جريمة غسل الأموال

دراسة مقارنة

(الاتفاقيات الدولية – التشريع المصرى – الفقة الإسلامي)

مروة معتز مصطف خفاجى غسل الأموال مقدمة:

الجذور التاريخية لعمليات غسل الأموال:-

لقد أصبحت جريمة غسل الأموال غير المشروعة من المشكلات المثارة بشكل واسع في كافة الدول ويستوى ذلك في الدول المتقدمة أو النامية. وقد عرفت جريمة غسل الأموال منذ القدم حيث ارتبطت تلك الجريمة بأعمال القرصنة البحرية والتى من أشهرها عمليات القرصنة الذى قام بها Henry Every وعصابته فى المحيطين الأطلنطى والهندى بحيث قام بجمع أطنانا من المجوهرات والذهب ثم قرر التقاعد والاستمتاع بغنائمه فتسلل إلى قرية بايدفورد إحدى قرى مدينة تقشير الساحلية وعاش بها باسم مستعار وسعى إلى تحريك أمواله من خلال أعمال تجارية إلا أن أسلوبه في غسل الأموال لم يكن موفقاً ورفض المتعاملون معه سداد ما عليه من ديون له ولم يستطع إبلاغ الشرطة بذلك خشية أن يكتشف أمره وتصادر أمواله. ( ) وترجع عمليات غسل الأموال بوسائلها الحديثة إلى سنة 1932 حيث بوشرت بشكل منظم بواسطة شخص يدعى Meyer Lansky كان يمثل حلقة الوصل بين المافيا الأمريكية والمافيا الإيطالية خلال الحرب العالمية الثانية وذلك لتسهيل دخول القوات البحرية للحفاء جزيرة صقلية ومن أجل ذلك تم اللجوء إلى البنوك السويسرية من أجل إخراج النقود من الولايات المتحدة الأمريكية وإيداعها في بنوك يويسرا من خلال قروض وهمية وبفضل هذه الأموال المعاد توجيهها استطاع إقامة مدينة لالعاب القمار في Las Vegas الأمريكية. ( ) وفي العصر الحديث تعد فضيحة " ووترجيت" حالة نموذجية لجريمة غسل الأموال فلم تكن مجرد فضيحة سياسية حيث اكتشف المحققون في حيازة المتهمين قليلاً من الدولارات التى تحمل أرقاماً متسلسلة فقاموا بتتبع هذه الأرقام مما مكنهم من التعرف على مبالغ كبير تم غسلها بالتدوير والنقل لتصل إلى لجنة الرئيس الأمريكي- المتهم في الفضيحة – كتبرع يخالف القانون وتعتبر ظاهرة غسل الأموال من صور الجرائم الاقتصادية وهى ترتبط بالجريمة المنظمة ( ) وأن كانت الأخيرة أكثر اتساعاً وشمولا ومن أمثلتها جرائم المخدرات والإرهاب وتهريب السلاح. وتمثل عمليات غسل الأموال مشكلة متعددة الجوانب بالنسبة للدول التى تتم فيها هذه العملية ففى بريطانيا والدول الأوربية بلغ حجم الأموال التى تم غسلها نحو 300 مليار دولار في عام 1997 اختصت بريطانيا بمبلغ 226 مليون دولار ( ) . وقد أكد تقرير لوزارة الخزانة الأمريكية في سنة 1989 حجم الأموال التى تم غسلها سنويا قدرت بنحو 300 مليار دولار.

الفصل الأول: تعريف غسل الأموال ماهية غسل الأموال: تعبير غسل الأموال Blanchiment dé l'argent يرجع في اصله إلى المافيا الأمريكية . ويقصد به مجموعة العمليات ذات الطبيعة الاقتصادية التى تتبع لتغيير صفقة أموال تم الحصول عليها بطريقة غير مشروعة لتظهر كما لو كانت نشأت أصلا عن مصدر مشروع ( ). فالجاني في جرائم غسل الأموال يهدف إلى إدخال الأموال غير المشروعة في مصدرها في إطار حركة التداول المشروع لرأس المال مع ما يترتب على ذلك من اندماج بعضها مع بعض وبالتالي يصعب اقتفاء أثرها أو معرفة مصدرها. ( ) كما تشمل أيضاً المساهمة في توظيف أو إخفاء أو تحويل العائد المباشر أو غير المباشر لجناية أو جنحة. ( ) فجوهر عملية غسل الأموال هو قطع الصلة بين الأموال المتحصلة عن أنشطة أجرامية وبين مصدرها غير المشروع. فهي تهدف بذلك إلى إضفاء الشرعية على أموال هى في تحقيقتها ناتجة عن مصدر غير مشروع. ويترتب على نجاح تلك العملية سهولة تحرك هذه الأموال غير المشروعة في المجتمع دون خشية من مصادرتها وبالتالي يفلت الجناة من العقاب. فعملية غسل الأموال تنصب على أموال غير مشروعة يطلق عليها المال القذر L'argent Sale وهذه الأموال تختلف عن الأموال السوداء L'argent noire التى تتسم بمشروعية مصدرها إلا انه يتم الاحتفاظ بها سراً للتهرب من الضرائب على الدخل.( ) ( ) وبناء على ما سبق تتطلب عملية غسل الأموال توافر ثلاثة عناصر هى:- (1) أموال ناتجة عن أنشطة غير المشروعة. (2) أشخاص يمنعون أيديهم على هذه الأموال ويعلمون أنهم لا يستطيعون استخدامها بحالتها الراهنة. (3) أشخاص يتولون مهمة غسل هذه الأموال من خلال أنشطة مشروعة لإخفاء حقيقة مصدرها. تعريف جريمة غسل الأموال دوليا: تعد اتفاقية فيينا أولى الاتفاقيات الدولية التى تصدت إلى الجريمة المنظمة ثم تبعها كافة الاتفاقيات الدولية التى قامت بعملية غسل الأموال وتلك الاتفاقيات هى: (1) اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الاتجار غير المشروع في المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 1988. (2) اتفاقية المجلس الأوربي الموقعة في استراسبورج في 8 نوفمبر 1990 بشأن غسل وتعقب وضبط ومصادرة الأموال المتحصله من الجريمة . (3) اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة العابرة للحدود الوطنية الموقعة في باليرمو ديسمبر 2000م. تعريف غسل الأموال في اتفاقية فيينا لسنة 1988: اتفاقية فيينا هى أول من وضعت تعريف لغسل الأموال ( ) ولقد حددت ثلاثة صور لغسل الأموال ولكنها لم تذكر لفظ الغسل وتلك الصور هى حسبما جاءت بنص المادة الثالثة الفقرة الأولي هى:- (1) تحويل أو نقل الأموال مع العلم بأنها متحصلة من جريمة مرتبطة بتجارة المخدرات أو أى فعل يجعل فاعله شركيا في مثل هذه الجرائم كنقل المخدرات واستيرادها وتصديرها والسمسرة فيها وتوزيعها . كذلك الأفعال التى كان من بين أغراضها إخفاء الأصل غير المشروع للأموال أو مساعدة أى شخص فى ارتكاب مثل هذه الجرائم للهرب من التبعات القانونية. (2) إخفاء أو كتمان أو إضفاء مظهر كاذب للتمويه على حقيقة الأموال أو مصدرها أو مكانها أو طريقة التصرف فيها أو إيداعها أو الحقوق المتعلقة بها أو ملكيتها مع العلم بأنها مستمدة من إحدى الجرائم المنصوص عليها سابقاً أو مستمدة من فعل ناشئ عن الاشتراك في مثل هذه الجرائم. (3) اكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسلمها بأنها مستمدة من أحدى الجرائم السابقة أو مستمدة من فعل من أفعال الإشتراك. فلقد هدفت الاتفاقية إلى تجريم الآليات والسبل الأساسية لغسل الأموال وهى:- التوظف. التمويل. الدمج. ( ) - فلقد اقتصرت الاتفاقية على تجريم غسل الأموال الناشئة عن تجارة المخدرات فقط. - كما قامت الاتفاقية بتجريم تجار المخدرات ومعاونيهم سواء كانوا وسطاء أو سماسرة بشرط أن يكون عالماً وقت الغسل بالمصدر غير المشروع للمال. - كما قامت بتجريم الأفعال والتصرفات التى تغيير من طبيعة المال والتى تؤدى إلى إخفاء طريقة الحصول عليه أو قطع الصلة بين المال والمالك الحقيقي له. ( ) - كما أنه توسعت في تعريف المال محل الغسل فشمل أى نوع من الحقوق سواء كانت مادية أو غير مادية . تعريف غسل الأموال في اتفاقية استراسبورج 1990: وقعت هذه الاتفاقية من قبل دول المجلس الأوربي في 8/11/1990 وتتعلق بمكافحة غسل الأموال الناتجة عن الجريمة بوجه عام ،فبعد أن كانت اتفاقية فينا 1988 قاصرة على تجربة الموال المتحصلة من تجارة المخدرات فقط. جاءت اتفاقية استراسبورج 1990 لتجرم غسل الأموال الناشئة عن الجريمة بغض النظر عن نوعها. فالدول الموقعة على الاتفاقية تلتزم بتجريم جميع الأفعال التى تنطوى على تحويل أو نقل أو أكفاء الأموال الناشئة عن الجريمة كما تلتزم بتجريم حيازة أو اكتساب أو استعمال الأموال في أى من هذه الأفعال. كما أنها لم تشترط أسبقية العلم بالمصدر غير المشروع للأموال بل يكفي وقت الغسل علم الغاسل أو المشترك بأن هذه الأموال قد تحصلت من مصدر غير مشروع. ( ) كما أن الاتفاقية جعلت من تبادل الرقابة على الحسابات البنكية أو المحادثات التلفونية أمراً اختياريا للأعضاء الموقعين على الاتفاقية ( ). تعريف غسل الأموال في اتفاقية باليرمو 2000:- الهدف من تلك الاتفاقية هو تعزيز التعاون الدولي على منع الجريمة المنظمة عبر الوطنية ومكافحتها بمزيد من الفعالية. ( ) ولقد حددت الاتفاقية في المادة السادسة الأفعال التى تعد غسلاً للأموال في حال ارتكاب هذه الأفعال عمداً وتلك الأفعال هى:- تحويل الممتلكات أو نقلها مع العلم بأنها عائدات جريمة بغرض إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع لتلك الممتلكات أو مساعدة أى شخص في ارتكاب الجرم الأصلي الذى تآنت منه على الإفلات من العواقب القانونية لفعلية. اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة النساء (2) إخفاء أو تمويه طبيعة الحقيقة للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأنها عائدات إجرامية. (3) اكتساب أو حيازة أو استخدام الممتلكات مع العلم بأنها عائدات إجرامية. (4) المشاركة في ارتكاب أى من الجرائم المقرة أو التواطؤ أو التآمر في ارتكابها أو محاولة ارتكابها والمساعدة والتحريض على ذلك وتسهيله وإسداء المشورة بشأنه. فلقد توسعت الاتفاقية في نصوص التجريم والعقاب المتعلقة بعملية غسل الأموال ومكافحتها وحث الدول الأعضاء على تجريم تلك الأفعال في قوانينها الداخلية. تعريف غسل الأموال في الفقة الإسلامي:- يوجد نوعين لغسل الأموال فى الفقة الإسلامي وهما:- - غسل شرعي مباح وصورته أن يكون المال حلالاً في مصدره وطريقة اكتسابه ويغسل المال بإخراج حق الله وحق العباد منه. - غسل غير شرعي وهو محظور وصورته أن يكون المال المتحصل من مصدر غير شرعي. تعريف الغسل الشرعي للأموال: هو إخراج حق الله تعالى من زكاة وصدقات أوجبها الشرع من المال الحلال وإخراج حق الدولة من ضرائب ورسوم مستحقة لها مع عدم الإخلال بحق العبادة التى ترتب على هذا المال من ديون وحقوق. فالله سبحانه وتعالى أوجب الزكاة والصدقات على من يملك وقد فرضها الله تطهيراً للمال. فقال تعالي:- "خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكنه لهم والله سميع عليم" ( ). تعريف الغسل غير الشرعي للأموال: هو كل سلوك يسلكه الإنسان ينطوى على إخفاء حقيقة المال حال كونه مكتسبا من مصادر غير شرعية والهدف منها إخفاء حقيقة المال. قال تعالي: " يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيماً ومن يفعل ذلك عدوانا وظلما فسوف نصليه ناراً وكان ذلك على الله يسيرا" ( ) قال تعالي:- " سماعون للكذب أكالون للسحت" ( ) قوله (ص):- (لكل لحم نبت من حرام فالنار أوله به).

المبحث الثاني: علاقة غسل الأموال بالجرائم الأخرى علاقة غسل الأموال بالجرائم الأخرى:- تؤدى عملية غسل الأموال إلى ضخ أموال غير مشروعة في اقتصاد الدولة من خلال إيداعها إى تحويلها إلى شكل آخر من أشكال الثروة أو توظيفها في مجال بعيد عن المصدر الذى تم الحصول عليها منه ولتبدأ بعد ذلك عملية التموية أو التغطية وتعنى القيام بعدة عمليات في إطار تغيير الشكل الذى استخدمت فيه الأموال أو توزيعها على أنشطة وأشكال متنوعة وأخيراً عملية الاندماج وتعني الغاية النهائية من عملية الغسل فهي تطهير هذه الأموال وإدماجها في الاقتصاد كما لو كانت مشروعة وتوظيفها بحرية دون خوف المطاردة. وقد انتشرت عملية غسل الأموال مع تعاظم ظاهرة الاتجار غير المشروع بالمخدرات وشملت أيضاً بعض الأنشطة الإجرامية الأخرى كالإتجار في الأسلحة والأطفال والسيارات المسروقة والنقود المزيفة شملت أيضاً عمليات التجارة الإجرامية في السلع والخدمات غير المشروعة كالاتجار في الأعضاء البشرية والأسلحة النووية البيولوجية وفى الآثار والتحف. ( ) كما تعد جرائم الفساد الإدارى من الجرائم المنتجة للأموال غير المشروعة ذلك أن الفساد الإدارى بما يعنيه من الاستغلال غير المشروع للوظيفة العامة يؤدى إلى انتشار الرشوة وسعى الموظفين إلى تحقيق مكاسب شخصية من خلال العمل الوظيفي مما يؤدى إلى تضخم ثرواتهم ويدفعهم ذلك إلى غسلها من خلال أنشطة مشروعة حتى لا يتم التعرف إلى حقيقة مصدر أموالهم. وبالتالي يمكن القول بأن جريمة غسل الأموال تخطي في الواقع كل أنماط جرائم القانون العام للعقوبات ( ) وبالتالي تعد بمثابة نشاط تكميلي للجرائم السابقة ومصدر المال غير المشروع. ( ) فالغسل لا يرد إلا على مال غير مشروع غير أن تحديد ما هو مشروع وما هو غير مشروع يختلف من بلد لآخر وإن كان يوجد إجماع بين قوانين الدول على تجريم الاتجار غير المشروع في المخدرات وهو ما أدى على ربط تجريم غسل الأموال باتفاقية فيينا لسنة 1988. والعلة في تجريم غسل الأموال ذات المصدر غير المشروع يرجع إلى أن هذه الأموال متحصلة من أنشطة أجرامية ومن ثم فإن المبدأ الواجب التطبيق بشأنها هو رد الفرع إلى الأصل إلا وهو النشاط الإجرامي ولما كانت إحدى غابات التحريم هى عدم إتاحة الفرصة لمرتكب الجريمة للتمتع بثمرة الجريمة كما لو كانت مستمدة من مصدر مشروع فإن ذلك يقتضي تجريم عمليات غسل الأموال ذات المصدر غير المشروع. خطورة عملية غسل الأموال: تعد ظاهرة غسل الأموال من الظواهر المقلقة للعالم في الآونة الأخيرة لما لها من آثار ضاره على النواحي الاقتصادية والاجتماعية. فمن الناحية الاقتصادية: فإن عملية غسل الأموال تؤدى إلى انخفاض قيمة العملة في الدولة التى تجرى فيها مثل هذه العمليات وهذا يساعد بدوره على زيادة التضخم وتعرض أسواق المال والبورصة الأوراق المالية لأزمات قد تؤدى إلى انهيارها. كما أن عدم مشروعية الدخل الذى تجرى عليه عملية الغسل يمثل قوة شرائية غير ناتجة عن نشاط اقتصادى حقيقي وهذا من شأنه إفساد المناخ الاستثمارى ذاته فالمشروعات ذات المصادر المشروعة لا تستطيع أن تصمد في مواجهة المشروعات ذات المصادر غير المشروعة مما يمكن هذه الأخيرة من التحكم في الأسواق واحتكارها. ( ) وتؤثر عمليات غسل الأموال على مركز الدولة وسمعتها أمام الهيئات الدولية المانحة للمساعدات والقروض فانتشار الفساد السياسي والإدارى وما يصحبه من تهرب الأموال بقصد الغسل دفع صندوق النقد الدولي إلى إعلان رغبته فى تغيير سياسته الإقراضية للدول النامية بحجة أنها لم تستفد من عمليات الإقراض على نحو كامل بسبب انتشار الفساد. ( ) كما يؤدى غسل الأموال إلى إفساد الجهاز المصرفي نتيجة لاستخدام الرشوة مما يؤدى إلى عدم الثقة بالمؤسسات المالية. بل قد يؤدى ذلك إلى انهياره لأن الذين يحصلون على أموالهم من مصادر مشروعة غالباً شعور بالنفور من امتزاج أموالهم داخل المصارف مع تلك المستمدة من أنشطة أجرامية مما يؤثر سلبا على ثقتهم بالمصارف التى تقدم خدماتهما لهم وللمجرمين على حد سواء وهذا يؤدى بدوره إلى إحجامهم عن للتعامل معهما وما يترتب على ذلك من إغلاقها. فمبدأ الثقة في الجهاز المصرفي. أساسه نظافة الأموال التى يديرها المصرف فمهما كانت مكاسبه من الأموال غير المشروعة في مصدرها فهي بلا شك ضئيلة إذا ما قورنت بمكاسب الأموال ذات المصدر المشروع فالأولي قد لا يتاح استثمارها نظر الرغبة مالكيها في انتقالها بسرعة من مؤسسة مالية لأخرى حتى لا يتكشف حقيقة مصدرها وبالتالى لا يتاح للمصرف فرصة استثمارها وذلك بعكس الثانية. والغالب أن تتم عملية غسل الأموال عن طريق تهريب هذه الأموال إلى الخارج وذلك يجعل منها نزيفا للافتقاد القومي لمصلحة الاقتصاديات الأجنبية الخارجية إذ يحوى المال الذى تم الحصول عليه بطريق غير مشروع كالرشاوى مما يمثل اقتطاعه جانبا هام من الدخل القومي الحقيقي المشروع الذى اكتسبه المجتمع وأفراده ثم يستثمر هذه الجزء ليعود نظيفاً . وفى ذلك حرمات للبلاد من العوائد الإيجابية التى كان من الممكن الحصول عليها عند استثمار هذه الأموال متمثلا في القيمة المضافة للدخل القومي التى كان من الممكن أن تحدث رواجاً في البلاد. ( ) لذلك كان لابد من حرمان الجماعات الإجرامية من هذه الأموال بضبطها ومصادرتها من أجل تحجيم سطوتها والخدمة أنشطتها غير المشروعة لما تمثله من خطورة بالغة على النواحى الاقتصادية للدولة . ومن الناحية الاجتماعية: فإن غسل الأموال يمكن المنظمات الإجرامية من إعادة استخدام هذه الموارد في ارتكاب المزيد من الجرائم التى تحقق لها المزيد من الأرباح. ( ) كما تسعي المنظمات الإجرامية بفضل هذه الأموال غير المشروعة نتيجة عمليات الغسل إلى مواقع اتخاذ القرار. ( ) فيكون لها بذلك السيطرة ويتحقق ذلك عمليا من خلال تقلد بعض المناصب السياسية الهامة. تملك وسائل الإعلام والسيطرة عليها الاستعانة بالأموال غير المشروعة في إحداث الفساد الإدارى من خلال عمليات الرشوة. كما تؤدى عمليات غسل الأموال إلى انهيار في القيم والسلوك الأخلاقي. ( ) مثل العمل والكسب غير المشروع وإلى سيادة قيم سلبية مثل الرغبة في الإثراء غير السريع بأى وسيلة ولو كانت غير مشروعة ولعمليات غسل الأموال علاقة وثيقة بانتشار البطالة في المجتمع ( ) حيث أن تهريب الأموال إلى الخارج لغسلها يؤدى إلى نقل جزء من الدخل القومي إلى الدول الأخرى ومن ثم تعجز الدول التى هرب منها رأس المال عن توفير فرض عمل من خلال الإنفاق على الاستثمارات اللازمة لذلك . وبذلك يتضح أن هذه الجرائم تمثل خطراً جسيماً على القيم الأساسية للنظام الاجتماعي مما يقتضى تجريمها في كل دولة. ( )

الفصل الثاني: أركان جريمة غسل الأموال قامت اتفاقية فيينا 1988 بوضع النموذج القانوني لغسل الأموال بما يشتمل عليه من قواعد إجرائية ومن ثم سارت عليه باقي الشرائع العقابية الحديثة. عن عناصر جريمة غسل الأموال في الاتفاقيات الدولية والتشريع المصرى والفقة الإسلامي وعناصر جريمة غسل الأموال هى:- - الجريمة الأصلية. - الركن المادى. - الركن العنوى. وفيما يلى شرح لتلك العناصر وهى: تعريف الجريمة الأصلية هى كل نشاط إجرامي سواء كان فعل أو امتناع تحصلت منه بطريق مباشر أو غير مباشر الأموال التى تعل بها موضوع أو محل جريمة غسل الأموال وهى بمثابة شرط مفترض يتمثل في واقعة قانونية جنائية. ( ) المبحث الأول: الجريمة الأولية في الاتفاقيات الدولية الجريمة الأولية في اتفاقية فيينا: قامت اتفاقية فيينا بتجريم غسل الأموال المتحصلة من المخدرات فقط. فلقد حددت الإتفاقية فى نص مادتها الثالثة محل جريمة غسل الأموال بأنها:- "الأموال الناتجة عن أحدى جرائم المخدرات والمؤثرات العقلية سواء من ناحية إنتاجها أو صناعتها أو استخدامها أو تحضيرها أو عرضها للبيع أو توزيعها أو بيعها أو تسليمها بأى وجه كان أو السمسرة فيها أو إرسالها استيرادها أو تصديرها وكذلك زراعة خشخاش الأفيون او شجيرة الكوكا أو نبات القنب لغرض وإنتاج المخدرات وحيازة أو شراء مخدرات أو مؤثرات عقلية لغرض ممارسة نشاط من الأنشطة المذكورة سلفا.. ما يتعلق بالمخدرات زراعة وتجارة إنتاجا وتوزيعا" ( ) فجريمة الغسل تنصب فقط على الموال المتحصلة عن الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية سواء كان بطريق مباشر أو غير مباشر. الجريمة الأولية في اتفاقية استراسبورج 2000:- قامت تلك الاتفاقية على عكس ما جاء باتفاقية فيينا بالتوسع في نطاق الجريمة الأولية فأصبحت تجرم غسل الأموال الناتجة عن الجريمة بوجه عام طالما إنها جرائم جنائية تنتج عائدات غير مشروعة تصلح مجالا لجرائم عسل الأموال. الجريمة الأصلية في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003:- يقصد بالجريمة الأصلية هى كل جريمة نصت الاتفاقية عليها من الجرائم الواردة في الفصل الثالث الخاص بالتجريم ومن أمثلة تلك الجرائم الرشوة والاختلاس بكافة صورهما والاتجار بالنفوذ والإثراء غير المشروع. ( ) ولا تنحصر الجرائم فيما نصت عليه الاتفاقية ولكن الجرائم فيما نصت عليها الاتفاقية ولكن أى جرائم أصلية أخرى واردة في التشريع الداخلي للدولة. ولقد نصت على ذلك الفقرة الفرعية (أ) من الفقرة الثانية من المادة 23 من الاتفاقية. ويستوى أن ترتكب الجريمة الأصلية داخل الولاية القضائية للدولة أو خارجها. ولكن في حالة أرتكاب تلك الجريمة خارج الولاية القضائية للدولة المعنية فلابد وأن يكون هذا السلوك يمثل بمقتضي القانون الداخلي للدولة التى ارتكب فيها فعلاً إجرامياً.

المبحث الثاني: الجريمة الأصلية في التشريع المصرى النص القانوني: تنص المادة الثانية من قانون غسل الأموال رقم 80لسنة 2002 على أنه:- "يحظر غسل الأموال المتحصلة من جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمواد المخدرة وجلبها وتصديرها والاتجار فيها وجرائم اختطاف وسائلة النقل واحتجاز الأشخاص والجرائم التى يكون الإرهاب – بالتعريف الوارد في المادة 86 من قانون العقوبات- أو تعويله من بين أغراضها أو من وسائل تنفيذها وجرائم استيراد الأسلحة والذخائر والمفرقعات والإتجار فيها وصنعها بدون ترخيص والجرائم المنصوص عليها في البواب الأول والثاني والثالث والرابع والخامس عشر والسادس عشر من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وجرائم سرقة الأموال واغتصابها وجرائم الفجور والدعارة والجرائم الواقعة على الآثار والجرائم البيئية المتعلقة بالمواد والنفايات الخطرة والجرائم المنظمة التى يشار إليها في الاتفاقيات الدولية التى تكون مصر طرفاً فيها وذلك كله سواء وقعت جريمة غسل الأموال أو الجرائم المذكورة في الداخل أو الخارج بشرط أن يكون معاقبا عليها في كلاً القانونين المصرى والأجنبي". تحديد الجريمة الأولية على سبيل الحصر:- يتعين لتوافر جريمة غسل الأموال أن يكون المال محل الغسل متحصل من جريمة أخرى يطلق عليها الجريمة الأولية.

ويتضح من صياغة المادة الثانية أن المشرع حصر الجريمة الأولية مصدر المال محل الغسل في عدة جرائم وردت في قانون العقوبات العام وفي قانون العقوبات التكميلي وفى الاتفاقيات الدولية التى تكون مصر طرف فيها.د

الجرائم الواردة في قانون العقوبات العام:- جريمة اختطاف وسائل النقل وهى واردة في المادة 88 من قانون العقوبات. جريمة احتجاز الأشخاص الواردة في المادة 88 مكرراً من قانون العقوبات. الجرائم التى يكون الإرهاب أو تحويله من بين أغراضها أو من وسائل تنفيذها. الجرائم الواردة في الأبواب الأول والثانى والثالث والرابع والخامس عشر والسادس عشر من الكتاب الثاني من قانون العقوبات وهى الجنايات والجنح المضرة بأمن الحكومة من جهة الخارج. الجنايات والجنح المضرة بأمن الدولة من الداخل وهى الجرائم الواردة فى القسم الأول من هذا الباب المواد 86 إلى 89. وكذلك الواردة في القسم الثاني من هذا الباب (المواد 89 مكررا إلى 102 مكررا). جرائم الرشوة الواردة في الباب الثالث (المواد من 102 إلى 111) . جرائم اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر الواردة في الباب الرابع (المواد 112 إلى 119 مكرراً) جرائم المسكوكات والزيوف المزورة الواردة في الباب الخامس عشر (المواد من 202 إلى 205) جرائم التزوير الواردة في الباب السادس عشر (المواد 206 إلى 227). جرائم سرقة الأموال واغتصابها وهى واردة في الباب الثامن من الكتاب الثالث من قانون العقوبات (المواد من 311 إلى 327). الجرائم الواردة في قانون العقوبات التكميلي: جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر والمخدرة وجلبها وتصديرها والاتجار فيها وهى واردة في القانون رقم 182 لسنة 1960. جرائم استيراد الأسلحة والذخائر والمفرقعات والاتجار فيها وصنعها بدون ترخيص. وهى واردة في القانون رقم 394 لسنة 1954. جرائم الفجور والدعارة الواردة في القانون رقم 10 لسنة 1961. الجرائم الواقعة في الآثار الواردة في القانون رقم 17 لسنة 1983. جرائم البيئة المتعلقة بالنفايات الخطرة. الجرائم الواردة في الاتفاقيات الدولية التى تكون مصر طرفا فيها:- وهى كافة صور الجرائم المنظمة سواء كانت جريمة غسل الأموال وقعت في الداخل أو الخارج ولكن يشترط أن يكون معاقباً على تلك الجريمة في كلا من القانونين المصر والقانون الأجنبي.

بعض الملاحظات على صياغة المادة الثانية:- أولا: البعض انتقد اتباع المشرع المصرى الأسلوب المصرى في تحديد الجريمة الأولية مصدر المال غير المشروع وذلك لأن باتباع المشرع هذا الأسلوب أخرج كثير من الجرائم من نطاق غسل الأموال بالرغم من أنها يمكن أن تدر أموالاً كثيرة كجرائم التهرب الجمركي والضريبة وجرائم الاتجار فير المشروع في العملة وجرائم البورصة. ولدى أن المشرع المصرى قد اتبع هذا الأسلوب في تحديد الجرائم الأولية لتحقيق التناسق بين مكافحة غسل الأموال وقانون سرية الحسابات بالبنوك فالمشرع بأتباعه هذا الأسلوب أراد وضع قيد على مبدأ سرية الحسابات لمواجهة نوع من الجرائم فإذا توسع المشرع واكتفي بتجريم غسل الأموال المتحصلة من جناية أو جنحة لكان مؤدى ذلك إهدار قانون سرية الحسابات. ثانيا: قام المشرع بتحديد الجرائم الواردة في قانون مكافحة المخدرات التى يترتب على غسل الأموال المتحصلة منها قيام جريمة غسل الأموال فحصر الجريمة الأولية في جرائم زراعة وتصنيع النباتات والجواهر المخدرة وجريمة الجلب والتصدير والإتجار في المواد المخدرة. كما يلاحظ أن المشرع لم يشر إلى كافة جرائم المخدرات فقد أغفل الإشارة إلى جرائم أخرى يمكن أن تدار أموالاً كثيرة كالجرائم المتصلة بالتعاطي. كما أن المشرع أغفل الإشارة إلى جريمته إنتاج وفصل المواد المخدرة واقتصر فقط على جريمة التصنيع على الرغم من اختلاف مفهوم كل منهم. فإنتاج المادة المخدرة يعنى إيجاد مادة مخدرة لم تكن موجودة من قبل. ( ) أما التصنيع فيعنى مزج عدة مواد للحصول من المركب الجديد على مادة مخدرة. ( ) أما فصل المادة المخدرة فيعنى تحليل مادة قائمة وفصل عناصرها المكونة لها فضلاً يتم الحصول على مادة مخدرة.( ) فلم يكن مفهوماً اقتصار المشرع في تحديد للجريمة الأولية المتحصل منها على المال غير المشروع في نطاق جرائم المخدرات على بعض الجرائم دون البعض الآخر على الرغم من أن الجرائم التى أغفلها المشرع يمكن أن يتحصل منها على أموال غير مشروعة . فهذا الاتجاه الذى اتخذه المشرع يترتب عليه أن غسل الأموال المتحصل من جريمة إنتاج وفصل المواد المخدرة لا يعد جريمة في حين أن غسل المال المتحصل من تصنيع المادة المخدرة يعد جريمة. ثالثا: صياغة المادة الثانية تتسم بالتزيد فبعد أن نص المشرع على جريمة اختطاف وسائل النقل (المادة 88 عقوبات) وجريمة احتجاز الأشخاص (المادة 88 مكرراً عقوبات) عاد لينص هاتين الجريمتين مرة أخرى بقوله "الجرائم المنصوص عليها في الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات". فكان يكفي نص هذه العبارة دون النص استقلالاً على هاتين الجريمتين الواردتين من نصوص الباب الثاني من الكتاب الثاني من قانون العقوبات. رابعا: فرق المشرع بين جريمة السرقة واغتصاب الأموال والنصب فأثم جريمة غسل الأموال المتحصلة من جريمة السرقة دون الجريمة اغتصاب الأموال على الرغم من اتحاد علة التجريم في الحالتين وهى أن كل منهما يمثل اعتداء على حق عينى هو حق الملكية كما أن طبيعتها واحدة وهى إنهما من جرائم الإثراء. ( ) وهذه التفرقة تعني أن غسل الأموال المتحصلة من جريمة النصب لا يخضع للتجريم بينهما غسل المال المتحصل من السرقة يخضع للتجريم. خامسا: اعتبر المشرع الجرائم المنظمة التى يشار إليها في الاتفاقيات الدولية التى تكون مصر طرفا فيها بمثابة جريمة أولية تكفي لتوافر جريمة غسل المال طبقاً للمادة الثانية من قانون مكافحة غسل المال. ويؤخذ على ذلك أن المشرع لم يحدد ماهية الجريمة المنظمة وهذا ينطوى على مخالفة للفن التشريعي فإذا أراد المشرع أن ينشأ جريمة فمن واجبة تحديد أركانها ( ) لاسيما أن تعريف الجريمة المنظمة مختلف في تفسيره. ( ) فالبعض يراها من خلال فكرة التنظيم الوارد في إعدادها والبعض يراها من خلال تواطؤ مجموعة من الأفراد على الإعداد لها بطريقة تكفل لها النجاح. ( ) ولا يمكن اعتبارها نص المشرع عليه في المادة الثانية من أن الجرائم المنظمة هى التى يشار إليها في الاتفاقيات للدولية بمثابة تحديد لها لأن الكثير من الاتفاقيات الدولية في مجال التجريم تتسم بعدم الدقة حيث تنص على بعض الجرائم دون تحديد لمضمونها أو عناصرها أو تترك للدول الموقعة عليها تحديد ذلك. ( ) فالاتفاقيات الدولية تنحصر قيمتها في أنها تعطي توجيها في التجريم أى أنها مصدر الالتزام الدولي بالتجريم أما التجريم في حد ذاته فينبغي أن يكون محكوماً بالتشريع الداخلي. التكييف القانوني للجريمة الأولية: تعتبر جريمة غسل الأموال من الجرائم التى تتصف بأنها نتيجة لجريمة أخرى. فالجريمة الأولية التى اشترط المشرع توافرها لقيام جريمة غسل الأموال يتراوح وصفها القانوني بين الجناية والجنحة . وعلى ذلك لا تقوم جريمة غسل المال إذا تمت على أموال ناتجة عن جريمة تعد مخالفة. إثبات الجريمة الأولية: لم يوضح المشرع المصرى عند صياغته للمادة الثانية من قانون مكافحة غسل الأموال كيفية إثبات الجريمة الأولية.( ) لذلك يبدو أنه لما كانت الجريمة الأولية شرطاً مفترضا لوقوع جريمة الغسل فإن هذا يقتضي توافر الجريمة الأولية بكافة عناصرها إلا أنه لا يشترط صدور حكم بالإدانة عن الجريمة الأولية فهذه الجريمة كشرط مفترض لتوافر جريمة الغسل تعد متوافرة ولو لم تكن الدعوى الجنائية قد حركت عنها أو توافر مانع يحول دون تقرير المسئولية الجنائية لمرتكبها أو يحول دون توقيع العقوبة عليه. تطبيقاً لذلك إذا لم تكن الدعوى الجنائية قد حركت ضد فاعل الجريمة الأولية بسبب وفاته أو لكون شخصيته مجهولة فإن ذلك لا يحول دون محاكمة آخر عن جريمة غسل الأموال. كما لا يعدها مانعا من توافر جريمة الغسل إلا يسأل جنائيا مرتكب الجريمة الأولية بسبب صغر سنة أو بسبب الجنون أو الإكراه. وهناك فرض إذا حوكم على مرتكب الجريمة الأولية وقضت محكمة الموضوع ببراءته فهل يعد هذا الحكم عائقا يحول دون محاكمة آخر عن جريمة غسل الأموال المتحصلة من الجريمة الأولية؟ - فيذهب رأى إلى أنه إذا أسست البراءة في الجريمة الأولية على أسباب تتصل بنفي ارتكاب الجاني لها لعدم توافر الأدلة على ارتكابها بمعرفته أو عدم كفايتها أو أسست البراءة على أسباب موضوعية تتعلق بانتفاء أحد أركان الجريمة فإن ذلك ليس مؤداه عدم وقوع الجريمة الأصلية. - ولدى أنه لا يمكن الأخذ بالرأى السابق لأنه يتعين التفرقة بين الأسباب التى استندت إليها المحكمة التى تنظر للجريمة الأولية عند تسبيب حكمها بالبراءة . فإذا كان الحكم بالبراءة مؤسساً على عدم كفاية الأدلة فإن ذلك ليس مؤداه عدم وقوع الجريمة الأولية فهو يكون الفاعل شخص أخر. ولما كانت الدعوى المتعلقة بغسل الأموال تختلف من حيث أطرافها وموضوعها وسببها عن الدعوى المتعلقة بالجريمة الأولية التى صدر الحكم فيها ببراءة المتهم فإن محكمة الموضوع التى تنظر في الدعوى المتعلقة بغسل الأموال تملك حرية التقدير في القول بوقوع الجريمة الأولية. أما إذا كان حكم البراءة مستندا إلى ما ينفي وقوع الجريمة الأولية لتخلف ركنها المادى أو المعنوى فلا يجوز محاكمة أخر عن غسل الأموال المتحصلة من تلك الجريمة لانتفاء هذه الجريمة إذ بانتفائها يتخلف الشرط المفترض اللازم توافره لقيام جريمة الغسل. فنخلص مما سبق أنه لا يتعين لإثبات توافر الجريمة الأولية أن يصدر فيها حكم بالإدانة على مرتكبيها لكي تقوم جريمة غسل الأموال . فتلك الجريمة تتوافر ولو كانت الدعوى الجنائية لم تحرك ضد مرتكب الجريمة الأولية أو حركت وقضي ببراءته لتوافر مانع مسئولية أو مانع عقاب ، كما لا يعد عائقاً دون توافر جريمة الغسل صدور عفو من العقوبة. المبحث الثالث: الجريمة الأولية في الفقة الإسلامي إن كل معصية لله تعالي تنتج مالاً تمثل جريمة أولية التى يتحصل منها المال محل لغسل الأموال وهناك أمثلة لتلك الأفعال:- (1) الزراعة المحرمة: فلقد حرم الإسلام زراعة أى نبات مخدر يؤثر على العقل مثل نبات الحشيش . (2) صناعة الخمور: فالإسلام يحرم ترويج الخمور من صناعتها وتناولها. فقال (ص): لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمولة إليه. (3) التجارة المحرمة: فلقد حرم الإسلام التجارة المشتملة على ظلم أو غش أو استغلال من أمثلة ذلك الإتجار بالطعام المحرم والاحتكار لما فيه من ثراء على حساب الغير والغش في الكيل والموازين لما فيه من أكل أموال الناس بالباطل وتحريم شراء المسروق.

الفصل الثالث: الركن المادى في جريمة غسل الأموال

يعرف الركن المادى للجريمة بأنه مجموعة من العناصر المادية التى تتخذ مظهراً خارجيا نلمسه الحواس على وجه من الوجوه. فالقوانين لا تعاقب على الأفكار والنوايا بل تتطلب نشاطاً ماديا يتحقق به الاعتداء على المصالح المحمية في المجتمع – فمبدأ لا جريمة بغير ركن مادى لا يرد عليه استثناء. ( ) وجوهر الركن المادى هو سلوك إجرامي يصدر من الفاعل تتحقق به نتيجة معينة معاقب عليها وتكون بين النشاط والنتيجة علاقة سببية تكون أساسا لمساءلة هذا الفاعل عن النتيجة. ويتمثل السلوك الإجرامي في جريمة غسل الأموال في صور محددة بينها البند (ب) من المادة الأولي وهى اكتساب أموال أو حيازتها أو استثمارها أو التصرف فيها أو نقلها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو التلاعب في قيمتها أو تحويلها. وإذ كانت علاقة السببية في تلك الجريمة لا تثير مشكلات قانونية فإن النشاط الإجرامي ومحل هذا النشاط والنتيجة الإجرامية تحتاج إلى توضيح. وعلى مدى ما سبق ستكون دراسة هذا الفصل في ثلاثة مباحث وهى:- صورة السلوك الإجرامي في الاتفاقيات الدولية. صورة السلوك الإجرامي في التشريع المصرى. صورة السلوك الإجرامي في الفقة الإسلامي.

المبحث الأول: صور السلوك الإجرامي في الاتفاقيات الدولية قامت اتفاقية فيينا 1988 بتحديد صور السلوك الإجرامي في جريمة غسل الأموال المكونة للركن المادى للجريمة وهى:- تحويل أو نقل الأموال: وتعنى تحويل أو نقل الأموال غير المشروعة مع العلم بأن تلك الأموال متحصلة من إحدى الجرائم التى نصت عليها الاتفاقية – جريمة مرتبطة بتجارة المخدرات – بهدف إخفاء أو تمويه مصدر تلك الأموال غير المشروعة. فلم تقم الإتفاقية بتعريف تحويل الأموال. فتحويل الأموال يأخذ أحدى الصورتين إما تحويلات مصرفية أو تحويلات غير مصرفية ( ) . والهدف منها هو تحويل تلك الأموال المتحصلة من جريمة إلى أى شكل آخر مثل تحويل الأموال إلى مجوهرات أو سبائك. أما نقل الأموال فمعناه النقل المادى للأموال المتحصلة من جريمة. إخفاء أو تمويه الموال غير المشروعة: ويعني ذلك التستر على الأموال غير المشروعة بهدف عدم معرفة أو علم الغير بمصدرها أو طريقة التصرف فيها( ) فيؤدى ذلك إلى إضفاء الشرعية على متحصلات تلك الجرائم. وهناك طرق عديدة للإخفاء أو تمويه الأموال غير المشروعة منها: 1 - استخدام الشركات الأجنبية المستترة والتى يكون نشاطها في شراء الشركات الخاسرة ثم تتحول تلك الشركات إلى ناجحة لتضخيم الإيرادات الإجمالية ورؤوس الأموال لإضافة الأموال المراد غسلها إليها كما تلتزم تلك الشركات في دفع ضرائبها لعدم إثارة أى شبهات إليها. 2 - شراء أشياء عينية كالمجوهرات والذهب ويقوم الغاسل ببيعها مقابل شيكات بنكية قم تستخدم تلك الشيكات في شكل حسابات مصرفية لصالح الغاسل في البنوك المسحوب عليها تلك الشيكات. ( ) اكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال غير المشروعة مع العلم بحقيقة مصدرها: جرمت الاتفاقية قيام أى شخص باكتساب أو حيازة أو استخدام أموال متحصلة من جرائم كالاتجار بالمخدرات مع العلم وقت تسلم تلك الأموال بأنها متحصلة من مصادر غير مشروعة كالجرائم والأفعال المنصوص عليها بالاتفاقية. صور السلوك الإجرامي في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد 2003: لقد نصت المادة (23) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد على أفعال غسل العائدات المتحصلة من جرائم الفساد . وتلك الأفعال هى:- إبدال الممتلكات أو إحالتها مع العلم بأنها عائدات إجرامية بهدف إخفاء أو تمويه مصدر تلك الممتلكات غير المشروع . إخفاء أو تمويه الطبيعة الحقيقية للممتلكات أو مصدرها أو مكانها أو كيفية التصرف فيها أو حركتها أو ملكيتها أو الحقوق المتعلقة بها مع العلم بأن تلك الممتلكات هى عائدات إجرامية. اكتساب الممتلكات أو حيازتها أو استخدامها مع العلم وقت استلامها بأنها عائدات إجرامية. ولقد جرمت تلك المادة أيضاً بعض الصور الخاصة بالمساهمة الجنائية والشروع وتلك الصور هى: مساعدة أى شخص صالح في ارتكاب الجرم الأصلي على الإفلات من العواقب القانونية لفعلته. الاشتراك في ارتكاب أى فعل مجرم وفقاً لهذه العادة أو التعاون أو التأمر في ارتكابه والشروع في ارتكابه والمساعدة والتشجيع على ذلك وتسمية وإسراء المشورة بشأنه. ( ) فالمحل الذى ترد عليه جريمة غسل عائدات الفساد هى الممتلكات والعائدات المتحصلة عن إحدى جرائم الفساد. ولقد خالفت بعض ما تضمنته المادة (23) من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد المبادئ القانونية. ( ) فقد جاءت صياغة المادة (23) من الاتفاقية تتسم بالتزيد فبعد أن نصت على صور الاشتراك أو المساهمة المختلفة عادت لتنص في المادة (27) على عمومية تجريم الاشتراك والشروع في كافة صور الجرائم التى نصت الاتفاقية عليها. فكان يكفي نص ذلك في المادة (27) دون استقلالها في المادة (23) من الاتفاقية ولكن يمكن أن ذلك يرجع للتشدد على مكافحة غسل عائدات الفساد والإحاطة بكافة صور الاشتراك.

المبحث الثانى: صور السلوك الإجرامي في التشريع المصرى: بيان هذه الصور على سبيل الحصر:- بين المشرع في البند (ب) من المادة الأولي صور السلوك المادى في جريمة غسل الموال وقد بينه على سبيل الحصر بقوله أنه: "كل سلوك ينطوى على إكتساب أموال أو حيازتها أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو ضمانها أو استهارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها.. دلالة صور السلوك المادى: يقصد المشرع من عبارة اكتساب المال الحصول عليه فالمشرع يجرم سلوك الغاسل إذا انصبت عملية غسل أموال مكتسبة من جريمة من الجرائم الواردة في المادة الثانية. ونظرا لعمومية هذه العبارة فإنه لا يشترط أن يكون المال قد تحصل من الجريمة بطريقة مباشر بل يمكن أن يكون قد تحصل من الجريمة بطريق غير مباشر ذلك أن الجرائم الأولية مصدر المال غير المشروع بعضها يعد المال ويثق الصلة بها وأن لم يكن من عناصرها كمحاولة تغيير نظام الحكم بالقوة والبعض الآخر يعد من عناصرها كالسرقة والاختلاس والرشوة وعلى ذلك يعد من قبيل المال المتحصل من الجريمة الأولية بطريق غير مباشر الأرباح الناتجة عن الأموال المتحصلة من الجريمة الأولية. كذلك يتحقق السلوك المادى في جريمة الغسل بحيازة هذه الأموال وتعني الحيازة الاستئثار بالشئ على سبيل الملك والاختصاص دون حاجة إلى الاستيلاء عليه فيكفي لاعتبر الشخص حائزاً أن يكون سلطانة مبسوطاً على الشئ ولو لم يكن في حيازته المادية ومن ثم يعد من مظاهر الحيازة وفقا لهذا المدلول التصرف في هذه الأموال أو إدارتها أو حفظها أو استبدالها أو إيداعها أو صفاتها أو استثمارها أو نقلها أو تحويلها أو التلاعب في قيمتها إذ أن كافة هذه الصور تعني أن للشخص سلطانا مبسوطا على الشئ . لذلك كان يكفي المشرع النص على صورتين يتحقق بهما النشاط الإجرامي هما "الحيازة والعامل"( ) ومع ذلك فإنه إذا كان ما استخدمه المشرع للدلالة على السلوك الإجرامي يدخل في مدلول الحيازة فإن لبعض هذه الصور من السلوك دلالات خاصة مثل الإيداع والتحويل. فالإيداع يمثل أولي مراحل غسل الأموال غير المشروعة والتى توجد بين يدى الفاعل في الجريمة الأولية في شكل نقود سائلة ويعني التخلص المادى من الكميات الضخمة من النقود السائلة بإيداعها في أحدى المؤسسات المصرفية وهى أقل المراحل تعقيداً ونظرا لأن الأموال غير المشروعة في تلك المرحلة لم تخضع بعد لعمليات فإن طبيعتها يظل ممكنا. ولا يشترط أن يتم الإيداع في المصارف المالية فقط فقد يتم في شكل شراء مقتنيات غالية الثمن مثل العقارات أو المجوهرات أو العقارات أو اللوحات الفنية. أما التحويل فيعنى إخفاء الأصل غير المشروع للأموال وإعطائها مظهراً مشروعاً وذلك من خلال إجراء العديد من الصفقات المالية المتتابعة وذلك من خلال تكرار التحويل من حساب بنكي لحساب بنكي آخر ويمكن بعد ذلك تحويل النقود الموزعة في كل حساب إلى حسابات متعددة أخرى. ( ) والمشرع في تحديد لصور السلوك المادى لجريمة الغسل قد استهدى بما نصت عليه اتفاقية استراسبورج التى جرمت الفعال التى تنطوى على تبديل أو تحويل أو إخفاء الأموال الناشئة عن الجريمة أو التعقيم عليها أو اكتساب الأموال أو حيازتها. المتهم في جريمة الغسل:- لم يشترط المشرع المصرى في صياغته للبند (ب) من المادة الأولي أن يكون مرتكب جريمة الغسل شخص آخر بخلاف مرتكب الجريمة الأولية مما يفيد أنه من الممكن أن يكون مرتكب الجريمة الأولية هو أيضاً مرتكب جريمة الغسل. وقد دفع ذلك بالبعض ( ) بالقول بأن ذلك من شأنه أن يصبح كافة المساهمين في الجرائم الأولية التى نصت عليها المادة الثانية جناة في نفس الوقت في جرائم الغسل لأنه يندر الأيقوم مرتكب الجريمة الأولية بالتصرف أو التعامل في المال الذى نشأ عنها وهذا من شأنه إهدار مبدأ عدم جواز محاكمة متهم عن فعل واحد مرتين لاسيما أن نشاط غسل الأموال إذا ارتكبه مقترف الجريمة الأولية يعد تكمله للنشاط الأصلي الذى تحصل منه المال فكلاهما مشروع إجرامي واحد فالجاني في السرقة والاختلاس لا يصح اعتباره فاعلاً في جريمة غسل الأموال إذا قام بالتصرف في هذا المال على اى وجه . ولدى ان جريمة غسل الأموال متميزة ومستقلة عن الجريمة الأولية مما يعني أن لكل منهما أركانها المستقلة عن الجريمة الأخرى. ومن ثم يتصور ارتكابها من شخص واحد. ( ) وهناك بعض التشريعات التى تقضي باختلاف الجاني في جريمة الغسل عن الجاني في الجريمة الأولية وذلك لظروف خاصة بغسل الأموال في تلك البلاد حيث يلجأ الأفراد للمؤسسات المالية لغسل أموالهم نظرا لضخامة هذه الأموال. أما في مصر فلا يشترك لتوافر جريمة الغسل أن يتم غسل الأموال من خلال مؤسسات مالية بل تتحقق هذه الجريمة ولو اقتصر نشاط الجاني في الجريمة الأولية على الاستثمار الخاص بمعرفته للأموال المتحصلة من الجريمة كالاتجار في السيارات أو العقارات. ولا مجال للخشية من أن ذلك من شأنه أن يهدر مبدأ عدم محاكمة الجاني عن فعل واحد مرتين ذلك أنه يمكن إعمال نص المادة 32 من قانون العقوبات بشأن التعدد المعنوى وتوقيع عقوبة الجريمة الأشد في هذه الحالة. كما أنه لا مجال لقياس وضع مخفي الأشياء المسروقة على وضع الغاسل فإذا كان فاعل السرقة لا يعاقب على الإخفاء فلأن ذلك مرجعة أن نشاط الإخفاء يعتبر مكمل للنشاط الأصلي المتمثل في السرقة. وذلك بخلاف غسل الأموال فالجريمة الأولية لا تستوجب حتما غسل الأموال المتحصلة عنها فالمشرع لا يعاقب على مجرد السلوك المادى المتمثل في اكتساب المال وإنما يتطلب نتيجة معينة هى إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحمل عنها المال. محل السلوك الإجرامي المال موضوع الغسل:- حدد المشرع المقصود بالمال في البند (أ) من المادة الأولي بأنها:- ( ) العملة الوطنية والعملات الأجنبية والأوراق المالية والأوراق التجارية وكل ذى قيمة من عقار أو منقول مادى أو معنوى وجميع الحقوق المتعلقة بأى منها والصكوك والمحررات المثبته لأى منها. ( ) فالعمل الوطنية يقصد بها النقود.. وهى كل أداة تمثل قيمة معينة تصدرها الدولة وتفرض على الناس الالتزام بقبولها كوسيلة للوفاء في المعاملات. ومن ثم يخرج من نطاق النقود وسائل الدفع الصادرة عن الافراد كالبونات ولافيشات التى يصدرها بعض التجار ويستعملونها في تسوية حساباتهم مع عملائهم أو عمالهم. كما يخرج من نطاق العملات الوطنية وسائل التعامل التى تصدرها الدولة ولا تلزم الأفراد بقبولها كالأذونات البريد والسندات الحكومية. ( ) ويستوى في العملة الوطنية أن تكون ورقية أو معينة فكلاهما يصلح أن يكون متداولة قانوناً في بلدها ومناط التحقق من ذلك يكون بالرجوع إلى قانون الدولة الأجنبية لمعرفة ما إذا كانت هذه العملة متداولة فيها.( ) ولم يشترط المشرع المصرى أن تكون العملة الأجنبية متداولة قانوناً في مصر ومن ثم يجوز أن يكون محل السلوك الإجرامي في جرائم الغسل عملة أجنبية غير متداولة في مصر. ويقصد بالأوراق المالية الأسهم والسندات فالأولي تطرحها وحدات الإنتاج الكبيرة كالشركات للحصول على الأموال اللازمة لمشروعاتها وذلك من خلال الأكتتاب العام. أما السندات فتطرحها الدولة أو هيئاتها العامة في سبيل الحصول على مصادر التمويل نفقاتها العامة وذلك من خلال الاقتراض من الأفراد عن طريق طرح هذه السندات للاكتتاب العام. ( ) أما الأوراق التجارية فهي صكوك مكتوبة وفقا لأوضاع شكلية معينة وقابلة للتداول بالطرق التجارية ويتمثل موضوعها في مبلغ معين من النقود واجب الدفع بمجرد الإطلاع أو في ميعاد معين أو قابل للتعيين ويجرى العرف على قبولها كأداة تقوم مقام النقود في الوفاء ، ومن أمثلتها الكمبيالة والسند الأذني أو لحاملة والشيك. ويعد من قبيل المال محل السلوك المادى للجريمة كل ذى قيمة من عقار أو منقول مادى أو معنوى وجميع الحقوق المتعلقة بأى منها والصكوك والمحررات لكل ما تقدم. تقدير خطة المشرع المصرى:- اتجه المشرع إلى تحديد المقصد بالمال محل الغسل تحديداً حصرياً مغايراً بذلك ما اتبعه بشأن تحديد المال في الجرائم الأخرى كالسرقة والنصب. فهناك رأى يرى أن هذا التحديد يضع قيداً على سلطة القاضي حيث لا يستطيع أن يمد تعبير المال على صور لمترد بالنص والا خالف مبدأ الشرعية وقد أدى ذلك إلى خروج بعض الصور من نطاق المال محل الغسل مثال ذلك المعلومات الناتجة عن التجسس الصناعي والتجارى والمعلومات التكنولوجية والبرمجيات. ولدى أن ذلك التحديد الذى أورده المشرع للمال على قدر من الاتساع بحيث يشمل كل ما يتحمل من جريمة من الجرائم التى حددها فالمشرع سوى بين الأموال المتحصلة بطريق مباشر من الجريمة أى تلك التى تحتفظ بذاتيتها (كنقود تهريب المخدرات أو الاتجار في الأسلحة) وتلك المتحصلة بطرق غير مباشر والتى تشمل كافة صور الأموال التى تجد مصدرها الأصلة في النشاط غير المشروع (كشراء مقتنيات بأموال مستمدة من الاتجار في السلاح) . كما أنه لا عبرة بطبيعة هذه الأموال فقد تكون ذات طبية مادية كالتحف أو غير مادية كالحقوق الأدبية كما انهلا عبرة بطبيعة هذه الأموال فقد تكون ذات طبيعة مادية كالتحف أو غير مادية كالحقوق الأدبية منا أنه لا عبرة بكونها ثابتة كالعقارات أو منقولة كالسيارات ما دام أه تم شراؤها بأموال ذات مصدر غير مشروع بل يتسع التعريف الذى استخدمة المشرع ليشمل مظاهر الملكية الرمزية كالصكوك والمحررات المثبتة لهذه الملكية أو الحقوق المتعلقة ومن ثم تندرج المعلومات التى تم الحصول عليها عن طريق التجسس الصناعي أو التجارى في نطاق المنقول غير المادى فإذا أقام من حصل عليها ببيعها فإنه سلوكه يكون أضفي المشروعية على الأموال التى تحصل عليها من خلال تغيير صورتها. النتيجة الإجراميــة تحديدها:- حدد المشرع النتيجة الإجرامية في جرائم غسل الأموال في نهاية البند (ب) من المادة الأولي بأنها: إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة المتحصل منها. والجامع بين هذه الصور التى تتحقق بها النتيجة الإجرامية هو إحداث تغيير على جوهر المال المتحصل من الجريمة الأولية. إما بإخفاء المال أو تمويه طبيعته ويعني إدخال تغييرات على المال من خلال استثماره في أنشطة تخفي حقيقه مصدره أو تحول دون معرفة صاحب الحق فيه أى المجني عليه الذى وقعت الجريمة الأولية التى تحصل منها المال عدوانا على حق أو مصلحة له يحميها القانون أو تصعب من معرفة الشخص الذى ارتكب الجريمة الأولية. ولا يشترك لتحقيق النتيجة الإجرامية أن يلحق الإخفاء أو التمويه بكل المال المتحصل من الجريمة الأولية فتتحقق النتيجة ولو أنصب الإخفاء أو التمويه على جزء من هذا المال. الغسل جريمة ذات نتيجة مادية:- ينقسم الفقه في تعريف النتيجة الإجرامية إلى اتجاهين وهما:- (أ ) قانونى (ب) مادى فيذهب الرأي القانوني يعرفونها بأنها العدوان الذى يصيب حقا أو مصلحة يحميها القانون سواء تمثل هذا العدوان فى ضرر فعلي يصيب الحق أو المصلحة محل الحماية أو اقتصر على مجرد تعريض هذا المحل للخطر وعلى ذلك تعد النتيجة عنصرا في كل جريمة ( ) . اما الاتجاه المادى فيرى أن النتيجة الاجرامية هى كل تغيير يطرأ في العالم الخارجي كأثر للسلوك الإجرامي. ومن ثم فإنها لا تعد عنصرا في كافة الجرائم. واستناداً إلى ذلك يقسم الفقة الجرائم إلى جرائم ذات نتيجة مادية وجرائم شكلية أو جرائم الخطر أو جرائم السلوك المجرد. وفيصل التفرقة بين الجرائم ذات النتيجة المادية وبين الجرائم الشكلية هو تحقق النتيجة الأجرامية بمفهومها المادى. فإذا تحققت هذه النتيجة كانت الجريمة ذات النتيجة المادية أما إذا لم تتحقق بمفهومها المادى كانت من الجرائم الشكلية وجريمة الغسل من الجرائم ذات النتيجة المادية حيث يتطلب المشرع تحقق نتيجة مادية تتمثل في تمويه طيعة المصدر غير المشروع للمال أو صاحب الحق أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف ذلك.

المبحث الثالث : صور السلوك الإجرامي في الفقة الإسلامي لقد اشترط الفقهاء ( ) لوقوع الجريمة فى الفقة الإسلامي توافر عدة شروط وهى:- للنص الصريح على التحريم وهو ما يعرف بمبدأ الشرعية. الفعل المادى المكون للجريمة. المسئولية الجنائية "التكليف" وهو ما يعرف بالركن المعنوى. فالركن المادى يتمثل في ايتان الفعل المحرم فقد يتم الجاني الفعل فتصبح الجريمة تامة وقد لا يتم الفعل فتقف الجريمة عند حد الشروع. وغسل الأموال من الأفعال المحرمة فهو كل سلوك ينطوى على إخفاء حقيقة المال الحرام عند اكتسابه من مصادر غير مشروعة وذلك لإخفاء أو تمويه حقيقه ذلك المال. فالسبل التى يتبعها الغاسل لاخفاء حقيقة المال هى من صور السلوك الإجرامي المكون للركن المادى وتلك السبل هى:- اكتساب أو حيازة أو حفظ الأموال المحرمة أو التصرف فيها وإدارتها واستغلالها واستبدالها أو الإخفاء والتمويه على حقيقة مصدرها. كما يستوى ان يكون السلوك الإجرامي قد قام به الجاني بنفسه أو اشترك معه الغير. أما بالنسبة للشروع فى تلك الجريمة والذى يعنى بمفهومة القانون "البدء في التنفيذ" الفعل بقصد ارتكاب جناية أو جنحة إذا وقف أو خاب أثره لأسباب لا دخل ولا الأعمال التحضيرية لذلك. ( ) فالجريمة تمر بعدة مراحل قبل أن يقوم الجاني بارتكابها وتلك المراحل هى:- - مرحلة التفكير:- وتعني النية وهى قصد الإنسان بقلبه ما يريد فعله وتلك المرحلة لا عقاب عليها.

- مرحلة التحضير:- ولا عقاب عليها أيضاً إلا إذا كانت تمثل معصية. ويعتبر الفعل معصية إذا كان به اعتداء على حق الله أو الدولة أو العباد. - مرحلة البدء في التنفيذ والجريمة التامة:- وهى المرحلة التى تكون فيها أفعال الجاني مجرمة لما يشكله الفعل المرتكب من عصبة لما فيه من اعتداء عل حق من حقوق الله أو الدولة أو العباد. ففى جريمة غسل الأموال إذا قام شخص بارتكاب أى فعل يمثل بدءاً في التنفيذ لإخفاء المصدر غير المشروع للمال فيكون بذلك قد اشترك في تلك الجريمة ويعاقب على ذلك الفعل. فالفاعل إذا أتم جريمة يجب معاقبته أما إذا لم يتمها فقد فرقت الشريعة الإسلامية وبين فرضين وهما:- العدول الاختياري للفاعل فإذا كان الهدف منه التوبة فإن الفاعل لا يعاقب على ما ارتكب( ) العدول الاضطراري ويعاقب عليه الفاعل لما ارتكبه.

الفصل الرابع: الركن المعنوى في جريمة غسل الأموال لكى تقع الجريمة لابد من توافر ركنين:- - الركن المادى وهو السلوك الإجرامي الذى يقع من الجاني. - الركن المعنوى فلابد وأن يتوافر لدى الجاني خطأ معين يعبر عن إرادته الآثمة ( ) . فالركن المعنوى يمثل الرابطة النفسية التى تربط بين الجاني وماديات الجريمة وهذا الركن لا يقوم إلا على الإرادة القانونية أى إذا اتجهت الأرادة إلى أفعال غير مشروعا. ( ) فالركن المعنوى له صورتين وهما:- - العمد ويسمي القصد. - الإهمال ويسمي الخطأ غير العمدى. ولقيام الركن المعنوى لابد من توافر عنصرين فجريمة غسل الأموال من الجرائم العمدية التى ينبغي لقيامها توافر القصد الجنائى لدى الجاني بعنصرية:- - الركن المعنوى في الاتفاقيات الدولية. - الركن المعنوى في التشريع المصرى. - الركن المعنوى في الفقة الإسلامي.

المبحث الأول: الركن المعنوى في الاتفاقيات الدولية المادة الثالثة من اتفاقية فيينا 1988 في فقرتها الأولى نصت على ضرورة توافر القصد الجنائى لدى الجاني لوقوع جريمة غسل الأموال وقد اشترطت في تلك الجريمة توافر علم الجاني بان تلك الأموال محل الغسل متحصلة من الاتجار في المخدرات والمؤثرات العقلية. فلابد من توافر القصد الجنائى في تلك الجريمة بعنصرية العلم والإرادة فجريمة غسل الأموال من الجرائم العمدية. فلقد اشترطت الاتفاقية العمد صراحة حيث نصت على ضرورة توافر القصد الجنائى بعنصرية العلم والإرادة. علم الجاني: ويعنى ذلك العلم المكون للقصد الجنائى فلابد وأن يتوافر لدى الجاني العلم بكافة صور السلوك الإجرامي لجريمة غسل الأموال كما وردت في اتفاقية فيينا وتلك الصور هى: نقل أو تحويل الأموال مع العلم بأنها مستمدة من أحدى جرائم الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية وبهدف إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للأموال أو قصد مساعدة أى شخص متورط في ارتكاب إحدى هذه الجرائم على الإفلات من عواقب أفعاله. إخفاء أو تمويه حقيقة المال مع العلم وقت تسلمها بأنها مستمدة من أحدى الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية. اكتساب أو حيازة أو استخدام الأموال مع العلم وقت تسلمها بأنها مستمدة من أحدى الجرائم المشار إليها. فلابد وأن يكون الجاني على علم مسبق بالجريمة الأولية التى أنتجت المال محل الغسل وتلك الجريمة هى الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية بالإضافة إلى علمه بأن الهدف من وراء غسل تلك الأموال هو إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للمال. فلابد وأن يكون الجاني على علم مسبق بالجريمة الأولية التى أنتجت المال محل الغسل وتلك الجريمة هى الاتجار غير المشروع بالمخدرات والمؤثرات العقلية بالإضافة إلى علمه بأن الهدف من وراء غسل تلك الأموال هو إخفاء أو تمويه المصدر غير المشروع للمال. فلابد من علم الجاني بالنتيجة الإجرامية لسلوكه وتوقعه لحدوثها الآن ذلك يعني اتجاه أراده إلى إخفاء حقيقة المال المغسول ومصدره غير المشروع. كما يصعب إثبات هذا العلم لصعوبة إثبات العنصر النفسي للجريمة وصعوبة إثبات علم الجاني بالمصدر غير المشروع للمال محل الغسل. وقد أشارت إلى ذلك اتفاقية فيينا إلى كيفية توافر ركن العلم وذلك استدلالا بالظروف الواقعية الموضوعية ( ) وكل ذلك بما يتفق مع أحكام القانون الداخلي لكل دولة. فلا بد وأن يتوافر لدى الجاني العلم بكافة العناصر القانونية والمادية للجريمة والعلم بمصدر المال محل الغسل. الركن المعنوى في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد: ( ) ما جاء بنص المادة (23) من الاتفاقية يوضح أن جريمة غسل الأموال هى جريمة عمدية وذلك لتوافر عنصرين وهما:- علم الجاني بأن الأموال أو العائدات التى يقوم بأفعال الغسل فيها هى أموال متحصلة من إحدى جرائم الفساد التى قامت الاتفاقية بالنص عليهم. إرادة الجاني في تحقيق النتيجة الإجرامية. والصور التى نصت عليهم الاتفاقية في المادة (23) تمثل جرائم مستمرة وذلك فعلم الجاني بالمصدر غير المشروع للأموال المتحصلة من إحدى جرائم الفساد يتم عند لحظة بدء السلوك وفي أى لحظة أخرى لاحقة لهذا البدء.

ولكن الاتفاقية خرجت عن ذلك مقررة أن تقرير توافر العلم بالمصدر غير المشروع يكون وقت استلامها ولقد نصت على ذلك صراحة في الفقرة (ب) ، (أ) من الفقرة الأولي من المادة (23) من الاتفاقية. ولقد خالفت بعض ما تضمنته المادة (23) من الاتفاقية المبادئ القانونية. فالنموذج القانوني لغسل الأموال مخالفا لما تقضى به القواعد العامة في شأن الركن المعنوى للجريمة وعلى وجه الخصوص ما يتعلق بعنصر العلم بالمصدر غير المشروع للعائدات فالمادة 23 تمثل جرائم مستمرة كالإخفاء أو الحيازة وبالتالي فلم يكن من مبرر قانوني لتقييد عنصر العلم واشتراط توافره وقت استلام الممتلكات أو العائدات. إرادة الجانى: يقصد بالإرادة انعقاد العزم على إنجاز أمر معين. فلقد اشترط المشرع لتحقيق القصد الجنائى أن تتوافر إرادة السلوك الإجرامي وإرادة النتيجة ( ) . فلابد من اتجاه إرادة الجاني إلى اتيان النشاط الإجرامي متمثلا في الثلاث صور التى قامت الاتفاقية بالنص عليهم في جريمة غسل الأموال وهى تحويل ونقل الأموال. إخفاء أو تمويه حقيقة مصدر المال غير المشروع. اكتساب أو حيازة أو استخدام تلك الأموال. فلابد من توافر إرادة الفعل مع اقترانها بعلم الجاني بأن تلك الموال مستمدة من جريمة من الجرائم التى نصت الاتفاقية عليها. ( )

المبحث الثاني: الركن المعنوى في التشريع المصرى تطلب توافر القصد الجنائى: جريمة غسل المال جريمة عمدية تقوم على أساس توافر القصد الجنائى وهو العلم والإرادة فيعين علم الجاني بأن المال محل الغسل متحصل من جريمة من الجرائم الواردة في المادة الثانية. فإذا كان الجاني يجهل أن المال متحصل من جريمة من هذه الجرائم فلا يتوافر القصد الجنائى لديه لتخلف أحد عناصره. كذلك ينتفي القصد الجنائى إذا كان الجاني يعلم أن المال محل الغسل متحصل من جريمة ولكنها ليست من الجرائم الواردة في المادة الثانية كما لو اعتقد أن المال متحصل من جريمة نصب. ويتطلب القصد الجنائى بجانب إرادة الفعل والنتيجة . فينتفي القصد الجنائى إذا أكره الغاسل على القيام بالسلوك المادى المحظور. القصد الجنائى الخاص:- جريمة الغسل الواردة في المادة الثانية من قانون مكافحة غسل الأموال جريمة عمدية لا يكفي لتوافر ركنها المعنوى أن يتخذ صورة القصد الجنائى العام بل لابد من توافر القصد الجنائى الخاص ويتوافر القصد الجنائى الخاص إذا كان الغاسل قد قصد من نشاطه إخفاء المال أو تمويه طبيعته أو مصدره أو مكانه أو صاحبه أو صاحب الحق فيه أو تغيير حقيقته أو الحيلولة دون اكتشاف تلك أو عرقلة التوصل إلى شخص من ارتكب الجريمة الأولية فإذا لم تتجه إرادة الغاسل إلى تحقيق أمر من هذه الأمور فلا مجال لتقرير مسئوليته الجنائية على الرغم من ارتكابه السلوك المادى المكون للجريمة. بناء على ما سبق ينتفي القصد الجنائى الخاص بالنسبة لبائع عقار كان يعلم وقت بيعه أن الأموال المدفوعة من المشترى كثمن لهذا العقار متحصلة من جريمة من جرائم الاتجار غير المشروع في المواد المخدرة وبالرغم من ذلك قبل البيع لاحتياجه لأموال لمروره بضائقة مالية دون أن تتجه إرادته إلى إخفاء هذا المال أو تمويه طبيعته. ولدى أنه إذا كان المشرع يهدف من هذا القانون مكافحة ظاهرة غسيل الأموال من خلال تجريمة الأفعال المكونة لهذا السلوك فإنه كان يتعين عليه الاكتفاء بتوافر القصد الجنائى العام لأن تطلب القصد الخاص يضيق من نطاق الركن المعنوى. فكان يكفي لتوافر القصد الجنائى أن يعلم الغاسل بأن هذا المال متحصل من جريمة من الجرائم التى قررها المشرع على سبيل الحصر وأن إرادته إلى اتيان السلوك المادى وإرادة النتيجة. وقت توافر العلم بطبيعة المال محل الغسل:- لمعرفة الوقت الذى ينبغي أن يتوافر فيه العلم بعدم مشروعية المال محل الغسل لابد من التعرف على طبيعة جريمة الغسل هل هي جريمة وقتية أم جريمة مستمرة. فإذا كانت جريمة وقتية فإنه يتعين توافر العلم بحقيقة المال محل الغسل لحظة ارتكاب السلوك المادى للجريمة ومن ثم ينتفي الركن المعنوى إذا توافر العلم بالمصدر غير المشروع عقب ارتكاب السلوك المادى. أما إذا كانت جريمة مستمرة فإنه لا يشترط توافر العلم لحظة ارتكاب السلوك المادى المكون للجريمة وغنما يكفي للقول بتوافر الركن المعنوى أن يتوافر العلم بمصدر المال غير المشروع في أى لحظة تالية على ارتكاب السلوك المادى للجريمة. ولدى أن تحديد طبيعة الجريمة يقتضى الرجوع للنص القانوني لبيان ما إذا كان المشرع يتطلب تعاصر العلم مع السلوك المادى. ولما كان النص قد خلا مما يدل على ذلك فإنه يتعين الرجوع إلى الواقع الفعلي لتحليل صور السلوك المادى التى قررها المشرع لتحديد طبيعتها . والبين من نص المادة (2) أن المشرع قد استخدم تعبيرات مختلفة في طبيعتها للدلالة على السلوك المادى المجرم مما يقتضي معه القول بأن جريمة غسل الأموال قد تكون جريمة مستمرة وقد تكون جريمة وقتية. فهي تعد جريمة مستمرة إذا تمثل السلوك المادى فى حيازة الأموال ذات المصدر غير المشروع أو التصرف فيها أو إدارتها أو حفظها أو ضمانها أو استثمارها وعندئذ لا يشترط توافر العلم بالمصدر غير المشروع للمال لحظة ارتكاب السلوك المادى المؤثم. ويؤيد ذلك ان هذه الصور جميعها يتحقق بها فعل الإخفاء في جريمة إخفاء الأشياء وهذه الجريمة مستمرة بطبيعتها. وعلى العكس فإن جريمة غسل الأموال تعد جريمة وقتية متى تمثل السلوك المادى في نقل الأموال أو تحويلها . حيث أن استخدام التقنيات الحديثة يفيد أن السلوك المادى لا يستغرق تحققه غير فترة قصيرة من الزمن. ومن ثم ففي هاتين الحالتين يتعين تعاصر العلم بالمصدر غير المشروع للمال مع لحظة ارتكاب السلوك المادى المتمثل في النقل والتحويل. المبحث الثالث: الركن المعنوى في الفقة الإسلامي تقوم المسئولية الجنائية في الفقة الإسلامي على ثلاث أسس وهى:- (1) أن يقوم الشخص بفعل منكر. (2) أن يكون مختاراً (3) أن يكون مدركاً فباجتماع تلك الأسس تنعقد المسئولية وبانعدام أحدهما تنعدم المسئولية. ( ) وبهذا يتفق الفقة الإسلامي مع القانون في تحديد معني المسئولية الجنائية. وينحصر فعل الجاني للمعاصى كأساس للمسئولية الجنائية هذان الشرطان هما:- (1) الأختيار. (2) الأدراك. وهما ما يعرفان في القانون الوضعه بالعلم والإرادة . فالجاني لا يسأل شرعاً إلا بتوافر هذا الشرطان. فقد قال رسول الله (ص): رفع القلم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتي يستيقظ. ولكن رغم عن ثلاثة : عن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق وعن النائم حتى يستيقظ. ولكن رغم إقرار الفقة الإسلامي لمبدأ امتناع المسئولية الجنائية عند توافر حالة صغر السن أو الحزن فإنه يقر المسئولية المدنية ويقوم بتحميلها على المخطئ فيكون مسئولا عن الأضرار التى أصابت المضرور فالأعذار الشرعية لا تؤثر على الضمان في المال. ( )

وقد قرنت الشريعة الإسلامية الأعمال لانيات. فقد قال رسول الله (ص):- (إنما الأعمال بالنيات وغنما لكل امرئ مانوى). فالشريعة الإسلامية تقرر المسئولية الجنائية للجاني على أساس قصده أونيته فالمعاصر التى قد تنسب إلى الشخص المدرك المختار الذى يسأل عنها جنائيا لا تخرج عن نوعين ( ): (1) عصيان الشارع بمعني أن يقوم الشخص بالفعل وهو ينتوى عليه. (2) لا يقصد الشخص عصيان الشارع ويعني ذلك أن يأتى الشخص الفعل ولا يقصدان بعض الشارع ولا ينتوى اتيان الفعل ولكن يقع الفعل لتقصير أو إهمال منه. فدرجات المسئولية الجنائية تنحصر في العمد والخطأ:- العمـد: ويعنى أن يقصد الشخص اتيان الفعل المجرم شرعاً. فالقصد يرجع إلى النوايا وهى من الأمور الداخلية التى يصعب الإطلاع عليها. ( ) فالجاني مثلاً في جريمة غسل الأموال إذا كان يعلم أن الأموال التى يتصدق وينشأ المشاريع الخيرية بها هي أموال متحصلة من معاصر فبتلك تقع جريمة غسل الأموال لأنه يقوم بذلك الأعمال لأخفاء أو تمويه مصادر تلك الأموال غير المشروعة. أما إذا كان يجهل أن الأموال متحصلة من مصادر محظورة شرعاً فلا يتوافر القصد الجنائى لدية. الخطأ: ويعنى أن يقوم الجاني باتيان الفعل ولكنه لم يقصد عصيان الشارع فالفعل يقع نتيجة تقصيره أو إهماله. فالقصد الجنائى فى الفقه الإسلامي قد يأتى لدى الجاني قبل وقوع الجريمة وقد يعاصرها. وتستوى العقوبة في الحالتين وذلك بخلاف القانون الوضعي الذى يفرق في العقوبة بين الجرائم التى تقع مصحوبة بسبق الإصرار والترصد والجرائم التى تقع خالية من ذلك الظرف. كما أن القصد الجنائى في الفقة الإسلامي قد يكون عاماً كأن يرتكب الجاني فعلا مجرما مع علمه بأنه محظور متعمداً ذلك أما القصد الخاص فهو يتوافر في بعض الجرائم التى لابد وأن يتوافر نيه خاصة لدى الجاني تتعدى نطاق القصد العام. ففي جريمة غسل الأموال يقوم الجاني بصرف تلك الأموال بهدف إخفاء أو تمويه مصدرها غير المشروع ولا يغني عن ذلك أن يقوم الغاسل بصرف تلك الأموال في الأعمال الخيرية لأن الله لا يقبل هذا المال.

الفصل الخامس: العقوبة المقررة لجريمة غسل الأموال المبحث الأول : العقوبة وموانع العقاب في التشريع المصرى النص القانوني: تنص المادة (14) من القانون على أنه يعاقب بالسجن مدة لا تتجاوز سبع سنوات وبغرامة تعادل مثلي الأموال محل الجريمة. كل من أرتكب أو شرع في ارتكاب جريمة غسل الأموال المنصوص عليها فى المادة (2) من هذا القانون. العقوبة الأصلية: عقوبة السجن من العقوبات الأصلية السالبة للحرية المقررة للجنايات. وقد قرر المشرع هذا العقوبة لجريمة الغسل بحيث لا يزيد حدها الأقصي عن سبع سنوات أما الحد الأدني فقد تركة المشرع للقواعد العامة بحيث يقل عن ثلاث سنوات. وهذه العقوبة مقررة للجريمة سواء وقعت تامة أو في صورة شروع. وعلي المساواة أن المشرع يعاقب على خطورة الجانى لا على الفعل فالخطورة واحدة سواء كان الفعل تاماً أو شرع في ارتكابه. وإذا كان المشرع قد قرر العقاب على الشروع فإنه يستوى أن يكون الشروع موقوفاً أو خائباً. ومن أمثلة الشروع الموقوف أن يتخذ الجاني الإجراءات اللازمة لإيداع المال المتحصل من الجريمة الأصلية في أحد البنوك إلا إنه يضبط أثناء إيداع المال. أما من أمثلة الشروع الخائب أن يقوم شخص بشراء عقارات بأموال ذات مصدر غير مشروع معتقداً أن ملكية العقارات المشتراه قد انتقلت إليه بمجرد الشراء فلا يتخذ إجراءات تسجيلها ثم يضبط عقب شرائها. يغر أن المساواة في العقوبة المقررة للجريمة سواء وقعت تامة أو في صورة الشروع لا يحول دون استعمال القاضي لسلطته التقديرية في الحكم بعقوبة اقل في حدود القواعد العامة. وقد انتقد رأى مبالغة ( ) المشرع في مدة عقوبة السجن المقررة لجريمة الغسل لمخالفتها لأصول التجريم والعقاب التى توجب ألا تكون العقوبة المقررة للنشاط الإجرامي التكميلي أشد من العقوبة المقررة للنشاط الإجرامي الأصلي فعقوبة جريمة الغسل تزيد في بعض الحالات عن العقوبة المقررة للجريمة الأصلية لا سيما جرائم سرقة الأموال واغتصابها والجرائم الواقعة على الآثار. ويعنى ذلك أن من تحصل على مال من جنحة سرقة وقام بالتصرف فيه إلى الغير يعاقب بعقوبة الجنحة بينما يعاقب الغير متى كان يعلم أن المال متحصل من مصدر غير مشروع بعقوبة جناية من أجل غسل المال المتحصل من جنحة سرقة. ويستطرد هذا الرأى بقوله أن عدم تناسب هذه العقوبة مع أثم الجاني يضم هذه العقوبة بغيب مخالفة الدستور وهو ما قضت به المحكمة الدستورية العليا حيث قضت بعدم دستورية المادة 48 من قانون العقوبات التى كانت جرم الاتفاق الجنائى إذ بنت حكمها على عدم تناسب العقوبة المقررة لجريمة الاتفاق مع أثم الجاني ذلك أن الجريمة المتفق على ارتكابها قد تقل عقوبتها عن جريمة الاتفاق ذاتها مما يدل على مبالغة الشارع في العقاب وعدم تناسبه. ( ) ولدى أن العقوبة التى قررها الشارع لجريمة غسل الأموال متناسبة ذلك أن التناسب بين العقوبة المقررة للجريمة الأصلية وتلك المقررة لجريمة الغسل إنما يكون على أساس المنظور الاجتماعي للعقوبتين ومما لاشك فيه أن المجتمع ينظر إلى غاسل الأموال نظرة مختلفة عن مرتكب السرقة فالأول ضرره اشد من الثاني حيث أن سلوكه يؤدى إلى نتائج خطيرة على النواحي الاقتصادية والاجتماعية في حين أن ضرر مرتكب السرقة محدوداً. عقوبة السجن لا تطبق في كافة جرائم غسل المال: نص المشرع في المادة 44 مكرراً من قانون العقوبات على جريمة إخفاء الأشياء المتحصلة من جانية أن جنحة. وتختلف هذه الجريمة عن جريمة الغسل في الاتي:- 1 - جريمة الإخفاء تتوافر متى كانت الأشياء محل الإخفاء ناتجة عن أى جريمة تعد جناية أو جنحة. أما جريمة الغسل فلا تتوافر إلا إذا كان المال محل الغسل متحصل من جريمة معينة حددها المشرع على سبيل الحصر. 2 - جريمة الإخفاء يتخذها ركنها المعنوى صورة القصد الجنائى العام أما جريمة الغسل فتتطلب قصداً جنائياً خاصاً. 3 - إن جريمة الإخفاء تفرق في العقاب بين حالتين:- الأولي: أن يدرك المخفي المصدر الجرمي للشئ بدون إلمام بتفاصيل الجريمة التى أنتجته فتكون العقوبة في هذه الحالة هى الحبس مع الشغل مدة لا تزيد عن سنتين. أن يعلم الجانى فوق ما سبق بنوع الجريمة التى تحصل منها الشئ كأن يعرف ظرفا معينا أحاط بارتكاب هذه الجريمة من شأنه تشديد العقاب عليها كما لو عرف أن الشئ محل الإخفاء ناتج عن سرقة بالإكراه فيعاقب على هذا الإخفاء بعقوبة الجناية المقررة للجريمة مصدر الإخفاء فتكون عقوبته هى السجن المؤبد (المادة 314 عقوبات) إلا أن ما سبق لا ينفي أن جريمة الإخفاء تتفق مع جريمة الغسل في السلوك المادى المكون للفعل كعنصر من عناصر الركن المادى حيث استقر القضاء على إعطاء مفهوم متسع للإخفاء بحيث يمكن للقول بأن هذا المفهوم يشمل صور السلوك المادى في جريمة الغسل. فهناك مثال أن يثبت أن المقاول الذى قام ببناء العمارة كان يعلم أن الأموال التى استخدمها في البناء تصل عليها المالك من جناية الاتجار في المواد المخدرة فهل تطبق عليه العقوبة الواردة في المادة 14 من قانون مكافحة غسل الأموال. الوضع في هذه الحالة يقتضي أعمال قواعد التعدد المعنوى الواردة في المادة 32من قانون العقوبات بحيث يسأل المتهم عن الجريمة الأشد. لذلك ينبغي التفرقة بين أربع فروض:- الفرض الأول: أن يعلم الجاني بأن المال محل الغسل متحصل من جناية أو جنحة دون أن يعلم بأنها إحدى الجرائم الواردة في المادة 2 من قانون مكافحة غسل الأموال. وفي هذه الحالة تطبق عليه العقوبة الواردة في المادة 44 مكرراً عقوبات وهى عقوبة الحبس مع الشغل مدة لا تزيد عن سنتين. الفرض الثاني: أن يعلم الجاني بأن المال محل الغسل متحصل من جناية أو جنحة عقوبتها أشد من عقوبة الجريمة الأصلية وانتفي لديه العلم بأنها أحدى الجرائم الواردة في المادة 2 من قانون مكافحة غسل الأموال. فيطبق عليه عقوبة الإخفاء الواردة في الفقرة الثانية من المادة 44 مكرراً فيحكم عليه بالعقوبة المقررة للجريمة الأصلية. الفرض الثالث: أن يعلم الجاني ان المال محل الغسل متحصل من جناية أو جنحة ويعلم أن هذه الجناية أو الجنحة من الجرائم الواردة في المادة الثانية من قانون مكافحة غسل الأموال. وينتفى لديه العلم أن العقوبة المقررة للجريمة الأصلية أشد من العقوبة المقررة لجريمة الغسل فتطبق عليه العقوبة الواردة في المادة 14 من قانون مكافحة غسل الأموال باعتبارها العقوبة الأشد إعمالاً لقواعد التعدد المعنوى الواردة في المادة 32 عقوبات. الفرض الرابع: أن يعلم الجاني بأن المال محل الغسل متحصل من جناية أو جنحة ويعلم بأن هذه الجريمة من الجرائم الواردة فى المادة الثانية من قانون مكافحة غسل الأموال وأن العقوبة المقررة لها أشد من العقوبة المقررة للجريمة الأصلية فتطبق عليه في هذه الحالة العقوبة المقررة للجريمة الأصلية طبقاً للمادة 44 مكرراً. فيتضح أن مجال تطبيق المادة 14 من قانون مكافحة غسل الأموال يقتصر على الحالة الواردة في الفرض الثالث وهذا ما يقتضيه أعمال قواعد التعدد المعنوى وهو ما يتفق وقصد الشارع بنص في المادة 13 من قانون مكافحة غسل الأموال على أنه:- " مع عدم الإخلال بأية عقوبة أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أى قانون آخر.."


المراجع

موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

تصنيف :الأبحاث