إبراهيم
{25} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قَالَ الرَّبِيع : " كُلّ حِين " غُدْوَة وَعَشِيَّة كَذَلِكَ يَصْعَد عَمَل الْمُؤْمِن أَوَّل النَّهَار وَآخِره ; وَقَالَ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ " تُؤْتِي أُكُلهَا كُلّ حِين بِإِذْنِ رَبّهَا " قَالَ : هُوَ شَجَرَة جَوْزَة الْهِنْد لَا تَتَعَطَّل مِنْ ثَمَرَة , تَحْمِل فِي كُلّ شَهْر , شَبَّهَ عَمَل الْمُؤْمِن لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كُلّ وَقْت : بِالنَّخْلَةِ الَّتِي تُؤْتِي أُكُلهَا فِي أَوْقَات مُخْتَلِفَة . وَقَالَ الضَّحَّاك : كُلّ سَاعَة مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار شِتَاء وَصَيْفًا يُؤْكَل فِي جَمِيع الْأَوْقَات , وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِن لَا يَخْلُو مِنْ الْخَيْر فِي الْأَوْقَات كُلّهَا . وَقَالَ النَّحَّاس : وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة غَيْر مُتَنَاقِضَة ; لِأَنَّ الْحِين عِنْد جَمِيع أَهْل اللُّغَة إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ بِمَعْنَى الْوَقْت يَقَع لِقَلِيلِ الزَّمَان وَكَثِيره , وَأَنْشَدَ الْأَصْمَعِيّ بَيْت النَّابِغَة : تَنَاذَرهَا الرَّاقُونَ مِنْ سُوء سُمّهَا تُطَلِّقهُ حِينًا وَحِينًا تُرَاجِع فَهَذَا يُبَيِّن لَك أَنَّ الْحِين بِمَعْنَى الْوَقْت , فَالْإِيمَان ثَابِت فِي قَلْب الْمُؤْمِن , وَعَمَله وَقَوْله وَتَسْبِيحه عَالٍ مُرْتَفِع فِي السَّمَاء اِرْتِفَاع فُرُوع النَّخْلَة , وَمَا يَكْسِب مِنْ بَرَكَة الْإِيمَان وَثَوَابه كَمَا يَنَال مِنْ ثَمَرَة النَّخْلَة فِي أَوْقَات السَّنَة كُلّهَا , مِنْ الرُّطَب وَالْبُسْر وَالْبَلَح وَالزَّهْو وَالتَّمْر وَالطَّلْع . وَفِي رِوَايَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : إِنَّ الشَّجَرَة شَجَرَة فِي الْجَنَّة تُثْمِر فِي كُلّ وَقْت . وَ ( مَثَلًا ) مَفْعُول بِ " ضَرَبَ " , " وَكَلِمَة " بَدَل مِنْهُ , وَالْكَاف فِي قَوْله : ( كَشَجَرَةٍ ) فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الْحَال مِنْ " كَلِمَة " التَّقْدِير : كَلِمَة طَيِّبَة مُشَبَّهَة بِشَجَرَةٍ طَيِّبَة لَمَّا كَانَتْ الْأَشْجَار تُؤْتِي أُكُلهَا كُلّ سَنَة مَرَّة كَانَ فِي ذَلِكَ بَيَان حُكْم الْحِين ; وَلِهَذَا قُلْنَا : مَنْ حَلَفَ أَلَّا يُكَلِّم فُلَانًا حِينًا , وَلَا يَقُول كَذَا حِينًا أَنَّ الْحِين سَنَة . وَقَدْ وَرَدَ الْحِين فِي مَوْضِع آخَر يُرَاد بِهِ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَان حِين مِنْ الدَّهْر " { الْإِنْسَان : 1 } قِيلَ فِي " التَّفْسِير " : أَرْبَعُونَ عَامًا . وَحَكَى عِكْرِمَة أَنَّ رَجُلًا قَالَ : إِنْ فَعَلْت كَذَا وَكَذَا إِلَى حِين فَغُلَامه حُرّ , فَأَتَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَسَأَلَهُ , فَسَأَلَنِي عَنْهَا فَقُلْت : إِنَّ مِنْ الْحِين حِينًا لَا يُدْرَك , قَوْله : " وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَة لَكُمْ وَمَتَاع إِلَى حِين " { الْأَنْبِيَاء : 111 } فَأَرَى أَنْ تُمْسِك مَا بَيْن صِرَام النَّخْلَة إِلَى حَمْلهَا , فَكَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ ; وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة فِي الْحِين أَنَّهُ سِتَّة أَشْهُر اِتِّبَاعًا لِعِكْرِمَة وَغَيْره . وَقَدْ مَضَى مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي الْحِين فِي " الْبَقَرَة " مُسْتَوْفًى وَالْحَمْد لِلَّهِ .
{25} تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ أَيْ الْأَشْبَاه " لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ " وَيَعْتَبِرُونَ ; وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{26} وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ الْكَلِمَة الْخَبِيثَة كَلِمَة الْكُفْر . وَقِيلَ : الْكَافِر نَفْسه . وَالشَّجَرَة الْخَبِيثَة شَجَرَة الْحَنْظَل كَمَا فِي حَدِيث أَنَس , وَهُوَ قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا , وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا : أَنَّهَا شَجَرَة لَمْ تُخْلَق عَلَى الْأَرْض . وَقِيلَ : هِيَ شَجَرَة الثُّوم ; عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا . وَقِيلَ : الْكَمْأَة أَوْ الطُّحْلُبَة . وَقِيلَ : الْكَشُوث , وَهِيَ شَجَرَة لَا وَرَق لَهَا وَلَا عُرُوق فِي الْأَرْض ; قَالَ الشَّاعِر : وَهُمْ كَشُوث فَلَا أَصْل وَلَا وَرَق " اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْق الْأَرْض " اِقْتُلِعَتْ مِنْ أَصْلهَا ; قَالَ اِبْن عَبَّاس ; وَمِنْهُ قَوْل لَقِيط : هُوَ الْجَلَاء الَّذِي يَجْتَثّ أَصْلكُمْ فَمَنْ رَأَى مِثْل ذَا يَوْمًا وَمَنْ سَمِعَا وَقَالَ الْمُؤَرِّج : أُخِذَتْ جُثَّتهَا وَهِيَ نَفْسهَا , وَالْجُثَّة شَخْص الْإِنْسَان قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا . وَجَثَّهُ قَلَعَهُ , وَاجْتَثَّهُ اِقْتَلَعَهُ مِنْ فَوْق الْأَرْض ; أَيْ لَيْسَ لَهَا أَصْل رَاسِخ يَشْرَب بِعُرُوقِهِ مِنْ الْأَرْض . " مَا لَهَا مِنْ قَرَار " أَيْ مِنْ أَصْل فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : مِنْ ثَبَات ; فَكَذَلِكَ الْكَافِر لَا حُجَّة لَهُ وَلَا ثَبَات وَلَا خَيْر فِيهِ , وَمَا يَصْعَد لَهُ قَوْل طَيِّب وَلَا عَمَل صَالِح . وَرَوَى مُعَاوِيَة بْن صَالِح عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة فِي قَوْله تَعَالَى : " ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا كَلِمَة طَيِّبَة " قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " كَشَجَرَةٍ طَيِّبَة " قَالَ : الْمُؤْمِن " أَصْلهَا ثَابِت " لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ثَابِتَة فِي قَلْب الْمُؤْمِن " وَمَثَل كَلِمَة خَبِيثَة " قَالَ : الشِّرْك , " شَجَرَة خَبِيثَة " قَالَ : الْمُشْرِك " اُجْتُثَّتْ مِنْ فَوْق الْأَرْض مَا لَهَا مِنْ قَرَار " أَيْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكِ أَصْل يَعْمَل عَلَيْهِ . وَقِيلَ : يَرْجِع الْمَثَل إِلَى الدُّعَاء إِلَى الْإِيمَان , وَالدُّعَاء إِلَى الشِّرْك ; لِأَنَّ الْكَلِمَة يُفْهَم مِنْهَا الْقَوْل وَالدُّعَاء إِلَى الشَّيْء .
{27} يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ قَالَ : " يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة " نَزَلَتْ فِي عَذَاب الْقَبْر ; يُقَال : مَنْ رَبّك ؟ فَيَقُول : رَبِّي اللَّه وَدِينِي دِين مُحَمَّد , فَذَلِكَ قَوْله : " يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة " .
وَقَدْ جَاءَ هَكَذَا مَوْقُوفًا فِي بَعْض طُرُق مُسْلِم عَنْ الْبَرَاء أَنَّهُ قَوْله , وَالصَّحِيح فِيهِ الرَّفْع كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم وَكِتَاب النَّسَائِيّ وَأَبِي دَاوُد وَابْن مَاجَهْ وَغَيْرهمْ , عَنْ الْبَرَاء عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ ; حَدَّثَنَا جَعْفَر بْن عُمَر , قَالَ حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ سَعْد بْن عُبَيْدَة عَنْ الْبَرَاء بْن عَازِب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا أُقْعِد الْمُؤْمِن فِي قَبْره أَتَاهُ آتٍ ثُمَّ يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُول اللَّه فَذَلِكَ قَوْله " يُثَبِّت اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة " ) وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا الْبَاب فِي كِتَاب { التَّذْكِرَة } وَبَيَّنَّا هُنَاكَ مَنْ يُفْتَن فِي قَبْره وَيُسْأَل , فَمَنْ أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ تَأَمَّلَهُ هُنَاكَ . وَقَالَ سَهْل بْن عَمَّار : رَأَيْت يَزِيد بْن هَارُون فِي الْمَنَام بَعْد مَوْته , فَقُلْت لَهُ : مَا فَعَلَ اللَّه بِك ؟ فَقَالَ : أَتَانِي فِي قَبْرِي مَلَكَانِ فَظَّانِ غَلِيظَانِ , فَقَالَا : مَا دِينك وَمَنْ رَبّك وَمَنْ نَبِيّك ؟ فَأَخَذْت بِلِحْيَتِي الْبَيْضَاء وَقُلْت : أَلِمِثْلِي يُقَال هَذَا وَقَدْ عَلَّمْت النَّاس جَوَابكُمَا ثَمَانِينَ سَنَة ؟ ! فَذَهَبَا وَقَالَا : أَكَتَبْت عَنْ حَرِيز بْن عُثْمَان ؟ قُلْت نَعَمْ ! فَقَالَا : إِنَّهُ كَانَ يُبْغِض عَلِيًّا فَأَبْغَضَهُ اللَّه . وَقِيلَ : مَعْنَى , " يُثَبِّت اللَّه " يُدِيمهُمْ اللَّه عَلَى الْقَوْل الثَّابِت , وَمِنْهُ قَوْل عَبْد اللَّه بْن رَوَاحة : يُثَبِّت اللَّه مَا آتَاك مِنْ حَسَن تَثْبِيت مُوسَى وَنَصْرًا كَاَلَّذِي نُصِرَا وَقِيلَ : يُثَبِّتهُمْ فِي الدَّارَيْنِ جَزَاء لَهُمْ عَلَى الْقَوْل الثَّابِت . وَقَالَ الْقَفَّال وَجَمَاعَة : " فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَيْ فِي الْقَبْر ; لِأَنَّ الْمَوْتَى فِي الدُّنْيَا إِلَى أَنْ يُبْعَثُوا , " وَفِي الْآخِرَة " أَيْ عِنْد الْحِسَاب ; وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيّ عَنْ الْبَرَاء قَالَ : الْمُرَاد بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا الْمُسَاءَلَة فِي الْقَبْر , وَبِالْآخِرَةِ الْمُسَاءَلَة فِي الْقِيَامَة :
{27} يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ أَيْ عَنْ حُجَّتهمْ فِي قُبُورهمْ كَمَا ضَلُّوا فِي الدُّنْيَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُلَقِّنهُمْ كَلِمَة الْحَقّ , فَإِذَا سُئِلُوا فِي قُبُورهمْ قَالُوا : لَا نَدْرِي ; فَيَقُول : لَا دَرَيْت وَلَا تَلَيْت ; وَعِنْد ذَلِكَ يُضْرَب بِالْمَقَامِعِ عَلَى مَا ثَبَتَ فِي الْأَخْبَار ; وَقَدْ ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَاب { التَّذْكِرَة } . وَقِيلَ : يُمْهِلهُمْ حَتَّى يَزْدَادُوا ضَلَالًا فِي الدُّنْيَا .
{27} يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ مِنْ عَذَاب قَوْم وَإِضْلَال قَوْم . وَقِيلَ : إِنَّ سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا وَصَفَ مُسَاءَلَة مُنْكَر وَنَكِير وَمَا يَكُون مِنْ جَوَاب الْمَيِّت قَالَ عُمَر : يَا رَسُول اللَّه مَعِي عَقْلِي ؟ قَالَ : ( نَعَمْ ) قَالَ : كُفِيت إِذًا ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَة .
{28} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ أَيْ جَعَلُوا بَدَل نِعْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ الْكُفْر فِي تَكْذِيبهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حِين بَعَثَهُ اللَّه مِنْهُمْ وَفِيهِمْ فَكَفَرُوا , وَالْمُرَاد مُشْرِكُو قُرَيْش وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِيهِمْ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَعَلِيّ وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ قَاتَلُوا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم بَدْر . قَالَ أَبُو الطُّفَيْل : سَمِعْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّه عَنْهُ يَقُول : هُمْ قُرَيْش الَّذِينَ نُحِرُوا يَوْم بَدْر . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الْأَفْجَرَيْنِ مِنْ قُرَيْش بَنِي مَخْزُوم وَبَنِي أُمَيَّة , فَأَمَّا بَنُو أُمَيَّة فَمُتِّعُوا إِلَى حِين ; وَأَمَّا بَنُو مَخْزُوم فَأُهْلِكُوا يَوْم بَدْر ; قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَعُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَقَوْل رَابِع : أَنَّهُمْ مُتَنَصِّرَة الْعَرَب جَبَلَة بْن الْأَيْهَم وَأَصْحَابه حِين لُطِمَ فَجَعَلَ لَهُ عُمَر الْقِصَاص بِمِثْلِهَا , فَلَمْ يَرْضَ وَأَنِفَ فَارْتَدَّ مُتَنَصِّرًا وَلَحِقَ بِالرُّومِ فِي جَمَاعَة مِنْ قَوْمه ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . وَلَمَّا صَارَ إِلَى بَلَد الرُّوم نَدِمَ فَقَالَ : تَنَصَّرَتْ الْأَشْرَاف مِنْ عَار لَطْمَة وَمَا كَانَ فِيهَا لَوْ صَبَرْت لَهَا ضَرَرْ تَكَنَّفَنِي مِنْهَا لَجَاج وَنَخْوَة وَبِعْت لَهَا الْعَيْن الصَّحِيحَة بِالْعَوَرْ فَيَا لَيْتَنِي أَرْعَى الْمَخَاض بِبَلْدَةٍ وَلَمْ أُنْكِرَ الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ عُمَر وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّهَا عَامَّة فِي جَمِيع الْمُشْرِكِينَ . " وَأَحَلُّوا قَوْمهمْ " أَيْ أَنْزَلُوهُمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ قَادَة الْمُشْرِكِينَ يَوْم بَدْر .
{28} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ أَيْ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ .
{28} أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ قِيلَ : جَهَنَّم ; قَالَ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : يَوْم بَدْر ; قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب وَمُجَاهِد . وَالْبَوَار الْهَلَاك ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : فَلَمْ أَرَ مِثْلهمْ أَبْطَال حَرْب غَدَاة الْحَرْب إِذْ خِيفَ الْبَوَار
{29} جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ بَيَّنَ أَنَّ دَار الْبَوَار جَهَنَّم كَمَا قَالَ اِبْن زَيْد , وَعَلَى هَذَا لَا يَجُوز الْوَقْف عَلَى " دَار الْبَوَار " لِأَنَّ جَهَنَّم مَنْصُوبَة عَلَى التَّرْجَمَة عَنْ " دَار الْبَوَار " فَلَوْ رَفَعَهَا رَافِع بِإِضْمَارٍ , عَلَى مَعْنَى : هِيَ جَهَنَّم , أَوْ بِمَا عَادَ مِنْ الضَّمِير فِي " يَصْلَوْنَهَا " لَحَسُنَ الْوَقْف عَلَى " دَار الْبَوَار " .
{29} جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ أَيْ الْمُسْتَقَرّ .
{30} وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أَيْ أَصْنَامًا عَبَدُوهَا ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .
{30} وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أَيْ عَنْ دِينه . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو بِفَتْحِ الْيَاء , وَكَذَلِكَ فِي الْحَجّ " لِيُضِلّ عَنْ سَبِيل اللَّه " { الْحَجّ : 9 } وَمِثْله فِي " لُقْمَان " وَ " الزُّمَر " وَضَمَّهَا الْبَاقُونَ عَلَى مَعْنَى لِيُضِلُّوا النَّاس عَنْ سَبِيله , وَأَمَّا مَنْ فَتَحَ فَعَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ هُمْ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه عَلَى اللُّزُوم , أَيْ عَاقِبَتهمْ إِلَى الْإِضْلَال وَالضَّلَال ; فَهَذِهِ لَام الْعَاقِبَة .
{30} وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ وَعِيد لَهُمْ , وَهُوَ إِشَارَة إِلَى تَقْلِيل مَا هُمْ فِيهِ مِنْ مَلَاذ الدُّنْيَا إِذْ هُوَ مُنْقَطِع .
{30} وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ أَيْ مَرَدّكُمْ وَمَرْجِعكُمْ إِلَى عَذَاب جَهَنَّم .
{31} قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ أَيْ إِنَّ أَهْل مَكَّة بَدَّلُوا نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ , فَقُلْ لِمَنْ آمَنَ وَحَقَّقَ عُبُودِيَّته أَنْ " يُقِيمُوا الصَّلَاة " يَعْنِي الصَّلَوَات الْخَمْس , أَيْ قُلْ لَهُمْ أَقِيمُوا , وَالْأَمْر مَعَهُ شَرْط مُقَدَّر , تَقُول : أَطِعْ اللَّه يُدْخِلك الْجَنَّة ; أَيْ إِنْ أَطَعْته يُدْخِلك الْجَنَّة ; هَذَا قَوْل الْفَرَّاء . وَقَالَ الزَّجَّاج : " يُقِيمُوا " مَجْزُوم بِمَعْنَى اللَّام , أَيْ لِيُقِيمُوا فَأُسْقِطَتْ اللَّام لِأَنَّ الْأَمْر دَلَّ عَلَى الْغَائِب بِ " قُلْ " . قَالَ : وَيَحْتَمِل أَنْ يُقَال : " يُقِيمُوا " جَوَاب أَمْر مَحْذُوف ; أَيْ قُلْ لَهُمْ أَقِيمُوا الصَّلَاة يُقِيمُوا الصَّلَاة .
{31} قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ يَعْنِي الزَّكَاة ; عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره . وَقَالَ الْجُمْهُور : السِّرّ مَا خَفِيَ وَالْعَلَانِيَة مَا ظَهَرَ . وَقَالَ الْقَاسِم بْن يَحْيَى : إِنَّ السِّرّ التَّطَوُّع وَالْعَلَانِيَة الْفَرْض , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " مُجَوَّدًا عِنْد قَوْله : " إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَات فَنِعِمَّا هِيَ " { الْبَقَرَة : 271 } .
{31} قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ وَأَمَرَ تَعَالَى عِبَاده بِالْإِنْفَاقِ مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّه وَأَنْعَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَحَذَّرَهُمْ مِنْ الْإِمْسَاك إِلَى أَنْ يَجِيء يَوْم لَا يُمْكِن فِيهِ بَيْع وَلَا شِرَاء وَلَا اِسْتِدْرَاك نَفَقَة , كَمَا قَالَ : " فَيَقُول رَبّ لَوْلَا أَخَّرْتنِي إِلَى أَجَل قَرِيب فَأَصَدَّق " { الْمُنَافِقُونَ : 0 1 } . وَالْخُلَّة : خَالِص الْمَوَدَّة , مَأْخُوذَة مِنْ تَخَلُّل الْأَسْرَار بَيْن الصِّدِّيقَيْنِ وَ ( خِلَال ) جَمْع خُلَّة كَقُلَّةٍ وَقِلَال . قَالَ : فَلَسْت بِمُقَلِي الْخِلَال وَلَا قَالِي
{32} اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ أَيْ أَبْدَعَهَا وَاخْتَرَعَهَا عَلَى غَيْر مِثَال سَبَقَ .
{32} اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ أَيْ مِنْ السَّحَاب .
{32} اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ أَيْ مِنْ الشَّجَر ثَمَرَات " رِزْقًا لَكُمْ " .
{32} اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ الْفُلْك : السُّفُن , وَإِفْرَاده وَجَمْعه بِلَفْظٍ وَاحِد , وَيُذَكَّر وَيُؤَنَّث . وَلَيْسَتْ الْحَرَكَات فِي الْمُفْرَد تِلْكَ بِأَعْيَانِهَا فِي الْجَمْع , بَلْ كَأَنَّهُ بَنَى الْجَمْع بِنَاء آخَر ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ تَوَسُّط التَّثْنِيَة فِي قَوْلهمْ : فَلَكَانِ . وَالْفُلْك الْمُفْرَد مُذَكَّر ; قَالَ تَعَالَى : " فِي الْفُلْك الْمَشْحُون " { يس : 41 } فَجَاءَ بِهِ مُذَكَّرًا , وَقَالَ : " وَالْفُلْك الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْر " فَأَنَّثَ . وَيَحْتَمِل وَاحِدًا وَجَمْعًا ; وَقَالَ : " حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْك وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَة " { يُونُس : 22 } فَجَمَعَ ; فَكَأَنَّهُ يَذْهَب بِهَا إِذَا كَانَتْ وَاحِدَة إِلَى الْمَرْكَب فَيُذَكَّر , وَإِلَى السَّفِينَة فَيُؤَنَّث . وَقِيلَ : وَاحِده فَلَك ; مِثْل أَسَد وَأُسْد , وَخَشَب وَخُشْب , وَأَصْله مِنْ الدَّوَرَانِ , وَمِنْهُ : فُلْك السَّمَاء الَّتِي تَدُور عَلَيْهِ النُّجُوم . وَفَلَّكَتْ الْجَارِيَة اِسْتَدَارَ ثَدْيهَا ; وَمِنْهُ فَلْكَة الْمِغْزَل . وَسُمِّيَتْ السَّفِينَة فُلْكًا لِأَنَّهَا تَدُور بِالْمَاءِ أَسْهَلَ دَوْر .
وَوَجْه الْآيَة فِي الْفُلْك : تَسْخِير اللَّه إِيَّاهَا حَتَّى تَجْرِي عَلَى وَجْه الْمَاء وَوُقُوفهَا فَوْقه مَعَ ثِقَلهَا . وَأَوَّل مَنْ عَمِلَهَا نُوح عَلَيْهِ السَّلَام كَمَا أَخْبَرَ تَعَالَى ; وَقَالَ لَهُ جِبْرِيل : اِصْنَعْهَا عَلَى جُؤْجُؤ الطَّائِر ; فَعَمِلَهَا نُوح عَلَيْهِ السَّلَام وِرَاثَة فِي الْعَالَمِينَ بِمَا أَرَاهُ جِبْرِيل . فَالسَّفِينَة طَائِر مَقْلُوب وَالْمَاء فِي أَسْفَلهَا نَظِير الْهَوَاء فِي أَعْلَاهَا ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ .
هَذِهِ الْآيَة وَمَا كَانَ مِثْلهَا دَلِيل عَلَى جَوَاز رُكُوب الْبَحْر مُطْلَقًا لِتِجَارَةٍ كَانَ أَوْ عِبَادَة ; كَالْحَجِّ وَالْجِهَاد . وَمِنْ السُّنَّة حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّا نَرْكَب الْبَحْر وَنَحْمِل مَعَنَا الْقَلِيل مِنْ الْمَاء . الْحَدِيث . وَحَدِيث أَنَس بْن مَالِك فِي قِصَّة أُمّ حَرَام ; أَخْرَجَهُمَا الْأَئِمَّة : مَالِك وَغَيْره . رَوَى حَدِيث أَنَس عَنْهُ جَمَاعَة عَنْ إِسْحَاق بْن عَبْد اللَّه بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ أَنَس , وَرَوَاهُ بِشْر بْن عُمَر عَنْ مَالِك عَنْ إِسْحَاق عَنْ أَنَس عَنْ أُمّ حَرَام ; جَعَلَهُ مِنْ مُسْنَد أُمّ حَرَام لَا مِنْ مُسْنَد أَنَس . هَكَذَا حَدَّثَ عَنْهُ بِهِ بُنْدَار مُحَمَّد بْن بَشَّار ; فَفِيهِ دَلِيل وَاضِح عَلَى رُكُوب الْبَحْر فِي الْجِهَاد لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاء ; وَإِذَا جَازَ رُكُوبه لِلْجِهَادِ فَرُكُوبه لِلْحَجِّ الْمُفْتَرَض أَوْلَى وَأَوْجَبَ . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا الْمَنْع مِنْ رُكُوبه . وَالْقُرْآن وَالسُّنَّة يَرُدّ هَذَا الْقَوْل ; وَلَوْ كَانَ رُكُوبه يُكْرَه أَوْ لَا يَجُوز لَنَهَى عَنْهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ قَالُوا لَهُ : إِنَّا نَرْكَب الْبَحْر . وَهَذِهِ الْآيَة وَمَا كَانَ مِثْلهَا نَصّ فِي الْغَرَض وَإِلَيْهَا الْمَفْزَع . وَقَدْ تُؤُوِّلَ مَا رُوِيَ عَنْ الْعُمَرَيْنِ فِي ذَلِكَ بِأَنَّ ذَلِكَ مَحْمُول عَلَى الِاحْتِيَاط وَتَرْك التَّغْرِير بِالْمُهَجِ فِي طَلَب الدُّنْيَا وَالِاسْتِكْثَار مِنْهَا , وَأَمَّا فِي أَدَاء الْفَرَائِض فَلَا . وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى جَوَاز رُكُوبه مِنْ جِهَة الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى ضَرَبَ الْبَحْر وَسَط الْأَرْض وَجَعَلَ الْخَلْق فِي الْعُدْوَتَيْنِ , وَقَسَّمَ الْمَنَافِع بَيْن الْجِهَتَيْنِ فَلَا يُوصَل إِلَى جَلْبهَا إِلَّا بِشَقِّ الْبَحْر لَهَا ; فَسَهَّلَ اللَّه سَبِيله بِالْفُلْكِ ; قَالَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ كَانَ مَالِك يَكْرَه لِلْمَرْأَةِ الرُّكُوب لِلْحَجِّ فِي الْبَحْر , وَهُوَ لِلْجِهَادِ لِذَلِكَ أَكْرَه . وَالْقُرْآن وَالسُّنَّة يَرُدّ قَوْله , إِلَّا أَنَّ بَعْض أَصْحَابنَا مِنْ أَهْل الْبَصْرَة قَالَ : إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مَالِك لِأَنَّ السُّفُن بِالْحِجَازِ صِغَار , وَأَنَّ النِّسَاء لَا يَقْدِرْنَ عَلَى الِاسْتِتَار عِنْد الْخَلَاء فِيهَا لِضِيقِهَا وَتَزَاحُم النَّاس فِيهَا ; وَكَانَ الطَّرِيق مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة عَلَى الْبَرّ مُمْكِنًا ; فَلِذَلِكَ كَرِهَ مَالِك ذَلِكَ . وَأَمَّا السُّفُن الْكِبَار نَحْو سُفُن أَهْل الْبَصْرَة فَلَيْسَ بِذَلِكَ بَأْس . قَالَ : وَالْأَصْل أَنَّ الْحَجّ عَلَى كُلّ مَنْ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا الْأَحْرَار الْبَالِغِينَ , نِسَاء كَانُوا أَوْ رِجَالًا , إِذَا كَانَ الْأَغْلَب مِنْ الطَّرِيق الْأَمْن , وَلَمْ يَخُصّ بَحْرًا مِنْ بَرّ .
قُلْت : فَدَلَّ الْكِتَاب وَالسُّنَّة وَالْمَعْنَى عَلَى إِبَاحَة رُكُوبه لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا : الْعِبَادَة وَالتِّجَارَة ; فَهِيَ الْحُجَّة وَفِيهَا الْأُسْوَة . إِلَّا أَنَّ النَّاس فِي رُكُوب الْبَحْر تَخْتَلِف أَحْوَالهمْ ; فَرُبَّ رَاكِب يَسْهُل عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَا يَشُقّ , وَآخَر يَشُقّ عَلَيْهِ وَيَضْعُف بِهِ ; كَالْمَائِدِ الْمُفْرِط الْمَيْد , وَمَنْ لَمْ يَقْدِر مَعَهُ عَلَى أَدَاء فَرْض الصَّلَاة وَنَحْوهَا مِنْ الْفَرَائِض ; فَالْأَوَّل ذَلِكَ لَهُ جَائِز ; وَالثَّانِي يَحْرُم عَلَيْهِ وَيُمْنَع مِنْهُ . لَا خِلَاف بَيْن أَهْل الْعِلْم وَهِيَ : إِنَّ الْبَحْر إِذَا أَرْتَجَ لَمْ يَجُزْ رُكُوبه لِأَحَدٍ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوه فِي حِين اِرْتِجَاجه وَلَا فِي الزَّمَن الَّذِي الْأَغْلَب فِيهِ عَدَم السَّلَامَة ; وَإِنَّمَا يَجُوز عِنْدهمْ رُكُوبه فِي زَمَن تَكُون السَّلَامَة فِيهِ الْأَغْلَب ; فَإِنَّ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ حَال السَّلَامَة وَيَنْجُونَ لَا حَاصِر لَهُمْ , وَاَلَّذِينَ يَهْلِكُونَ فِيهِ مَحْصُورُونَ .
{32} اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ يَعْنِي الْبِحَار الْعَذْبَة لِتَشْرَبُوا مِنْهَا وَتَسْقُوا وَتَزْرَعُوا , وَالْبِحَار الْمَالِحَة لِاخْتِلَافِ الْمَنَافِع مِنْ الْجِهَات .
{33} وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَيْ فِي إِصْلَاح مَا يُصْلِحَانِهِ مِنْ النَّبَات وَغَيْره , وَالدُّؤُوب مُرُور الشَّيْء فِي الْعَمَل عَلَى عَادَة جَارِيَة . وَقِيلَ : دَائِبَيْنِ فِي السَّيْر اِمْتِثَالًا لِأَمْرِ اللَّه , وَالْمَعْنَى يَجْرِيَانِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لَا يَفْتُرَانِ ; رُوِيَ مَعْنَاهُ عَنْ اِبْن عَبَّاس .
{33} وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَيْ لِتَسْكُنُوا فِي اللَّيْل وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله فِي النَّهَار , كَمَا قَالَ : " وَمِنْ رَحْمَته جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله " { الْقَصَص : 73 } .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تفسير القران الكريم