مناخ الرضيمة عام 1238هـ
لعل من أسباب هذا المناخ التراكمات التاريخية بين مطير من جهة وعنزة وبني خالد من جهة أخرى. فقد كان بين عنزة ومطير عداء قديما ومنه : معارك كثيرة منها عام : 1047هـ وعام 1061 وعام 1065 وعام 1078 ومناخ كير عام 1195 ووقعة العدوة عام 1205هـ. كما أن قبيلة مطير قد حصل بينها وبين بني خالد وقعة عام 1132هـ وقد شاركت أيضا ضد بني خالد عام 1211هـ مع ابن سعود عندما غزاهم في الأحساء . وأسقط حكمهم.
وبعد سقوط الدرعية وقيام أمر الباشا في نجد والحجاز . أراد ماجد بن عريعر استعادة ملك أجداده , والنيل من خصومه بعد سقوط ابن سعود . فسار ماجد ابن عريعر من عند إبراهيم باشا ومعه أخوه محمد فاستولى على الإحساء ثم سار محمد واستولى على القطيف عام 1234هـ
بعد ذكل أرسل الشيخ ماجد بن عريعر إلى الشيخ مشعان الهذال يستحثه للقدوم إلى نجد فقدم عام 1237هـ وفوجئ أن عدداً من القبائل يسعون لكسب رضا الباشا الذي مد نفوذه على أراضي العمارات السابقة وفي مقدمة تلك القبائل بنو خالد برئاسة صديقه ماجد ابن عريعر والذي أصبح بعد وقوع الدرعية أميراً على الأحساء وممثلاً للحكومة التركية.
أما في نجد فقد كان فيصل الدويش ومحمد ابن ربيعان على صلة وثيقة مع إبراهيم باشا وكانت لهم معه مكاتبات يتضح منها مدى حنكة الباشا وسياسته , فقد أصبح يخاطبهم بالتعظيم ويبادرهم بالتكريم بعد ما كان يشن عليهم الغارات ويفرض عليهم الضرائب, وصل مشعان إلى نجد والباشا يخاطب الدويش وابن ربيعان بفخر القبائل وعمدة العشائر ويثني عليهم ويصفهم بالمواظبين على تأدية الخدمات, وكان للشيخ ماجد ابن عريعر مثل هذا الثناء والثقة… وليواجه الباشا بعض القبائل التي لم تلتحق به أخذ يرسل عددا من رسائل التأليف إلى شيوخ القبائل الذين لم يشتركوا في التمرد من قبائل مطير وعنزة وغيرهم…وحيث لا يخفى تأثير التبعية السياسية للقبائل على وضعها بعد انتهاء الدولة السعودية الأولى ومجئ قوات محمد علي باشا واستيلائها على الحجاز ونجد فتغيرت مواقع القبائل مرة أخرى… فانضم الشيخ مشعان للدولة التركية مثل الدويش وابن ربيعان وابن عريعر ولكنه يرى أن له الأحقية في مراعي نجد التي انتشرت بها عربان الدويش ومحمد ابن ربيعان , ولهذا السبب بدأت العداوة بينهم مرة أخرى , ونتيجة لذلك وقع مناخ الرضيمة في رجب عام1238هـ بين مطير ومعهم العجمان , وعنزة ومعهم بني خالد الذين أتو لنصرة مشعان بزعامة شيخهم ماجد بن عريعر , وسبيع وغيرهم في موضع معروف في العرمة. وكان العجمان على عداء مع ابن عريعر, الذي انضم مع عنزة فانضم العجمان مع مطير, فبدأ المناخ بينهم وطالت مدته واشتدت وطأته بين الطائفتين , أبدى فيه فرسانها وراجلتها فنونا من الفروسية , والإقدام ومهارة القتال , وزادت حدة القتال في مناخ عصيب يشيب من هوله الوليد . وبعدما ضاقت الأرض على الدويش وفر وكر أكثر من مرة , وكان بنو خالد وعنزة متغلبين عليه , ـ وكان المناخ فيما مضى لم يعرف باسم الرضيمة ـ نزل الدويش على ماء الرضيمة وكانوا أضداده على غير ماء ـ وبعد نزوله على الماء أصبحت المعركة تعرف بالرضيمة ـ وكان الماء من أهم الأسباب التي ساعدت على تغيير سير الأحداث ـ أمر الدويش بسوق الإبل فساق الدحام إبله بشرط أن يحصل على الكحيلات إبل ابن صقيه من بني خالد مما غيّر نتيجة المعركة لصالح الدويش. حيث انهزمت عنزة وأتباعها تاركين جميع ما يملكون من بيوت وأثاث وحلي وقماش وأمتعة فاخرة وأموال وأغنام وغالبية إبلهم الكثيرة. فغنمها الدويش وحصلت مطير على الصمان وموارده, بالإضافة إلى الودائع إبل ابن منديل الخالدي, والبلهاء إبل ابن عريعر, والمغاتير, وجاءت الإبل الكحيلات بيد الجبلان من علوى فأعادوها للدحّام حسب شرطه وأتباعه .
وكانت لمطير بعد هذا المناخ هيبة وسطوة ومكانة عند قبائل نجد وما حولها . وقد وقع بين الفريقين عدد من القتلى من أشهرهم في عنزة : مغيلث بن هذال. كما قُتل دجين بن ماجد بن عرعر, بعد أن عانى من جرح أصابه , وكان أعظم القبائل قتلى في صفوف ابن عريعر , قبيلة بني حسين المعروفة فإن القتل استمر فيهم فصابروا وجالدوا بالسيوف حتى تكسّرت ولا غرو إذ هم من مركز الشجاعة. وممن قتل في ذلك اليوم خزيم وهو من كبار السهول القبيلة المشهورة, ومن فرسان العرب المعدودين, قتله ماجد بن عريعر الحميدي شيخ بني خالد. وأيضا قُتل حباب بن قحيصان رئيس البرزان من مطير, قتله مشعان بن مغيليث ثأر لمقتل والده في نفس المناخ. وكانت قبيلة مطير تتمنى أنها هزمت وفقدت كل شيء ولم يقتل خزيم السهلي وحباب البرازي لما في الرجلين من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم والشجاعة التي لم توجد إلا في القليل من أشباههما . ومن ضمن غنائم مطير فرس لها قصة يحكيها ضويحي بن كنعان الدويش في الأصول عند الحديث عن كحيلة الفجري فيقول:.. ويوم مناخ الدويش في الرضيمة, أصابتها مطير في رجلها واجهوا بني خالد وأخذوهم الدوشان ومطير, وظلت الفرس مقصرة بالمراح, وقال راعيها من إيثاره لها وقيمتها عنده: اعقروا الفرس اقطعوا رجلها لا يأخذها الدويش وضربوها بالسيف وجاءت الضربة فوق العصب, وتركوها يظنون أنها ماتت, والضربة لم تضرها, وأخذها فيصل الدويش يومها, وأعطاها لي أنا يا ضويحي بن كنعان .
ومن مجريات المناخ ما حدث لبعض عنزة في قصة يرويها نقاد بن زبدان من الجلال من الصقورمن عنزة عن عبية ابن زبدان جاء فيه:.. وسنة مناخنا نحن والدويش بالرضيمة يوم ذُبح حباب بن قحيصان وهجّينا والمهرة توها طريح وخليناها في المراح صارت عند ابن قويد من الدواسر والأم قتلت تحت عمي, وانقطع الرسن .ومن المؤكد أن هذه المعركة لا تعني للباشا شيئا بل هي تابعة لسلسة من الفوضى العارمة التي أحدثتها عساكر الدولة.
وبعد هذا المناخ امتد نفوذ مطير شرقاً فملكت مرابع الصمان وموارده المائية واستحوذت على الدهناء, وسيطرت على حفر الباطن.
ويذكر ابن بشر وابن سند أن المناخ بين مطير وبني خالد , لكن الصحيح أنه بين عنزة ومعهم بنو خالد من جهة ومطير ومعهم العجمان. لما سبق ذكره بالإضافة إلى أن مطير هزمت عنزة في المناخ وبعد هزيمتهم قابلوا ابن عريعر فانهزم بعد متأثرا بهزيمة حليفه وقوة مطير التي أصبحت بمواجهته وحده ومعها العجمان ..
وابن عريعر لم يكن بحجم قوته وسطوته ونفوذه السابق قبل جلائه من نجد من قِبل ابن سعود , عام 1211هـ فقد كان قبل هذا التاريخ حاكما له نفوذه الواسع الذي يشمل الإحساء وما جاورها وغالبية الديار النجدية . ولما سقط حكمه في تلك السنة لم يرجع إلى الإحساء إلا عام 1234هـ ثم طلب من عنزة القدوم فأتت بعد ثلاث سنوات . ثم حصل المناخ المذكور.
وختاما فإن الروايات وقصيدة فهيد الخفيف العجمي فهي لم تجمع إلا قبل عقود وفيها مخالفة لسير الأحداث التاريخية وحجم القوى فيها , فلا ترقى لدرجة الاعتماد ولهذا فقد تجاهلتها هنا.
المراجع
المراجع
mnsorr.wordpress.com
التصانيف
معارك في الجزيرة العربية معارك في تاريخ السعودية التاريخ