يصدر التهكم دوما عن ادعاء، صريح أو ضمني. المتهكم يشعر دوما أنه من سلالة رفيعة. لذلك فهو لا يتهكم على نفسه، ولا ينصب على ذاته. ليس هناك تهكم انعكاسي. على عكس السخرية التي تسخر من نفسها قبل كل شيء. السخرية متواضعة، أما التهكم فيصدر عن إحساس بالقوة. انه دائما في موقع من يتصيد نقاط الضعف ليفقد الثقة بالنفس.
التهكم فن الإحراج، فن نصب الشرك وإيقاع الضحية. فن التحايل بل الاحتيال. فن اللعب بالألفاظ وتلوينها. فن الإرباك، فن توليد الأحروجات. أما السخرية فهي فن إنتاج المفارقات. الأحروجة تعثر منطقي، أما المفارقة فهي تيه أنطلوجي.
يعمل التهكم جهة المبادئ. إنه فن التأسيس. فن الحفر وراء أساس جديد تقام عليه الأسس، الحفر وراء مبدأ المبادئ.
انه فن التقصي. لذا فهو ينهج طريق الاستفسارات المتلاحقة، ويركب الحوار والجدال. أما السخرية فهي لا تشغل بالها بالأسس والمبادئ، ما يهمها هو الكل، هو الحصيلة، هو الخلاصات والنتائج، هو الأمور وقد تشابكت وتعقدت فغدت قابلة لأن تنفضح، لأن تفضح نفسها في لغة يلتقي فيها المعنى واللامعنى.
سقراط متهكم، نيتشه ساخر. سقراط يقمع ديونيزوس الذي يظل مختفيا وراءه.
أما نيتشه فيضع بين المتهكم التقليدي والحكيم المتعقل شخصية "الشاعر- المغني- الراقص" حيث تغدو السخرية في الآن نفسه سخرية مأساوية ومأساة ساخرة.
تهكم سقراط لا يخرج عن آغورا المدينة، أما سخرية نيتشه فهي فن التفردات الرحالة والنقاط العشوائية التي لا تنفك تتنقل.
المراجع
alawan.org
التصانيف
ثقافة العلوم الاجتماعية مقالات