أماني محمد عثمان عبد الله
مديرة معهد الإمام مسلم للدراسات الإسلامية بالخرطوم
هنالك من يرفع شعار: (أن الحق لا يحتاج إلى تطييب خاطر)
| وهناك من يرى أن مجرد كون الأمر حقا، فالواجب يحتم الانصياع لسماعه ولو على مضض وألم, وهناك من يفهم قوله تعالى: ( أدع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن ) إنما يعني (ألا تسيء أو تذم من تنصحهم) فقط, فلا تعني الحكمة أو الأسلوب الحسن عنده أكثر وأبعد من ذلك.
إلى غير ذلك من أساليب الدعاة والناصحين التي لا يُراعى فيها أمر الطرف الآخر (المدعو)، واقعه وبيئته وفهمه ونفسيته وأعذاره ومبرراته وشخصيته وطريقة تفكيره..
فهل هذه هي حقيقة الأمر؟
أم أن الوسائل لها أهمية الغايات.. والأساليب لها أهمية الأهداف؟.
- أول ما يجب الإشارة إليه أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو قضية بخلاف الدعوة إلى الله.. فمثلاً قوله عليه الصلاة والسلام: (من رأى منكم منكراً فليغيره..), على تفاوت درجات هذا التغيير, هذا الأمر هو متعين في حق كل مسلم ومسلمة وهو أمر لا يتعدى مجرد بيان الحق وتوضيحه وإظهاره- بخلاف ولي الأمر- وهذه مرحلة أولى وليست هي كل الحق, فقد يكون بها محاولات الإقناع والنقاش والحوار حتى يتم القبول واليقين والتسليم..
والدعوة إلى الله في خلاصتها هي الوظيفة التي تُعنى بحصول الهداية للخلق ووقوعها فعلاً وواقعاً وحقيقة.
هم الداعية وقضيته يجب أن يكون هو: (إخراج الناس من الجهل إلى العلم.. من الغفلة إلى التوبة.. من إيثار الدنيا إلى تفضيل الآخرة).
وبحجم هذه المهمة تعظم شروطها ومتطلباتها وتبعاتها ولوازمها والتي من أعظمها وأجلها تأليف القلوب وتحبيب النفوس وعماد هذا الأمر الأسلوب المتبع والوسيلة المختارة, وعنه سيكون الحديث بإذن الله.. وفي السطور التالية نورد ملخصا لرسالة (أدب الخلاف) للداعية: عائض القرني- بتصرف مع بعض الإضافات.
- ينبغي ونحن ننصح الآخرين أن نراجع نوايانا قبل وأثناء وبعد النصيحة, ونظل نلح على أنفسنا دوماً بالسؤال:
ما هو الغرض الذي نسعى إليه؟؟
ما هو الهدف الذي نرومه؟؟
علينا أن نجاهد لكي نصدق ونخلص ونتجرد في الإجابة....
هل الدعوة مجرد واجب نريد الانتهاء منه؟؟
هل هو حب الخير للآخرين؟؟
أم هو الهوى نجده في نفوسنا من حب تصدر المجالس وثناء الآخرين علينا؟
يقول تعالى: (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين), فهل نستشعر أن النصيحة عبادة |
إن لم نكن نفعل فلنعلم أن من طلب ويطلب ويبذل العلم ليجادل به العلماء أو يماري به السفهاء أو ليصرف وجوه الناس إليه لم يجد رائحة الجنة, ومقياس الإخلاص وآية التجرد أن صاحبهما "لا يبالي" – ولنتأمل "لا يبالي" هذه– أظَهَر الحق لديه أو لدى مخالفه, ورحم الله عمر القائل: "أصابت امرأة وأخطأ عمر"
فالفائز حقاً هو من يبذل النصح ليفيد الناس؛ لأن الله أراد ذلك وأحبه وأمر به وليس لأن الأمر يصادف هوى وقبولاً واستحساناً عنده.
أراد الله وقضى أن تكون العصمة لذاته عز وجل ولنبيه ثم لإجماع المسلمين من بعد ذلك, وإذا كنا نبذل النصح لفرد أو جماعة, وحدث أن اختلفنا مع الطرف الآخر ولم يقبل ويسّلم بنصحنا، فدار الحوار وكان النقاش.. يجب أن نتذكر ونذكر حينها بأن كتاب الله وسنة رسوله هما المعيار والمرجع ومن كانت عباراته: ( أنا أرى.. وأنا أعتقد.. ويُخيّل لي.. والمفترض..) فليراجع عباراته هذه؛ لأن الله تعالى يقول: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول..) فكلٌ يؤخذ من كلامه ويرد إلا رسولنا الحبيب- صلى الله عليه وسلم- والأصل والواجب أن نسعى صادقين جادين في أن تكون الآراء والاجتهادات نابعة من الكتاب والسنة وثمرة للتأمل فيهما والعيش في ظلالهما.. لا أن نقرر الآراء أو بالأحرى الأهواء ثم يُبحث لها عن المبررات- اعتسافاً وابتساراً- في النصوص الشرعية, فهذا عمل لا مشكور ولا مبرور..
- التزام الحوار بالتي هي أحسن وذلك حتى يؤتي ثمرته, يقول تعالى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) فالآية لا تنفي الجدال في أصله وإنما تلزمنا بالحسنى فيه, ولتكن رحمة الخلق هي الدافع لاحتمال إساءتهم وأذاهم, كان عليه الصلاة والسلام المثل الأعلى في الصبر والاحتمال فقد آذاه قومه وضربوه حتى شجوا وجهه وأسالوا دمه وهو حينها يردد: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون..
فالغلظة مع من اختلفت معه في الرأي, والقسوة عليه من عادات أهل البدع كالخوارج, أما أهل السنة كما يحكي عنهم شيخ الإسلام ابن تيّمية ( يعظّمون الحق ويرحمون الخلق), فالداعية الحق لا ينتصر لنفسه وشخصه وإنما تكون غلظته وعباراته الجارحة دليلاً على ذلك, فلن يكون داعية أحرص من موسى عليه السلام, ولا مدعواً أسوأ من فرعون عليه لعائن الله, ومع ذلك يأمره الله عز وجل بأن يقول له قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى, فبالأسلوب الطيب تستل سخائم النفوس, وكم من كلمة جافية تكسر القلوب وتمزق الصفوف وتظل أثارها سنين طوال, وصاحبها يجني آثارها..
- إحسان الظن بالمخالف والتماس الأعذار له.. ينبغي أن نوقن حقاً وحقيقة أنه لا يعلم ما في الصدور والنوايا إلا الله, فمهما يكن تحليلنا للأمور سليما وتفسيرنا لها تفسيراً منطقياً ومعقولا, إلا أن خبايا القلوب هي في علم الله.. "أشققت قلبه يا أسامة"..
ثم إن المسلم عرضه حرام حرمة ماله ودمه, ولا يجوز النيل منه إلا في مواضع محددة, ولنعلم أن النيل من العرض ليس هو مجرد الغيبة فقط, بل كل ما يؤذيه وما يؤلمه بل حتى ما يزعجه ولو كان همزاً.. لمزاً.. غمزاً أو حتى إشارة فهذا كله داخل في هذا المعنى..
إن إظهار خطأ الطرف الآخر لا يعني تضييع حقوق الأخوة وواجباتها, يقول شيخ الإسلام ابن تيّمية: (لو كان كلما اختلف مسلمان في شيء تهاجرا | | لم يبق بين المسلمين عصمة ولا أخوة, ولقد كان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما سيدا المسلمين يتنازعان في أشياء لا يقصدان إلا الخير) وهذا الأخير هو أحوج ما نكون إليه.. نية الخير وحسن القصد.. لأنه وبعيداً عن التجريح والإساءة لو كان المراد هو الحق فقط فلن يحز في النفوس شيء, فإن كنا نريد نصح أحد أو تذكيره وهدايته, ثم جرحناه أو نلنا منه وأسأنا له فإننا نكون بذلك قد قضينا على محاولة هدايته من أول الطريق, عن عمر رضي الله عنه: (أن رجلاً كان يلقب حماراً وكان يُضحك رسول الله عليه الصلاة والسلام أحياناً, وكان عليه الصلاة والسلام قد جلده في الشرب فأتي به يوماً فأُمر به فجُلد, فقال رجل من القوم" اللهم العنه, ما أكثر ما يؤتى به " فقال الحبيب المصطفى: لا تلعنوه فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله)
وهذا غاية العدل والإنصاف.
يُقام الحد (وليس مجرد النصيحة) ولكن لا يُطعن ولا يجرح, بل يحسن به الظن..
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
عقيدة
login |
|