لم تفاجئني‮ ‬قضية الطفلة اليمنية‮ »‬نجود‮«‬،‮ ‬بسبب هيمنة ظاهرة الوأد التي‮ ‬ظلت مستمرة على امتداد التاريخ العربي‮/‬الإسلامي،‮ ‬ولكن ما استوقفني‮ ‬في‮ ‬هذه المسألة هو وقوف الطفلة في‮ ‬وجه العقل الذكوري‮ ‬المغتصب لكل جسد أنثوي،‮ ‬وفضحها لجانب مسكوت عنه من‮ »‬السلطة الوحشية‮« ‬التي‮ ‬لا تميز بين جغرافية الطفولة ونموها البيولوجي‮ ‬الفتي،‮ ‬والأنثى/الفرج الذي‮ ‬يظل هو الصورة المهيمنة في‮ ‬الثقافة الجنسية المحددة للعلاقة بين الرجل والمرأة‮.. ‬وذلك لسبب بسيط،‮ ‬كون نمط من الثقافة العربية الإسلامية التي‮ ‬يُراد لها الاستمرار والهيمنة،‮ ‬اعتبرت الجسد الأنثوي‮ ‬جسدا للاستهلاك فقط،‮ ‬وهو مجرد لحم‮ ‬ينبغي‮ ‬أن‮ ‬يؤكل طريا وفتيا‮.

‬وقد أورد الجاحظ‮ (‬في‮ ‬محاسن التزويج‮ »‬لا تنكحوا من النساء إلا الشابة،‮ ‬ولا تأكلوا من الحيوان إلا الفتي،‮ ‬ولا من الفاكهة إلا النضيج‮«‬،‮ ‬ثم أورد حديثا مرويا عن محمد‮ »‬إنما النساء لعب فإذا تزوج أحدكم فليستحسن‮« ‬إذن فالتصور العربي‮ ‬يجعل من الجسد الأنثوي‮ »‬ذبيحة‮« ‬كلما كان عمرها صغيرا كلما كانت ألذ وأكثر استمتاعا،‮ ‬خصوصا أن علاقة‮ "‬المسلم‮" ‬بسن السادسة له مرجعيته،‮ ‬فما بالك بابنة الثمانية أعوام‮. ‬كما أن الخطاب الفقهي‮ ‬قد تمكن من مراكمة تراث ضخم من الفتاوى التي‮ ‬تناقش كل تفاصيل الجماع واستباحة الجسد الطفولي‮ ‬للأنثى كما للذكر‮.‬ قد‮ ‬يكون من المفاجئ مطالعة بعض النصوص الفقهية التي‮ ‬تتعامل مع جسد الغلام والأنثى كجسدين قابلين للتداول الجنسي‮ ‬داخل المجتمع،‮ ‬ونكتفي‮ ‬هنا بذكر ما تعرض إليه الجاحظ في‮ ‬رسالة‮ »‬مفاخرة الجواري‮ ‬والغلمان‮ »‬إن من فضل الغلام على‭ ‬الجارية،‮ ‬أن الجارية إذا وصفت بكمال الحسن قيل كأنها‮ ‬غلام ووصيفة‮ ‬غلامية‮«‬،‮ ‬وهذا‮ ‬يعني‮ ‬أن المجتمع العربي‮ ‬ظل‮ ‬يتداول قيم‮ »‬المثلية‮« ‬والشذوذ،‮ ‬على هامش الممارسات الاجتماعية التي‮ ‬يتداولها وينتجها‮. ‬وإذا ظل هذا الجانب مسكوتا عنه ومغيبا،‮ ‬فإن الطفولة الأنثوية لم تسلم من الاجتهاد الشرعي‮ ‬والفقهي‮ ‬اللذين أدخلاها ضمن دائرة انشغالهما‮.

‬وقد استطاع عبد الصمد الديالمي"‬المعرفة والجنس‮: ‬من الحداثة إلى التراث‮1987"،‬ ‬مقاربة عدد من النصوص/النوازل التي‮ ‬تعود إلى القرن الثامن عشر مستنتجا أن تزويج بنت التسع شكل ظاهرة اجتماعية في‮ ‬بداية القرن التاسع عشر بالمغرب،‮ ‬وهو‮ ‬يرى أن السبيل التي‮ ‬كانت أمام الفقهاء لتسوية هذا النكاح وشرعنته هو إلحاق بنت التسع ببنت العشر سنين،‮ ‬لأن نكاح هذه الأخيرة كان صحيحا وعاديا،‮ ‬وقد توقف الباحث على شرح أبي‮ ‬الوليد بن رشد‮ "‬ق5‮" ‬لابن القاسم،‮ ‬أحد فقهاء‭ ‬المالكية،‮ ‬الذي‮ ‬لم‮ ‬يعتبر العشر شرطا وإنما الأمر مرتبط بمدى القدرة على الوطء‮ ‬ولهذا فإن هذا الخطاب لم‮ ‬يعمل سوى على إيجاد مدخل‮ »‬لإدماج الجسد النسوي‮ ‬في‮ ‬التبادل الجنسي‮ ‬الشرعي‮« ‬مهما كلف ذلك من ثمن من قبل‮ "‬الأنثى‮" ‬التي‮ ‬هي‮ ‬مجرد أداة قابلة للتحول من مجرد أنثى/طفلة إلى امرأة/أم،‮ ‬مع إلغاء كل ما‮ ‬يمكنه أن‮ ‬يحمله هذا التحول من أدوار ومدى القدرة على القيام بذلك‮.‬ إن الطفلة التي‮ ‬كانت تهرب من قبضة الزوج/السيد/المالك سرعان ما كان‮ ‬ينتهي‮ ‬بها الأمر إلى الرضوخ بفعل القوة والتسلط،‮ ‬والامتثال لرغباته،‮ ‬بعد أن‮ ‬يقم لها مآدب من العنف الضرب،‮ ‬التي‮ ‬هي‮ ‬في‮ ‬النهاية تدخل ضمن‮ »‬التأديب‮« ‬عملا بما تقتضيه فروض الطاعة الشرعية‮..‬

إن الخلفية الثقافية الإسلامية التي‮ ‬تبيح تزويج الطفلة انشغلت بالأنثى باعتبارها حاملة لإحدى أهم وأخطر ملذات الدنيا،‮ ‬وهي‮ ‬بذلك تلعب نفس الدور،‮ ‬سواء‭ ‬في‮ ‬الدنيا أو في‮ ‬الآخرة باعتبارها هجرة إلى عالم المكافآت والجزاء،‮ ‬في‮ ‬حين أن دور الرجل سيظل هو هو حتى في‮ ‬هذه الهجرة،‮ ‬وهو التمتع بالملذات الحسية والاحتفاء بالافتضاض كرمز للفحولة والقوة،‮ ‬وباعتباره رمزا لوجوده‮..‬فقوة الرجل لا تكمن في‮ ‬عقله وإنما في‮ ‬ذكورته التي‮ ‬وحدها تمنحه قيم العقل‮. ‬أما المرأة فإنها لم تخلق إلا لتكون مطيعة وطيعة‮ »‬للمؤمن في‮ ‬الجنة ثلاث وسبعون زوجة،‮ ‬قلنا‮ ‬يا رسول الله أوله قوة ذلك‮ ‬قال‮: ‬إنه ليعطى قوة مائة رجل‮« ‬و‮ »‬إن أهل الجنة إذا جامعوا نساءهم عدن أبكارا‮». ‬فالبكر/العذراء التي‮ ‬لم تفتض بعد’‬ابن قيم الجوزية؛ حادي‮ ‬الأرواح‮. ‬ص‮.‬185‮’ ‬ولم‮ ‬يسبق‮ ‬لها أن وطئت لها امتياز جنسي‮ ‬في‮ ‬تصور الرجل‮ .‬

ندرك من هنا أن حرص الذكورة على الطهر من هذا المستوى هو حرصها على أن‮ ‬يكون الرجل الذي‮ ‬يتزوج المرأة هو أول من‮ ‬يطؤها،‮ ‬فالمسألة لها صلة بالأسبقية في‮ ‬تحقيق الكتابة على جسد الفتاة قبل أن‮ ‬يتحول إلى‮ »‬طرس‮« ‬يجعل الرجل طبقة إضافية إلى جانب من كتبوا على الجسد‮ »‬وهذه‮ ‬غاية ما‮ ‬يطلب من النساء وبه تكمل لذة الرجل بهن وفي‮ ‬قوله‮ »لم‮ ‬يطمثهن إنس قبلهم ولا جان‮« ‬إعلام بكمال اللذة بهن،‮ ‬فإن لذة الرجل بالمرأة التي‮ ‬لم‮ ‬يطأها سواه لها فضل على لذته بغيرها‮« ‬ابن القيم الجوزية،‮ ‬م.س.ص‮.‬185‮..‬ إن هذا الهدم الواضح للحدود الفاصلة بين طفولة الأنثى ورشدها،‮ ‬وطفولة الذكور الذين‮ ‬يكونون‮ ‬غلمانا،‮ ‬ومن ثم‮ ‬يتساوى جسد الذكر والأنثى/الطفولي‮ ‬في‮ ‬تأدية وظيفة التداول الجنسي،‮ ‬لا يمكنه أن‮ ‬يكون صادما في‮ ‬نمط التفكير الذي‮ ‬أنتج نمطا من العلاقات المحكومة بنوع من المكر والمتاجرة‮.

‬فنحن حينما نطالع المالكية فإننا نجد أن الزوج‮ ‬يجب عليه الماء اللازم للشرب والنظافة والاغتسال منه،‮ ‬أما الاغتسال بسبب‮ ‬غيره كالحيض والاحتلام فلا‮ ‬يجب عليه‮«‬،‮ ‬بل ومن الفقهاء من‮ ‬يرى أنه ليس على الزوج تكفين زوجته بعد موتها‮. ‬وهكذا ترى بعض المذاهب أن النفقة لا تجب إلا في‮ ‬نظير الاستمتاع‮. ‬والزوجة المريضة لا تصلح للاستمتاع فلا‮ ‬يجب لها نفقته‮«‬ إذن فالخطاب الشرعي‮/‬الفقهي،‮ ‬كيف ما كانت خلفيته،‮ ‬يظل فيه جسد المرأة عنصرا مرتبطا باللذة والطاعة لنزوات الرجل‮. ‬وهذا راجع بالأساس إلى النظرة الدونية التي‮ ‬ظلت تحكم العقلية الذكورية/القضيبية التي‮ ‬لا تقبل أن تجعل المرأة كيانا له استقلاليته،‮ ‬وله رغباته الخاصة‮. ‬وإن الجسد ليس أداة للاستعمال وإنما هو‮ "‬أرض‮" ‬وأداة لمالكه بالدرجة الأولى‮.‬

إن المجتمعات العربية كانت،‮ ‬وما تزال تمارس الوأد الثقافي‮ ‬والرمزي‮ ‬العنيفين،‮ ‬بفعل إخضاعها للنشاط الجنسي‮ ‬وتعديلاته وتطويراته بمزجه بالحياة الاجتماعية،‮ ‬حتى اختفت الطبيعة البيولوجية له،‮ ‬مما ترتب عنه انحراف السلوك الجنسي‮ ‬ليتعرض إلى عدة أشكال من الشذوذ،‮ ‬وكما‮ ‬يقول هاڤلوف إليس،‮ ‬إنه لم تخضع أي‮ ‬من الدوافع،‮ ‬كالجنس،‮ ‬للقواعد الصارمة والدين والأخلاق والقانون حيث تضافرت وتكاتفت لتحد من قوة الجنس لتتفرع عنه الغريزة ثلاث‮ ‬غرائز‮ ‬،‮ ‬الأولى خاصة بالشهوة الجسمانية للرجل والمرأة،‮ ‬والثانية بالعاطفة المتبادلة والثالثة لها صلة بالحب العائلي‮. ‬وإذا كان النشاط الجنسي‮ ‬هو الذي‮ ‬يخلق التوازن بين الحياة والموت،‮ ‬فإن الثقافة العربية/الإسلامية ظلت تجعل من الغريزة الأولى محورا لهذا النشاط مع إقصاء‭ ‬الطرف الآخر/المرأة جاعلة منها عنصرا سلبيا مجردا من رغباته والاكتفاء بأن تكون جسدا‮ ‬يعرض للرجل متى أراد هو ذلك‮..‬ وما فعلته الطفلة اليمنية ليس سوى استعادة لجسدها ومحاولة السيطرة على تقنيات أنوثتها،‮ ‬أو باختصار هي‮ ‬محاولة جريئة وطبيعية لأنسنة الأنوثة ووضعها كطرف شريك ومستقل‮ ‬يقبل بالتواصل ولا يقبل بالاستعمال‮..‬هو جسد مقتنع بذاته وقد تصالح مع أناه وأنثاه‮..‬فالهوية الإنسانية لا تقوم ولا تستقيم إلا بتحقيق الوعي‮ ‬بالذات والجسد‮ ‬،‮ ‬لأن هذا الوعي‮ ‬هو الذي‮ ‬يؤدي‮ ‬إلى الوعي‮ ‬بالمحيط المدرك من قبلها‮..‬


المراجع

[hthttps://www.alawan.org/2008/05/07/%d8%a7%d9%84%d9%88%d8%a3%d8%af/ alawan.org]

التصانيف

ثقافة   العلوم الاجتماعية   مقالات