الشيخ مروان محمد أبوبكر
داعية وباحث سوداني
جري الكلام في الحلقة الماضية من هذا المقال عن قضية العلاقة بين مختلفي الجنس والتي تكثر بين طلاب وطالبات الجامعات والمعاهد وغيرها، وقد تقع كثير من هذه العلاقات بحسن نية ومقصد طيب كالزواج بعد التخرج من الدراسة، وقد وعدنا القاري الكريم بتفصيل القول عن كيف يحفظ الطالب الذي التحق بالجامعة المختلطة نفسه من هاوية الصداقات المسمومة مع الجنس الآخر المدمرة لدينه وأخلاقه ومستقبله بعد أن صار يعيش ذلك الواقع رضينا أم أبينا، وإني أتصور أن هذا المطلب العزيز،
لابد أن تجتمع فيه ثلاثة أمور أبينها في ما يلى:
أولاً: الدراسية.
وأعني بذلك أن تكون العلاقة قائمة على ما تتطلبه أمور الدراسة ويلزم بها نظامها، مع الحذر كل الحذر من أن تتحول تلك العلاقة إلى علاقة عاطفية أو صداقة شخصية، فإن النقل والعقل يرفضان علاقة الصداقة بين مختلفي الجنس رفضاً باتاً، قال الله تعالي في آية النساء: (محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان)، ففي هذه الآية نهى الله تعالى، أن تتخذ المرأة من الرجال خدناً أي صديقاً.
وإن كان نساء الجاهلية، يتخذن الأخدان لارتكاب جريمة الزنا، فإن نساء اليوم ورجاله يفعلون ذلك ولو بوجه من الوجوه، ألم يقل النبي صلي الله عليه وسلم فيما روى أبوهريرة رضي الله عنه: "لكل بنى آدم حظ من الزنا، فالعينان تزنيان وزناهما النظر، واليدان تزنيان وزناهما البطش، والرجلان يزنيان وزناهما المشي، والفم يزني وزناه القبل، والقلب يهوي ويتمنى، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه"، الحديث أصله في مسلم.
والنتأمل تلك الصداقة المبنية علي وعد مزعوم بالزواج بعد الدراسة، ومافيها من رؤية كل واحد للآخر على أنه موضع قضاء وطره في المستقبل القريب وتخيل ذلك حال لقائهما
ثم لنسأل أنفسنا، كم من شاكلة هذه العلاقات تنتهي بالزواج، والجواب معرف لدينا جميعًا، فإنها نسبة ضئيلة جداً، والواقع لا يخفي علينا، وقصة أخينا هذا ما هي إلا واحدة من قصص كثيرة، يعرفها الجميع وشباب الجامعات المختلطة علي وجه الخاص.
ولا عجب أن يتحطم قارب الصداقة الوهمية هذا مع أول موجة، ليس لكون ربانه قليل الخبرة، ولا يجيد القيادة فحسب، بل لأن العناصر التي صنع منها في غاية الهشاشة، فليس ثمة شيء غير التخيلات والأماني والأحلام، وإذا أضفنا إلى ذلك تحبيذ مجتمعنا أن يكون الزوج أكبر من الزوجة سناً لأسباب منطقية، فإن تلك الصداقة بين الأقران مختلفي الجنس تنعي لنا احتمال ميلاد أسرة منها لحظة نشوئها.
إن هذه العلاقات المحرمة شرعاً، والتي تنتهي إلى لا شيء غير الآثام غالبًا-هذا إذا سلم للطرفين شرفهما بالمعني الخاص- لها تأثيرها البالغ في الحياة الزوجية لطرفيها مستقبلا ً.
فعلى الفرض الأرجح وهو انتهاء هذه العلاقة أثناء الدراسة أو بعدها بقليل ثم يذهب كل طرف إلى سبيله، ويتزوج كل واحد منها من غير الطرف الذي أحب، تظل إسقاطات تلكم العلاقة مدمرة لحياته الأسرية، فقد تكونت فكرة خاطئة للحياة الزوجية، نتيجة تلكم العلاقة التي تكثر فيها المجاملات، وتقل فيها الواقعية إن لم تنعدم، فيبقي كلا الطرفين نادمًا طول حياته، علي عدم الزواج من الآخر الذي أحبه، ووجد منه –وهمًا- ما لم يجده من شريك حياته الحالي ويظل يقارن بين تصرفات شريك حياته المبنية على الواقعية، وتلكم التصرفات العاطفية الخالصة التي لم يكن ليدوم تكلفها لو قدر لهما الزواج، فيجد البون شاسعًا، مما يؤدي إلى ما لا يحمد من المشاكل الزوجية.
أما إن حصل النادر، وتزوج الطرفان من بعضهما، فلتلك العلاقة قبل الزواج، آثارها المدمرة على هذه الزيجة ذات التاريخ العريض في عالم الغرام ، فكلا الطرفين تعود أن يرى صاحبه على حالة وردية، وقد آن الأوان لتراه على حقيقته بأخلاقه وصفاته التي نشأ عليها، بل آن الأوان لأن تراه مستيقظاً من نومه، وقد انتفش شعره، وذهب رونق ملابسه، وقد يرها بعد أن أعجزها المطبخ عن الإسراع في تغيير ملابسها حال خروجها منه، ورائحة الثوم والبصل التي تزكم الأنوف تفوح منها مدة، بدلاً من رائحة الياسمين التي طالما عبقت منها في لقاءات سابقة، وتبدأ نفسه تحدثه، هل هذه فلانة التي أحببت؟ وتبدأ المشاكل، ويكثر التوبيخ والتبكيت.
إذاً فالمحتم الذي لا مناص منه، أن تكون علاقة الجامعة على قدر الدراسة لا أكثر وليكن الجميع حريص على ألا ينزلق في هاوية العلاقات العاطفية أو الصداقة مع الجنس الآخر.
ثانياً: الجماعية.
فلا يصح أن تنشأ علاقة وإن كانت دراسية بين طالب وطالبة بمعزل عن الآخرين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "ولا يخلون أحدكم بامرأة فإن الشيطان ثالثهما". فإن الخلوة من أعظم المعاصي لما تفضي إليه من المهالك ولا تبررها الدراسة ولا غيرها، وما ظنك بلقاء يحضره الشيطان بل يكون شريك فيه كما في الحديث السابق، والله تعالى يقول: (الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالفحشاء).
أن كثير من شبابنا وفتياتنا يصابون بحالة أشبه بالغرور إذا دخلوا الجامعات خاصة إذا انتسبوا إلى بعض الكليات التي لا يقبل فيها إلا أصحاب النسب الكبيرة فيظنون أن عندهم من الوعي ما يعصمهم من الوقوع في المحذور ولكن هيهات، فكم من خلوة هتكت أعراضاً وأضاعت شرفاً وكان طرفاها يظنان أنهما قد بلغا من الوعي والفهم ما يكون لهما عاصم.
فلو فرضنا وجود هذا الوعي فإن العاقل لا يلقي بنفسه في المهالك لان عنده ما يقيه منها.
وأحكام الشريعة التي أمرنا بتطبيقها وخيل إلى بعضنا أن بإمكانه تجاوزها لما أوتي من عقل راجح وفهم صائب قد أمر بها من هم أرجح منا عقولاً وأوسع منا فهماً وأكثر منا علماً وأطهر منا قلوباً وأنقى منا سريرة من نساء النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فهل بعد هذا لأحدنا أن يزعم أنه كبر على التقيد بها؟
إن بعض شبابنا وفتياتنا يفرطون في الغباء عندما يخيل إليهم أن البعد عن مواطن الشبهات والنأي عنها دليل على عدم ثقتهم في أنفسهم، ولهؤلاء نهدي هذه الآيات التي تحدثنا عن نبي الله يوسف عليه السلام قال الله تعالى: (وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وغلقت الأبواب وقالت هيت لك قال معاذ الله إنه ربي أحسن مثواي إنه لا يفلح الظالمون * ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلصين * واستبقا الباب وقدت قميصه من دبر وألفيا سيدها لدى الباب....)، هذه الآيات تخبر أن يوسف عليه السلام وهو نبي كريم معصوم لما وجد نفسه في موضع خلوة وشبة ودعوة إلى المعاصي تولى هارباً وهو من هو فماذا أنتم قائلون؟ إذا كان يوسف عليه السلام من جهة كونه كان في ذلك الموقف مكرهاً لأنه كان خادماً في ذلك البيت –الوزاري- ومع هذا تولى عن موطن الفتنة ولم يعتد بنفسه أو يزعم أن هروبه عدم ثقة فيها، فما يقول من يختار أن يفتن نفسه طائعاً مختاراً مسوقاً ذلك بأن عنده ثقة في نفسه، ومن جهة كونه كان نبياً معصوماً لم يغتر بنفسه بل هرب من مكان الشبهة والمعصية فما يقول أحدنا ممن لا يكاد يحافظ على صلواته في جماعة؟.
ثالثاً: العلنية.
فلا يصح أن تكون هذه العلاقة الدراسية الجماعية بين الطلاب مختلفي الجنس سرية في غير دور العلم المعروفة للجميع كالجامعات والمعاهد والمدارس وغيرها، فإن اجتماع ذكور وإناث ليس بينهم رابطة رحم في مكان لا يعرف بكونه مرفق عام أو دار علم يرتادها الجميع خطر بكل المقاييس، ولا يصح التذرع بالمذاكرة الجماعية أو نحو ذلك لإقامة اجتماع مختلط بين الطلاب والطالبات.
إن التقاء على ذلكم النحو أقل مفاسده أن يكون مثار شبهة وقيل وقال، وقد احتاج النبي صلى الله عليه وسلم يوم كان يسير في الليل مع صفية زوجته ومر به رجلين من أصحابه أن يقول لهما إنها صفية زوجتي ليقطع الطريق على كل خاطر فاسد أو ظن سيء مع أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو في استقامته وبعده عن المعاصي ولكن العاقل لا يعرض نفسه للشبهات.
فهذه الأمور إذا التزم بها طلابنا رجونا أن تستقيم على الدين أحوالهم وتعف نفسهم فهم أملنا ومستقبل أمتنا والله الهادي إلى سبيل الرشاد.
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :عقيدة
login |