{15} وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } وَالنِّسَاء يَأْتِينَ بِالزِّنَا : أَيْ يَزْنِينَ . { مِنْ نِسَائِكُمْ } وَهُنَّ مُحْصَنَات ذَوَات أَزْوَاج , أَوْ غَيْر ذَوَات أَزْوَاج . { فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } يَقُولهُ : فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ بِمَا أَتَيْنَ مِنْ الْفَاحِشَة أَرْبَعَة رِجَال مِنْ رِجَالكُمْ , يَعْنِي : مِنْ الْمُسْلِمِينَ . { فَإِنْ شَهِدُوا } عَلَيْهِنَّ , { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } يَقُول : فَاحْبِسُوهُنَّ فِي الْبُيُوت , { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت } يَقُول : حَتَّى يَمُتْنَ , { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } يَعْنِي : أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ مَخْرَجًا وَطَرِيقًا إِلَى النَّجَاة مِمَّا أَتَيْنَ بِهِ مِنْ الْفَاحِشَة. وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6988 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ مُحَمَّد بْن يَزِيد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن أَبِي زَائِدَة , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَمُتْنَ { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ . 6989 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } قَالَ : الزِّنَا , كَانَ أَمَرَ بِحَبْسِهِنَّ حِين يَشْهَد عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة حَتَّى يَمُتْنَ ; { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } وَالسَّبِيل : الْحَدّ .
6990 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَكَانَتْ الْمَرْأَة إِذَا زَنَتْ حُبِسَتْ فِي الْبَيْت حَتَّى تَمُوت , ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا , فَهَذِهِ سَبِيلهمَا الَّذِي جَعَلَ اللَّه لَهُمَا . 6991 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَقَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ , وَهُوَ الْجَلْد وَالرَّجْم . 6992 - حَدَّثَنِي بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } حَتَّى بَلَغَ : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } كَانَ هَذَا مِنْ قَبْل الْحُدُود , فَكَانَا يُؤْذَيَانِ بِالْقَوْلِ جَمِيعًا , وَبِحَبْسِ الْمَرْأَة . ثُمَّ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , فَكَانَ سَبِيل مَنْ أُحْصِنَ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَمْي بِالْحِجَارَةِ , وَسَبِيل مَنْ لَمْ يُحْصَن جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة . 6993 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير : الْفَاحِشَة : الزِّنَا , وَالسَّبِيل : الرَّجْم وَالْجَلْد. 6994 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ } إِلَى : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } هَؤُلَاءِ اللَّاتِي قَدْ نُكِحْنَ وَأُحْصِنَّ , إِذَا زَنَتْ الْمَرْأَة فَإِنَّهَا كَانَتْ تُحْبَس فِي الْبَيْت وَيَأْخُذ زَوْجهَا مَهْرهَا فَهُوَ لَهُ , فَذَلِكَ قَوْله : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } 4 19 حَتَّى جَاءَتْ الْحُدُود فَنَسَخَتْهَا , فَجُلِدَتْ وَرُجِمَتْ , وَكَانَ مَهْرهَا مِيرَاثًا , فَكَانَ السَّبِيل هُوَ الْجَلْد .
6995 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سَلْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْحَدّ , نَسَخَ الْحَدّ هَذِهِ الْآيَة . 6996 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ خُصَيْف , عَنْ مُجَاهِد : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : جَلْد مِائَة , الْفَاعِل وَالْفَاعِلَة .
-bb
حَدَّثَنَا الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : الْجَلْد . 6997 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي نَكَّسَ رَأْسه , وَنَكَّسَ أَصْحَابه رُءُوسهمْ ; فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ رَفَعَ رَأْسه , فَقَالَ : " قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ ; أَمَّا الثَّيِّب فَتُجْلَد ثُمَّ تُرْجَم ; وَأَمَّا الْبِكْر فَتُجْلَد ثُمَّ تُنْفَى " .-bb حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ تُجْلَد مِائَة وَتُرْجَم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر جَلْد مِائَة وَنَفْي سَنَة " . 6998 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه أَخِي بَنِي رَقَاش , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت : أَنَّ رَسُول اللَّه قَدْ كَانَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي كَرَبَ لِذَلِكَ وَتَرَبَّدَ لَهُ وَجْهه , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ ذَات يَوْم , فَلَقِيَ ذَلِكَ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا ; الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ جَلْد مِائَة ثُمَّ رَجْم بِالْحِجَارَةِ , وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ جَلْد مِائَة ثُمَّ نَفْي سَنَة " . 6999 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ : اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ , فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : يَقُول : لَا تُنْكِحُوهُنَّ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت , وَلَمْ يُخْرِجهُنَّ مِنْ الْإِسْلَام .
ثُمَّ نَسَخَ هَذَا , وَجَعَلَ السَّبِيل الَّتِي ذَكَرَ أَنْ يَجْعَل لَهُنَّ سَبِيلًا , قَالَ : فَجَعَلَ لَهَا السَّبِيل إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُحْصَنَة رُجِمَتْ وَأُخْرِجَتْ , وَجَعَلَ السَّبِيل لِلْبِكْرِ جَلْد مِائَة . 7000 - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن أَبِي طَالِب , قَالَ : أَخْبَرَنَا يَزِيد , قَالَ : أَخْبَرَنَا جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَالَ : الْجَلْد وَالرَّجْم .
-bb
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن أَبِي جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن , عَنْ حِطَّان بْن عَبْد اللَّه الرَّقَاشِيّ , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا : الثَّيِّب بِالثَّيِّبِ وَالْبِكْر بِالْبِكْرِ , الثَّيِّب تُجْلَد وَتُرْجَم وَالْبِكْر تُجْلَد وَتُنْفَى " .-bb حَدَّثَنِي يَحْيَى بْن إِبْرَاهِيم الْمَسْعُودِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَدّه , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن مُسْلِم الْبَصْرِيّ , عَنْ الْحَسَن , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , قَالَ : كُنَّا جُلُوسًا عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ اِحْمَرَّ وَجْهه , وَكَانَ يَفْعَل ذَلِكَ إِذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْي , فَأَخَذَهُ كَهَيْئَةِ الْغَشْي لِمَا يَجِد مِنْ ثِقَل ذَلِكَ , فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ : " خُذُوا عَنِّي قَدْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا , الْبِكْرَانِ يُجْلَدَانِ وَيُنْفَيَانِ سَنَة , وَالثَّيِّبَانِ يُجْلَدَانِ وَيُرْجَمَانِ " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } قَوْل مَنْ قَالَ السَّبِيل الَّتِي جَعَلَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِلثَّيِّبَيْنِ الْمُحْصَنَيْنِ الرَّجْم بِالْحِجَارَةِ , وَلِلْبِكْرَيْنِ جَلْد مِائَة , وَنَفْي سَنَة لِصِحَّةِ الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ رَجَمَ وَلَمْ يَجْلِد ; وَإِجْمَاع الْحُجَّة الَّتِي لَا يَجُوز عَلَيْهَا فِيمَا نَقَلْته مُجْمِعَة عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالسَّهْو وَالْكَذِب ; وَصِحَّة الْخَبَر عَنْهُ , أَنَّهُ قَضَى فِي الْبِكْرَيْنِ بِجَلْدِ مِائَة , وَنَفْي سَنَة , فَكَانَ فِي الَّذِي صَحَّ عَنْهُ مِنْ تَرْكه جَلْد مَنْ رُجِمَ مِنْ الزُّنَاة فِي عَصْره دَلِيل وَاضِح عَلَى وَهْي الْخَبَر الَّذِي رُوِيَ عَنْ الْحَسَن عَنْ حِطَّان عَنْ عُبَادَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : السَّبِيل لِلثَّيِّبِ الْمُحْصَن : الْجَلْد وَالرَّجْم . وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه : وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ بِالْفَاحِشَةِ مِنْ نِسَائِكُمْ , وَالْعَرَب تَقُول : أَتَيْت أَمْرًا عَظِيمًا , وَبِأَمْرٍ عَظِيم , وَتَكَلَّمْت بِكَلَامٍ قَبِيح , وَكَلَامًا قَبِيحًا .
{16} وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } : وَالرَّجُل وَالْمَرْأَة اللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا , يَقُول : يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَة وَالْهَاء وَالْأَلِف فِي قَوْله : { يَأْتِيَانِهَا } عَائِدَة عَلَى الْفَاحِشَة الَّتِي فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } وَالْمَعْنَى : وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِ مِنْكُمْ الْفَاحِشَة فَآذُوهُمَا. ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَعْنِيّ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } فَقَالَ بَعْضهمْ : هُمَا الْبِكْرَانِ اللَّذَانِ لَمْ يُحْصَنَا , وَهُمَا غَيْر اللَّاتِي عُنِينَ بِالْآيَةِ قَبْلهَا . وَقَالُوا : قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } مَعْنِيّ بِهِ الثَّيِّبَات الْمُحْصَنَات بِالْأَزْوَاجِ , وَقَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } يَعْنِي بِهِ : الْبِكْرَانِ غَيْر الْمُحْصَنَيْنِ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7001 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : ذَكَرَ الْجَوَارِي وَالْفِتْيَان اللَّذِينَ لَمْ يُنْكَحُوا , فَقَالَ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } .
7002 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } الْبِكْرَانِ فَآذُوهُمَا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } الرَّجُلَانِ الزَّانِيَانِ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7003 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } قَالَ : الرَّجُلَانِ الْفَاعِلَانِ لَا يُكَنِّي .
7004 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } : الزَّانِيَانِ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ الرَّجُل وَالْمَرْأَة , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُقْصَد بِهِ بِكْر دُون ثَيِّب . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7005 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } قَالَ : الرَّجُل وَالْمَرْأَة .
7006 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } إِلَى قَوْله : { أَوْ يَجْعَل اللَّه لَهُنَّ سَبِيلًا } فَذَكَرَ الرَّجُل بَعْد الْمَرْأَة ثُمَّ جَمَعَهُمَا جَمِيعًا , فَقَالَ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّه كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } . 7007 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء وَعَبْد اللَّه بْن كَثِير , قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } قَالَ : هَذِهِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَة جَمِيعًا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الْبِكْرَانِ غَيْر الْمُحْصَنَيْنِ إِذَا زَنَيَا وَكَانَ أَحَدهمَا رَجُلًا وَالْآخَر اِمْرَأَة , لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَقْصُودًا بِذَلِكَ قَصْد الْبَيَان عَنْ حُكْم الزُّنَاة مِنْ الرِّجَال كَمَا كَانَ مَقْصُودًا بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } قَصْد الْبَيَان عَنْ حُكْم الزَّوَانِي , لَقِيلَ : وَاَلَّذِينَ يَأْتُونَهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمْ , أَوْ قِيلَ : وَاَلَّذِي يَأْتِيهَا مِنْكُمْ , كَمَا قِيلَ فِي الَّتِي قَبْلهَا : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } فَأُخْرِجَ ذِكْرهنَّ عَلَى الْجَمْع , وَلَمْ يَقُلْ : وَاللَّتَانِ يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَة . وَكَذَلِكَ تَفْعَل الْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ الْبَيَان عَلَى الْوَعِيد عَلَى فِعْل أَوْ الْوَعْد عَلَيْهِ , أَخْرَجَتْ أَسْمَاء أَهْله بِذِكْرِ الْجَمْع أَوْ الْوَاحِد , وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاحِد يَدُلّ عَلَى جِنْسه , وَلَا تُخْرِجهَا بِذِكْرِ اِثْنَيْنِ , فَتَقُول : الَّذِينَ يَفْعَلُونَ كَذَا فَلَهُمْ كَذَا , وَاَلَّذِي يَفْعَل كَذَا فَلَهُ كَذَا , وَلَا تَقُول : اللَّذَانِ يَفْعَلَانِ كَذَا فَلَهُمَا كَذَا , إِلَّا أَنْ يَكُون فَعَلَا لَا يَكُون إِلَّا مِنْ شَخْصَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ كَالزِّنَا لَا يَكُون إِلَّا مِنْ زَانٍ وَزَانِيَة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , قِيلَ بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ , يُرَاد بِذَلِكَ الْفَاعِل وَالْمَفْعُول بِهِ , فَإِمَّا أَنْ يُذْكَر بِذِكْرِ الِاثْنَيْنِ وَالْمُرَاد بِذَلِكَ شَخْصَانِ فِي فِعْل قَدْ يَنْفَرِد كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا بِهِ أَوْ فِي فِعْل لَا يَكُونَانِ فِيهِ مُشْتَرِكَيْنِ فَذَلِكَ مَا لَا يُعْرَف فِي كَلَامهَا . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } الرَّجُلَانِ , وَصِحَّة قَوْل مَنْ قَالَ : عُنِيَ بِهِ الرَّجُل وَالْمَرْأَة وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّهُمَا غَيْر اللَّوَاتِي تَقَدَّمَ بَيَان حُكْمهنَّ فِي قَوْله : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة } لِأَنَّ هَذَيْنِ اِثْنَانِ وَأُولَئِكَ جَمَاعَة . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ الْحَبْس كَانَ لِلثَّيِّبَاتِ عُقُوبَة حَتَّى يُتَوَفَّيْنَ مِنْ قَبْل أَنْ يَجْعَل لَهُنَّ سَبِيلًا , لِأَنَّهُ أَغْلَظُ فِي الْعُقُوبَة مِنْ الْأَذَى الَّذِي هُوَ تَعْنِيف وَتَوْبِيخ أَوْ سَبّ وَتَعْيِير , كَمَا كَانَ السَّبِيل الَّتِي جُعِلَتْ لَهُنَّ مِنْ الرَّجْم أَغْلَظ مِنْ السَّبِيل الَّتِي جُعِلَتْ لِلْأَبْكَارِ مِنْ جَلْد الْمِائَة وَنَفْي السَّنَة .
{16} وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْأَذَى الَّذِي كَانَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره جَعَلَهُ عُقُوبَة لِلَّذِينَ يَأْتِيَانِ الْفَاحِشَة مِنْ قَبْل أَنْ يَجْعَل لَهُمَا سَبِيلًا مِنْهُ , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ الْأَذَى , أَذًى بِالْقَوْلِ وَاللِّسَان , كَالتَّعْيِيرِ وَالتَّوْبِيخ عَلَى مَا أَتَيَا مِنْ الْفَاحِشَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7008 - حَدَّثَنِي بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { فَآذُوهُمَا } قَالَ : كَانَا يُؤْذَيَانِ بِالْقَوْلِ جَمِيعًا .
7009 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } فَكَانَتْ الْجَارِيَة وَالْفَتَى إِذَا زَنَيَا يُعَنَّفَانِ وَيُعَيَّرَانِ حَتَّى يَتْرُكَا ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : كَانَ ذَلِكَ الْأَذَى أَذَى اللِّسَان , غَيْر أَنَّهُ كَانَ سَبًّا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7010 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَآذُوهُمَا } يَعْنِي : سَبًّا. وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ ذَلِكَ الْأَذَى بِاللِّسَانِ وَالْيَد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7011 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } فَكَانَ الرَّجُل إِذَا زَنَى أُوذِيَ بِالتَّعْيِيرِ , وَضُرِبَ بِالنِّعَالِ.
قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إِنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره كَانَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِأَذَى الزَّانِيَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ إِذَا أَتَيَا ذَلِكَ وَهُمَا مِنْ أَهْل الْإِسْلَام , وَالْأَذَى قَدْ يَقَع بِكُلِّ مَكْرُوه نَالَ الْإِنْسَان مِنْ قَوْل سَيِّئ بِاللِّسَانِ أَوْ فِعْل , وَلَيْسَ فِي الْآيَة بَيَان أَنَّ ذَلِكَ كَانَ أُمِرَ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ يَوْمئِذٍ , وَلَا خَبَر بِهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَقْل الْوَاحِد وَلَا نَقْل الْجَمَاعَة الْمُوجِب مَجِيئُهَا قَطْع الْعُذْر. وَأَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ , وَجَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ أَذًى بِاللِّسَانِ وَالْيَد , وَجَائِز أَنْ يَكُون كَانَ أَذًى بِأَيِّهِمَا , وَلَيْسَ فِي الْعِلْم بِأَيِّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَيّ نَفْع فِي دِين وَلَا دُنْيَا وَلَا فِي الْجَهْل بِهِ مَضَرَّة , إِذْ كَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ نَسَخَ ذَلِكَ مِنْ مُحْكَمه بِمَا أَوْجَبَ مِنْ الْحُكْم عَلَى عِبَاده فِيهِمَا وَفِي اللَّاتِي قَبْلهمَا ; فَأَمَّا الَّذِي أَوْجَبَ مِنْ الْحُكْم عَلَيْهِمْ فِيهِمَا فَمَا أَوْجَبَ فِي سُورَة النُّور بِقَوْلِهِ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } 24 2 وَأَمَّا الَّذِي أَوْجَبَ فِي اللَّاتِي قَبْلهمَا , فَالرَّجْم الَّذِي قَضَى بِهِ رَسُول اللَّه فِيهِمَا وَأَجْمَعَ أَهْل التَّأْوِيل جَمِيعًا عَلَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره قَدْ جَعَلَ لِأَهْلِ الْفَاحِشَة مِنْ الزُّنَاة وَالزَّوَانِي سَبِيلًا بِالْحُدُودِ الَّتِي حَكَمَ بِهَا فِيهِمْ . وَقَالَ جَمَاعَة مِنْ أَهْل التَّأْوِيل : إِنَّ اللَّه سُبْحَانه نَسَخَ بِقَوْلِهِ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } 24 2 قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7012 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } قَالَ : كُلّ ذَلِكَ نَسَخَتْهُ الْآيَة الَّتِي فِي النُّور بِالْحَدِّ الْمَفْرُوض.-bb
حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام , قَالَ : ثنا يَحْيَى , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } ... الْآيَة , قَالَ : هَذَا نَسَخَتْهُ الْآيَة فِي سُورَة النُّور بِالْحَدِّ الْمَفْرُوض . 7013 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَة , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا فِي قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } ... الْآيَة , نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْجَلْد , فَقَالَ : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } 24 2 . 7014 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد هَذَا : { الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة } 24 2 فَإِنْ كَانَا مُحْصَنَيْنِ رُجِمَا فِي سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 7015 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَة مِنْ نِسَائِكُمْ } . .. الْآيَة ; جَاءَتْ الْحُدُود فَنَسَخَتْهَا . 7016 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول : نَسَخَ الْحَدّ هَذِهِ الْآيَة . 7017 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو سُفْيَان , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت } . .. الْآيَة , قَالَ : نَسَخَتْهَا الْحُدُود , وَقَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ } نَسَخَتْهَا الْحُدُود . 7018 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا } . .. الْآيَة , ثُمَّ نُسِخَ هَذَا وَجُعِلَ السَّبِيل لَهَا إِذَا زَنَتْ وَهِيَ مُحْصَنَة رُجِمَتْ وَأُخْرِجَتْ , وَجُعِلَ السَّبِيل لِلذَّكَرِ جَلْد مِائَة .-bb حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوت حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْت } قَالَ : نَسَخَتْهَا الْحُدُود.
{16} وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا وَأَمَّا قَوْله : { فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : فَإِنْ تَابَا مِنْ الْفَاحِشَة الَّتِي أَتَيَا , فَرَاجَعَا طَاعَة اللَّه بَيْنهمَا وَأَصْلَحَا , يَقُول : وَأَصْلَحَا دِينهمَا بِمُرَاجَعَةِ التَّوْبَة مِنْ فَاحِشَتهمَا وَالْعَمَل بِمَا يُرْضِي اللَّه , فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا , يَقُول : فَاصْفَحُوا عَنْهُمَا , وَكُفُّوا عَنْهُمَا الْأَذَى الَّذِي كُنْت أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُؤْذُوهُمَا بِهِ , عُقُوبَة لَهُمَا عَلَى مَا أَتَيَا مِنْ الْفَاحِشَة , وَلَا تُؤْذُوهُمَا بَعْد تَوْبَتهمَا .
{16} وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا وَأَمَّا قَوْله : { إِنَّ اللَّه كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : أَنَّ اللَّه لَمْ يَزَلْ رَاجِعًا لِعَبِيدِهِ إِلَى مَا يُحِبُّونَ إِذَا هُمْ رَاجَعُوا مَا يُحِبّ مِنْهُمْ مِنْ طَاعَته . رَحِيمًا بِهِمْ , يَعْنِي : ذَا رَحْمَة وَرَأْفَة.
{17} إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } : مَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقه , إِلَّا لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء مِنْ الْمُؤْمِنِينَ بِجَهَالَةٍ . { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } يَقُول : مَا اللَّه بِرَاجِعٍ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقه إِلَى مَا يُحِبّهُ مِنْ الْعَفْو عَنْهُ وَالصَّفْح عَنْ ذُنُوبه الَّتِي سَلَفَتْ مِنْهُ , إِلَّا لِلَّذِينَ يَأْتُونَ مَا يَأْتُونَهُ مِنْ ذُنُوبهمْ جَهَالَة مِنْهُمْ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ مُؤْمِنُونَ , ثُمَّ يُرَاجِعُونَ طَاعَة اللَّه وَيَتُوبُونَ مِنْهُ إِلَى مَا أَمَرَهُمْ اللَّه بِهِ مِنْ النَّدَم عَلَيْهِ وَالِاسْتِغْفَار وَتَرْك الْعَوْد إِلَى مِثْله مِنْ قَبْل نُزُول الْمَوْت بِهِمْ . وَذَلِكَ هُوَ الْقَرِيب الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , فَقَالَ : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } . وَبِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ , قَالَ : أَهْل التَّأْوِيل غَيْر أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْله : { بِجَهَالَةٍ } فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ , وَذَهَبَ إِلَى أَنَّ عَمَله السُّوء هُوَ الْجَهَالَة الَّتِي عَنَاهَا. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7019 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّث أَنَّ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَقُولُونَ : كُلّ ذَنْب أَصَابَهُ عَبْد فَهُوَ بِجَهَالَةٍ .
7020 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : اِجْتَمَعَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَوْا أَنَّ كُلّ شَيْء عُصِيَ بِهِ فَهُوَ جَهَالَة , عَمْدًا كَانَ أَوْ غَيْره .
7021 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : كُلّ مَنْ عَصَى رَبّه فَهُوَ جَاهِل , حَتَّى يَنْزِع عَنْ مَعْصِيَته .-bb
حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : كُلّ مَنْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةِ اللَّه فَذَاكَ مِنْهُ بِجَهْلٍ حَتَّى يَرْجِع عَنْهُ . 7022 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } مَا دَامَ يَعْصِي اللَّه فَهُوَ جَاهِل .
7023 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل بْن غَزْوَان , عَنْ أَبِي النَّضْر , عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : مَنْ عَمِلَ السُّوء فَهُوَ جَاهِل , مِنْ جَهَالَته عَمِلَ السُّوء . 7024 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : مَنْ عَصَى اللَّه فَهُوَ جَاهِل , حَتَّى يَنْزِع عَنْ مَعْصِيَته . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَأَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كُلّ عَامِل بِمَعْصِيَةٍ فَهُوَ جَاهِل حِين عَمِلَ بِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ لِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح نَحْوه .
7025 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَالَ : الْجَهَالَة : كُلّ اِمْرِئٍ عَمِلَ شَيْئًا مِنْ مَعَاصِي اللَّه فَهُوَ جَاهِل أَبَدًا حَتَّى يَنْزِع عَنْهَا . وَقَرَأَ : { هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُف وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ } 12 89 وَقَرَأَ : { وَإِلَّا تَصْرِف عَنِّي كَيْدهنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنْ الْجَاهِلِينَ } 12 33 قَالَ : مَنْ عَصَى اللَّه فَهُوَ جَاهِل حَتَّى يَنْزِع عَنْ مَعْصِيَته . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى قَوْله : { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } : يَعْمَلُونَ ذَلِكَ عَلَى عَمْد مِنْهُمْ لَهُ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7026 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ مُجَاهِد : { يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : الْجَهَالَة : الْعَمْد .-bb حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 7027 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : الْجَهَالَة : الْعَمْد. وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء فِي الدُّنْيَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7028 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قَالَ : الدُّنْيَا كُلّهَا جَهَالَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِتَأْوِيلِ الْآيَة. قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيلهَا : إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء , وَعَمَلهمْ السُّوء هُوَ الْجَهَالَة الَّتِي جَهِلُوهَا عَامِدِينَ كَانُوا لِلْإِثْمِ , أَوْ جَاهِلِينَ بِمَا أَعَدَّ اللَّه لِأَهْلِهَا . وَذَلِكَ أَنَّهُ غَيْر مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب , تَسْمِيَة الْعَامِد لِلشَّيْءِ الْجَاهِل بِهِ , إِلَّا أَنْ يَكُون مَعْنِيًّا بِهِ أَنَّهُ جَاهِل بِقَدْرِ مَنْفَعَته وَمَضَرَّته , فَيُقَال : هُوَ بِهِ جَاهِل , عَلَى مَعْنَى جَهْله بِمَعْنَى : نَفْعه وَضُرّه ; فَأَمَّا إِذَا كَانَ عَالِمًا بِقَدْرِ مَبْلَغ نَفْعه وَضُرّه قَاصِدًا إِلَيْهِ , فَغَيْر جَائِز مِنْ غَيْر قَصْده إِلَيْهِ أَنْ يُقَال هُوَ بِهِ جَاهِل ; لِأَنَّ الْجَاهِل بِالشَّيْءِ هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمهُ وَلَا يَعْرِفهُ عِنْد التَّقَدُّم عَلَيْهِ , أَوْ يَعْلَمهُ فَيُشْبِه فَاعِله , إِذْ كَانَ خَطَأ مَا فَعَلَهُ بِالْجَاهِلِ الَّذِي يَأْتِي الْأَمْر وَهُوَ بِهِ جَاهِل فَيُخْطِئ مَوْضِع الْإِصَابَة مِنْهُ , فَيُقَال : إِنَّهُ لَجَاهِل بِهِ , وَإِنْ كَانَ بِهِ عَالِمًا لِإِتْيَانِهِ الْأَمْر الَّذِي لَا يَأْتِي مِثْله إِلَّا أَهْل الْجَهْل بِهِ .
وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } قِيلَ فِيهِمْ : يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ وَإِنْ أَتَوْهُ عَلَى عِلْم مِنْهُمْ بِمَبْلَغِ عِقَاب اللَّه أَهْله , عَامِدِينَ إِتْيَانه , مَعَ مَعْرِفَتهمْ بِأَنَّهُ عَلَيْهِمْ حَرَام , لِأَنَّ فِعْلهمْ ذَلِكَ كَانَ مِنْ الْأَفْعَال الَّتِي لَا يَأْتِي مِثْلَهُ إِلَّا مَنْ جَهِلَ عَظِيمَ عِقَابِ اللَّهِ عَلَيْهِ أَهْلَهُ فِي عَاجِل الدُّنْيَا وَآجِل الْآخِرَة , فَقِيلَ لِمَنْ أَتَاهُ وَهُوَ بِهِ عَالِم : أَتَاهُ بِجَهَالَةٍ , بِمَعْنَى : أَنَّهُ فَعَلَ فِعْل الْجُهَّال بِهِ , لَا أَنَّهُ كَانَ جَاهِلًا . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ مَعْنَاهُ : أَنَّهُمْ جَهِلُوا كُنْه مَا فِيهِ مِنْ الْعِقَاب , فَلَمْ يَعْلَمُوهُ كَعِلْمِ الْعَالِم , وَإِنْ عَلِمُوهُ ذَنْبًا , فَلِذَلِكَ قِيلَ : { يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ } . وَلَوْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا قَالَ صَاحِب هَذَا الْقَوْل لَوَجَبَ أَنْ لَا تَكُون تَوْبَة لِمَنْ عَلِمَ كُنْه مَا فِيهِ .
وَذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَالَ : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } دُون غَيْرهمْ. فَالْوَاجِب عَلَى صَاحِب هَذَا الْقَوْل أَنْ لَا يَكُون لِلْعَالِمِ الَّذِي عَمِلَ سُوءًا عَلَى عِلْم مِنْهُ بِكُنْهِ مَا فِيهِ ثُمَّ تَابَ مِنْ قَرِيب ; تَوْبَة , وَذَلِكَ خِلَاف الثَّابِت عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّ كُلّ تَائِب عَسَى اللَّه أَنْ يَتُوب عَلَيْهِ , وَقَوْله : " بَاب التَّوْبَة مَفْتُوح مَا لَمْ تَطْلُع الشَّمْس مِنْ مَغْرِبهَا " , وَخِلَاف قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا } 25 70 .
{17} إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } . اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْقَرِيب فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ فِي صِحَّتهمْ قَبْل مَرَضهمْ وَقَبْل مَوْتهمْ .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7029 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } وَالْقَرِيب قَبْل الْمَوْت مَا دَامَ فِي صِحَّته . 7030 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ أَبِي النَّضْر , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَالَ : فِي الْحَيَاة وَالصِّحَّة .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْل مُعَايَنَة مَلَك الْمَوْت . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ. 7031 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } وَالْقَرِيب فِيمَا بَيْنه وَبَيْن أَنْ يَنْظُر إِلَى مَلَك الْمَوْت . 7032 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قَالَ أَبُو مِجْلَز : لَا يَزَال الرَّجُل فِي تَوْبَة حَتَّى يُعَايِن الْمَلَائِكَة. 7033 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ أَبِي مَعْشَر , عَنْ مُحَمَّد بْن قَيْس , قَالَ : الْقَرِيب : مَا لَمْ تَنْزِل بِهِ آيَة مِنْ آيَات اللَّه تَعَالَى وَيَنْزِل بِهِ الْمَوْت . 7034 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } لَهُ التَّوْبَة مَا بَيْنه وَبَيْن أَنْ يُعَايِن مَلَك الْمَوْت , فَإِذَا تَابَ حِين يَنْظُر إِلَى مَلَك الْمَوْت فَلَيْسَ لَهُ ذَاكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَبْل الْمَوْت. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7035 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ رَجُل , عَنْ الضَّحَّاك : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَالَ : كُلّ شَيْء قَبْل الْمَوْت فَهُوَ قَرِيب . 7036 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ الْحَكَم بْن أَبَان , عَنْ عِكْرِمَة : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَالَ : الدُّنْيَا كُلّهَا قَرِيب. 7037 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَبْل الْمَوْت. 7038 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبِي قِلَابَة , قَالَ : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ إِبْلِيس لَمَّا لُعِنَ وَأُنْظِرَ , قَالَ : وَعِزَّتك لَا أَخْرُج مِنْ قَلْب اِبْن آدَم مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح ! فَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعهُ التَّوْبَة مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح .
-bb
حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا عِمْرَان , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كُنَّا عِنْد أَنَس بْن مَالِك وَثَمَّ أَبُو قِلَابَة , فَحَدَّثَ أَبُو قِلَابَة قَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيس سَأَلَهُ النَّظِرَة , فَقَالَ : وَعِزَّتك لَا أَخْرُج مِنْ قَلْب اِبْن آدَم ! فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَعِزَّتِي لَا أَمْنَعهُ التَّوْبَة مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح.-bb حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة , قَالَ : إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَمَّا لَعَنَ إِبْلِيس سَأَلَهُ النَّظِرَة , فَأَنْظَرَهُ إِلَى يَوْم الدِّين , فَقَالَ : وَعِزَّتك لَا أَخْرُج مِنْ قَلْب اِبْن آدَم مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح ! قَالَ : وَعِزَّتِي لَا أَحْجُب عَنْهُ التَّوْبَة مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح . 7039 - حَدَّثَنِي اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ إِبْلِيس لَمَّا رَأَى آدَم أَجْوَف , قَالَ وَعِزَّتك لَا أَخْرُج مِنْ جَوْفه مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح ! فَقَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَعِزَّتِي لَا أَحُول بَيْنه وَبَيْن التَّوْبَة مَا دَامَ فِيهِ الرُّوح " .
7040 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْعَلَاء بْن زِيَاد , عَنْ أَبِي أَيُّوب بَشِير بْن كَعْب , أَنَّ نَبِيّ اللَّه , قَالَ : " إِنَّ اللَّه يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر " . 7041 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ عُبَادَة بْن الصَّامِت , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ; فَذَكَرَ مِثْله . 7042 - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي عَدِيّ , عَنْ عَوْف , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : بَلَغَنِي أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إِنَّ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقْبَل تَوْبَة الْعَبْد مَا لَمْ يُغَرْغِر " .
قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : تَأْوِيله : ثُمَّ يَتُوبُونَ قَبْل مَمَاتهمْ فِي الْحَال الَّتِي يَفْهَمُونَ فِيهَا أَمْر اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَنَهْيه , وَقَبْل أَنْ يُغْلَبُوا عَلَى أَنْفُسهمْ وَعُقُولهمْ , وَقَبْل حَال اِشْتِغَالهمْ بِكَرْبِ الْحَشْرَجَة وَغَمّ الْغَرْغَرَة , فَلَا يَعْرِفُوا أَمْر اللَّه وَنَهْيه , وَلَا يَعْقِلُوا التَّوْبَة , لِأَنَّ التَّوْبَة لَا تَكُون تَوْبَة إِلَّا مِمَّنْ نَدِمَ عَلَى مَا سَلَفَ مِنْهُ , وَعَزَمَ فِيهِ عَلَى تَرْك الْمُعَاوَدَة , وَهُوَ يَعْقِل النَّدَم , وَيَخْتَار تَرْك الْمُعَاوَدَة , فَأَمَّا إِذَا كَانَ بِكَرْبِ الْمَوْت مَشْغُولًا , وَبِغَمِّ الْحَشْرَجَة مَغْمُورًا , فَلَا إِخَالهُ إِلَّا عَنْ النَّدَم عَلَى ذُنُوبه مَغْلُوبًا , وَلِذَلِكَ قَالَ مَنْ قَالَ : إِنَّ التَّوْبَة مَقْبُولَة مَا لَمْ يُغَرْغِر الْعَبْد بِنَفَسِهِ , فَإِنْ كَانَ الْمَرْء فِي تِلْكَ الْحَال يَعْقِل عَقْل الصَّحِيح , وَيَفْهَم فَهْم الْعَاقِل الْأَرِيب , فَأَحْدَثَ إِنَابَة مِنْ ذُنُوبه , وَرَجْعَة مِنْ شُرُوده عَنْ رَبّه إِلَى طَاعَته كَانَ إِنْ شَاءَ اللَّه مِمَّنْ دَخَلَ فِي وَعْد اللَّه الَّذِي وَعَدَ التَّائِبِينَ إِلَيْهِ مِنْ إِجْرَامهمْ مِنْ قَرِيب بِقَوْلِهِ : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } .
{17} إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَأُولَئِكَ يَتُوب اللَّه عَلَيْهِمْ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { فَأُولَئِكَ } فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب { يَتُوب اللَّه عَلَيْهِمْ } دُون مَنْ لَمْ يَتُبْ , حَتَّى غُلِبَ عَلَى عَقْله وَغَمَرَتْهُ حَشْرَجَة مِيتَتِهِ , فَقَالَ : وَهُوَ لَا يَفْقَه مَا يَقُول : { إِنِّي تُبْت الْآن } خِدَاعًا لِرَبِّهِ وَنِفَاقًا فِي دِينه , وَمَعْنَى قَوْله : { يَتُوب اللَّه عَلَيْهِمْ } : يَرْزُقهُمْ إِنَابَة إِلَى طَاعَته , وَيَتَقَبَّل مِنْهُمْ أَوْبَتهمْ إِلَيْهِ , وَتَوْبَتهمْ الَّتِي أَحْدَثُوهَا مِنْ ذُنُوبهمْ.
{17} إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَأَمَّا قَوْله : { وَكَانَ اللَّه عَلِيمًا حَكِيمًا } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَلَمْ يَزَلْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَلِيمًا بِالنَّاسِ مِنْ عِبَاده الْمُنِيبِينَ إِلَيْهِ بِالطَّاعَةِ بَعْد إِدْبَارهمْ عَنْهُ , الْمُقْبِلِينَ إِلَيْهِ بَعْد التَّوْلِيَة , وَبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُمُور خَلْقه , حَكِيم فِي تَوْبَته عَلَى مَنْ تَابَ مِنْهُمْ مِنْ مَعْصِيَته , وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَدْبِيره وَتَقْدِيره , وَلَا يَدْخُل أَفْعَاله خَلَل , وَلَا يَخْلِطهُ خَطَأ وَلَا زَلَل .
{18} وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات مِنْ أَهْل الْإِصْرَار عَلَى مَعَاصِي اللَّه , حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت , يَقُول : إِذَا حَشْرَجَ أَحَدهمْ بِنَفَسِهِ , وَعَايَنَ مَلَائِكَة رَبّه قَدْ أَقْبَلُوا إِلَيْهِ لِقَبْضِ رُوحه قَالَ : وَقَدْ غُلِبَ عَلَى نَفْسه , وَحِيلَ بَيْنه وَبَيْن فَهْمه بِشَغْلِهِ بِكَرْبِ حَشْرَجَته وَغَرْغَرَته : إِنِّي تُبْت الْآن , يَقُول فَلَيْسَ لِهَذَا عِنْد اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى تَوْبَة , لِأَنَّهُ قَالَ مَا قَالَ فِي غَيْر حَال تَوْبَة . كَمَا : 7043 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ يَعْلَى بْن نُعْمَان , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ اِبْن عُمَر يَقُول : التَّوْبَة مَبْسُوطَة مَا لَمْ يُسَقْ . ثُمَّ قَرَأَ اِبْن عُمَر : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } ثُمَّ قَالَ : وَهَلْ الْحُضُور إِلَّا السَّوْق . 7044 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } قَالَ : إِذَا تَبَيَّنَ الْمَوْت فِيهِ لَمْ يَقْبَل اللَّه لَهُ تَوْبَة . 7045 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ أَبِي النَّضْر , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } فَلَيْسَ لِهَذَا عِنْد اللَّه تَوْبَة . 7046 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , قَالَ : سَمِعْت إِبْرَاهِيم بْن مَيْمُون , يُحَدِّث عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا رَجُل مِنَّا , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو , أَنَّهُ قَالَ : " مَنْ تَابَ قَبْل مَوْته بِعَامٍ تُبْت عَلَيْهِ " , حَتَّى ذَكَرَ شَهْرًا , حَتَّى ذَكَرَ سَاعَة , حَتَّى ذَكَرَ فَوَاقًا , قَالَ : فَقَالَ رَجُل : كَيْفَ يَكُون هَذَا وَاَللَّه تَعَالَى يَقُول : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } ؟ فَقَالَ عَبْد اللَّه : أَنَا أُحَدِّثك مَا سَمِعْت مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 7047 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ إِبْرَاهِيم بْن مُهَاجِر , عَنْ إِبْرَاهِيم , قَالَ : كَانَ يُقَال : التَّوْبَة مَبْسُوطَة مَا لَمْ يُؤْخَذ بِكَظْمِهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْل النِّفَاق . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7048 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { إِنَّمَا التَّوْبَة عَلَى اللَّه لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوء بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيب } قَالَ : نَزَلَتْ الْأُولَى فِي الْمُؤْمِنِينَ , وَنَزَلَتْ الْوُسْطَى فِي الْمُنَافِقِينَ , يَعْنِي : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } وَالْأُخْرَى فِي الْكُفَّار , يَعْنِي : { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ عُنِيَ بِذَلِكَ أَهْل الْإِسْلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7049 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ سُفْيَان , قَالَ : بَلَغَنَا فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن } قَالَ : هُمْ الْمُسْلِمُونَ , أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَالَ : { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } ؟ وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذِهِ الْآيَة كَانَتْ نَزَلَتْ فِي أَهْل الْإِيمَان , غَيْر أَنَّهَا نُسِخَتْ .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7050 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدهمْ الْمَوْت قَالَ إِنِّي تُبْت الْآن وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } فَأَنْزَلَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَعْد ذَلِكَ : { إِنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء } 4 48 فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى الْمَغْفِرَة عَلَى مَنْ مَاتَ وَهُوَ كَافِر , وَأَرْجَأَ أَهْل التَّوْحِيد إِلَى مَشِيئَته , فَلَمْ يُؤْيِسُهُمْ مِنْ الْمَغْفِرَة . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ مَا ذَكَرَهُ الثَّوْرِيّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّهُ فِي الْإِسْلَام , وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كُفَّار , فَلَوْ كَانَ مَعْنِيًّا بِهِ أَهْل النِّفَاق لَمْ يَكُنْ لِقَوْلِهِ : { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } مَعْنًى مَفْهُوم , لِأَنَّهُمْ إِنْ كَانُوا هُمْ وَاَلَّذِينَ قَبْلهمْ فِي مَعْنًى وَاحِد مِنْ أَنَّ جَمِيعهمْ كُفَّار , فَلَا وَجْه لِتَفْرِيقِ أَحَد مِنْهُمْ فِي الْمَعْنَى الَّذِي مِنْ أَجْله بَطَلَ أَنْ تَكُون تَوْبَة وَاحِد مَقْبُولَة . وَفِي تَفْرِقَة اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ بَيْن أَسْمَائِهِمْ وَصِفَاتهمْ بِأَنْ سَمَّى أَحَد الصِّنْفَيْنِ كَافِرًا , وَوَصَفَ الصِّنْف الْآخَر بِأَنَّهُمْ أَهْل سَيِّئَات , وَلَمْ يُسَمِّهِمْ كُفَّارًا مَا دَلَّ عَلَى اِفْتِرَاق مَعَانِيهمْ , وَفِي صِحَّة كَوْن ذَلِكَ كَذَلِكَ صِحَّة مَا قُلْنَا , وَفَسَاد مَا خَالَفَهُ .
{18} وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَا التَّوْبَة لِلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار فَمَوْضِع " الَّذِينَ " خَفْض , لِأَنَّهُ مَعْطُوف عَلَى قَوْله : { لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَات } .
{18} وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَقَوْله : { أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } يَقُول : هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار , أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا , لِأَنَّهُمْ أَبْعَدهمْ مِنْ التَّوْبَة كَوْنهمْ عَلَى الْكُفْر . كَمَا : 7051 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثني الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ أَبِي النَّضْر , عَنْ أَبِي صَالِح , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّار } أُولَئِكَ أَبْعَد مِنْ التَّوْبَة . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي مَعْنَى : { أَعْتَدْنَا لَهُمْ } فَقَالَ بَعْض الْبَصْرِيِّينَ : مَعْنَى : { أَعْتَدْنَا } : أَفْعَلْنَا مِنْ الْعَتَاد , قَالَ : وَمَعْنَاهَا : أَعْدَدْنَا. وَقَالَ بَعْض الْكُوفِيِّينَ : أَعْدَدْنَا وَأَعْتَدْنَا مَعْنَاهُمَا وَاحِد , فَمَعْنَى قَوْله : { أَعْتَدْنَا لَهُمْ } أَعْدَدْنَا لَهُمْ
{18} وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا { عَذَابًا أَلِيمًا } يَقُول : مُؤْلِمًا مُوجِعًا .
{19} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَعْنِي تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه وَرَسُوله { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } يَقُول : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِكَاح نِسَاء أَقَارِبكُمْ وَآبَائِكُمْ كَرْهًا .
فَإِنْ قَالَ قَائِل : كَيْفَ كَانُوا يَرِثُونَهُنَّ , وَمَا وَجْه تَحْرِيم وِرَاثَتهنَّ , فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ النِّسَاء مُوَرَّثَات كَمَا الرِّجَال مُوَرَّثُونَ ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ مَعْنَى وِرَاثَتهنَّ إِذَا هُنَّ مُتْنَ فَتَرَكْنَ مَالًا , وَإِنَّمَا ذَلِكَ أَنَّهُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَتْ إِحْدَاهُنَّ إِذَا مَاتَ زَوْجهَا كَانَ اِبْنه أَوْ قَرِيبه أَوْلَى بِهَا مِنْ غَيْره وَمِنْهَا بِنَفْسِهَا , إِنْ شَاءَ نَكَحَهَا وَإِنْ شَاءَ عَضَلَهَا فَمَنَعَهَا مِنْ غَيْره وَلَمْ يُزَوِّجهَا حَتَّى تَمُوت , فَحَرَّمَ اللَّه تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى عِبَاده , وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ نِكَاح حَلَائِل آبَائِهِمْ , وَنَهَاهُمْ عَنْ عَضْلهنَّ عَنْ النِّكَاح . وَبِنَحْوِ الْقَوْل الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7052 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا أَسْبَاط بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَبُو إِسْحَاق , يَعْنِي الشَّيْبَانِيّ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَالَ : كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل كَانَ أَوْلِيَاؤُهُ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ بَعْضهمْ تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ شَاءُوا زَوَّجُوهَا , وَإِنْ شَاءُوا لَمْ يُزَوِّجُوهَا , وَهُمْ أَحَقّ بِهَا مِنْ أَهْلهَا , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي ذَلِكَ . 7053 - وَحَدَّثَنِي أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطُّوسِيّ , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن صَالِح , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن فُضَيْل , عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد , عَنْ مُحَمَّد بْن أَبِي أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : لَمَّا تُوُفِّيَ أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت أَرَادَ اِبْنه أَنْ يَتَزَوَّج اِمْرَأَته , وَكَانَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7054 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَا فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } , وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُل كَانَ يَرِث اِمْرَأَة ذِي قَرَابَته , فَيَعْضُلهَا حَتَّى تَمُوت أَوْ تَرُدّ إِلَيْهِ صَدَاقهَا , فَأَحْكَمَ اللَّه عَنْ ذَلِكَ , يَعْنِي أَنَّ اللَّه نَهَاكُمْ عَنْ ذَلِكَ. 7055 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا اِبْن عُلَيَّة , عَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِي مِجْلَز فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْأَنْصَار تَفْعَل ذَلِكَ كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ حَمِيمه وَرِثَ حَمِيمه اِمْرَأَته , فَيَكُون أَوْلَى بِهَا مِنْ وَلِيّ نَفْسهَا . 7056 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة , قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ أَبُوهُ أَوْ حَمِيمه , فَهُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , إِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا أَوْ يَحْبِسهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِصَدَاقِهَا أَوْ تَمُوت فَيَذْهَب بِمَالِهَا . قَالَ اِبْن جُرَيْج : فَأَخْبَرَنِي عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : أَنَّ أَهْل الْجَاهِلِيَّة كَانُوا إِذَا هَلَكَ الرَّجُل , فَتَرَكَ اِمْرَأَة , حَبَسَهَا أَهْله عَلَى الصَّبِيّ يَكُون فِيهِمْ , فَنَزَلَتْ : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . .. الْآيَة. قَالَ اِبْن جُرَيْج , وَقَالَ مُجَاهِد : كَانَ الرَّجُل إِذَا تُوُفِّيَ أَبُوهُ كَانَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ , يَنْكِحهَا إِنْ شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا إِنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ. قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ عِكْرِمَة : نَزَلَتْ فِي كُبَيْشَة بِنْت مَعْن بْن عَاصِم مِنْ الْأَوْس , تُوُفِّيَ عَنْهَا أَبُو قَيْس بْن الْأَسْلَت , فَجَنَحَ عَلَيْهَا اِبْنه , فَجَاءَتْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : يَا نَبِيّ اللَّه , لَا أَنَا وَرِثْت زَوْجِي وَلَا أَنَا تُرِكْت فَأَنْكِح ! فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة .
7057 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ إِذَا تُوُفِّيَ الرَّجُل كَانَ اِبْنه الْأَكْبَر هُوَ أَحَقّ بِامْرَأَتِهِ يَنْكِحهَا إِذَا شَاءَ إِذَا لَمْ يَكُنْ اِبْنهَا , أَوْ يُنْكِحهَا مَنْ شَاءَ أَخَاهُ أَوْ اِبْن أَخِيهِ . 7058 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَمْرو بْن دِينَار مِثْل قَوْل مُجَاهِد .-bb
حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , قَالَ : سَمِعْت عَمْرو بْن دِينَار يَقُول مِثْل ذَلِكَ . 7059 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : أَمَّا قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } , فَإِنَّ الرَّجُل فِي الْجَاهِلِيَّة كَانَ يَمُوت أَبُوهُ أَوْ أَخُوهُ أَوْ اِبْنه , فَإِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَته , فَإِنْ سَبَقَ وَارِث الْمَيِّت فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه فَهُوَ أَحَقّ بِهَا أَنْ يَنْكِحهَا بِمَهْرِ صَاحِبه أَوْ يُنْكِحهَا فَيَأْخُذ مَهْرهَا , وَإِنْ سَبَقَتْهُ فَذَهَبَتْ إِلَى أَهْلهَا فَهُمْ أَحَقّ بِنَفْسِهَا . 7060 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان الْبَاهِلِيّ , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } كَانُوا بِالْمَدِينَةِ إِذَا مَاتَ حَمِيم الرَّجُل وَتَرَكَ اِمْرَأَة , أَلْقَى الرَّجُل عَلَيْهَا ثَوْبه , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , وَكَانَ أَحَقّ بِهَا , وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدهمْ نِكَاحًا , فَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , وَكَانَ هَذَا فِي الشِّرْك .
7061 - حَدَّثَنَا يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَتْ الْوِرَاثَة فِي أَهْل يَثْرِب بِالْمَدِينَةِ هَهُنَا , فَكَانَ الرَّجُل يَمُوت فَيَرِث اِبْنه اِمْرَأَة أَبِيهِ , كَمَا يَرِث أُمّه لَا يَسْتَطِيع أَنْ يَمْنَع , فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَتَّخِذهَا اِتَّخَذَهَا كَمَا كَانَ أَبُوهُ يَتَّخِذهَا , وَإِنْ كَرِهَ فَارَقَهَا , وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا حُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى يَكْبَر , فَإِنْ شَاءَ أَصَابَهَا وَإِنْ شَاءَ فَارَقَهَا , فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { لَا يُحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } .
-bb حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَهْل الْمَدِينَة كَانَ إِذَا مَاتَ حَمِيم أَحَدهمْ , أَلْقَى ثَوْبه عَلَى اِمْرَأَته , فَوَرِثَ نِكَاحهَا , فَلَمْ يَنْكِحهَا أَحَد غَيْره , وَحَبَسَهَا عِنْده حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ بِفِدْيَةٍ , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } . 7062 - حَدَّثَنِي اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم , قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة فِي الْجَاهِلِيَّة إِذَا مَاتَ زَوْجهَا , فَجَاءَ رَجُل فَأَلْقَى عَلَيْهَا ثَوْبه كَانَ أَحَقّ النَّاس بِهَا , قَالَ : فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } .
فَتَأْوِيل الْآيَة عَلَى هَذَا التَّأْوِيل : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا آبَاءَكُمْ وَأَقَارِبكُمْ نِكَاح نِسَائِهِمْ كَرْهًا , فَتَرَكَ ذِكْر الْآبَاء وَالْأَقَارِب وَالنِّكَاح , وَوَجَّهَ الْكَلَام إِلَى النَّهْي عَنْ وِرَاثَة النِّسَاء , اِكْتِفَاء بِمَعْرِفَةِ الْمُخَاطَبِينَ بِمَعْنَى الْكَلَام , إِذْ كَانَ مَفْهُومًا مَعْنَاهُ عِنْدهمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا النَّاس أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء تَرِكَاتهنَّ كَرْهًا , قَالَ : وَإِنَّمَا قِيلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَعْضُلُونَ أَيَامَاهُنَّ وَهُنَّ كَارِهَات لِلْعَضْلِ حَتَّى يَمُتْنَ فَيَرْثُوهُنَّ أَمْوَالهنَّ .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7063 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ جَارِيَة , أَلْقَى عَلَيْهَا حَمِيمه ثَوْبه , فَمَنَعَهَا مِنْ النَّاس , فَإِنْ كَانَتْ جَمِيلَة تَزَوَّجَهَا , وَإِنْ كَانَتْ قَبِيحَة حَبَسَهَا حَتَّى تَمُوت , فَيَرِثهَا .
7064 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ الزُّهْرِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } قَالَ : نَزَلَ فِي نَاس مِنْ الْأَنْصَار كَانُوا إِذَا مَاتَ الرَّجُل مِنْهُمْ فَأَمْلَكُ النَّاس بِامْرَأَتِهِ وَلِيّه , فَيُمْسِكهَا حَتَّى تَمُوت فَيَرِثهَا , فَنَزَلَتْ فِيهِمْ. قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَمَّنْ قَالَ مَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا نِسَاء أَقَارِبكُمْ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ بَيَّنَ مَوَارِيث أَهْل الْمَوَارِيث , فَذَلِكَ لِأَهْلِهِ نَحْو وِرَاثَتهمْ إِيَّاهُ الْمَوْرُوث ذَلِكَ عَنْهُ مِنْ الرِّجَال أَوْ النِّسَاء .
فَقَدْ عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يَحْظُر عَلَى عِبَاده أَنْ يَرِثُوا النِّسَاء مَا جَعَلَهُ لَهُمْ مِيرَاثًا عَنْهُنَّ , وَأَنَّهُ إِنَّمَا حَظَرَ أَنْ يُكْرَهْنَ مَوْرُوثَات بِمَعْنَى حَظَرَ وِرَاثَة نِكَاحهنَّ إِذَا كَانَ مَيِّتهمْ الَّذِي وَرِثُوهُ قَدْ كَانَ مَالِكًا عَلَيْهِنَّ أَمْرهنَّ فِي النِّكَاح مِلْك الرَّجُل مَنْفَعَة مَا اِسْتَأْجَرَ مِنْ الدُّور وَالْأَرَضِينَ وَسَائِر مَا لَهُ مَنَافِع , فَأَبَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِعِبَادِهِ أَنَّ الَّذِي يَمْلِكهُ الرَّجُل مِنْهُمْ مِنْ بُضْع زَوْجَته , مَعْنَاهُ غَيْر مَعْنَى مَا يَمْلِك أَحَدهمْ مِنْ مَنَافِع سَائِر الْمَمْلُوكَات الَّتِي تَجُوز إِجَارَتهَا , فَإِنَّ الْمَالِك بُضْع زَوْجَته إِذَا هُوَ مَاتَ لَمْ يَكُنْ مَا كَانَ لَهُ مِلْكًا مِنْ زَوْجَته بِالنِّكَاحِ لِوَرَثَتِهِ بَعْده , كَمَا لَهُمْ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي كَانَ يَمْلِكهَا بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَة أَوْ إِجَارَة بَعْد مَوْته بِمِيرَاثِهِ ذَلِكَ عَنْهُ .
{19} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيله , فَقَالَ بَعْضهمْ : تَأْوِيله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } : أَيْ وَلَا تَحْبِسُوا يَا مَعْشَر وَرَثَة مَنْ مَاتَ مِنْ الرِّجَال أَزْوَاجهمْ عَنْ نِكَاح مَنْ أَرَدْنَ نِكَاحه مِنْ الرِّجَال كَيْمَا يَمُتْنَ فَتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ ; أَيْ فَتَأْخُذُوا مِنْ أَمْوَالهمْ إِذَا مُتْنَ مَا كَانَ مَوْتَاكُمْ الَّذِينَ وَرِثْتُمُوهُنَّ سَاقُوا إِلَيْهِنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ جَمَاعَة قَدْ ذَكَرْنَا بَعْضهمْ , مِنْهُمْ اِبْن عَبَّاس , وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , وَعِكْرِمَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَا تَعْضُلُوا أَيّهَا النَّاس نِسَاءَكُمْ فَتَحْبِسُوهُنَّ ضِرَارًا , وَلَا حَاجَة لَكُمْ إِلَيْهِنَّ فَتَضُرُّوا بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ بِمَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7065 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا تَقْهَرُوهُنَّ , { لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } يَعْنِي الرَّجُل تَكُون لَهُ الْمَرْأَة وَهُوَ كَارِه لِصُحْبَتِهَا , وَلَهَا عَلَيْهِ مَهْر , فَيَضُرّ بِهَا لِتَفْتَدِي . 7066 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } يَقُول : لَا يَحِلّ لَك أَنْ تَحْبِس اِمْرَأَتك ضِرَارًا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْك . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , قَالَ : وَأَخْبَرَنِي سِمَاك بْن الْفَضْل عَنْ اِبْن الْبَيْلَمَانِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي أَمْر الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي أَمْر الْإِسْلَام . 7067 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : أَخْبَرَنَا سِمَاك بْن الْفَضْل , عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن الْبَيْلَمَانِيّ فِي قَوْله : { لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } , قَالَ : نَزَلَتْ هَاتَانِ الْآيَتَانِ , إِحْدَاهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّة , وَالْأُخْرَى فِي الْإِسْلَام , قَالَ عَبْد اللَّه لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء فِي الْجَاهِلِيَّة , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ فِي الْإِسْلَام. 7068 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحِمَّانِيّ , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ سَالِم , عَنْ سَعِيد : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : لَا تَحْبِسُوهُنَّ .
7069 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } أَمَّا تَعْضُلُوهُنَّ , فَيَقُول : تُضَارُّوهُنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. 7070 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } قَالَ : الْعَضْل : أَنْ يُكْرِه الرَّجُل اِمْرَأَته , فَيَضُرّ بِهَا حَتَّى تَفْتَدِيَ مِنْهُ , قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضكُمْ إِلَى بَعْض } . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمَعْنِيّ بِالنَّهْيِ عَنْ عَضْل النِّسَاء فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاؤُهُنَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7071 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجهنَّ " كَالْعَضْلِ فِي سُورَة الْبَقَرَة .
* - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَنْهِيّ عَنْ ذَلِكَ زَوْج الْمَرْأَة بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا , وَقَالُوا : ذَلِكَ كَانَ مِنْ فِعْل الْجَاهِلِيَّة , فَنُهُوا عَنْهُ فِي الْإِسْلَام. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7072 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد : كَانَ الْعَضْل فِي قُرَيْش بِمَكَّة , يَنْكِح الرَّجُل الْمَرْأَة الشَّرِيفَة فَلَعَلَّهَا لَا تُوَافِقهُ , فَيُفَارِقهَا عَلَى أَنْ لَا تَتَزَوَّج إِلَّا بِإِذْنِهِ , فَيَأْتِي بِالشُّهُودِ فَيَكْتُب ذَلِكَ عَلَيْهَا وَيَشْهَد , فَإِذَا خَطَبَهَا خَاطِب , فَإِنْ أَعْطَتْهُ وَأَرْضَتْهُ أَذِنَ لَهَا , وَإِلَّا عَضَلَهَا . قَالَ : فَهَذَا قَوْل اللَّه : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } . .. الْآيَة. قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَدْ بَيَّنَّا فِيمَا مَضَى مَعْنَى الْعَضْل وَمَا أَصْله بِشَوَاهِد ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّة . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا بِالصِّحَّةِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ } قَوْل مَنْ قَالَ : نَهَى اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ زَوْج الْمَرْأَة عَنْ التَّضْيِيق عَلَيْهَا وَالْإِضْرَار بِهَا , وَهُوَ لِصُحْبَتِهَا كَارِه , وَلِفِرَاقِهَا مُحِبّ , لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِبَعْضِ مَا آتَاهَا مِنْ الصَّدَاق . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى بِالصِّحَّةِ , لِأَنَّهُ لَا سَبِيل لِأَحَدٍ إِلَى عَضْل اِمْرَأَة , إِلَّا لِأَحَدِ رَجُلَيْنِ : إِمَّا لِزَوْجِهَا بِالتَّضْيِيقِ عَلَيْهَا وَحَبْسهَا عَلَى نَفْسه , وَهُوَ لَهَا كَارِه , مُضَارَّة مِنْهُ لَهَا بِذَلِكَ , لِيَأْخُذ مِنْهَا مَا آتَاهَا بِافْتِدَائِهَا مِنْهُ نَفْسهَا بِذَلِكَ , أَوْ لِوَلِيِّهَا الَّذِي إِلَيْهَا إِنْكَاحهَا , وَإِذَا كَانَ لَا سَبِيل إِلَى عَضْلهَا لِأَحَدٍ غَيْرهمَا , وَكَانَ الْوَلِيّ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ أَتَاهَا شَيْئًا , فَيُقَال : إِنْ عَضَلَهَا عَنْ النِّكَاح عَضَلَهَا لِيَذْهَب بِبَعْضِ مَا آتَاهَا , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ الَّذِي عَنَى اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِنَهْيِهِ عَنْ عَضْلهَا , هُوَ زَوْجهَا الَّذِي لَهُ السَّبِيل إِلَى عَضْلهَا ضِرَارًا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ . وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ , وَكَانَ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَمْ يَجْعَل لِأَحَدٍ السَّبِيل عَلَى زَوْجَته بَعْد فِرَاقه إِيَّاهَا وَبَيْنُونَتهَا مِنْهُ , فَيَكُون لَهُ إِلَى عَضْلهَا سَبِيل لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ مِنْ عَضَله إِيَّاهَا , أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ أَمْ لَمْ تَأْتِ بِهَا , وَكَانَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَبَاحَ لِلْأَزْوَاجِ عَضْلهنَّ إِذَا آتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , حَتَّى يَفْتَدِينَ مِنْهُ , كَانَ بَيِّنًا بِذَلِكَ خَطَأ التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ اِبْن زَيْد , وَتَأْوِيل مَنْ قَالَ : عَنَى بِالنَّهْيِ عَنْ الْعَضْل فِي هَذِهِ الْآيَة : أَوْلِيَاء الْأَيَامَى , وَصِحَّة مَا قُلْنَا فِيهِ . { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ } فِي مَوْضِع نَصْب عَطْفًا عَلَى قَوْله : { أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا } وَمَعْنَاهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاء كَرْهًا , وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ , وَكَذَلِكَ هِيَ فِيمَا ذُكِرَ فِي حَرْف اِبْن مَسْعُود , وَلَوْ قِيلَ : هُوَ فِي مَوْضِع جَزْم عَلَى وَجْه النَّهْي لَمْ يَكُنْ خَطَأ .
{19} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : لَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ ضِرَارًا مِنْكُمْ لَهُنَّ , وَأَنْتُمْ لِصُحْبَتِهِنَّ كَارِهُونَ , وَهُنَّ لَكُمْ طَائِعَات , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتهنَّ , إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ الضِّرَار بِهِنَّ لِيَفْتَدِينَ مِنْكُمْ. ثُمَّ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْفَاحِشَة الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهَا : الزِّنَا , وَقَالَ إِذَا زَنَتْ اِمْرَأَة الرَّجُل حَلَّ لَهُ عَضْلهَا وَالضِّرَار بِهَا لِتَفْتَدِيَ مِنْهُ بِمَا آتَاهَا مِنْ صَدَاقهَا .
ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7073 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن إِدْرِيس , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَشْعَث , عَنْ الْحَسَن : فِي الْبِكْر تَفْجُر , قَالَ : تُضْرَب مِائَة , وَتُنْفَى سَنَة , وَتَرُدّ إِلَى زَوْجهَا مَا أَخَذَتْ مِنْهُ . وَتَأَوَّلَ هَذِهِ الْآيَة : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . 7074 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : فِي الرَّجُل إِذَا أَصَابَتْ اِمْرَأَته فَاحِشَة : أَخَذَ مَا سَاقَ إِلَيْهَا وَأَخْرَجَهَا ; فَنَسَخَ ذَلِكَ الْحُدُودُ . 7075 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن مَنِيع , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة قَالَ : إِذَا رَأَى الرَّجُل مِنْ اِمْرَأَته فَاحِشَة , فَلَا بَأْس أَنْ يُضَارّهَا , وَيَشُقّ عَلَيْهَا حَتَّى تَخْتَلِع مِنْهُ .
* - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن الْمُبَارَك , قَالَ : أَخْبَرَنِي مَعْمَر , عَنْ أَيُّوب , عَنْ أَبِي قِلَابَة : فِي الرَّجُل يَطَّلِع مِنْ اِمْرَأَته عَلَى فَاحِشَة , فَذَكَرَ نَحْوه . 7076 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الزِّنَا , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَخُذُوا مُهُورهنَّ. 7077 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي عَبْد الْكَرِيم أَنَّهُ سَمِعَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } قَالَ : الزِّنَا. قَالَ : وَسَمِعْت الْحَسَن وَأَبَا الشَّعْثَاء يَقُولَانِ : فَإِنْ فَعَلَتْ حَلَّ لِزَوْجِهَا أَنْ يَكُون هُوَ يَسْأَلهَا الْخُلْع لِتَفْتَدِيَ . وَقَالَ آخَرُونَ : الْفَاحِشَة الْمُبَيِّنَة فِي هَذَا الْمَوْضِع : النُّشُوز . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 7078 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَهُوَ الْبُغْض وَالنُّشُوز , فَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ , فَقَدْ حَلَّ لَهُ مِنْهَا الْفِدْيَة . 7079 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , قَالَ : ثنا عَنْبَسَة , عَنْ عَلِيّ بْن بَذِيمَة , عَنْ مِقْسَم فِي قَوْله : " وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يُفْحِشْنَ " فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود . قَالَ : إِذَا عَضَلْت وَآذَتْك فَقَدْ حَلَّ لَك أَخْذ مَا أَخَذَتْ مِنْك. 7080 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُطَرِّف بْن طَرِيف , عَنْ خَالِد , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : الْفَاحِشَة هَهُنَا النُّشُوز , فَإِذَا نَشَزَتْ حَلَّ لَهُ أَنْ يَأْخُذ خُلْعهَا مِنْهَا . 7081 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : هُوَ النُّشُوز. 7082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } فَإِنْ فَعَلْنَ إِنْ شِئْتُمْ أَمْسَكْتُمُوهُنَّ , وَإِنْ شِئْتُمْ أَرْسَلْتُمُوهُنَّ . 7083 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : أَخْبَرَنَا عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } قَالَ : عَدَلَ رَبّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي الْقَضَاء فَرَجَعَ إِلَى النِّسَاء , فَقَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } وَالْفَاحِشَة : الْعِصْيَان وَالنُّشُوز ; فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلهَا , فَإِنَّ اللَّه أَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبهَا , وَأَمَرَهُ بِالْهَجْرِ , فَإِنْ لَمْ تَدَع الْعِصْيَان وَالنُّشُوز فَلَا جُنَاح عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذ مِنْهَا الْفِدْيَة .
قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى مَا قِيلَ فِي تَأْوِيل قَوْله : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } أَنَّهُ مَعْنِيّ بِهِ كُلّ فَاحِشَة مِنْ بَذَاءَة بِاللِّسَانِ عَلَى زَوْجهَا , وَأَذًى لَهُ وَزِنًا بِفَرْجِهَا. وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَمَّ بِقَوْلِهِ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } كُلّ فَاحِشَة مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَكُلّ زَوْج اِمْرَأَة أَتَتْ بِفَاحِشَةٍ مِنْ الْفَوَاحِش الَّتِي هِيَ زِنًا أَوْ نُشُوز , فَلَهُ عَضْلهَا عَلَى مَا بَيَّنَ اللَّه فِي كِتَابه , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهَا حَتَّى تَفْتَدِي مِنْهُ بِأَيِّ مَعَانِي فَوَاحِش أَتَتْ بَعْد أَنْ تَكُون ظَاهِرَة مُبَيِّنَة بِظَاهِرِ كِتَاب اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى , وَصِحَّة الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه.
كَاَلَّذِي : 7084 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن سُلَيْمَان الْبَصْرِيّ , قَالَ : ثنا حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل , قَالَ : ثنا جَعْفَر بْن مُحَمَّد , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " اِتَّقُوا اللَّه فِي النِّسَاء . فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَإِنَّ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ , فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْر مُبَرِّح وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . 7085 - حَدَّثَنَا مُوسَى بْن عَبْد الرَّحْمَن الْمَسْرُوقِيّ , قَالَ : ثنا زَيْد بْن الْحُبَاب , قَالَ : ثنا مُوسَى بْن عُبَيْدَة الرَّبَذِيّ قَالَ : ثنا صَدَقَة بْن يَسَار , عَنْ اِبْن عُمَر , أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " أَيّهَا النَّاس إِنَّ النِّسَاء عِنْدكُمْ عَوَان , أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّه , وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجهنَّ بِكَلِمَةِ اللَّه , وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ حَقّ , وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقّ , وَمِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا وَلَا يَعْصِينَكُمْ فِي مَعْرُوف , فَإِذَا فَعَلْنَ ذَلِكَ فَلَهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ " . فَأَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مِنْ حَقّ الزَّوْج عَلَى الْمَرْأَة أَنْ لَا تُوطِئ فِرَاشه أَحَدًا , وَأَنْ لَا تَعْصِيه فِي مَعْرُوف وَأَنَّ الَّذِي يَجِب لَهَا مِنْ الرِّزْق وَالْكِسْوَة عَلَيْهِ , وَإِنَّمَا هُوَ وَاجِب عَلَيْهِ , إِذَا أَدَّتْ هِيَ إِلَيْهِ مَا يَجِب عَلَيْهَا مِنْ الْحَقّ بِتَرْكِهَا إِيطَاء فِرَاشه غَيْره , وَتَرْكهَا مَعْصِيَته فِي مَعْرُوف. وَمَعْلُوم أَنَّ مَعْنَى قَوْل النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مِنْ حَقّكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشكُمْ أَحَدًا " إِنَّمَا هُوَ أَنْ لَا يُمَكِّنَّ أَنْفُسهنَّ مِنْ أَحَد سِوَاكُمْ . وَإِذَا كَانَ مَا رُوِّينَا فِي ذَلِكَ صَحِيحًا عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبُيِّنَ أَنَّ لِزَوْج الْمَرْأَة إِذَا أَوْطَأَتْ اِمْرَأَته نَفْسهَا غَيْره , وَأَمْكَنَتْ مِنْ جِمَاعهَا سِوَاهُ , أَنْ لَهُ مَنْعهَا مِنْ الْكِسْوَة وَالرِّزْق بِالْمَعْرُوفِ , مِثْل الَّذِي لَهُ مِنْ مَنْعهَا ذَلِكَ إِذَا هِيَ عَصَتْهُ فِي الْمَعْرُوف . وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ فَمَعْلُوم أَنَّهُ غَيْر مَانِع لَهَا بِمَنْعِهِ إِيَّاهَا مَاله مَنْعهَا حَقًّا لَهَا وَاجِبًا عَلَيْهِ. وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَبُيِّنَ أَنَّهَا إِذَا اِفْتَدَتْ نَفْسهَا عِنْد ذَلِكَ مِنْ زَوْجهَا فَأَخَذَ مِنْهَا زَوْجهَا مَا أَعْطَتْهُ أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذ ذَلِكَ عَنْ عَضْل مَنْهِيّ عَنْهُ , بَلْ هُوَ أَخَذَ مَا أَخَذَ مِنْهَا عَنْ عَضْل لَهُ مُبَاح . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ بَيِّنًا أَنَّهُ دَاخِل فِي اِسْتِثْنَاء اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ مِنْ الْعَاضِلِينَ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } . وَإِذْ صَحَّ ذَلِكَ , فَبُيِّنَ فَسَاد قَوْل مَنْ قَالَ : { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَة } مَنْسُوخ بِالْحُدُودِ , لِأَنَّ الْحَدّ حَقّ اللَّه تَعَالَى عَلَى مَنْ أَتَى بِالْفَاحِشَةِ الَّتِي هِيَ زِنًا . وَأَمَّا الْعَضْل لِتَفْتَدِي الْمَرْأَة مِنْ الزَّوْج بِمَا آتَاهَا أَوْ بِبَعْضِهِ فَحَقّ لِزَوْجِهَا كَمَا عَضْله إِيَّاهَا وَتَضْيِيقه عَلَيْهَا إِذَا هِيَ نَشَزَتْ عَلَيْهِ لِتَفْتَدِي مِنْهُ حَقّ لَهُ , وَلَيْسَ حُكْم أَحَدهمَا يُبْطِل حُكْم الْآخَر. فَمَعْنَى الْآيَة : وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ , فَتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ , وَتَمْنَعُوهُنَّ رِزْقهنَّ وَكِسْوَتهنَّ بِالْمَعْرُوفِ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدُقَاتكُمْ , { إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ } مِنْ زِنًا أَوْ بَذَاء عَلَيْكُمْ , وَخِلَاف لَكُمْ فِيمَا يَجِب عَلَيْهِنَّ لَكُمْ مُبَيِّنَة ظَاهِرَة , فَيَحِلّ لَكُمْ حِينَئِذٍ عَضْلهنَّ , وَالتَّضْيِيق عَلَيْهِنَّ , لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ صَدَاق , إِنْ هُنَّ اِفْتَدَيْنَ مِنْكُمْ بِهِ. وَاخْتَلَفَ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : " مُبَيِّنَة " فَقَرَأَهُ بَعْضهمْ : " مُبَيَّنَة " بِفَتْحِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا قَدْ بُيِّنَتْ لَكُمْ وَأُعْلِنَتْ وَأُظْهِرَتْ . وَقَرَأَهُ بَعْضهمْ . " مُبَيِّنَة " بِكَسْرِ الْيَاء , بِمَعْنَى أَنَّهَا ظَاهِرَة بَيِّنَة لِلنَّاسِ أَنَّهَا فَاحِشَة . وَهُمَا قِرَاءَتَانِ مُسْتَفِيضَتَانِ فِي قِرَاءَة أَمْصَار الْإِسْلَام , فَبِأَيَّتِهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ فَمُصِيب فِي قِرَاءَته الصَّوَاب , لِأَنَّ الْفَاحِشَة إِذَا أَظْهَرَهَا صَاحِبهَا فَهِيَ ظَاهِرَة بَيِّنَة , وَإِذَا ظَهَرَتْ فَبِإِظْهَارِ صَاحِبهَا إِيَّاهَا ظَهَرَتْ. فَلَا تَكُون ظَاهِرَة بَيِّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيَّنَة وَلَا مُبَيَّنَة إِلَّا وَهِيَ مُبَيِّنَة. فَلِذَلِكَ رَأَيْت الْقِرَاءَة بِأَيِّهِمَا قَرَأَ الْقَارِئ صَوَابًا .
{19} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى . { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِقَوْلِهِ , { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } . وَخَالِقُوا أَيّهَا الرِّجَال نِسَاءَكُمْ , وَصَاحِبُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ . يَعْنِي بِمَا أُمِرْتُمْ بِهِ مِنْ الْمُصَاحَبَة , وَذَلِكَ إِمْسَاكهنَّ بِأَدَاءِ حُقُوقهنَّ الَّتِي فَرَضَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَهُنَّ عَلَيْكُمْ إِلَيْهِنَّ. أَوْ تَسْرِيح مِنْكُمْ لَهُنَّ بِإِحْسَانٍ . كَمَا : 7086 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ , ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ } يَقُول : وَخَالِطُوهُنَّ. كَذَا قَالَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , وَإِنَّمَا هُوَ خَالِقُوهُنَّ مِنْ الْعِشْرَة وَهِيَ الْمُصَاحَبَة .
{19} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } . يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : لَا تَعْضُلُوا نِسَاءَكُمْ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ مِنْ غَيْر رِيبَة , وَلَا نُشُوز , كَانَ مِنْهُنَّ , وَلَكِنْ عَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تُكْرِهُوهُنَّ , فَتُمْسِكُوهُنَّ , فَيَجْعَل اللَّه لَكُمْ فِي إِمْسَاككُمْ إِيَّاهُنَّ عَلَى كُرْه مِنْكُمْ لَهُنَّ خَيْرًا كَثِيرًا مِنْ وَلَد يَرْزُقكُمْ مِنْهُنَّ , أَوْ عَطْفكُمْ عَلَيْهِنَّ بَعْد كَرَاهَتكُمْ إِيَّاهُنَّ . كَمَا : 7087 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } يُقَال : فَعَسَى اللَّه أَنْ يَجْعَل فِي الْكَرَاهَة خَيْرًا كَثِيرًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله .
7088 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثني أَحْمَد بْن مُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } قَالَ : الْوَلَد . 7089 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ , ثني أَبِي , قَالَ , ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } وَالْخَيْر الْكَثِير : أَنْ يَعْطِف عَلَيْهَا , فَيُرْزَق الرَّجُل وَلَدهَا , وَيَجْعَل اللَّه فِي وَلَدهَا خَيْرًا كَثِيرًا .
وَالْهَاء فِي قَوْله : { وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا } عَلَى قَوْل مُجَاهِد الَّذِي ذَكَرْنَاهُ كِنَايَة عَنْ مَصْدَر تَكْرَهُوا , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عِنْده : فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ , فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا . وَلَوْ كَانَ تَأْوِيل الْكَلَام : فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَل اللَّه فِي ذَلِكَ الشَّيْء الَّذِي تَكْرَهُونَهُ خَيْرًا كَثِيرًا , كَانَ جَائِزًا صَحِيحًا .
المراجع
موسوعةالاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم