كثيرة هي المؤلفات التي تحمل توقيع أسماء مشتركة: ماركس-انجلز، الإخوان غونكور، فيشان-بيشوه، دولوز-غواتاري….إنها كتب تُخطّ بقلمين، وتكتب بيدين، وتُوقّع باسمين.

لا يخفى أن التوقّف عند هذا النّوع من التأليف من شأنه أن يتيح لنا الفرصة كي نعيد النظر في كثير من المفهومات التي تقوم عليها الكتابة شأن مفهوم المؤلف و التوقيع و التفكير والإبداع، بل ومفهوم الكتابة ذاته…إلا أننا لن نتعرض هنا لهذا النوع من الكتابة إلا من حيث هو عمل يطبعه التعدد، وبالتالي من حيث أنه يفتح لنا نافذة نستطيع من خلالها أن نطل من جديد على هذا المفهوم.

فماذا يعني التأليف ( والتفكير) بصيغة المثنى؟هل يتعلق الأمر بتآزر فكرين وتعاونهما؟ أم بانصهار يوَلد عنصرا ثالثا لا هو هذا الطرف و لا ذاك؟ هل يتعلق الأمر بتكامل أم باتحاد؟ بلغة الرياضيات، هل يتعلق الأمر بجمع أم بطرح، أم بضرب أم برفع إلى أسّ؟

يجيبنا جيل دولوز عن هذه الأسئلة موضحا كيف كان يشتغل إلى جانب فيليكس غواتاري عند تأليفهما للكتب العديدة التي وقعاها باسم مشترك: "لم يكن يهمّنا أن نعمل معا، بقدر ما كان يعنينا هذا الحدث الغريب الذي هو أن نعمل بيننا. كنا نكف عن أن نكون "مؤلفا ". وهذا البين- بين كان يحيل إلى آخرِين مختلِفِين عن هذا الطرف أو ذاك". لم يكن الأمر ليتعلق بمدرسة، و لا بالأولى بمذهب أو اتجاه فكري، وإنما بلقاءات، لقاءات يطبعها تقارب متباعد، تقارب مرجأ différé: " ما كان يقوله لي فيليكس كنت أتمثله، و كان بإمكاني أن أستخدمه ستة أشهر فيما بعد….لم نكن نرقص على الإيقاع نفسه، كنا دائما في تفاوت".

هذا الإرجاء سرعان ما ينعكس على كل طرف ليجعله في انفلات عن ذاته. فكأن كلا الطرفين يبحث في الآخر عما يبعده هو عن نفسه. ما أبعدنا إذن عن مفهومات التآزر والالتقاء والتكامل الفكري: "لم نكن نعمل معا، كنا نعمل بين الاثنين..لم نكن نعمل، كنا نتساوم ونتفاوض".

ليست الكتابة بيدين إذن كتابة بيد واحدة وإنما هي كتابة بين يدين، فلا يهم في الاسم المشترك إلا خط العارضة "الذي يفصل بين الطرفين مقربا أحدهما من الآخر" فليس التعدد الاسمي كثرة مبعثرة من الوحدات، كما أنه لا يرمي إلى خلق وحدة تذوب فيها الأطراف وتنصهر. إنه فضاء البين- بين الذي يجمع بين الأطراف تاركا لكل عنصر حظه من التميز، و للتفردات نصيبها في الوجود.

محمد نجيم

المراجع

alittihad.ae

التصانيف

كتب   العلوم الاجتماعية