لعل أهم إضافات رولان بارت إلى ما قاله الرومانسيون الألمان و ما كتبه نيتشه و بلانشو عن الكتابة الشذرية، هو تحديده الدقيق لطبيعة التكثيف الذي تحققه الشذرة. فإذا كانت إحدى المميزات الأساسية للشذرة في نظره هو خاصيتها التكثيفية "إلا أن الشذرة ليست مع ذلك تكثيفا لفكرة أو لحكمة أو لحقيقة".الشذرات ليست خلاصات ونتائج، وهي ليست حِكََما و حقائق نهائية.

الشذرة ليست حقيقة مستغنية عن كل تدليل. إنها ليست بديهة لا تقطع مسافات، ولا تحتاج إلى توسطات، ولا تسكن خطابات. الشذرة لا تغني عن إعمال الفكر، إنها تدعو إليه و تحث عليه، بل هي ما يستفزه.

لتوضيح ذلك يقرّب بارت الشذرة من أمرين: من رياضة الكاتش أولا ، ثم من الموسيقى، ومن موسيقى فيبرن على الخصوص.

ليست رياضة الكاتش مجموعة من "الوحدات"، ليس الكاتش حصيلة من المشاهد . " في الكاتش تدرك اللحظة وليس الديمومة". انه مشهد مبني على الانفصال و التقطع. وتقطعه و"عدم انسجامه يحل محل النظام الذي يشوه الأشكال" .

ثم إنّ بارت يقرب التكثيف في الشذرة من التكثيف الموسيقي ليبين أنّ الشذرة ليست استغناء عن التحليل و الاستدلال و البرهان و التفكير. ذلك أنّ التكثيف الموسيقي " يضع" النغمة" محل "الاسترسال"..إنّه يومئ إلى وجهة. يتجلّى هذا في المقطوعات الموجزة لفيبرن: غياب للإيقاع، جلال و مهارة في سرعة التخلص".

ليست الشذرة إذن خلاصة خطاب، و لا هي "زبدة" فكر، إنها ليست نظرة "خاطفة"، ولا هي توقُّف و عدم حراك. هي "حاضر" متحرك، حتى لا نقول هاربا. إنها تومئ إلى وجهة من غير أن تدل على طريق، وهي لا تغني عن إعمال الفكر، وإنما تسعى لأن تضبط الفكر وهو يعمل.


المراجع

alawan.org

التصانيف

فنون  تصنيف :أدب  مجتمع