حول تعذيب النساء وما يشمله من إنتهاكات لحقوق الإنسان حسن عبادي يُعدّ تعذيب النساء أحد الإنتهاكات الأساسية لحقوق الإنسان،التي يحرمها القانون الدولي في جميع الأحوال والظروف، وبالرغم مما حققته المرأة في شتى أنحاء العالم من تأكيد حقوقها، فما برح تعذيب النساء أمراً واقعاً يحدث كل يوم، فهو سلوك راسخ تكمن جُذوره في التمييز الواسع النطاق الذي ما زال ينكر على المرأة حقها في المساواة مع الرجل، بل ويضفي الشرعية على ما يُمارس ضدها من عنف. وأحياناً يكون مرتكبو أعمال العنف ضد المرأة من الموظفين الحكوميين، مثل ضباط الشرطة والجنود وحراس السجون، وأحياناً يكون هؤلاء من أفراد جماعات مسلحة تخوض صراعاً ضد الحكومة، إلا أن القسط الأعظم من الإنتهاكات البدنية والنفسية والجنسية التي تكابدها المرأة هو ذلك الذي يرتكبه الأقارب والمعارف،كالأزواج أو الآباء أو أرباب الأعمال أو الجيران، إن لتعذيب المرأة جذوراً تتأصل في ثقافة كونية تحرم المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل، وتضفي الشرعية على إمتلاكه جسد المرأة بالعنف، سواء من اجل التمتع الشخصي أو لخدمة أغراض سياسية، ورغم ما حققته المرأة من نجاحات في مختلف أنحاء العالم في تأكيد حقوقها،فإن ما تحصل عليه في مختلف بقاع الارض من أجر يظل أدنى مما يحصل عليه الرجل، وما تملكه أقل،وفرصها في التعليم والعمل والرعاية الصحية أكثر شحاً، وما انفك التمييز المتفشي ضد المرأة يحرمها من المساواة السياسية والإقتصادية التامة مع الرجل. إن ما يمارس من عنف ضد المرأة يغذي هذا التمييز ويؤجج سعيره، فعندما تنتهك حرمة المرأة في الحجز، وعندما تغتصب قوات مسلحة النساء باعتبارها »غنائم حرب«وعندما يروعن في بيوتهن بفعل ما يرتكبه الرجال من عنف ضدهن،فإن هذا ليس إلاّ استعراضاً لعلاقات قوة لا تكافؤ فيها بين الرجل والمرأة، ويفاقم من وطأة هذا العنف ما يقع من تمييز ضد المرأة على أساس الجنس أو الأصل العرقي أو الميل الجنسي أو الوضع الإجتماعي أو الوضع الطبقي، كما أن هذا التمييز المركب يحد أكثر فأكثر من خيارات المرأة،ويزيد من تعرضها للعنف، مما يزيد من صعوبة إنصافها. في كل عام يدمّر العنف المنزلي وعنف المجتمع حياة الملايين من النساء، رغم أن العنف ضد المرأة أصبح محرماً في القانون في كل مكان تقريباً، إذ للعنف ضد المرأة جذوره العميقة في ما يمارس ضدها من تمييز، هو بدوره يعزز هذا التمييز،وعدم ضمان الدولة للمرأة فرصا متكافئة مع الرجل في التعليم والمأوى والغذاء والعمل واشغال المواقع الرسمية ليس سوى وجه آخر لمسؤولية الدولة عن ما يلحق بالمرأة من إساءات، واستمرار التمييز ضد المرأة يسهم في عدم إسهامهن بالقدر الكافي في صنع القرار، إذ أن النساء الفقيرات والمهمشات إجتماعياً يتعرضن أكثر من غيرهن للتعذيب وسوء المعاملة، وفي حالات عديدة تضاعف السياسات والممارسات الاجتماعية العنصرية وتلك القائمة على التمييز ضد الجنسين، من وطأة العنف الذي تتعرض له المرأة، وتعرضها أكثر فأكثر للمزيد من العنف، والأعراف الإجتماعية والثقافية التي تحرم المرأة من المساواة في الحقوق مع الرجل إنما تفاقم من إنكشاف المرأة للإساءة الجسدية والجنسية والنفسية، والخيط الذي ينظم كل هذا إن هو إلا التمييز ضد المرأة،وحرمانها من حقوقها الإنسانية الأساسية لا لشيء إلاّ لكونها إمرأة. إن المصدر الأكبر للعنف الذي يتهدّد النساء، بلا إستثناء، هم الرجال الذين يعرفنهم، وليس »خطر الغرباء«وغالباً ما يكون هؤلاء أفراد العائلة أو الأزواج، وكانت النظرة إلى العنف المنزلي ضد المرأة في الماضي هي أنه شأن شخصي، وليس أمراً يتعلق بالحقوق المدنية والسياسية،أما اليوم، فقد اعترف المجتمع الدولي صراحةً بأن العنف ضد المرأة هو قضية من قضايا حقوق الإنسان تُسأل عنها الدولة.وبحسب التقارير الدولية العالمية،فإن ما لا يقل عن 20بالمائة من النساء في مختلف أنحاء العالم قد تعرضن للإساءة الجسدية أو الإعتداء الجنسي. وتقول التقارير الرسمية في الولايات المتحدة الأمريكية إن كل 15 ثانية تمر تشهد تعرض إمرأة للضرب المبرح،وان 000،700 إمرأة تتعرض للإغتصاب كل عام، وفي الهند ما يربو على 40بالمئة من النساء المتزوجات ذكرن بأنهن يتعرضن للركل أو الصفع أو الإساءة الجنسية لأسباب من قبيل عدم رضى أزواجهن عن طهوهن أو تنظيفهن للمنزل أو لغيره، وعليه فإن العنف المنزلي إنتهاك لحق المرأة في السلامة الجسدية ويمكن أن يتسبب في مشكلات صحية خطيرة طويلة الأجل، تتجاوز الإصابة المباشرة، ومن الواضح أن آثاره الجسدية والنفسية ذات طبيعة تراكمية يحتمل أن تدوم حتى بعد أن يتوقف العنف نفسه، والعنف المنزلي يخلق الرهبة والشعور بالإهانة والمذلة، ويدمر إحترام الإنسان لذاته. إن نساء ينتمين إلى كل الطبقات الاجتماعية والأجناس والديانات والفئات العمرية المختلفة يتعرضن للعنف على أيدي الرجال الذين يشاركونهن حياتهن، وكذلك فإن إساءة المعاملة والعنف لا تقتصر على أي جزء من العالم، ففي الولايات المتحدة الأمريكية تكثر ظاهرة تعذيب العاملات في المنازل مثلاً، وخاصة من لا يتمتعن بوضع قانوني منهن، في ظروف العمل القسري، وتصادر أوراقهن الثبوتية، ويتعرضن لتشكيلة من الإساءات، بما فيه 000،20 حالة من الإعتداء الجنسي والجسدي. أ.التعذيب وإساءة المعاملة بإسم \"الشرف\" ثمة فتيات ونساء من جميع الأعمار يتعرضن للإعتداءات بدافع الشرف في بلدان مختلفة بعد إتهامهن بأنهن قد جلبن العار لعائلاتهن ومجتمعهن نتيجة سلوكهن، ويكون أحياناً نتيجة لتجاذب الحديث مع رجل غريب أو إقامة علاقة جنسية خارج نطاق الزواج أو حتى كونهن ضحية حادثة إعتداء جنسي أو اغتصاب، »ونظام الشرف«لا يسامح، فمن وقع عليها الشك لا فرصة لها للدفاع عن نفسها وليس لدى أفراد عائلتها من بديل يقبل به المجتمع سوى إزالة ما لطخ شرفهم من عار،أي ممارسة الإعتداء على المرأة. إن معاملة المرأة كسلعة يملكها أقاربها من الذكور،وفي جرائم الشرف ينظر إليها بأنها الطرف المذنب،وإلى الرجل الذي»كان يملكها«وعلى أنه الضحية التي عانت خسارة شرفها،وبالنتيجة، فهو الشخص المحزون الذي ينصب عليه عطف المجتمع. ب.تجارة النساء نادراً ما يقع إنتهاك حق المرأة في الحرية من التعذيب بمعزل عن إنتهاكات أخرى، تتزايد في الآونة الأخيرة ظاهرة النساء اللواتي يشترين ويبعن، سواء من يهّربن للإتجار بهن من أجل العمل في تجارة الدعارة والجنس أو من يسترققن للعمل، فكثيراً ما يتعرضن لمزيد من العقوبات إذا ما تجرأن على الكلام،وكثيراً ما تُساق إلى دولة أجنبية بحجة ما، وحال وصولها تؤخذ نقودها وجواز سفرها وأوراقها الثبوتية وتذكرة العودة وتُنقل إلى إحدى الشقق حيث تحتجز وتجبر على العمل كمومس، كما يحدث في إسرائيل، والجدير بالذكر إن الإتجار بالبشر يشكل ثالث أكبر مصدر للربح في عالم الجريمة المنظمة على الصعيد الدولي ،بعد المخدرات والسلاح، ويصل عدد الأشخاص الذين يتم تهريبهم كل عام للإتجار بهم إلى 4 ملايين شخص سنوياً. هذا ويجري توريط النساء في هذه الأنشطة بإستخدام إدعاءات كاذبة، وإكراههن ونقلهن وبيعهن وإخضاعهن لألوان مختلفة من الإستغلال، ومن بين أشكال الإستغلال العمل القسري - بما فيه العمل القسري في المنازل أو الإستغلال الجنسي ولا سيما السياحة الجنسية والزيجات القسرية. أن النساء المهربات يخضعن لمجموعة واسعة من الإنتهاكات لحقوق الإنسان يرقى إلى مستوى إساءة المعاملة أو التعذيب، إذ يتعرضن للإساءة الجنسية والإغتصاب لكسر مقاومتهن النفسية والعاطفية وبهدف إجبارهن على العمل كعاهرات في سوق الدعارة، كما وتضرب العديدات منهن ويغتصبن لمعاقبتهن على محاولة الهرب أو رفض معاشرة الزبائن أو رفضهن ممارسة الجنس دون إستعمال وسائل الوقاية، وعدا عن العنف الجسدي،تتعرض النساء المهربات لإنتهاكات أخرى ومنها الإحتجاز غير القانوني ومصادرة أوراقهن الثبوتية وحتى الاسترقاق والعبودية. إن الإتجار بالنساء محرم بموجب العديد من المعاهدات الدولية لحقوق الإنسان، بما فيه الإتفاقية الملحقة باتفاقية القضاء على الرق والعبودية وتجارة الرقيق. ج: التعذيب وإساءة المعاملة في الزيجات القسرية تعاني النساء والفتيات في بعض البلدان من التعذيب وسوء المعاملة بعد إجبارهن على الزواج، من قبل الوالدين في العادة.والزواج القسري هو بحد ذاته إنتهاك لحقوق الإنسان ويخلق سياقاً تتم فيه المعاشرة الجنسية دون رضى، كما يولد العنف الجسدي، يشكل الزواج القسري إنتهاكاً لشرط القبول الحر والتام من قبل الطرفين الذي ينطوي عليه حق الزواج.وينص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أن)»لا يبرم عقد الزواج إلا برضى الطرفين الراغبين في الزواج رضاً كاملاً لا إكراه فيه«كما أن الزواج القسري يشكل إنتهاكاً لحقوق أخرى من حقوق المرأة،بما في ذلك حقها في التحرر من التمييز، وفي الحرية والأمن الشخصيين،وفي التحرر من الممارسات الشبيهة بالعبودية. إن زواج الفتيات الصغيرات اللاتي لسن في وضع يؤهلهن للموافقة القائمة على المعرفة بالعلاقات الجنسية يشكل إنتهاكاً لإتفاقية حقوق الطفل،التي تنادي بحق الطفل في الحرية من الإساءة الجنسية: فمثل هذه الزيجات المبكرة تخضع الفتيات الصغيرات، اللاتي لم يكن قد بلغن سن الحلم أحياناً، وغير الناضجات بصورة عامة، لعلاقات جنسية غير قائمة على التراضي ترقى إلى مرتبة الإساءة الجنسية للطفل. وتتم الزيجات القسرية -أي الزيجات التي تتم دون موافقة أحد الشريكين أو كليهما - بحسب ثقافات وتقاليد متباينة. وفي العادة، الطرف الذي لا يُسأل عن موافقته أو يتم تجاهل عدم قبوله هو المرأة، وفي بعض البلدان يتم التفاوض بين الوالدين بشأن الزواج مع والدي الزوج الموعود، متجاهلين رغبات إبنتهم وأحياناً تتم صفقات بين الأهالي تشمل دفع ثمن الزوجة. د.الإساءة في المجتمع كثيراً ما تقع النساء اللواتي لا يمتثلن في أسلوب حياتهن لتوقعات مجتمعهن ضحايا لا للنبذ الإجتماعي فحسب، وإنما للمعاملة العنيفة أيضا، فالخيار المتاح أمام المرأة لممارسة النشاط الجنسي، في معظم المجتمعات، يقتصر على الزواج من رجل ينتمي إلى المجتمع نفسه، وكثيراً ما تتعرض المرأة التي تقدم على خيارات لا يقرها المجتمع للممارسات العنيفة والمعاملة المهينة، سواء أكان ذلك بإقامة علاقة جنسية خارج نطاق الزواج، أو إقامة هذه العلاقة خارج نطاق الجماعة العرقية أو الدينية أو الطبقة الاجتماعية التي تنتمي إليها، أو إقامة علاقة جنسية تختلف عما إعتاد عليه مجتمعها من علاقات جنسية غيرية. إن الصلة بين السيطرة على الحياة الجنسية للمرأة وبين ممارسة العنف ضدها تتعدى حدود معاقبة من يخالفن الأعراف المتعمدة، فملايين البنات قد تعرضن لما يترتب على تشويه الأعضاء التناسلية الأنوثية من معاناة وآلام، هذا ومن واجب الحكومات أن تكفل عدم تعرض أي شخص للتعذيب أو سوء المعاملة، سواء على أيدي العناصر الحكومية أو الأفراد، ولكن بدلاً من توفير الحماية والأمن للنساء، ما زالت بعض الدول والحكومات في مختلف أنحاء العالم تسمح بإستمرار أعمال الضرب والإغتصاب وغير ذلك من صور التعذيب ضد المرأة دون أدنى مساءلة أو عقاب، ولا شك أن تقاعس الدولة عن إتخاذ إجراءات فعالة لحماية المرأة من التعذيب يجعلها شريكة في المسؤولية عما تقاسيه المرأة من صنوف المعاناة، ولذا فعلينا جميعاً حشد الجهود من اجل التصدي لظاهرة تعذيب النساء واستئصال شأفتها.

المراجع

www.swmsa.net/articles.php?action=show&id=748موسوعة الأبحاث العلمية

التصانيف

الأبحاث