إبراهيم
{1} الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ سُورَة إِبْرَاهِيم مَكِّيَّة كُلّهَا فِي قَوْل الْحَسَن وَعِكْرِمَة وَجَابِر . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة : إِلَّا آيَتَيْنِ مِنْهَا مَدَنِيَّتَيْنِ وَقِيلَ : ثَلَاث , نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ حَارَبُوا اللَّه وَرَسُوله وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : " أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه كُفْرًا " { إِبْرَاهِيم : 28 } إِلَى قَوْله : " فَإِنَّ مَصِيركُمْ إِلَى النَّار " { إِبْرَاهِيم : 30 } .
قَالَ النَّحَّاس : قُرِئَ عَلَى ابْن جَعْفَر أَحْمَد بْن شُعَيْب بْن عَلِيّ بْن الْحُسَيْن بْن حُرَيْث قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيّ بْن الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهِ عَنْ يَزِيد أَنَّ عِكْرِمَة حَدَّثَهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس : الر , وحم , ونون , حُرُوف الرَّحْمَن مُفَرَّقَة ; فَحَدَّثْت بِهِ الْأَعْمَش فَقَالَ : عِنْدك أَشْبَاه هَذَا وَلَا تُخْبِرنِي بِهِ ؟ وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا قَالَ : " الر " أَنَا اللَّه أَرَى . قَالَ النَّحَّاس : وَرَأَيْت أَبَا إِسْحَاق يَمِيل إِلَى هَذَا الْقَوْل ; لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ قَدْ حَكَى عَنْ الْعَرَب وَأَنْشَدَ : بِالْخَيْرِ خَيْرَات وَإِنْ شَرًّا فَا وَلَا أُرِيد الشَّرّ إِلَّا أَنْ تَا وَقَالَ الْحَسَن وَعِكْرِمَة " الر " قَسَم . وَقَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة : " الر " اِسْم السُّورَة ; قَالَ : وَكَذَلِكَ كُلّ هِجَاء فِي الْقُرْآن . وَقَالَ مُجَاهِد : هِيَ فَوَاتِح السُّوَر . وَقَالَ مُحَمَّد بْن يَزِيد : هِيَ تَنْبِيه , وَكَذَا حُرُوف التَّهَجِّي . وَقُرِئَ " الر " مِنْ غَيْر إِمَالَة . وَقُرِئَ بِالْإِمَالَةِ لِئَلَّا تُشْبِه مَا وَلَا مِنْ الْحُرُوف .
{1} الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أَيْ بِالْكِتَابِ , وَهُوَ الْقُرْآن , أَيْ بِدُعَائِك إِلَيْهِ . " مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور " أَيْ مِنْ ظُلُمَات الْكُفْر وَالضَّلَالَة وَالْجَهْل إِلَى نُور الْإِيمَان وَالْعِلْم ; وَهَذَا عَلَى التَّمْثِيل ; لِأَنَّ الْكُفْر بِمَنْزِلَةِ الظُّلْمَة ; وَالْإِسْلَام بِمَنْزِلَةِ النُّور . وَقِيلَ : مِنْ الْبِدْعَة إِلَى السُّنَّة , وَمِنْ الشَّكّ إِلَى الْيَقِين , وَالْمَعْنَى . مُتَقَارِب .
{1} الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ أَيْ بِتَوْفِيقِهِ إِيَّاهُمْ وَلُطْفه بِهِمْ , وَالْبَاء فِي " بِإِذْنِ رَبّهمْ " مُتَعَلِّقَة ب " تُخْرِج " وَأُضِيفَ الْفِعْل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ الدَّاعِي وَالْمُنْذِر الْهَادِي .
{1} الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ هُوَ كَقَوْلِك : خَرَجْت إِلَى زَيْد الْعَاقِل الْفَاضِل مِنْ غَيْر وَاو , لِأَنَّهُمَا شَيْء وَاحِد ; وَاَللَّه هُوَ الْعَزِيز الَّذِي لَا مِثْل لَهُ وَلَا شَبِيه . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا يَغْلِبهُ غَالِب . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الْمَنِيع فِي مُلْكه وَسُلْطَانه . " الْحَمِيد " أَيْ الْمَحْمُود بِكُلِّ لِسَان , وَالْمُمَجَّد فِي كُلّ مَكَان عَلَى كُلّ حَال . وَرَوَى مِقْسَم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ قَوْم آمَنُوا بِعِيسَى اِبْن مَرْيَم , وَقَوْم كَفَرُوا بِهِ , فَلَمَّا بُعِثَ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَنَ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعِيسَى , وَكَفَرَ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسَى ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة , ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ .
{2} اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ أَيْ مُلْكًا وَعَبِيدًا وَاخْتِرَاعًا وَخَلْقًا . وَقَرَأَ نَافِع وَابْن عَامِر وَغَيْرهمَا : " اللَّهُ " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء " الَّذِي " خَبَره . وَقِيلَ : " الَّذِي " صِفَة , وَالْخَبَر مُضْمَر ; أَيْ اللَّه الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض قَادِر عَلَى كُلّ شَيْء . الْبَاقُونَ بِالْخَفْضِ نَعْتًا لِلْعَزِيزِ الْحَمِيد فَقَدَّمَ النَّعْت عَلَى الْمَنْعُوت ; كَقَوْلِك : مَرَرْت بِالظَّرِيفِ زَيْد . وَقِيلَ : عَلَى الْبَدَل مِنْ " الْحَمِيد " وَلَيْسَ صِفَة ; لِأَنَّ اِسْم اللَّه صَارَ كَالْعَلَمِ فَلَا يُوصَف ; كَمَا لَا يُوصَف بِزَيْدٍ وَعَمْرو , بَلْ يَجُوز أَنْ يُوصَف بِهِ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ; لِأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ الْمُنْفَرِد بِقُدْرَةِ الْإِيجَاد . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَالْخَفْض عَلَى التَّقْدِيم وَالتَّأْخِير , مَجَازه : إِلَى صِرَاط اللَّه الْعَزِيز الْحَمِيد الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض . وَكَانَ يَعْقُوب إِذَا وَقَفَ عَلَى " الْحَمِيد " رَفَعَ , وَإِذَا وَصَلَ خَفَضَ عَلَى النَّعْت . قَالَ اِبْن الْأَنْبَارِيّ : مَنْ خَفَضَ وَقَفَ عَلَى " وَمَا فِي الْأَرْض " .
{2} اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَوَيْلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ قَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْوَيْل فِي " الْبَقَرَة " وَقَالَ الزَّجَّاج : هِيَ كَلِمَة تُقَال لِلْعَذَابِ وَالْهَلَكَة . " مِنْ عَذَاب شَدِيد " أَيْ مِنْ جَهَنَّم .
{3} الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ أَيْ يَخْتَارُونَهَا عَلَى الْآخِرَة , وَالْكَافِرُونَ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ . ف " الَّذِينَ " فِي مَوْضِع خَفْض صِفَة لَهُمْ . وَقِيلَ : فِي مَوْضِع رَفْع خَبَر اِبْتِدَاء مُضْمَر , أَيْ هُمْ الَّذِينَ , وَقِيلَ : " الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ " مُبْتَدَأ وَخَبَره . " أُولَئِكَ " . وَكُلّ مَنْ آثَرَ الدُّنْيَا وَزَهْرَتهَا , وَاسْتَحَبَّ الْبَقَاء فِي نَعِيمهَا عَلَى النَّعِيم فِي الْآخِرَة , وَصَدَّ عَنْ سَبِيل اللَّه - أَيْ صَرَفَ النَّاس عَنْهُ وَهُوَ دِين اللَّه , الَّذِي جَاءَتْ بِهِ الرُّسُل , فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس وَغَيْره - فَهُوَ دَاخِل فِي هَذِهِ الْآيَة ; وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ أَخْوَف مَا أَخَاف عَلَى أُمَّتِي الْأَئِمَّة الْمُضِلُّونَ ) وَهُوَ حَدِيث صَحِيح . وَمَا أَكْثَر مَا هُمْ فِي هَذِهِ الْأَزْمَان , وَاَللَّه الْمُسْتَعَان . وَقِيلَ : " يَسْتَحِبُّونَ " أَيْ يَلْتَمِسُونَ الدُّنْيَا مِنْ غَيْر وَجْههَا ; لِأَنَّ نِعْمَة اللَّه لَا تُلْتَمَس إِلَّا بِطَاعَتِهِ دُون مَعْصِيَته .
{3} الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ أَيْ يَطْلُبُونَ لَهَا زَيْغًا وَمَيْلًا لِمُوَافَقَةِ أَهْوَائِهِمْ , وَقَضَاء حَاجَاتهمْ وَأَغْرَاضهمْ . وَالسَّبِيل تُذَكَّر وَتُؤَنَّث . وَالْعِوَج بِكَسْرِ الْعَيْن فِي الدِّين وَالْأَمْر وَالْأَرْض وَفِي كُلّ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا ; وَبِفَتْحِ الْعَيْن فِي كُلّ مَا كَانَ قَائِمًا , كَالْحَائِطِ وَالرُّمْح وَنَحْوه ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " آل عِمْرَان " وَغَيْرهَا .
{3} الَّذِينَ يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ أَيْ ذَهَاب عَنْ الْحَقّ بَعِيد عَنْهُ .
{4} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ قَوْله تَعَالَى " وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُول " أَيْ قَبْلك يَا مُحَمَّد " إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمه " أَيْ بِلُغَتِهِمْ , لِيُبَيِّنُوا لَهُمْ أَمْر دِينهمْ ; وَوَحَّدَ اللِّسَان وَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى الْقَوْم لِأَنَّ الْمُرَاد اللُّغَة ; فَهِيَ اِسْم جِنْس يَقَع عَلَى الْقَلِيل وَالْكَثِير ; وَلَا حُجَّة لِلْعَجَمِ وَغَيْرهمْ فِي هَذِهِ الْآيَة ; لِأَنَّ كُلّ مَنْ تُرْجِمَ لَهُ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَرْجَمَة يَفْهَمهَا لَزِمَتْهُ الْحُجَّة , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا أَرْسَلْنَاك إِلَّا كَافَّة لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا " { سَبَأ : 28 } . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أُرْسِلَ كُلّ نَبِيّ إِلَى أُمَّته بِلِسَانِهَا وَأَرْسَلَنِي اللَّه إِلَى كُلّ أَحْمَر وَأَسْوَد مِنْ خَلْقه ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْمَع بِي أَحَد مِنْ هَذِهِ الْأُمَّة يَهُودِيّ وَلَا نَصْرَانِيّ ثُمَّ لَمْ يُؤْمِن بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ إِلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَاب النَّار ) . خَرَّجَهُ مُسْلِم , وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{4} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ رَدّ عَلَى الْقَدَرِيَّة فِي نُفُوذ الْمَشِيئَة , وَهُوَ مُسْتَأْنَف , وَلَيْسَ بِمَعْطُوفٍ عَلَى " لِيُبَيِّن " لِأَنَّ الْإِرْسَال إِنَّمَا وَقَعَ لِلتَّبْيِينِ لَا لِلْإِضْلَالِ . وَيَجُوز النَّصْب فِي " يُضِلّ " لِأَنَّ الْإِرْسَال صَارَ سَبَبًا لِلْإِضْلَالِ ; فَيَكُون كَقَوْلِهِ : " لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا " { الْقَصَص : 8 } وَإِنَّمَا صَارَ الْإِرْسَال سَبَبًا لِلْإِضْلَالِ لِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِهِ لَمَّا جَاءَهُمْ ; فَصَارَ كَأَنَّهُ سَبَب لِكُفْرِهِمْ
{4} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ " وَالْعَزِيز " مَعْنَاهُ الْمَنِيع الَّذِي لَا يُنَال وَلَا يُغَالَب . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : مَعْنَاهُ الَّذِي لَا يُعْجِزهُ شَيْء ; دَلِيله : " وَمَا كَانَ اللَّه لِيُعْجِزهُ مِنْ شَيْء فِي السَّمَاوَات وَلَا فِي الْأَرْض " . { فَاطِر : 44 } . الْكِسَائِيّ : " الْعَزِيز " الْغَالِب ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَزَّنِي فِي الْخِطَاب " { ص : 23 } وَفِي الْمَثَل : " مَنْ عَزَّ بَزَّ " أَيْ مَنْ غَلَبَ سَلَبَ . وَقِيلَ : " الْعَزِيز " الَّذِي لَا مِثْل لَهُ ; بَيَانه " لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْء " { الشُّورَى : 11 } . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْمَعْنَى بَيَانًا فِي اِسْمه الْعَزِيز فِي كِتَاب " الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى "
" الْحَكِيم " مَعْنَاهُ الْحَاكِم , وَبَيْنهمَا مَزِيد الْمُبَالَغَة . وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمُحْكِم وَيَجِيء الْحَكِيم عَلَى هَذَا مِنْ صِفَات الْفِعْل , صُرِفَ عَنْ مُفْعِل إِلَى فَعِيل , كَمَا صُرِفَ عَنْ مُسْمِع إِلَى سَمِيع وَمُؤْلِم إِلَى أَلِيم , قَالَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . وَقَالَ قَوْم : الْمَانِع مِنْ الْفَسَاد , وَمِنْهُ سُمِّيَتْ حَكَمَة اللِّجَام ; لِأَنَّهَا تَمْنَع الْفَرَس مِنْ الْجَرْي وَالذَّهَاب فِي غَيْر قَصْد . قَالَ جَرِير : أَبَنِي حَنِيفَة أَحْكِمُوا سُفَهَاءَكُمْ إِنِّي أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ أَغْضَبَا أَيْ اِمْنَعُوهُمْ مِنْ الْفَسَاد . وَقَالَ زُهَيْر : الْقَائِد الْخَيْل مَنْكُوبًا دَوَابِرُهَا قَدْ أُحْكِمَتْ حَكَمَات الْقِدّ الْأَبَقَا الْقِدّ : الْجِلْد . وَالْأَبَق : الْقُنَّب . وَالْعَرَب تَقُول : أَحْكَمَ الْيَتِيم عَنْ كَذَا وَكَذَا , يُرِيدُونَ مَنَعَهُ . وَالسُّورَة الْمُحْكَمَة : الْمَمْنُوعَة مِنْ التَّغْيِير وَكُلّ التَّبْدِيل , وَأَنْ يُلْحَق بِهَا مَا يَخْرُج عَنْهَا , وَيُزَاد عَلَيْهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا , وَالْحِكْمَة مِنْ هَذَا ; لِأَنَّهَا تَمْنَع صَاحِبهَا مِنْ الْجَهْل . وَيُقَال : أَحْكَمَ الشَّيْء إِذَا أَتْقَنَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ الْخُرُوج عَمَّا يُرِيد . فَهُوَ مُحْكِم وَحَكِيم عَلَى التَّكْثِير .
{5} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَيْ بِحُجَّتِنَا وَبَرَاهِيننَا ; أَيْ بِالْمُعْجِزَاتِ الدَّالَّة عَلَى صِدْقه . قَالَ مُجَاهِد : هِيَ التِّسْع الْآيَات
{5} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ نَظِيره قَوْله تَعَالَى : لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ السَّلَام أَوَّل السُّورَة : " لِتُخْرِج النَّاس مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور " وَقِيلَ : " أَنْ " هُنَا بِمَعْنَى أَيْ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَانْطَلَقَ الْمَلَأ مِنْهُمْ أَنْ اِمْشُوا " { ص : 6 } أَيْ اِمْشُوا .
{5} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَيْ قُلْ لَهُمْ قَوْلًا يَتَذَكَّرُونَ بِهِ أَيَّام اللَّه تَعَالَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَقَتَادَة : بِنِعَمِ اللَّه عَلَيْهِمْ ; وَقَالَهُ أُبَيّ بْن كَعْب وَرَوَاهُ مَرْفُوعًا ; أَيْ بِمَا أَنْعَمَ اللَّه عَلَيْهِمْ مِنْ النَّجَاة مِنْ فِرْعَوْن وَمِنْ التِّيه إِلَى سَائِر النِّعَم , وَقَدْ تُسَمَّى النِّعَم الْأَيَّام ; وَمِنْهُ قَوْل عَمْرو بْن كُلْثُوم : وَأَيَّام لَنَا غُرّ طِوَال وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا وَمُقَاتِل : بِوَقَائِع اللَّه فِي الْأُمَم السَّالِفَة ; يُقَال : فُلَان عَالِم بِأَيَّامِ الْعَرَب , أَيْ بِوَقَائِعِهَا . قَالَ اِبْن زَيْد : يَعْنِي الْأَيَّام الَّتِي اِنْتَقَمَ فِيهَا مِنْ الْأُمَم الْخَالِيَة ; وَكَذَلِكَ رَوَى اِبْن وَهْب عَنْ مَالِك قَالَ : بَلَاؤُهُ . وَقَالَ الطَّبَرِيّ : وَعِظْهُمْ بِمَا سَلَفَ فِي الْأَيَّام الْمَاضِيَة لَهُمْ , أَيْ بِمَا كَانَ فِي أَيَّام اللَّه مِنْ النِّعْمَة وَالْمِحْنَة ; وَقَدْ كَانُوا عَبِيدًا مُسْتَذَلِّينَ ; وَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْأَيَّام عَنْهُ لِأَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَة عِنْدهمْ . وَرَوَى سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( بَيْنَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْمه يُذَكِّرهُمْ بِأَيَّامِ اللَّه , وَأَيَّام اللَّه بَلَاؤُهُ وَنَعْمَاؤُهُ ) وَذَكَرَ حَدِيث الْخَضِر ; وَدَلَّ هَذَا عَلَى جَوَاز الْوَعْظ الْمُرَقِّق لِلْقُلُوبِ , الْمُقَوِّي لِلْيَقِينِ . الْخَالِي مِنْ كُلّ بِدْعَة , وَالْمُنَزَّه عَنْ كُلّ ضَلَالَة وَشُبْهَة .
{5} وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ أَيْ فِي التَّذْكِير بِأَيَّامِ اللَّه " لَآيَات " أَيْ دَلَالَات . " لِكُلِّ صَبَّار " أَيْ كَثِير الصَّبْر عَلَى طَاعَة اللَّه , وَعَنْ مَعَاصِيه . " شَكُور " لِنِعَمِ اللَّه . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ الْعَبْد ; إِذَا أُعْطِيَ شَكَرَ , وَإِذَا اُبْتُلِيَ صَبَرَ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ أَنَّهُ قَالَ : ( الْإِيمَان نِصْفَانِ نِصْف صَبْر وَنِصْف شُكْر - ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة - " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور " . ) وَنَحْوه عَنْ الشَّعْبِيّ مَوْقُوفًا . وَتَوَارَى الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْ الْحَجَّاج سَبْع سِنِينَ , فَلَمَّا بَلَغَهُ مَوْته قَالَ : اللَّهُمَّ قَدْ أَمَتَّهُ فَأَمِتْ سُنَّته , وَسَجَدَ شُكْرًا , وَقَرَأَ : " إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور " . وَإِنَّمَا خَصَّ بِالْآيَاتِ كُلّ صَبَّار شَكُور ; لِأَنَّهُ يَعْتَبِر بِهَا وَلَا يَغْفُل عَنْهَا ; كَمَا قَالَ : " إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِر مَنْ يَخْشَاهَا " { النَّازِعَات : 45 } وَإِنْ كَانَ مُنْذِرًا لِلْجَمِيعِ .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تفسير القران الكريم