السيميائية التداولية

علم العلامات التداولي أو السيمياء التداولية (sémiotique pragmatique) هو عبارة عن تصور شمولي ودينامي للعلامة إذ تعدها كيانا ثلاثيا تتفاعل داخله العناصر التركيبية والدلالية والتداولية في إطار سيرورة مستمرة تدعى  صيرورة العلامات (“السيميوزيس”). يرتبط اتجاه بالتقليد العلمي والفلسفي الذي أرساه شارل ساندرز بيرس وبلوره شارل موريس فيما بعد؛ كما يتعالق هذا الاتجاه أيضا مع تصورات المناطقة وفلاسفة اللغة، روسل وكارناب وفريج وفيتغينشتاين وغيرهم.

سيمياء شارل سندرس بيرس

حيث تتخذ السيمياء عند بيرس طابعا شموليا، إذ لا نجد شيئا يخرج عن موضوعها مهما كان هذا الشيء. يقول بيرس: “لم يكن بمقدوري أبدا دراسة أي شيء كيفما كان (رياضيات، أخلاق، ميتافيزيقا، اقتصاد، تاريخ، علوم…)، إلا دراسة سيميائية“ . وبذلك فالسيمياء البيرسية تقدم نفسها باعتبارها منطقا عاما يستوعب كل الظواهر ويسعى إلى صياغة قواعد مجردة وقيم شاملة للتمييز بين الصحيح والخاطئ. “إن المنطق بمعناه العام- يقول بيرس- هو علم الفكر الذي تجسده العلامات، إنه السيمياء العامة“  .

وكما تستند هذه السيمياء البيرسية إلى سياق فلسفي تفسيري مستوحى من كانط وهيغل يسمى “نظرية المقولات” (théorie des cathégories)  ، وهي عبارة عن ظاهراتية خاصة، ذات مفاهيم ومصطلحات مخصوصة ومبتكرة، “تدرس العناصر البارزة (phanérons) على مستوى الفكر لكي تميز طبقاتها وتصنفها ضمن مقولات عامة“ .

وفي إطار هذه الظاهراتية، مايز بيرس بين ثلاث مقولات أساس تعبر عن ثلاثة أنماط من كينونة العناصر البارزة، وهي على التوالي: “الأولانية” (firstness)، و”الثانيانية” (secondness)، و”الثالثانية” (Thirdness)(6). فالأولانية هي “كينونة الإمكان الكيفي الموجَب” (qualitative positive l’Etre de la possibilité)، أي كينونة شيء أولي وسابق لأي تركيب أو توليف. وهو شيء غير موجود لكنه يحمل في ذاته قدرات وإمكانيات تجعله يوجد أولا يوجد، يتحين أولا يتحين . إنه الشيء الذي يملك كينونته في ذاته، بحيث لا يوجد في الوعي ولا يخضع لأي قانون . إن الأولانية إذن هي عالم الممكنات (les possibles) والكيفيات (qualités) المجرَّدة . ولتيسير فهم “الأولانية“، نعطي مثالا بـ “الخسوف” (eclipse)، قبل أن يقع أول مرة، وقبل أن يعرفه أحد أو يراه أو يتوقعه؛ فقد كان عبارة عن إمكان كيفي لا نعرف عنه شيئا إلا بعد أن يحدث. أما الثانيانية، فهي مقولة الوجود، أي وجود الأولانية وتَحَقـُّقها في الزمان وفي المكان؛ ولذلك فهي عالم الموضوعات والوقائع والموجودات (وقوع الخسوف مثلا) .

وأما الثالثانية، فهي مقولة الوعي الذي يتدخل ليربط بين الشيء كإمكان كيفي مجرد وبين تحققه الفعلي في عالم الموجودات والموضوعات(11). إنها الفكر أو القانون الذي يربط بين الأولانية والثانيانية وفق منطق ضروري متجه نحو الوقائع المستقبلية(12). (رؤية الخسوف ينتج عنها إدراك العلاقة بين كُمونه وتجلـِّيه، مما يُمَكـٍّن من التنبؤ به).وقد اعتمد بيرس هذا التصنيف المقولاتي في تصور العلامة السيميائية، فاعتبرها كيانا ثلاثي الأبعاد: فهي عبارة عن “شيء ما يُعَوِّض- بالنسبة لشخص معين- شيئا آخر وفق علاقة أو صفة ما“ . وبعبارة أخرى، العلامة هي “كل شيء يحدد شيئا ثانيا للإحالة إلى شيء ثالث يحيل عليه الشيء الأول ذاته وبنفس الطريقة“ : فالشيء الأول هو “المُمَثِّلة” (representamen)، والشيء الثاني هو “الموضوعة” (objet)، والشيء الثالث هو “المؤوِّلَة” (interprétant) . فالعلامة عبارة عن “ممثلة” مرتبطة بـ “موضوعتها” من جهة، وبـ “مؤوِّلتها” من جهة أخرى، وذلك بطريقة تجعل علاقة هذه الموضوعة بتلك المؤولة مشابهة لعلاقة الممثلة مع الموضوعة .

أي أن الممثلة تحدد الموضوعة وتنشئ معها علاقة معينة، غير أنها أيضا وفي نفس الوقت تحدد المؤولة وتضع بينها وبين الموضوعة علاقة مطابقة (تقريبا) للعلاقة التي بينها هي وبين هذه الموضوعة نفسها. وقد يبدو الأمر هنا أشبه بالدوامة، إذ ما جدوى أن تكون هناك علاقة ثانية قائمة بين المؤولة والموضوعة وهي تشبه العلاقة الأولى القائمة بين الممثلة والموضوعة؟ غير أن الأمر ليس كذلك لأن طبيعة المؤولة غير طبيعة الممثلة، تماما كما أن الأولانية غير الثالثانية. فالممثلة هي حامل العلامة (véhicule du signe) وركيزتـُها (fondement) في نفس الوقت: هي الحامل لأنها تقدم نفسها في الغالب داخل خليط من “الممثلات” الأخرى التي تنتمي إلى علامات أخرى في سياقات مختلفة، فنركز عليها ونعتبرها حاملا للعلامة التي نريد دراستها؛ وهي “الركيزة ” لأننا نعتبرها دالة على موضوعة نصل إليها بموجب اعتمادها كممثلة  أما الموضوعة فهي كل ما تحيل عليه الممثلة، سواء أكان قابلا للإدراك أم قابلا للتخيل أم غير قابل حتى للتخييل (الإحساسات المبهمة مثلا)(18). فالموضوعة إذن هي ما تمثله الممثلة وما تعنيه المؤولة . وأما المؤولة فهي تتوسط بين الممثلة والموضوعة، وتجعل الأولى تحيل على الثانية

فالعلاقة بينهما (أي بين الممثلة والموضوعة) مُمْكِنة إذا نظرنا إليها من زاوية الممثلة، وموجودة إذا نظرنا إليها من زاوية الموضوعة، ومدرَكة إذا نظرنا إليها من زاوية المؤولة  ولا ينبغي هنا أن نخلط بين “المؤولة” (interprètant) و”المؤوِّل“، أي الشخص الشارح (interprète): فالمؤولة ليست هي من يؤوِّل، وإنما هي علاقة تضيئُها الممثلة في ذهن الشخص الشارح، أي في ذهن المُؤَوِّل ولم يقف بيرس عند حدود رسم هذه المكونات الثلاثة للعلامة، بل ميز في كل منها مستويات وأبعادا: فقد رأينا كيف أن الممثلة تتضمن مستويين هما “حامل العلامة” و”العماد“. أما الموضوعة فهي بدورها تنقسم إلى موضوعتين: موضوعة مباشرة (immédiat)، وهي ما تحيل إليه العلامة في ذاتها؛ وموضوعة غير مباشرة (médiat) أو دينامية (dynamique)، وهي الموضوعة الواقعية التي لا تشير إليها العلامة إلا بالتلميح وتترك للمؤول (أي الشخص الشارح) مهمة تحديدها   أما المؤولة فهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أنواع: مؤولة مباشرة تربط فقط بين الممثلة والموضوعة المباشرة، ومؤولة غير مباشرة تأخذ بعين الاعتبار الموضوعة غير المباشرة (الدينامية)، ثم مؤولة نهائية (final) تتميز بالقدرة الكاملة على التنقل بين ما هو مباشر وما هو غير مباشر  وإذا عدنا إلى العلاقة الثالوثية (triadique) الأصلية- بغض النظر عن تنوع الموضوعات والمؤولات- نجد كل عنصر من عناصر العلامة (الممثلة- الموضوعة- المؤولة) يعتبر في حد ذاته علامة، وذلك بحسب المنظور الذي يستعمله المؤول أو مستعمل العلامة: فالموضوعة قد تعتبر من منظور آخر “ممثلة” فتكون “موضوعتها” هي العلاقة بين الطرفين الآخرين، وتكون “مؤولتها” هي الرابط بينها وبين هذه العلاقة(25). فإذا انطلقنا مثلا من العلامة باعتبارها علاقة ثالوثية مجردة بين العناصر (ك) و(د) و(ع)، سيكون في إمكاننا أن نتبنى منظورا يعتبر (ك) هي الممثلة، أو نعتمد منظورا آخر يعتبر أن الممثلة هي (د) أو (ع). وسبب هذه الإمكانات هو أن بيرس لا يشترط أن تكون العلامة شيئا ماديا محسوسا، فالممثلة قد تكون أيضا فكرة أو إحساسا أو غير ذلك. لا ينظر بيرس إذن إلى العلامة في ثباتها وسكونيتها، وإنما في حركية عناصرها وعلائقها المولدة للدلالة باستمرار. بل إن موضوع سيمياء بيرس في واقع الأمر ليس هو العلامة وإنما اشتغالها وحـركيتها، لذلك يقدم عليها مفهوم/ مصطلح “السيميوزيس” (semiosis)، ويعني به “السيرورة التي تعمل بها العلامة باعتبارها علامة“(26). كما يجعل السيمياء هي “نظرية الطبيعة الجوهرية لكل سيميوزيس ممكن“(27). إن ثلاثية عناصر العلامة، ومفهوم السيميوزيس الذي يسمح بالنظر إلى كل عنصر من هذه العناصر باعتباره علامة لها بدورها ممثلتها وموضوعتها ومؤولتها. كل هذا يسمح بتمييز تسعة أنماط من العلامات مقسمة ثلاثة تقسيمات بحسب مستويات ثلاثة: أولا- المستوى التركيبي؛ حيث يتم النظر إلى “الممثلة” باعتبارها علامة في حد ذاتها، لها ممثلتها الخاصة وموضوعتها ومؤولتها الخاصتين. ففي علاقتها بذاتها (أي بممثلتها الخاصة) هي عبارة عن “علامة كيفية” (qualisigne)، وفي علاقتها بموضوعتها هي “علامة مفردة” (sinsigne)، وفي علاقتها بمؤولتها هي “علامة- قانون” (legisgne)

. ثانيا- المستوى الدلالي؛ حيث يتم النظر إلى “الموضوعة” باعتبارها علامة ثلاثية أيضا: ففي علاقتها بممثلتها تكون “أيقونة” (icône)؛ وفي علاقتها بذاتها تكون “أمارة” (indice)، وفي علاقتها بمؤولتها تكون “رمزا” (symbole)  . ثالثا- المستوى التداولي؛ حيث يتم النظر إلى “المؤولة” كعلامة، فتكون في علاقتها بمؤولتها أو بموضوعتها أو بذاتها، إما “خبرا” (rhème) أو “مقولة” (dicisigne) أو “دليلا” (argument)  . لقد تميز عمل بيرس بقدرة عجيبة على التجريد والتصنيف وإدماج جميع وجهات النظر التي يمكن أن تسلط على العلامة، الشيء الذي مكنه من تحصيل سبعة وعشرين نوعا من العلامات يطغى في كل نوع منها نمطٌ من الأنماط التسعة المذكورة  غير أننا نكتفي هنا بذكر هذه الأنماط التسعة، تبعا لمتسويات التحليل وفروع السيمياء كما حددها بيرس:

النحو الخالص/ المستوى التركيبي/ الممثلة:

  • علامة كيفية (qualisigne)
  • علامة مفردة (sinsigne)
  • علامة- قانون (legisigne)

المنطق/ المستوى الدلالي/ الموضوعة:

  • علامة أيقونية (icone)
  • علامة رمزية (symbole)
  • علامة أمارية (indice)

 

البلاغة/ المستوى التداولي/المؤولة:

  • علامة خبرية (rhème)
  • علامة مقولة (dicisigne)
  • علامة دليلية (argument)

سيمياء شارل موريس

حيث استوحي شارل موريس سيمياء بيرس، وذهب بها مذهبين: مذهب سلوكي (behavioriste) متوارَث عن لسانيات بلومفيلد، ومذهب إبستمولوجي يبحث عن موقع مهيمن للسيمياء داخل جميع العلوم. فقد رأى موريس أن العلاقة بين السيمياء والعلوم علاقة مزدوجة، لأن هذه السيمياء علم ضمن العلوم وأداة لهذه العلوم في نفس الوقت: فهي من جهة أولى “تدرس الأشياء وخصائص الأشياء في اشتغالها كعلامات“؛ وهي من جهة ثانية تقدم المفاهيم والأدوات للعلوم الأخرى، بما أن “كل علم يستخدم العلامات ويعبر عن نتائجه بواسطة العلامات“(32).

إن السيمياء إذن هي بمثابة أورغوانون (organon) لعلم العلوم (métascience)، أي “بنية نظرية جامعة ومتسعة تشمل النتائج المحصلة انطلاقا من منظورات مختلفة في كلٍّ موحد ومنسجم“(33). لذلك يعتبر موريس أن الهدف من اقتراحه هو المساهمة في هذه البنية الموحدة من خلال رسم “الخطوط الكبرى لعلم العلامات“(34). وكما رأينا عند بيرس، فإن الموضوع الأساس للسيمياء عند موريس أيضا هو “السيميوزيس“، أي “السيرورة التي بموجبها يعمل شيء ما باعتباره علامة“. وتكمن هذه السيرورة في أن “شيئا ما يحدد شيئا آخر عن طريق شيء ثالث“(35). ومن ثمة فالسيميوزيس هو العلامة لكن من منظور اشتغالها. وتتكون العلامة من ثلاثة (أو أربعة) عناصر: أولها “حامل العلامة“، أي ذلك الجانب المباشر الذي يثير الانتباه إلى نفسه باعتباره علامة، والذي يستدعي- تبعا لذلك- عملية تأويلية تنطلق منه؛ والعنصر الثاني هو “المعيِّن” (designatum)، أي ما يحدده حامل العلامة داخل العملية التأويلية؛ أما العنصر الثالث فهو “المؤولة” (interprétant)، أي الأثر الذي تحدثه العلامة في الشخص المؤوِّل (l’interprète)؛ وأما العنصر الرابع (الذي يدمجه موريس غالبا في العنصر الثالث) فهو المؤول ذاته الذي يكون نتيجة لسيرورة هذه العناصر جميعها. فحامل العلامة إذن هو ما يعمل كعلامة، والمعيِّن هو ما يحددها كعلامة، والمؤولة هي الأثر الناتج عن ذلك لدى مؤول معين. وهذه العناصر هي التي نذكرها دون أن نسميها حين نقول: “شيء ما يحيل إلى شيء آخر بالنسبة لشخص ما“. وتجدر الإشارة إلى أن موريس يحرص على التمييز بين “المُعَيِّن” (designatum) وبين الشيء المُعَيَّن (designata): فالثاني هو المرجع الخارجي (الواقعي) الذي يحيل عليه المُعَيـِّن، أما المُعَيـَّن فهو تلك الإحالة ذاتها، وهي داخلية أي متضمنة داخل العلامة(36).

كما يحرص موريس على التمييز بين “المؤوِّلة” و”المؤوِّل” (أي الشخص الشارح)، غير أنه يسقط في غير قليل من الغموض، وذلك ناتج عن تصوره المزدوج للمؤولة: فهو يعتبرها أحد العناصر الداخلية للعلامة من جهة، ومن جهة ثانية يعدها أثرا ناتجا في ذهن مستعمل العلامة (المؤول). ولعل ذلك ناتج عن المقتضيات “السلوكية” التي تحكم تصوره بصفة عامة، والتي تميز نظريته من نظرية بيرس. فمستعمل العلامة يمثل في نفس الوقت المؤولة والمؤول، ولذلك تعتبر العلامة مكونا سلوكيا بالدرجة الأولى. ولعل ذلك يتضح أكثر عند تحليل عينة “الكلب” الشهير في النظرية السلوكية (béhaviorisme): فالكلب يستجيب لصوت معين (= حامل العلامة) بواسطة نمط من السلوك هو إفراز اللعاب (  المؤولة)؛ وهذا السلوك (هذه المؤولة) يقتضي فكرة الطعام (= المعيـِّن) التي تحيل طبعا إلى الطعام ( المعيـَّن)، والذي يوجد خارج العلامة كما ذكرنا(37). ومن خلال فحص العلاقات بين مكونات العلامة الثلاثة، يجرد موريس ثلاثة أنماط من العلاقات الثنائية، تعبر عن ثلاثة أبعاد للسيميوزيس، وتحدد في نفس الوقت ثلاثة فروع معرفية داخل السيمياء


المراجع

areq.net

التصانيف

علوم إنسانية   علم العلامات التداولي   العلوم البحتة   العلوم الاجتماعية