتها، وكذا المنطق المتحكم فيها، والآلية التي تعمل حسبها. هذه القولة لن تعني وتدلّ إلا شريطة تفكيك هذه الثنائيات.
ذلك أن الأمر لا يتعلق هنا بقلب واقع مفترض وتلوينه و”الإعلاء به”، كما لا يتعلق بخلق أوهام أو نسج خيالات، وإنما بممارسة آلية غريبة تكاد تطبع عالمنا المعاصر، لا تخصّ التنجيم وحده، وإنما تمتد إلى الإعلام والإشهار واستطلاعات الرأي وترويج الشائعات..وهي الآلية التي تجعل الأشياء حقيقة بمجرد التأكيد على أنها كذلك. إنها الآلية التي تجعل عالمنا عالم أوهامنا.
لا يقتصر فحوى عبارة بارت والحالة هذه، على التأكيد بأن التنجيم هو في النهاية تعبير عن تطلعات ومطامح. فليس التنجيم بمقتضى هذه القولة مجرد مرآة تعكس الرغبات والميول فحسب، بل إنّه مرآة فعالة إذ تعكس عن المجتمع صورا تدفعه إلى أن يستنسخها فيسعى لأن يتشبه بالصور التي تعكس عنه. كأنّ بارت يريد أن يقول : إن التنجيم يخلق الواقع الذي يتنبأ به فينبئ عنه.
علاقة جديدة إذن تخلقها هذه الآلية بين الحلم والواقع، بين الشائعة والخبر، بين التنبؤ والوصف. ولا سبيل إلى فهمها إن نحن تشبثنا بالمفهوم التقليدي عن الواقع، كما لا سبيل إلى إدراكها في إطار التحديد العلميّ التقليديّ الذي يربط المسبَّبات بالأسباب. ذلك أننا هنا أمام لعبة دائرية انعكاسية يغدو فيها المعلول علّة. وقد قلنا إنها الآلية ذاتها التي تتحكم في الإشهار والشائعة واستطلاع الآراء: كل هذه الفعاليات تتطلع إلى ما تستطلعه، وتنبئ عما تتنبأ به، فتنتهي بأن تصف الواقع الذي تريد أن تتكهن بتحوّلاته.
المراجع
alawan.org
التصانيف
ثقافة العلوم الاجتماعية مقالات