جوليان المرتد جوليان المرتد Julian the Apostate (فلاڤيوس كلاوديوس جوليانوس Flavius Claudius Julianus، عاش 331–26 يونيو, 363 م), كان امبراطوراً رومانياً (من 361 إلى 363 م) من الأسرة الكونستانتينية. وكان آخر امبراطور روماني مشرك ودعا إلى إعادة تقنين الديانة اليونانية الرومانية بدلاً من تنصير الامبراطورية الرومانية. النشأة ولد فلاڤيوس كلوديوس يوليانوس Flavius Claudius Julianus في القصر الإمبراطوري في القسطنطينية في عام 332 ، وكان ابن أخي قسطنطين. وقد قتل أبوه، وأخوه الأكبر، ومعظم أبناء عمه، في المذبحة التي حدثت أيام حكم أبناء قسطنطين. وأرسل هو إلى نقوميديا ليتلقى فيها العلم على الأسقف يوسبيوس؛ ولقن من علوم اللاهوت المسيحية أكثر ما يطيقه عقله، وظهرت عليه سمات تدل على أنه سيكون قديساً. ولما بلغ السابعة من عمره بدأ يدرس الآداب القديمة على مردونيوس Mardonius، وسرى حب هومر وهزيود والتحمس لآدابهما من الخصي الهرم إلى تلميذه، وهل يوليان إلى عالم الأساطير اليونانية الشعري الزاهر بدهشة وبهجة عظيمتين. وفي عام 341 نفي يوليان وأخوه جالوس Gallus إلى كبدوكيا لأسباب لا نعلمها الآن، وظلا ست سنين يكادان أن يكونا فيها سجينين في حصن ماسلوم Macellum ولما أطلق سراحهما سمح ليوليان أن يعيش وقتاً ما في القسطنطينية ولكن مرح الشباب، وما امتاز به من إخلاص وذكاء حباه إلى الشعب حباً أقلق بال الإمبراطور؛ فأرسله مرة أخرى إلى محاضرات ليبانيوس حرم عليه هذا، ولكنه استطاع أن يحصل على مذكرات وافية لدروس هذا المعلم. وكان وقتئذ شاباً في السابعة عشرة من عمره، بهي الطلعة، جياش القلب بالعواطف، متأهباً لأن يبهره سحر الفلسفة الخطر، وبينا كانت الفلسفة، وبينا كان التفكير الحر يأتيان إليه بكل ما فيهما من إغراء، كانت المسيحية تُعرض عليه بوصفها مجموعةً من العقائد التعسفية التي لا تقبل الجدل؛ وكنيسةً تمزقها الفضائح، منقسمة على نفسها بسبب منازعات أريوس وأتباعه، وبسبب تبادل اللعنات بين الشرق والغرب، وتكفير كل منهما الآخر.[1] وفي عام 351 جعل جالوس قيصراً أي ولياً للعهد- وعهد إليه حكم أنطاكية؛ وأحسن يوليان وقتاً ما بأنه آمن من ريبة الإمبراطورية فأخذ يتنقل من نيقوميديا إلى برجموم ثم إلى إفسوس، يدرس فيها الفلسفة على إدسيوس Edssius، ومكسموس، وكريسنثيوس Chrysanthius وقد أتم هؤلاء تحويله سراً إلى الدين الوثني. وفي عام 354 استدعى قسطنطين جالوس ويوليان إلى ميلان حيث كان يعقد محكمة للنظر في أمرهما. ذلك أن جالوس تعدى حدود السلطة المخولة له، وحكم الولايات الأسيوية حكماً بلغ من استبداده وقسوته أن ارتاع له قسطنطين نفسه. وحوكم الرجل أمام الإمبراطور، ووجهت إليه عدة تهم، وأدين، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ونفذ على الفور. وأما يوليان فقد ظل تحت الحراسة في إيطاليا عدة أشهر، حتى أفلح أخيراً في أن يقنع الإمبراطور المرتاب أن السياسة لم تكن له على بال في يوم من الأيام، وأن اهتمامه كله موجه إلى الفلسفة. واطمأن قسطنطيوس إذ عرف أن غريمه ليس إلا رجلاً فيلسوفاً، فنفاه إلى أثينة (355). وإذ كان يوليان قبل هذا النفي يوقع الإعدام، فإنه لم يجد صعوبة في الرضا بالنفي إلى بلد هو منبع العلم، والدين، والتفكير الوثني. وقضى في تلك المدينة ستة أشهر، كانت من أسعد أيام حياته، يدْرس الفلسفة في الغياض التي استمعت إلى صوت أفلاطون في الزمن القديم، وعقد فيها أواصر الصداقة مع ثامسطيوس Themistius وغيره من الفلاسفة المخلدين والمنسيين. الذين أعجبوا بشغفه بالعلم، وكسب قلوب أهل المدينة برقة شمائله، وتواضعه، وجميل مسلكه. وكان يُشَبِّه هؤلاء الوثنيين المثقفين المهذبين الذين ورثوا ثقافة قرن عشرة بعلماء الدين الوقورين الذين كانوا يحيطون به في نقوميديا أو بأولئك الساسة والحكام الأتقياء الذين رأوا من الواجب عليهم أن يقتلوا أباه واخوته وكثيرين غيرهم من خلق الله؛ وخلص من هذا كله إلى أنه ليس ثمة وحوش أكثر تعطشاً للدماء من المسيحيين(21). وكان إذ سمع أن معابد مشهورة قد دمرت، وأن كهنة وثنيين قد حكم عليهم بالإعدام، وأن أملاكهم قد وزعت على الخصيان وأشياع السلطان أجهش بالبكاء(22). وكان هذا في أغلب الظن هو الوقت الذي قبل فيه أن يتعلم سراً وفي حذر شديد طقوس إليسيز الخفية وأسرارها؛ وكانت المبادئ الأخلاقية الوثنية تتجاوز عما لجأ إليه في ارتداده من مخادعة ورياء. هذا إلى أن أصدقاءه ومعلميه على سره لم يكونوا يوافقون على أن يجهر بهذا الارتداد، فقد كانوا يعرفون أنه إذا فعل سيتوجه قسطنطيوس في غير الوقت الملائم، بتاج الشهداء. وكانوا هم يتطلعون إلى الوقت الذي يرث فيه صنيعتهم عرش الإمبراطورية، ويعيد إليهم رواتبهم وآلهتهم. ولهذا قضى يوليان عشر سنين كاملة يؤدي جميع الشعائر والعبادات المسيحية الظاهرة، بل لقد بلغ من أمره أن كان يقرأ الكتاب المقدس علناً في الكنيسة(23). ولد فلاڤيوس كلوديوس يوليانوس Flavius Claudius Julianus في القصر الإمبراطوري في القسطنطينية في عام 332 ، وكان ابن أخي قسطنطين. وقد قتل أبوه، وأخوه الأكبر، ومعظم أبناء عمه، في المذبحة التي حدثت أيام حكم أبناء قسطنطين. وأرسل هو إلى نقوميديا ليتلقى فيها العلم على الأسقف يوسبيوس؛ ولقن من علوم اللاهوت المسيحية أكثر ما يطيقه عقله، وظهرت عليه سمات تدل على أنه سيكون قديساً. ولما بلغ السابعة من عمره بدأ يدرس الآداب القديمة على مردونيوس Mardonius، وسرى حب هومر وهزيود والتحمس لآدابهما من الخصي الهرم إلى تلميذه، وهل يوليان إلى عالم الأساطير اليونانية الشعري الزاهر بدهشة وبهجة عظيمتين. وفي عام 341 نفي يوليان وأخوه جالوس Gallus إلى كبدوكيا لأسباب لا نعلمها الآن، وظلا ست سنين يكادان أن يكونا فيها سجينين في حصن ماسلوم Macellum ولما أطلق سراحهما سمح ليوليان أن يعيش وقتاً ما في القسطنطينية ولكن مرح الشباب، وما امتاز به من إخلاص وذكاء حباه إلى الشعب حباً أقلق بال الإمبراطور؛ فأرسله مرة أخرى إلى محاضرات ليبانيوس حرم عليه هذا، ولكنه استطاع أن يحصل على مذكرات وافية لدروس هذا المعلم. وكان وقتئذ شاباً في السابعة عشرة من عمره، بهي الطلعة، جياش القلب بالعواطف، متأهباً لأن يبهره سحر الفلسفة الخطر، وبينا كانت الفلسفة، وبينا كان التفكير الحر يأتيان إليه بكل ما فيهما من إغراء، كانت المسيحية تُعرض عليه بوصفها مجموعةً من العقائد التعسفية التي لا تقبل الجدل؛ وكنيسةً تمزقها الفضائح، منقسمة على نفسها بسبب منازعات أريوس وأتباعه، وبسبب تبادل اللعنات بين الشرق والغرب، وتكفير كل منهما الآخر.[1] وفي عام 351 جعل جالوس قيصراً أي ولياً للعهد- وعهد إليه حكم أنطاكية؛ وأحسن يوليان وقتاً ما بأنه آمن من ريبة الإمبراطورية فأخذ يتنقل من نيقوميديا إلى برجموم ثم إلى إفسوس، يدرس فيها الفلسفة على إدسيوس Edssius، ومكسموس، وكريسنثيوس Chrysanthius وقد أتم هؤلاء تحويله سراً إلى الدين الوثني. وفي عام 354 استدعى قسطنطين جالوس ويوليان إلى ميلان حيث كان يعقد محكمة للنظر في أمرهما. ذلك أن جالوس تعدى حدود السلطة المخولة له، وحكم الولايات الأسيوية حكماً بلغ من استبداده وقسوته أن ارتاع له قسطنطين نفسه. وحوكم الرجل أمام الإمبراطور، ووجهت إليه عدة تهم، وأدين، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ونفذ على الفور. وأما يوليان فقد ظل تحت الحراسة في إيطاليا عدة أشهر، حتى أفلح أخيراً في أن يقنع الإمبراطور المرتاب أن السياسة لم تكن له على بال في يوم من الأيام، وأن اهتمامه كله موجه إلى الفلسفة. واطمأن قسطنطيوس إذ عرف أن غريمه ليس إلا رجلاً فيلسوفاً، فنفاه إلى أثينة (355). وإذ كان يوليان قبل هذا النفي يوقع الإعدام، فإنه لم يجد صعوبة في الرضا بالنفي إلى بلد هو منبع العلم، والدين، والتفكير الوثني. وقضى في تلك المدينة ستة أشهر، كانت من أسعد أيام حياته، يدْرس الفلسفة في الغياض التي استمعت إلى صوت أفلاطون في الزمن القديم، وعقد فيها أواصر الصداقة مع ثامسطيوس Themistius وغيره من الفلاسفة المخلدين والمنسيين. الذين أعجبوا بشغفه بالعلم، وكسب قلوب أهل المدينة برقة شمائله، وتواضعه، وجميل مسلكه. وكان يُشَبِّه هؤلاء الوثنيين المثقفين المهذبين الذين ورثوا ثقافة قرن عشرة بعلماء الدين الوقورين الذين كانوا يحيطون به في نقوميديا أو بأولئك الساسة والحكام الأتقياء الذين رأوا من الواجب عليهم أن يقتلوا أباه واخوته وكثيرين غيرهم من خلق الله؛ وخلص من هذا كله إلى أنه ليس ثمة وحوش أكثر تعطشاً للدماء من المسيحيين(21). وكان إذ سمع أن معابد مشهورة قد دمرت، وأن كهنة وثنيين قد حكم عليهم بالإعدام، وأن أملاكهم قد وزعت على الخصيان وأشياع السلطان أجهش بالبكاء(22). وكان هذا في أغلب الظن هو الوقت الذي قبل فيه أن يتعلم سراً وفي حذر شديد طقوس إليسيز الخفية وأسرارها؛ وكانت المبادئ الأخلاقية الوثنية تتجاوز عما لجأ إليه في ارتداده من مخادعة ورياء. هذا إلى أن أصدقاءه ومعلميه على سره لم يكونوا يوافقون على أن يجهر بهذا الارتداد، فقد كانوا يعرفون أنه إذا فعل سيتوجه قسطنطيوس في غير الوقت الملائم، بتاج الشهداء. وكانوا هم يتطلعون إلى الوقت الذي يرث فيه صنيعتهم عرش الإمبراطورية، ويعيد إليهم رواتبهم وآلهتهم. ولهذا قضى يوليان عشر سنين كاملة يؤدي جميع الشعائر والعبادات المسيحية الظاهرة، بل لقد بلغ من أمره أن كان يقرأ الكتاب المقدس علناً في الكنيسة(23). ولد فلاڤيوس كلوديوس يوليانوس Flavius Claudius Julianus في القصر الإمبراطوري في القسطنطينية في عام 332 ، وكان ابن أخي قسطنطين. وقد قتل أبوه، وأخوه الأكبر، ومعظم أبناء عمه، في المذبحة التي حدثت أيام حكم أبناء قسطنطين. وأرسل هو إلى نقوميديا ليتلقى فيها العلم على الأسقف يوسبيوس؛ ولقن من علوم اللاهوت المسيحية أكثر ما يطيقه عقله، وظهرت عليه سمات تدل على أنه سيكون قديساً. ولما بلغ السابعة من عمره بدأ يدرس الآداب القديمة على مردونيوس Mardonius، وسرى حب هومر وهزيود والتحمس لآدابهما من الخصي الهرم إلى تلميذه، وهل يوليان إلى عالم الأساطير اليونانية الشعري الزاهر بدهشة وبهجة عظيمتين. وفي عام 341 نفي يوليان وأخوه جالوس Gallus إلى كبدوكيا لأسباب لا نعلمها الآن، وظلا ست سنين يكادان أن يكونا فيها سجينين في حصن ماسلوم Macellum ولما أطلق سراحهما سمح ليوليان أن يعيش وقتاً ما في القسطنطينية ولكن مرح الشباب، وما امتاز به من إخلاص وذكاء حباه إلى الشعب حباً أقلق بال الإمبراطور؛ فأرسله مرة أخرى إلى محاضرات ليبانيوس حرم عليه هذا، ولكنه استطاع أن يحصل على مذكرات وافية لدروس هذا المعلم. وكان وقتئذ شاباً في السابعة عشرة من عمره، بهي الطلعة، جياش القلب بالعواطف، متأهباً لأن يبهره سحر الفلسفة الخطر، وبينا كانت الفلسفة، وبينا كان التفكير الحر يأتيان إليه بكل ما فيهما من إغراء، كانت المسيحية تُعرض عليه بوصفها مجموعةً من العقائد التعسفية التي لا تقبل الجدل؛ وكنيسةً تمزقها الفضائح، منقسمة على نفسها بسبب منازعات أريوس وأتباعه، وبسبب تبادل اللعنات بين الشرق والغرب، وتكفير كل منهما الآخر.[1] وفي عام 351 جعل جالوس قيصراً أي ولياً للعهد- وعهد إليه حكم أنطاكية؛ وأحسن يوليان وقتاً ما بأنه آمن من ريبة الإمبراطورية فأخذ يتنقل من نيقوميديا إلى برجموم ثم إلى إفسوس، يدرس فيها الفلسفة على إدسيوس Edssius، ومكسموس، وكريسنثيوس Chrysanthius وقد أتم هؤلاء تحويله سراً إلى الدين الوثني. وفي عام 354 استدعى قسطنطين جالوس ويوليان إلى ميلان حيث كان يعقد محكمة للنظر في أمرهما. ذلك أن جالوس تعدى حدود السلطة المخولة له، وحكم الولايات الأسيوية حكماً بلغ من استبداده وقسوته أن ارتاع له قسطنطين نفسه. وحوكم الرجل أمام الإمبراطور، ووجهت إليه عدة تهم، وأدين، وصدر عليه الحكم بالإعدام، ونفذ على الفور. وأما يوليان فقد ظل تحت الحراسة في إيطاليا عدة أشهر، حتى أفلح أخيراً في أن يقنع الإمبراطور المرتاب أن السياسة لم تكن له على بال في يوم من الأيام، وأن اهتمامه كله موجه إلى الفلسفة. واطمأن قسطنطيوس إذ عرف أن غريمه ليس إلا رجلاً فيلسوفاً، فنفاه إلى أثينة (355). وإذ كان يوليان قبل هذا النفي يوقع الإعدام، فإنه لم يجد صعوبة في الرضا بالنفي إلى بلد هو منبع العلم، والدين، والتفكير الوثني. وقضى في تلك المدينة ستة أشهر، كانت من أسعد أيام حياته، يدْرس الفلسفة في الغياض التي استمعت إلى صوت أفلاطون في الزمن القديم، وعقد فيها أواصر الصداقة مع ثامسطيوس Themistius وغيره من الفلاسفة المخلدين والمنسيين. الذين أعجبوا بشغفه بالعلم، وكسب قلوب أهل المدينة برقة شمائله، وتواضعه، وجميل مسلكه. وكان يُشَبِّه هؤلاء الوثنيين المثقفين المهذبين الذين ورثوا ثقافة قرن عشرة بعلماء الدين الوقورين الذين كانوا يحيطون به في نقوميديا أو بأولئك الساسة والحكام الأتقياء الذين رأوا من الواجب عليهم أن يقتلوا أباه واخوته وكثيرين غيرهم من خلق الله؛ وخلص من هذا كله إلى أنه ليس ثمة وحوش أكثر تعطشاً للدماء من المسيحيين(21). وكان إذ سمع أن معابد مشهورة قد دمرت، وأن كهنة وثنيين قد حكم عليهم بالإعدام، وأن أملاكهم قد وزعت على الخصيان وأشياع السلطان أجهش بالبكاء(22). وكان هذا في أغلب الظن هو الوقت الذي قبل فيه أن يتعلم سراً وفي حذر شديد طقوس إليسيز الخفية وأسرارها؛ وكانت المبادئ الأخلاقية الوثنية تتجاوز عما لجأ إليه في ارتداده من مخادعة ورياء. هذا إلى أن أصدقاءه ومعلميه على سره لم يكونوا يوافقون على أن يجهر بهذا الارتداد، فقد كانوا يعرفون أنه إذا فعل سيتوجه قسطنطيوس في غير الوقت الملائم، بتاج الشهداء. وكانوا هم يتطلعون إلى الوقت الذي يرث فيه صنيعتهم عرش الإمبراطورية، ويعيد إليهم رواتبهم وآلهتهم. ولهذا قضى يوليان عشر سنين كاملة يؤدي جميع الشعائر والعبادات المسيحية الظاهرة، بل لقد بلغ من أمره أن كان يقرأ الكتاب المقدس علناً في الكنيسة(23). وكان يوليان وقتئذ في الحادية والثلاثين من عمره ويصفه أميانوس الذي كان يراه كثيراً بقوله: كان متوسط القامة، وكان شعره مرسلاً ناعماً كأنه قد عني بتمشيطه، وكانت لحيته كثة مستدقة، وعيناه براقتين تومضان ناراً، وتكشفان عن حدة ذهنه. وكان حاجباه دقيقين وأنفه معتدلاً، وفمه كبير بعض الشيء، وشفته السفلى ممتلئة، ورقبته غليظة منحنية، ومنكباه كبيرين عريضين. وكان جسمه كله من أعلى رأسه إلى أطراف أصابع قدميه حسن التناسب، ولهذا كان قوياً سريع العدو. غير أن الصورة التي يصور هو بها نفسه لم تكن بهذا الحسن فهو يقول: إن الطبيعة لم تخلع على وجهي كثيراً من الوسامة، ولم تهبه نضرة الشباب، ومع هذا فإني بعنادي قد أضفت إليه هذه اللحية الطويلة... ولم أعبأ بالقمل الذي كان يسرح فيها ويمرح كأنها أجمة للوحوش البرية... أما رأسي فمنكوش، لأني قلما أقص شعري أو أقلم أظافري، وأصابعي لا تكاد ترى إلا سوداء ملوثة بالحبر. وكان يفخر بأنه يحتفظ ببساطة الفيلسوف وسط ترف البلاط. وما كاد يجلس على تخلص من الخصيان، والحلاقين، والجواسيس، الذين كانوا في خدمة قنسطنطيوس. ولما ماتت زوجته في شبابها صمم على ألا يتزوج بعدها أبداً، ولهذا لم يكن في حاجة إلى الخصيان، وكان يشعر أن في وسع الحلاق واحد أن يعنى بجميع موظفي القصر؛ أما الطهاة فلم يكن في حاجة إليهم لأنه لم يأكل إلا أبسط الأطعمة التي يستطيع أن يعدها أي إنسان. وكان هذا الإمبراطور الوثني يعيش عيشة الرهبان ويلبس كما يلبسون، ويلوح أنه لم يتصل اتصالاً جنسياً بالنساء بعد أن ماتت زوجته، وكان ينام على قش خشن في حجرة غير مدفأة ، ولا يسمح بتدفئة أية حجرة من حجراته طوال فصل الشتاء "لكي يعتاد تحمل البرد". ولم يكن يميل إلى اللهو والتسلية، فكان يهاب دور التمثيل، وما فيها من مسرحيات صامتة مثيرة للغريزة الجنسية، وأثار غضب العامة بالابتعاد عن ميدان السباق؛ فقد كان في الاحتفالات الكبرى يقضي فيه قليلاً من الوقت، ولكنه يجد أن لا فرق بين سباق وسباق، فلا يلبث أن يغادره. وقد أكبر الشعب في بادئ الأمر فضائله، وزهده، وانهماكه في العمل، وفي أزمات الحكم؛ وكانوا يشبهونه بتراجان في حسن قيادته العسكرية، وبأنطونينس بيوس في تقواه وصلاحه، وبماركس أورليوس في الجمع بين الملكية والفلسفة. وإنا ليدهشنا أن نرى هذا الوثني الشاب قد رضت عنه على الفور مدينة ودولة لم تعرفا منذ جيل من الزمان إلا أباطرة مسيحيين. وقد أرضى مجلس شيوخ بيزنطية بمحافظته على تقاليده وحقوقه دون أن يفخر بذلك أو يمن به عليه. وكان يقوم من مقعده ليحيي القناصل، ويمثل جميع المظاهر التي يتصف بها الإمبراطور من الوجهة النظرية، وهي أنه خادم لشيوخ الأمة وشعبها ومندوب عنهم. وقد حدث أن اعتدى من غير قصد على أحد الامتيازات الخاصة بمجلس الشيوخ، فما كان منه إلا حكم على نفسه بغرامة قدرها عشرة أرطال من الذهب، وأعلن أنه يخضع كما يخضع كل المواطنين لجميع قوانين الإمبراطورية وتقاليدها. وكان يقضي وقته من الصباح إلى المساء يكدح في أداء واجبات الحكم، لا ينقطع عن ذلك إلا فترة صغيرة بعد الظهر، يخصها بالدرس. ويحدثنا المؤرخون أن ما كان يتناوله من طعام خفيف قد أكسب جسمه وعقله نشاطاً عصبياً، كان يستطيع بفضله أن ينتقل من واجب إلى واجب ومن زائر إلى زائر، وأن يرهق بالعمل ثلاثة من أمناء السر في كل يوم، وكان يظهر في قيامه بواجبات القاضي منتهى النشاط والجلد والاهتمام؛ ويكشف في أثناء ذلك عن سفسطة المحامين، ويخضع في تواضع وأدب جم لآراء القضاة المدعمة بالبراهين والتي تخالف آراءه هو، وأعجب الناس جميعاً بعدالة أحكامه. ومن أعماله أنه خفض الضرائب المفروضة على الفقراء، ورفض التيجان الذهبية التي كانت التقاليد تقضي بأن تقدمها كل ولاية للإمبراطور الجديد، وألغى ما تجمع على إفريقية من الضرائب المتأخرة، وتجاوز على الجيزة الباهظة التي كانت مفروضة حتى ذلك الوقت على اليهود. وأصر على إلزام كل من يريد ممارسة مهنة الطب أن يحصل على ترخيص بممارستها، واشتد في تنفيذ ذلك كثيراً، وقصارى القول أنه توج انتصاراته العسكرية بنجاحه في الأعمال الإدارية. ويقول أميانوس إن "شهرته أخذت تنتشر شيئاً فشيئاً حتى عمت بقاع العالم". الإمبراطور الوثني ومع هذا النشاط الجم في شؤون الحكم كان أهم ما يولع به هو الفلسفة، وكانت غايته التي لم يغفل عنها يوماً ما هي أن يعيد الشعائر الدينية القديمة إلى سابق عهدها. ولكي يحقق هذه الغاية أمر بإصلاح الهياكل الوثنية وفتحها، ورد ما صودر من أملاكها، وإعادة ما كان لها من موارد. كذلك بعث بالرسائل إلى كبار الفلاسفة في عهده يدعوهم إلى القدوم إليه ليعيشوا ضيوفاً عليه في بلاطه. ولما أن قدم مكسموس، وكان يوليان يلقي خطبة في مجلس الشيوخ، قطع خطبته، وجرى بأسرع ما يستطيع ليحي أستاذه، وقدمه إلى المجلس، وأثنى عليه الثناء المستطاب، وعبَّر له عن شكره واعترافه بفضله. واغتنم مكسموس تحمس الإمبراطور فارتدى أحسن الثياب، وعاش عيشة الترف حتى أثار حوله الريب، ولما أن مات يوليان حوسب حساباً عسيراً على الوسائل التي جمع بها تلك الثروة الطائلة في هذا الوقت القصير(36). لكن يوليان لم يكن يلقي بالاً إلى المتناقضات التي بدت في حياة الرجل لأن حب الفلسفة قد ملك عليه كل تفكيره. ولهذا لم يصرفه عنها أي نقص في سلوك الفلاسفة.. وقد كتب في ذلك إلى يومنيوس يقول: "إذا جاءك أحد من الناس ليقنعك بأن ثمة شيئاً أعظم نفعاً للجنس البشري من دراسة الفلسفة على مهل ومن غير أن يعوقه عن دراستها عائق، فاعلم أنه مخدوع يريد أن يخدعك". وكان مولعاً بالكتب، يحمل معه مكتبته في حروبه، وقد وسع دار الكتب التي أنشأها قسطنطين، وأنشأ غيرها من الدور. وكتب في ذلك يقول: "من الناس من هو مولع بالخيل، ومنهم من هو مولع بالطير أو بالوحوش البرية؛ أما أنا فقد كنت منذ نعومة أظفاري مولعاً أشد الولع باقتناء الكتب"(38). وكان يفخر بأنه مؤلف وحاكم سياسي معاً، فصرف غير قليل من جهده في تبرير خططه السياسية بمحاورات على طريقة لوشيان Lucian، أو خطب من طراز خطب لبانيوس، أو رسائل لا تكاد تقل سحراً وطرافة عن رسائل شيشرون، أو مقالات فلسفية طوال. وقد شرح عقيدته الوثنية الجديدة في "ترنيمة لابن الملك"؛ وأوضح في مقاله "ضد أهل الجليل" الأسباب التي من أجلها ارتد عن المسيحية، وكتب في مقال له من النقد العالي يقول أن الأناجيل يناقض بعضها بعضاً، وإن أهم ما تتفق فيه هو أنها أبعد ما تكون عن العقل؛ فإنجيل يوحنا يختلف كل الاختلاف عن الثلاثة الأناجيل الأخرى في روايتها وفيما تحتويه من أصول الدين، وقصة الخلق التي جاءت في سفر التكوين تفترض تعدد الآلهة. فإذا لم تكن كل قصة من هذه القصص (الواردة في سفر التكوين) أسطورة لا أكثر، وإذا لم يكن لها، كما أعتقد بحق؛ تفسير يخفى عن الناس، فهي مليئة بالتجديف في حق الله. ذلك أنها تمثله، أول ما تمثله، جاهلاً بأن التي خلقها لتكون عوناً لآدم ستكون سبب سقوطه. ثم تمثله ثانياً إلهاً حقوداً حسوداً إلى أقصى الحقد والحسد، وذلك بما تعزوه إليه من أنه يأبى على الإنسان أن يعرف الخير والشر (وهي دون غيرها المعرفة التي تؤلف بين عناصر العقل البشري وتجعله وحدة متناسقة)، وأنه يخشى أن يصبح الإنسان مخلداً إذا طعم من شجرة الحياة. ولِمَ يكون إلهكم غيوراً حسوداً إلى هذا الحد فيأخذ الأبناء بذنوب الآباء؟... ولم يغضب الإله العظيم ذلك الغضب الشديد على الشياطين والملائكة والآدميين؟ ألا فوازنوا بين سلوكه وسلوك ليقورغ نفسه والرومان أنفسهم إزاء من يخرجون على القوانين. يضاف إلى هذا أن العهد القديم يقر التضحية الحيوانية ويتطلبها كما تقرها وتتطلبها الوثنية)... ولم لا تقبلون الشريعة التي نزلها الله على اليهود؟... تقولون إن الشريعة الأولى... كانت مقصورة على زمان ومكان معينين، ولكن في وسعي أن أنقل إليكم من أسفار موسى عشرات الآلاف -لا العشرات فقط- من الفقرات التي تقول إن الشريعة نزلت ليعمل بها في جميع الأزمان. – يوليان , رسالته "ضد أهل الجليل" التي شرح فيها الأسباب التي من أجلها ارتد عن المسيحية ولما أراد يوليان أن يعيد الوثنية وجد أنها لا تناقض بعضها بعضاً في العقائد والعبادات فحسب، بل أنها فوق ذلك تحتي في جميع أجزائها من المعجزات والأساطير التي لا يقبلها العقل أكثر مما تحتويه المسيحية؛ وأدرك من ثم أنه ما من دين يأمل أن يستميل إليه النفس البشرية العادية ويحركها إلا إذا خلع على مبادئه الأخلاقية غلالة من خوارق العادات، والقصص والطقوس التي تبهر العقول. ولشد ما تأثر بقدم الأساطير وبانتشارها بين أمم العالم أجمع. ومن أقواله في هذا: "إن الإنسان لعاجز عن أن يعرف متى اخترعت الأساطير أول الأمر... عجزه عن أن يعرف من هو أول رجل عطس ، ولهذا كله أسلم نفسه لدراسة الأساطير، ولم يرى عيباً في أن تستخدم في غرس المبادئ الأخلاقية الفاضلة في عقول غير المتعلمين ؛ ولم يستنكف هو نفسه أن يكرر قصة سيبيل Cybele، وكيف جيء بالأم العظمى في صورة حجر أسود من فريجيا إلى روما؛ وليس في مقدور أي إنسان يقرأ قصته أن يظن أنه يشك في ألوهية الحجر، أو في مقدرته على أن يستحيل أماً عظمى. ولقد تبين شدة الحاجة إلى الرموز الحسية لتنقل إلى الناس المبادئ الروحية. وكان يعيد العبادة المثراسية للشمس ديناً يحل عند عامة الشعب محل إجلال الفلاسفة للعقل والاستنارة. ولم يكن عسيراً على هذا المليك -الشاعر أن يكتب ترنيمة هليوس الملك، الشمس مصدر الحياة كلها، وواهب النعم التي لا تحصى للخلق. ويقول إن هذا هو الكلمة المقدسة التي خلقت العالم والتي هي الآن سنده ودعامته؛ وقد أضاف يوليان إلى هذا المبدأ الأسمى والعلة الأولى، في الأديان الوثنية القديمة من أرباب وجن يخطئهم الحصر، وكان يظن أن الفيلسوف المتسامح لا يجد حرجاً من قبولهم بقضهم وقضيضهم. وإنا لنخطئ إذا صورنا يوليان في صورة الرجل الحر التفكير الذي يستبدل العقل بالأساطير؛ ذلك أنه كان يشنع بالكفر ويعده من الحيوانية ، ويعلم الناس مبادئ لا تقل بعداً عن الأمور الطبيعية المعقولة عما نجده في أي دين من الأديان؛ وقلما كتب إنسان من السخف مثل ما كتب يوليان في ترنيمته للشمس؛ وقد قبلت التثليث الذي تقول به الأفلاطونية الحديثة، وقال إن الأفكار الخلاقة الأولى التي يقول بها أفلاطون هي بعينها عقل الله؛ وكان يرى أنها هي الحكمة التي صنعت كل شيء، وينظر إلى عالم المادة والجسم كأنه عقبة من فعل الشيطان يضعها في طريق الفضيلة المؤدي إلى تحرير الروح السجينة؛ وفي اعتقاده أن النفس البشرية، إذا ما سلكت طريق التقى والصلاح والفلسفة، قد تتحرر من سجنها هذا وتسمو إلى آفاق التفكير في الحقائق والشرائع الروحية، وتندمج بهذا في الحكمة الإلهية، بل ربما اندمجت في الله الأزلي نفسه. ولم تكن أرباب الشرك الكثيرة، في اعتقاد يوليان، إلا قوى غير شخصية؛ كما انه لم يكن في وسعه أن يؤمن بها في صورها المجسدة البشرية كما يؤمن عامة الناس، ولكنه كان يعرف أن الناس قلما تسمو بهم أفكارهم إلى التجريدات التي تسمو إليها عقول الفلاسفة، أو إلى الرؤى الصوفية التي يراها القديسيون؛ وكان يمارس الشعائر القديمة في السر والعلن، وبلغ ما ضحى به من الحيوانات للآلهة من الكثرة حداً جعل المعجبين به أنفسهم يغضون أبصارهم حياء من هذه المجازر. وكان في أثناء حروبه ضد الفرس يستشير مهابط الوحي، ويتفاءل ويتطير كما كان يفعل القواد الرومان، ويعنى أشد العناية بالاستماع إلى تفسير الأحلام، ويبدو أنه كان يؤمن بسحر مكسموس. وكان يرى كما يرى كل مصلح أن العالم في حاجة إلى تجديد من الناحية الأخلاقية؛ ولكي يصل إلى هذه الغاية لم يقصر همه على سن القوانين الخارجية بل سعى إلى أن يتقرب عن طريق الدين إلى قلوب الناس وسرائرهم. وقد تأثر أشد التأثر بطقوس إليوسيز وإفسوس الرمزية، وكان يرى أنه ليس ثمة طقوس أصلح منها لأن تبعث في قلوب الناس حياة جديدة أنبل من حياتهم السابقة، ويأمل أن المراسم المتبعة مع من يريد الاندماج في أصحاب هذه الطقوس وفي رسامتهم يمكن أن تتسع فتتعدى القلة الأرستقراطية إلى طائفة كبير من الشعب. ويحدثنا ليبانيوس أنه "كان يفضل أن يسمى قساً من أن يسمى إمبراطوراً(44)". وكان يحسد السلطة الكهنوتية المسيحية، على نظمها الحسنة وعلى إخلاص قساوستها ونسائها، وروح المساواة التي تسود المصلين والمتعبدين في كنائسها، والصدقات التي تؤلف بين قلوب أهل ذلك الدين وتستميل نفوسهم إليه. ولم يكن يترفع عن أن يأخذ خير ما في الدين الذي يرجو أن يقوض أركانه ويستبدل به غيره، وقد أدخل عناصر جديدة في الكهانة الوثنية، ونظم كنيسة وثنية وضع نفسه على رأسها، وألح على من دونه من الكهنة أن يجادلوا رجال الدين المسيحيين ويتفوقوا عليهم في تعليم الشعب، وتوزيع الصدقات على الفقراء، وفي استضافة الغرباء، وفي ضرب أحسن الأمثلة في التقى والصلاح. وقد أنشأ في كل مدينة مدارس تلقى فيها المحاضرات في الدين الوثني وتعرض فيها مبادئه. وكان يكتب لكهنته الوثنيين كما كتب من بعده القديس فرنسيس لأتباعه من الرهبان فيقول: عاملوني بما تظنون أني سأعاملكم به، ودعونا نتعاهد فيما بيننا على أن أبين لكم آرائي في جميع شئونكم، وأن تفعلوا أنتم معي في مقابل هذا نفس العمل فيما يختص بأقوالي وأعمالي، وفي اعتقادي أن ليس ثمة أعظم قيمة من تبادل الرأي على هذا النحو.... ومن واجبنا أن نقتسم مالنا مع الناس جميعاً، وعلى الأخص مع الصالحين، والضعفاء والفقراء. وأصارحكم القول، وإن بدا لكم أن في قولي هذا تناقضاً، إن من الأعمال الدالة على التقي والصلاح أن نقتسم ثيابنا وطعامنا مع الأشرار؛ ذلك أننا حين نعطي إنما نعطي الإنسانية الممثلة في الناس، ولا نعطي خلقه طيبين كانوا أو خبيثين. – يوليان , رسالة إلى الكهنة والحق أن هذا الرجل الوثني كان مسيحياً في كل شيء عدا عقيدته؛ ونحن إذا ما قرأنا ما كتبه، وغضضنا النظر عن أساطيره المجردة من الحياة، خيل إلينا أنه مدين بكثير من تطورات خُلُقه إلى المبادئ الأخلاقية المسيحية التي لُقِّنها في طفولته وشبابه المبكر. فكيف كان مسلكه إذن إزاء الدين الذي ربي في أحضانه؟ لقد ترك للمسيحية كامل حريتها في الوعظ، والعبادة، وممارسة جميع شعائرها، وأعاد الأساقفة المستمسكين بدينهم القديم، والذين نفاهم قنسطنطيوس. لكنه منع عن الكنيسة المسيحية ما كانت تقدمه لها الدولة من إعانات مالية، وحرم على المسيحيين أن يشغلوا كراسي البلاغة، والفلسفة، والأدب في الجامعات، وكانت حجته في ذلك أن هذه الموضوعات لا يمكن أن تجد مدرسين يعطفون عليها إلا من بين الوثنيين ؛ ووضع حداً إعفاء رجال الدين المسيحيين من الضرائب وغيرها من الفروض المدنية المرهقة، ولحق القساوسة في أن ينتفعوا من غير أجر بالمزايا والتسهيلات المخولة للموظفين العموميين. كذلك حرم الوصية بالمال للكنائس، كما حرم المناصب الحكومية على المسيحيين ، وأمر الجماعات المسيحية في كل بيئة أن يعوضوا الهياكل الوثنية تعويضاً كاملاً عما أنزلوه بها من الأضرار في أثناء حكم الأباطرة السابقين؛ وأجاز هدم الكنائس المسيحية المقامة على الأراضي التي اغتصبت ظلماً وعدواناً من المزارات والأضرحة الوثنية. ولما أن وقع الاضطراب والظلم والشغب نتيجة لهذا المنطق المتهور حاول يوليان أن يرد الأذى عن المسيحيين، ولكنه أبى أن يلغى ما سنه من القوانين. ولقد أظهر قدرته على السخرية التي قلما تليق بفيلسوف مثله، حين ذكَّر بعض المسيحيين الذين وقع عليهم العدوان بأن "كتابهم المقدس يهيب بهم أن يصبروا على الأذى " وعوقب المسيحيون الذين ردوا على هذه القوانين بالعنف أو الإهانات عقاباً صارماً، أما الوثنيون الذين لجأوا إلى الإهانة في معاملتهم للمسيحيين فقد عوملوا باللين. من ذلك أن العامة من الوثنيين أهل الإسكندرية كانوا يحقدون أشد الحقد على جورج، الأسقف الأريوسي الذي أغتصب كرسي أثناسيوس، لأنه أثار حفيظتهم بموكب عام سخر فيه من الطقوس المثراسية، فقبضوا عليه ومزقوا جسمه إرباً؛ ومع أن المسيحيين، إلا قلة منهم لا تستحق الذكر، لم يهتموا بالدفاع عنه، فقد قتل أو جرح كثيرون من المسيحيين فيما صحب هذه الفتنة من اضطراب (362). وأراد يوليان أن يعاقب من أحدثوا الشغب، ولكن مستشاريه أقنعوه بأن يكتفي بإرسال خطاب احتجاج شديد إلى أهل الإسكندرية. وفي هذا الوقت خرج أثناسيوس من مخبئه واستعاد كرسي أسقفيته، ولكن يوليان أنكر عليه هذا العمل قائلاً إنه لم يؤخذ فيه رأيه، وأمر أثناسيوس أن يعتزل منصبه. وصدع الأسقف الشيخ بالأمر، ولكن الإمبراطور توفي في السنة التالية، وعاد البطرق رمز أهل الجليل المنتصرين إلى كرسيه، ولبث فيه إلى أن مات في الثمانين من عمره، بعد عشر سنين من ذلك الوقت، مثقلاً بمظاهر الشرف ومثخناً بالجراح. وكان اندفاع يوليان ومثابرته الشديدة على تنفيذ منهجه سبباً في إخفاقه آخر الأمر. ذلك أن من أساء إليهم يقاومونه بإصرار ومعاندة، ومن اجتباهم لم يستجيبوا له في حماسة. ومرد هذا أن الوثنية كانت قد ماتت من الناحية الروحية، ولم يبق فيها ما يجدد شبابها، أو يواسيها في أحزانها، أو يبعث في أهلها الأمل في الدار الآخرة، نعم إن بعض الناس قد اعتنقوها في تلك الأيام الأخيرة، ولكن معظمهم لم يفعلوا ذلك إلا لما كانوا ينتظرون أن ينالوه من المطامع السياسية أو الذهب الإمبراطوري. كذلك عادت بعض المدن إلى تقديم القرابين الرسمية، ولكنها كانت تؤدى بهذا الثمن ما تناله من العطف عليها والعناية بمصالحها. وقد اضطر يوليان في بسينس Pcssinus نفسها، وهي بيت سيبيل، أن يرشو أهلها لكي يعظموا الأم العظمى. وقام كثير من الوثنيين يفسرون الوثنية بأنها مراعاة الذمة والضمير في انتهاب الملذات؛ وساءهم أن يجدوا يوليان أكثر تزمتاً من المسيح، فقد كان هذا الرجل الحر في التفكير أتقى رجل في الدولة، وكان أصدقاؤه أنفسهم يجدون من أصعب الأشياء عليهم أن يجاروه في ورعه، ومنهم من كانوا متشككة يسخرون سراً من أربابه الذين ولى زمانهم ومن الذبائح التي كان يستعطف بها أولئك الأرباب. ذلك أن عادة التضحية بالحيوان على المذبح كانت قد ماتت أو كادت أن تموت في الشرق، وفي كل ما عدا روما من بلاد الغرب، وشرع الناس ينظرون إليها على أنها عمل يجلل صاحبه العار، أو أنها في القليل طعام يشترك في أكله الناس. وكان يوليان يسمي حركته هذه "الهلينية"، ولكن هذه التسمية قد اشمأزت منها نفوس الوثنيين الطليان، الذين كانوا يحتقرون كل شيء يوناني غير ميت. وكان يفرط في الاعتماد على الجدل الفلسفي الذي لم يصل في يوم من الأيام إلى أن يكون الأساس العاطفي للدين؛ كذلك لم يكن أحد يفهم مؤلفاته إلا الفئة المتعلمة، التي كان تعليمها يحول بينها وبين قبول ما في هذه المؤلفات من الأفكار، ولم تكن عقائده إلا توفيقاً مصطنعاً بين متناقضات، وكانت خالية من الجذور التي تمتد إلى آمال الناس أو خيالهم. ولقد لاحت بوادر إخفاقه حتى قبل وفاته، ولم يستنكف الجيش الذي أحبه وحزن عليه أن يرشح مسيحياً ليخلفه على العرش. الحملة الفارسية وكان حلمه الأخير العظيم أن يفعل ما فعله الإسكندر وتراجان: فيرفع العلم الروماني على العواصم الفارسية، ويقضي القضاء النهائي على الخطر الفارسي الذي كان يهدد أمن الدولة الرومانية وسلامتها. وللوصول إلى هذه الغاية عني أعظم عناية بتنظيم الجيش، وباختيار ضباطه، وترميم الحصون المشيدة على التخوم وخزن المؤن في المدن القائمة على طريق نصره. فلما تم له ذلك جاء إلى إنطاكية في خريف عام 362، وجمع فيها جنوده؛ واغتنم تجار المدينة احتشاد الجنود فيها فرفعوا أسعار الحاجيات، وشكا الناس قائلين "إن كل شيء موفور ولكن كل شيء غالي الثمن". فما كان من يوليان إلا أن استدعى إليه رؤساء الأعمال الاقتصادية وأخذ ينصحهم بالحد من مكاسبهم، فوعدوه بذلك ولكنهم لم يوفوا بوعدهم؛ فلما يئس منهم "حدد ثمناً عادلاً لكل سلعة وأعلنه للناس جميعاً"، ثم عمل على استيراد أربعمائة ألف موديوس من القمح من بلدان سوريا و مصر وأحتج التجار بأن الأثمان التي حددها لم تترك لهم شيئاً من الأرباح، وابتاعوا في الخفاء القمح المستورد، ونقلوه هو وبضاعته إلى مدن أخرى، ووجدت إنطاكية نفسها تزخر بالنقود وتفتقر إلى الطعام. وسرعان ما قام العمة ينددون بيوليان لتدخله في هذه الشؤون، وأخذ الفكهون يسخرون من لحيته ومن انهماكه في خدمة الآلهة الأموات. ورد عليهم يوليان بنشرة أصدرها سماها "كاره اللحى" (Misopogon) حوت من الفكاهة والمتعة ما لا يتفق مع مقام إمبراطور. فقد اعتذر في سخرية عن لحيته، وعنف أهل أنطاكية على وقاحتهم، وطيشهم، وإسرافهم، وفساد أخلاقهم، واستخفافهم بآلهة اليونان. وكانت الحديقة الشهيرة المعروفة باسم دافني Daphne، والتي كانت من قبل مزاراً مقدساً لأبلو، قد حولت إلى مكان للهو والتسلية، فأصدر يوليان أمره أن يمنع اللهو منها وان تعود مزاراً مقدساً كما كانت من قبل؛ وما كاد هذا العمل يتم حتى التهمتها النيران؛ وظن يوليان أن الحريق من فعل المسيحيين فأغلق كنيسة إنطاكية، وصادر أملاكها، وعذب كثيرين من الشهود، وقتل أحد القساوسة. ولم يجد الإمبراطور في إنطاكية سلوى إلا "وليمة العقل" التي اجتمع فيها بليبانيوس. وفاته وأخيراً تأهب الجيش للنزول إلى الميدان، وبدأ يوليان الحرب في شهر مارس من عام 363 ، فسار على رأس جيوشه وعبر نهر الفرات ، ثم نهر دجلة ، وطارد الفرس المتقهقرين، ولكنه لاقى الأمرين، وكاد يلاقي الهزيمة من جراء "إجداب الأرض" وهي الخطة التي اتبعها الفرس وأرادوا بها إحراق جميع المحصولات في كل جزء يخلونه من البلاد، حتى كان الجنود يوليان يموتون من الجوع مرة بعد مرة، وقد أظهر الإمبراطور في هذه الحروب المضنية أحسن ما اتصف به من خلال، فكان يشارك جنوده كل ما يعترضهم من صعاب، ويكتفي مثلهم بالقليل وبأقل من القليل ويسير مثلهم على قدميه في القيظ، ويخوض مجاري المياه، ويحارب في الصفوف الأولى في جميع المعارك. وكان من بين الأسرى فارسيات ذوات جمال في نضرة الشباب؛ ولكنه لم يقتحم عليهن خلوتهن، ولم يسمح لإنسان أن يمس بأذى شرفهن. وتقدم الجنود تحت قيادته القديرة حتى طرقوا أبواب قطشيفونة Ctesiphon (المدائن)، وضربوا عليها الحصار، ولكنهم اضطروا إلى الارتداد عنها لعجزهم عن الحصول على الطعام. واختار شابور الثاني رجلين من أشراف الفرس وجدع أنفيهما وأمرهما أن يذهبا إلى يوليان ويدعيا أنهما قد فرا من عند الملك لقسوته عليهما واعتدائه الصارخ على كرامتهما، ثم يقودانه هو وجيشه إلى صحراء جدباء. وفعل الرجلان ما أمرا به، وصدقهما يوليان وسار خلفهما هو وجيشه مسافة عشرين ميلاً حتى وجد نفسه في صحراء جدباء لا ماء فيها ولا نبات، وبينا كان يحاول إنقاذ رجاله من هذا الفج الذي نصب له هاجمته قوة من الفرس، ولكنه صد هجومها وردها على أعقابها، وفر الفرس لا يلوون على شيء. وكان يوليان في مقدمة المطاردين غير عابئ بأنه ليس على جسمه دروع: فأصابته حربة في جنبه نفذت إلى كبده، فسقط على ظهر جواده وحمل إلى الخيمة، وأنذره طبيبه بأنه لن تطول حياته أكثر من بضعة ساعات. ويقول ليبانيوس إن الذي رماه بالحربة رجل مسيحي، ومما هو جدير بالذكر أن أحداً من الفرس لم يطالب بالمكافأة التي وعد بها شابور من يقتل الإمبراطور. ومن المسيحيين من يؤيد رواية ليبانيوس ويثني على القاتل "الذي أقدم على هذا العمل الجريء حباً في الله وفي الدين" ، ومن هؤلاء سوزومين Sozomen. وكانت الساعة الأخيرة من حياة يوليان خليقة بتقاليد سقراط وسنكا، وقد وصفها أميانوس فقال: إن يوليان وهو مسجى في خيمته خاطب رفاقه المحزونين الذين ملك الأسى قلوبهم بقوله: "أيها الأصدقاء، إن هذه الساعة لهي أنسب الأوقات التي أغادر فيها هذه الحياة، وأردها إلى الطبيعة بعد أن طلبت ردها إليها"... وبكى جميع الحاضرين فلامهم على بكائهم محتفظاً حتى في تلك الساعة بسلطانه عليهم، وقال لهم أنه لا يليق بهم أن يحزنوا من أجل زعيم دعي للاتحاد بالسماء وبالنجوم. ولما أن أسكنهم بقوله هذا دخل مع الفيلسوفين مكسموس وبرسكوس في حوار دقيق عن شرف النفس ونبلها. وفي أثناء هذا النقاش اتسع الجرح الذي في جنبه فجاءةً، وحال ضغط الدم المتدفق بينه وبين التنفس؛ وبعد أن تناول جرعة من الماء البارد طلبها إلى الحاضرين أسلم الروح وكان في الثانية والثلاثين من عمره . وكان الجيش لا يزال معرضاً للخطر وفي حاجة إلى قائد، فاختار زعماؤه جوفيان Jovian قائد الحرس الإمبراطوري. وعقد الإمبراطور الجديد الصلح مع فارس، بأن رد إليها أربعاً من الولايات الخمس التي انتزعها منها دقلديانوس منذ سبعين عاماً. ولم يضطهد جوفيان إنساناً، ولكنه لم يلبث أن حول تأييده من الهياكل الوثنية إلى الكنيسة المسيحية. واحتفل مسيحيو أنطاكية بموت الإمبراطور الوثني احتفالاً عاماً أظهروا فيه الفرح والابتهاج(57)، وإن كان زعماء المسيحيين المنتصرين كانوا في معظم الأحوال يحضون جماعات المصلين أن يكونوا كراماً، وأن ينسبوا ما أصاب المسيحية من أذى. وانقضت بعد ذلك أحد عشر قرناً قبل أن تشهد المسيحية يوماً آخر كهذا اليوم. قبر يوليان As he had requested, Julian's body was buried in Tarsus. It lay in a tomb outside the city, across a road from that of Maximinus Daia.[2] But we learn from Zonaras that at some "later" date his body was exhumed and reburied in or near the Church of the Holy Apostles in Constantinople, where Constantine and the rest of his family lay.[3] His sarcophagus is listed as standing in a "stoa" there by Constantine Porphyrogenitus.[4] The church was demolished by the Muslims after the fall of Constantinople in 1453. Today a sarcophagus of porphyry is identified as his and stands in the grounds of the Archaeological Museum in Istanbul. كتاباته وضع يوليانوس ثلاثة كتب ضد المسيحية "ضد الجليليين" طعن فيها في ألوهية المسيح وشكّك في أقواله وتعاليمه ومعجزاته[5]. رد البابا كيرلس الأول علي أفكار الإمبراطور يوليانوس في مصنفاته العشرة التي كانت موضع فخر الشباب الوثنيين باعتقاد أنها هدمت أركان الدين المسيحي. فقام البابا كيرلس بالرد عليها وقام بمناوءة أصحاب الفكر غير الارثوذكسى حتى تمكن من قفل كنائسهم والاستيلاء علي أوانيها. [[ملف:هبة175.pngتعليق]] .[20] Wright indicates the oration numbers provided in W.C.Wright's edition of Julian's works. المصادر 1.^ ول ديورانت. "مجلد 4 كتاب 1 باب 1: يوليان المرتد", قصة الحضارة. 2.^ Libanius, Oration 18, 306; Ammianus Marcellinus 23, 2.5 and 25, 5.1. References from G. Downey,The tombs of the Byzantine emperors at the Church of the Holy Apostles in Constantinople, Journal of Hellenic Studies 79 (1959) p.46 3.^ Downey gives the text: '...later the body was transferred to the imperial city' (xiii 13, 25) 4.^ Glanville Downey, The tombs of the Byzantine emperors at the Church of the Holy Apostles in Constantinople, Journal of Hellenic Studies 79 (1959) 27-51. On p.34 it states that the Book of Ceremonies of Constantine Porphyrogenitus gives a list of tombs, ending with: "43. In this stoa, which is to the north, lies a cylindrically-shaped sarcophagus, in which lies the cursed and wretched body of the apostate Julian, porphyry or Roman in colour. 44 Another sarcophagus, porphyry, or Roman, in which lies the body of Jovian, who ruled after Julian." 5.^ St Mina 6.^ أ ب Athanassiadi, p.61. 7.^ Athanassiadi, pp. 62–3. 9.^ The manuscript tradition uses the name "Sallustius", but see Bowersock, p.45 (footnote #12), and Athanassiadi, p.20. 10.^ Athanassiadi, p.85. 11.^ Athanassiadi, p.90. 12.^ Athanassiadi, p.131. 13.^ Athanassiadi, p.141, "at the same time" as To The Cynic Heracleios. 14.^ Athanassiadi, p.137. 15.^ Athanassiadi, p.197, written for the Saturnalia festival, which began December 21. 16.^ Athanassiadi, p.148, doesn't supply a clear date. Bowersock, p.103, dates it to the celebration of Sol Invictus, December 25, shortly after the Caesars was written. 17.^ Athanassiadi, p.201, dates it "towards the end of his stay in Antioch". 18.^ Athanassiadi, p.161. 19.^ Not dealt with in Athanassiadi, or dated by Bowersock, but reflects a time when Julian was emperor, and he had other issues to deal with later. 20.^ Julian's Opera, edited by J.Bidez, G.Rochefort, and C.Lacombrade, with French translations of all the principal works except Against the Galilaeans, which is only preserved in citations in a polemic work by Cyril.

المراجع

www.marefa.org/index.php/%D8%AC%D9%88%D9%84%D9%8A%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D8%AA%D8%AFموسوعة المعرفة

التصانيف

ابحاث