إبراهيم
{34} وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ أَيْ أَعْطَاكُمْ مِنْ كُلّ مَسْئُول سَأَلْتُمُوهُ شَيْئًا ; فَحَذَفَ ; عَنْ الْأَخْفَش . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ , وَمِنْ كُلّ مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ فَحَذَفَ , فَلَمْ نَسْأَلهُ شَمْسًا وَلَا قَمَرًا وَلَا كَثِيرًا مِنْ نِعَمه الَّتِي اِبْتَدَأَنَا بِهَا . وَهَذَا كَمَا قَالَ : " سَرَابِيل تَقِيكُمْ الْحَرّ " { النَّحْل : 81 } عَلَى مَا يَأْتِي . وَقِيلَ : " مِنْ " زَائِدَة ; أَيْ آتَاكُمْ كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ . وَقَرَأَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا " وَآتَاكُمْ مِنْ كُلّ " بِالتَّنْوِينِ " مَا سَأَلْتُمُوهُ " وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَة عَنْ الْحَسَن وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة ; هِيَ عَلَى النَّفْي أَيْ مِنْ كُلّ مَا لَمْ تَسْأَلُوهُ ; كَالشَّمْسِ وَالْقَمَر وَغَيْرهمَا . وَقِيلَ : مِنْ كُلّ شَيْء مَا سَأَلْتُمُوهُ أَيْ الَّذِي مَا سَأَلْتُمُوهُ .
{34} وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ أَيْ نِعَم اللَّه . " لَا تُحْصُوهَا " وَلَا تُطِيقُوا عَدَّهَا , وَلَا تَقُومُوا بِحَصْرِهَا لِكَثْرَتِهَا , كَالسَّمْعِ وَالْبَصَر وَتَقْوِيم الصُّوَر إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعَافِيَة وَالرِّزْق ; نِعَم لَا تُحْصَى وَهَذِهِ النِّعَم مِنْ اللَّه , فَلِمَ تُبَدِّلُونَ نِعْمَة اللَّه بِالْكُفْرِ ؟ ! وَهَلَّا اِسْتَعَنْتُمْ بِهَا عَلَى الطَّاعَة ؟ !
{34} وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ الْإِنْسَان لَفْظ جِنْس وَأَرَادَ بِهِ الْخُصُوص ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَرَادَ أَبَا جَهْل . وَقِيلَ : جَمِيع الْكُفَّار .
{35} وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ يَعْنِي مَكَّة وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " .
{35} وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ أَيْ اِجْعَلْنِي جَانِبًا عَنْ عِبَادَتهَا , وَأَرَادَ بِقَوْلِهِ : ( بَنِيَّ ) بَنِيهِ مِنْ , صُلْبه وَكَانُوا ثَمَانِيَة , فَمَا عَبَدَ أَحَد مِنْهُمْ صَنَمًا . وَقِيلَ : هُوَ دُعَاء لِمَنْ أَرَادَ اللَّه أَنْ يَدْعُو لَهُ . وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ وَعِيسَى " وَأَجْنِبْنِي " بِقَطْعِ الْأَلِف وَالْمَعْنَى وَاحِد ; يُقَال : جَنَبْت ذَلِكَ الْأَمْر ; وَأَجْنَبْته وَجَنَّبْته إِيَّاهُ فَتَجَانَبَهُ وَاجْتَنَبَهُ أَيْ تَرَكَهُ . وَكَانَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ يَقُول فِي قَصَصه : مَنْ يَأْمَن الْبَلَاء بَعْد الْخَلِيل حِين يَقُول " وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُد الْأَصْنَام " كَمَا عَبَدَهَا أَبِي وَقَوْمِي .
{36} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ لَمَّا كَانَتْ سَبَبًا لِلْإِضْلَالٍ أَضَافَ الْفِعْل إِلَيْهِنَّ مَجَازًا ; فَإِنَّ الْأَصْنَام جَمَادَات لَا تَفْعَل .
{36} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ فِي التَّوْحِيد . " فَإِنَّهُ مِنِّي " أَيْ مِنْ أَهْل دِينِي .
{36} رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَيْ أَصَرَّ عَلَى الشِّرْك . " فَإِنَّك غَفُور رَحِيم " قِيلَ : قَالَ هَذَا قَبْل أَنْ يُعَرِّفهُ اللَّه أَنَّ اللَّه لَا يَغْفِر أَنْ يُشْرَك بِهِ . وَقِيلَ : غَفُور رَحِيم لِمَنْ تَابَ مِنْ مَعْصِيَته قَبْل الْمَوْت . وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان : " وَمَنْ عَصَانِي " فِيمَا دُون الشِّرْك .
{37} رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس : ( أَوَّل مَا اِتَّخَذَ النِّسَاء الْمِنْطَق مِنْ قِبَل أُمّ إِسْمَاعِيل ; اِتَّخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِّيَ أَثَرهَا عَلَى سَارَة , ثُمَّ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيم وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيل وَهِيَ تُرْضِعهُ , حَتَّى وَضَعَهُمَا عِنْد الْبَيْت عِنْد دَوْحَة فَوْق زَمْزَم فِي أَعْلَى الْمَسْجِد ; وَلَيْسَ , بِمَكَّة يَوْمئِذٍ أَحَد , وَلَيْسَ بِهَا مَاء , فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ ; وَوَضَعَ عِنْدهمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْر , وَسِقَاء فِيهِ مَاء , ثُمَّ قَفَّى إِبْرَاهِيم مُنْطَلِقًا فَتَبِعَتْهُ أُمّ إِسْمَاعِيل ; فَقَالَتْ : يَا إِبْرَاهِيم ! أَيْنَ تَذْهَب وَتَتْرُكنَا بِهَذَا الْوَادِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْس وَلَا شَيْء , فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا وَجَعَلَ لَا يَلْتَفِت إِلَيْهَا , فَقَالَتْ لَهُ : آللَّه أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَتْ إِذًا لَا يُضَيِّعنَا ; ثُمَّ رَجَعَتْ , فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيم . حَتَّى إِذَا كَانَ عِنْد الثَّنِيَّة حَيْثُ لَا يَرَوْنَهُ , اِسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ الْبَيْت ثُمَّ دَعَا بِهَذِهِ الدَّعَوَات , وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ : " رَبّنَا إِنِّي أَسْكَنْت مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع " { إِبْرَاهِيم : 37 } حَتَّى بَلَغَ " يَشْكُرُونَ " وَجَعَلَتْ أُمّ إِسْمَاعِيل تُرْضِع إِسْمَاعِيل وَتَشْرَب مِنْ ذَلِكَ الْمَاء , حَتَّى إِذَا نَفِدَ مَا فِي السِّقَاء عَطِشَتْ وَعَطِشَ اِبْنهَا , وَجَعَلَتْ تَنْظُر إِلَيْهِ يَتَلَوَّى - أَوْ قَالَ يَتَلَبَّط - فَانْطَلَقَتْ كَرَاهِيَة أَنْ تَنْظُر إِلَيْهِ , فَوَجَدَتْ الصَّفَا أَقْرَب جَبَل فِي الْأَرْض يَلِيهَا , فَقَامَتْ عَلَيْهِ , ثُمَّ اِسْتَقْبَلَتْ الْوَادِي تَنْظُر هَلْ تَرَى أَحَدًا , فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَهَبَطَتْ مِنْ الصَّفَا , حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ الْوَادِي , رَفَعَتْ طَرَف دِرْعهَا , ثُمَّ سَعَتْ سَعْي الْإِنْسَان الْمَجْهُود , ثُمَّ جَاوَزَتْ الْوَادِي , ثُمَّ أَتَتْ الْمَرْوَة فَقَامَتْ عَلَيْهِ , فَنَظَرَتْ هَلْ تَرَى أَحَدًا فَلَمْ تَرَ أَحَدًا , فَفَعَلَتْ ذَلِكَ سَبْع مَرَّات ; قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَذَلِكَ سَعْي النَّاس بَيْنهمَا ) فَلَمَّا أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَرْوَة سَمِعَتْ صَوْتًا فَقَالَتْ : صَهْ ! تُرِيد نَفْسهَا , ثُمَّ تَسَمَّعَتْ فَسَمِعَتْ أَيْضًا فَقَالَتْ : قَدْ أَسْمَعْتَ , إِنْ كَانَ عِنْدك غِوَاث ! فَإِذَا هِيَ بِالْمَلَكِ عِنْد مَوْضِع زَمْزَم فَبَحَثَ بِعَقِبِهِ - أَوْ قَالَ بِجَنَاحِهِ - حَتَّى ظَهَرَ الْمَاء , فَجَعَلَتْ تُحَوِّضهُ وَتَقُول بِيَدِهَا هَكَذَا , وَجَعَلَتْ تَغْرِف مِنْ الْمَاء فِي سِقَائِهَا وَهُوَ يَفُور بَعْد مَا تَغْرِف ; قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَرْحَم اللَّه أُمّ إِسْمَاعِيل لَوْ تَرَكَتْ زَمْزَم - أَوْ قَالَ : لَوْ لَمْ تَغْرِف مِنْ الْمَاء - لَكَانَتْ زَمْزَم عَيْنًا مَعِينًا ) قَالَ : فَشَرِبَتْ وَأَرْضَعَتْ وَلَدهَا فَقَالَ لَهَا الْمَلَك : لَا تَخَافِي الضَّيْعَة فَإِنَّ هَاهُنَا بَيْت اللَّه يَبْنِيه هَذَا الْغُلَام وَأَبُوهُ , وَإِنَّ اللَّه لَا يُضَيِّع أَهْله ) وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ .
مَسْأَلَة : لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَلَّق بِهَذَا فِي طَرْح وَلَده وَعِيَاله بِأَرْضٍ مَضْيَعَة اِتِّكَالًا عَلَى الْعَزِيز الرَّحِيم , وَاقْتِدَاء بِفِعْلِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل , كَمَا تَقُول غُلَاة الصُّوفِيَّة فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل , فَإِنَّ إِبْرَاهِيم فَعَلَ ذَلِكَ بِأَمْرِ اللَّه لِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيث : آللَّه أَمَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ سَارَة لَمَّا غَارَتْ مِنْ هَاجَرَ بَعْد أَنْ وَلَدَتْ إِسْمَاعِيل خَرَجَ بِهَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام إِلَى مَكَّة , فَرُوِيَ أَنَّهُ رَكِبَ الْبُرَاق هُوَ وَهَاجَر وَالطِّفْل فَجَاءَ فِي يَوْم وَاحِد مِنْ الشَّام إِلَى بَطْن مَكَّة , وَتَرَكَ اِبْنه وَأَمَتَهُ هُنَالِكَ وَرَكِبَ مُنْصَرِفًا مِنْ يَوْمه , فَكَانَ ذَلِكَ كُلّه بِوَحْيٍ مِنْ اللَّه تَعَالَى , فَلَمَّا وَلَّى دَعَا بِضِمْنِ هَذِهِ الْآيَة .
لَمَّا أَرَادَ اللَّه تَأْسِيس الْحَال , وَتَمْهِيد الْمَقَام , وَخَطّ الْمَوْضِع لِلْبَيْتِ الْمُكَرَّم , وَالْبَلَد الْمُحَرَّم , أَرْسَلَ الْمَلَك فَبَحَثَ عَنْ الْمَاء وَأَقَامَهُ مَقَام الْغِذَاء , وَفِي الصَّحِيح : أَنَّ أَبَا ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِجْتَزَأَ بِهِ ثَلَاثِينَ بَيْن يَوْم وَلَيْلَة , قَالَ أَبُو ذَرّ : مَا كَانَ لِي طَعَام إِلَّا مَاء زَمْزَم فَسَمِنْت حَتَّى تَكَسَّرَتْ عُكَنِي , وَمَا أَجِد عَلَى كَبِدِي سَخْفَة جُوع ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَاء زَمْزَم لِمَا شُرِبَ لَهُ إِنْ شَرِبْته تَشْتَفِي بِهِ شَفَاك اللَّه وَإِنْ شَرِبْته لِشِبَعِك أَشْبَعَك اللَّه بِهِ وَإِنْ شَرِبْته لِقَطْعِ ظَمَئِك قَطَعَهُ وَهِيَ هَزْمَة جِبْرِيل وَسُقْيَا اللَّه إِسْمَاعِيل ) . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : كَانَ اِبْن عَبَّاس إِذَا شَرِبَ مِنْ زَمْزَم قَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلك عِلْمًا نَافِعًا , وَرِزْقًا وَاسِعًا , وَشِفَاء مِنْ كُلّ دَاء . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا مَوْجُود فِيهِ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة لِمَنْ صَحَّتْ نِيَّته , وَسَلِمَتْ طَوِيَّته , وَلَمْ يَكُنْ بِهِ مُكَذِّبًا , وَلَا يَشْرَبهُ مُجَرِّبًا , فَإِنَّ اللَّه مَعَ الْمُتَوَكِّلِينَ , وَهُوَ يَفْضَح الْمُجَرِّبِينَ . وَقَالَ أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ التِّرْمِذِيّ وَحَدَّثَنِي أَبِي رَحِمَهُ اللَّه قَالَ : دَخَلْت الطَّوَاف فِي لَيْلَة ظَلْمَاء فَأَخَذَنِي مِنْ الْبَوْل مَا شَغَلَنِي , فَجَعَلْت أَعْتَصِر حَتَّى آذَانِي , وَخِفْت إِنْ خَرَجَتْ مِنْ الْمَسْجِد أَنْ أَطَأ بَعْض تِلْكَ الْأَقْدَام , وَذَلِكَ أَيَّام الْحَجّ ; فَذَكَرْت هَذَا الْحَدِيث , فَدَخَلْت زَمْزَم فَتَضَلَّعْت مِنْهُ , فَذَهَبَ عَنِّي إِلَى الصَّبَاح . وَرُوِيَ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : إِنَّ فِي زَمْزَم عَيْنًا فِي الْجَنَّة مِنْ قِبَل الرُّكْن .
قَوْله تَعَالَى : " وَمِنْ ذُرِّيَّتِي " " مِنْ " فِي قَوْله تَعَالَى : " مِنْ ذُرِّيَّتِي " لِلتَّبْعِيضِ أَيْ أَسْكَنْت بَعْض ذُرِّيَّتِي ; يَعْنِي إِسْمَاعِيل وَأُمّه ; لِأَنَّ إِسْحَاق كَانَ بِالشَّامِ . وَقِيلَ : هِيَ صِلَة ; أَيْ أَسْكَنْت ذُرِّيَّتِي .
{37} رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْبَيْت كَانَ قَدِيمًا عَلَى مَا رُوِيَ قَبْل الطُّوفَان , وَقَدْ مَضَى هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " الْبَقَرَة " . وَأَضَافَ الْبَيْت إِلَيْهِ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكهُ غَيْره , وَوَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُحَرَّم , أَيْ يَحْرُم فِيهِ مَا يُسْتَبَاح فِي غَيْره مِنْ جِمَاع وَاسْتِحْلَال . وَقِيلَ : مُحَرَّم عَلَى الْجَبَابِرَة , وَأَنْ تُنْتَهَك حُرْمَته , وَيُسْتَخَفّ بِحَقِّهِ , قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقَدْ مَضَى الْقَوْل فِي هَذَا فِي " الْمَائِدَة " .
{37} رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ خَصَّهَا مِنْ جُمْلَة الدِّين لِفَضْلِهَا فِيهِ , وَمَكَانهَا مِنْهُ , وَهِيَ عَهْد اللَّه عِنْد الْعِبَاد ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَمْس صَلَوَات كَتَبَهُنَّ اللَّه عَلَى الْعِبَاد ) . الْحَدِيث . وَاللَّام فِي " لِيُقِيمُوا الصَّلَاة " لَام كَيْ ; هَذَا هُوَ الظَّاهِر فِيهَا وَتَكُون مُتَعَلِّقَة بِ " أَسْكَنْت " وَيَصِحّ أَنْ تَكُون لَام أَمْر , كَأَنَّهُ رَغِبَ إِلَى اللَّه أَنْ يَأْتَمِنهُمْ وَأَنْ يُوَفِّقهُمْ لِإِقَامَةِ الصَّلَاة .
تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الصَّلَاة بِمَكَّة أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة بِغَيْرِهَا ; لِأَنَّ مَعْنَى " رَبّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاة " أَيْ أَسْكَنْتهمْ عِنْد بَيْتك الْمُحَرَّم لِيُقِيمُوا الصَّلَاة فِيهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء هَلْ الصَّلَاة بِمَكَّة أَفْضَل أَوْ فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَذَهَبَ عَامَّة أَهْل الْأَثَر إِلَى أَنَّ الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ الصَّلَاة فِي مَسْجِد الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِائَةِ صَلَاة , وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا بِمِائَةِ صَلَاة " . قَالَ الْإِمَام الْحَافِظ أَبُو عُمَر : وَأَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيث حَبِيب الْمُعَلِّم عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَجَوَّدَهُ , وَلَمْ يَخْلِط فِي لَفْظه وَلَا فِي مَعْنَاهُ , وَكَانَ ثِقَة . قَالَ اِبْن أَبِي خَيْثَمَة سَمِعْت يَحْيَى بْن مَعِين يَقُول : حَبِيب الْمُعَلِّم ثِقَة . وَذَكَرَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد قَالَ سَمِعْت أَبِي يَقُول : حَبِيب الْمُعَلِّم ثِقَة مَا أَصَحّ حَدِيثه ! وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ عَنْ حَبِيب الْمُعَلِّم فَقَالَ : بَصْرِيّ ثِقَة . قُلْت : وَقَدْ خَرَّجَ حَدِيث حَبِيب الْمُعَلِّم هَذَا عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَافِظ أَبُو حَاتِم مُحَمَّد بْن حَاتِم التَّمِيمِيّ الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ , فَالْحَدِيث صَحِيح وَهُوَ الْحُجَّة عِنْد التَّنَازُع وَالِاخْتِلَاف . وَالْحَمْد لِلَّهِ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْل حَدِيث اِبْن الزُّبَيْر ; رَوَاهُ مُوسَى الْجُهَنِيّ عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عَمْرو ; وَمُوسَى الْجُهَنِيّ الْكُوفِيّ ثِقَة , أَثْنَى عَلَيْهِ الْقَطَّان وَأَحْمَد وَيَحْيَى وَجَمَاعَتهمْ . وَرَوَى عَنْهُ شُعْبَة . وَالثَّوْرِيّ وَيَحْيَى بْن سَعِيد . وَرَوَى حَكِيم بْن سَيْف , حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر ; عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح , عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِيمَا سِوَاهُ إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام وَصَلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام أَفْضَل مِنْ مِائَة أَلْف فِيمَنْ سِوَاهُ ) . وَحَكِيم بْن سَيْف هَذَا شَيْخ مِنْ أَهْل الرِّقَّة قَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو زُرْعَة الرَّازِيّ , وَأَخَذَ عَنْهُ اِبْن وَضَّاح , وَهُوَ عِنْدهمْ شَيْخ صَدُوق لَا بَأْس بِهِ . فَإِنْ كَانَ حَفِظَ فَهُمَا حَدِيثَانِ , وَإِلَّا فَالْقَوْل قَوْل حَبِيب الْمُعَلِّم . وَرَوَى مُحَمَّد بْن وَضَّاح , حَدَّثَنَا يُوسُف بْن عَدِيّ عَنْ عُمَر بْن عُبَيْد عَنْ عَبْد الْمَلِك عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( صَلَاة فِي مَسْجِدِي هَذَا أَفْضَل مِنْ أَلْف صَلَاة فِي غَيْره مِنْ الْمَسَاجِد إِلَّا الْمَسْجِد الْحَرَام فَإِنَّ الصَّلَاة فِيهِ أَفْضَل ) . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا كُلّه نَصّ فِي مَوْضِع الْخِلَاف قَاطِع لَهُ عِنْد مَنْ أُلْهِمَ رَشَده , وَلَمْ تَمِلْ بِهِ عَصَبِيَّته . وَذَكَرَ اِبْن حَبِيب عَنْ مُطَرِّف وَعَنْ أَصْبَغ عَنْ اِبْن وَهْب أَنَّهُمَا كَانَا يَذْهَبَانِ إِلَى تَفْضِيل الصَّلَاة فِي الْمَسْجِد الْحَرَام عَلَى الصَّلَاة فِي مَسْجِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا فِي هَذَا الْبَاب . وَقَدْ اِتَّفَقَ مَالِك وَسَائِر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ صَلَاة الْعِيدَيْنِ يَبْرُز لَهُمَا فِي كُلّ بَلَد إِلَّا مَكَّة فَإِنَّهَا تُصَلَّى فِي الْمَسْجِد الْحَرَام . وَكَانَ عُمَر وَعَلِيّ وَابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء وَجَابِر يُفَضِّلُونَ مَكَّة وَمَسْجِدهَا وَهُمْ أَوْلَى بِالتَّقْلِيدِ مِمَّنْ بَعْدهمْ ; وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الشَّافِعِيّ . وَهُوَ قَوْل عَطَاء وَالْمَكِّيِّينَ وَالْكُوفِيِّينَ , وَرُوِيَ مِثْله عَنْ مَالِك ; ذَكَرَ اِبْن وَهْب فِي جَامِعه عَنْ مَالِك أَنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا أُهْبِطَ إِلَى الْأَرْض قَالَ : يَا رَبّ هَذِهِ أَحَبّ إِلَيْك أَنْ تُعْبَد فِيهَا ؟ قَالَ : بَلْ مَكَّة . وَالْمَشْهُور عَنْهُ وَعَنْ أَهْل الْمَدِينَة تَفْضِيل الْمَدِينَة , وَاخْتَلَفَ أَهْل الْبَصْرَة وَالْبَغْدَادِيُّونَ فِي ذَلِكَ ; فَطَائِفَة تَقُول مَكَّة , وَطَائِفَة تَقُول الْمَدِينَة .
{37} رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ الْأَفْئِدَة جَمْع فُؤَاد وَهِيَ الْقُلُوب , وَقَدْ يُعَبَّر عَنْ الْقَلْب بِالْفُؤَادِ كَمَا قَالَ الشَّاعِر : وَإِنَّ فُؤَادًا قَادَنِي بِصَبَابَةٍ إِلَيْك عَلَى طُول الْمَدَى لَصَبُور وَقِيلَ : جَمْع وَفْد , وَالْأَصْل أَوْفِدَة , فَقُدِّمَتْ الْفَاء وَقُلِبَتْ الْوَاو يَاء كَمَا هِيَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَاجْعَلْ وُفُودًا مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ ; أَيْ تَنْزِع ; يُقَال : هَوِيَ نَحْوه إِذَا مَالَ , وَهَوَتْ النَّاقَة تَهْوِي هَوِيًّا فَهِيَ هَاوِيَة إِذَا عَدَتْ عَدْوًا شَدِيدًا كَأَنَّهَا فِي هَوَاء بِئْر , وَقَوْله : " تَهْوِي إِلَيْهِمْ " مَأْخُوذ مِنْهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : لَوْ قَالَ أَفْئِدَة النَّاس لَازْدَحَمَتْ عَلَيْهِ فَارِس وَالرُّوم وَالتُّرْك وَالْهِنْد وَالْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوس , وَلَكِنْ قَالَ : " مِنْ النَّاس " فَهُمْ الْمُسْلِمُونَ ; فَقَوْله : " تَهْوِي إِلَيْهِمْ " أَيْ تَحِنّ إِلَيْهِمْ , وَتَحِنّ إِلَى زِيَارَة الْبَيْت . وَقَرَأَ مُجَاهِد " تَهْوَى إِلَيْهِمْ " أَيْ تَهْوَاهُمْ وَتُجِلّهُمْ .
{37} رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ فَاسْتَجَابَ اللَّه دُعَاءَهُ , وَأَنْبَتَ لَهُمْ بِالطَّائِفِ سَائِر الْأَشْجَار , وَبِمَا يُجْلَب إِلَيْهِمْ مِنْ الْأَمْصَار . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس الْحَدِيث الطَّوِيل وَقَدْ ذَكَرْنَا بَعْضه : ( فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل يُطَالِع تَرِكَته فَلَمْ يَجِد إِسْمَاعِيل , فَسَأَلَ اِمْرَأَته عَنْهُ فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا , ثُمَّ سَأَلَهُمْ عَنْ عَيْشهمْ وَهَيْئَتهمْ فَقَالَتْ : نَحْنُ بِشَرٍّ , نَحْنُ فِي ضِيق وَشِدَّة ; فَشَكَتْ إِلَيْهِ , قَالَ : فَإِذَا جَاءَ زَوْجك فَاقْرَئِي عَلَيْهِ السَّلَام وَقُولِي لَهُ يُغَيِّر عَتَبَة بَابه , فَلَمَّا جَاءَ إِسْمَاعِيل كَأَنَّهُ آنَسَ شَيْئًا فَقَالَ : هَلْ جَاءَكُمْ مِنْ أَحَد ! قَالَتْ : نَعَمْ جَاءَنَا شَيْخ كَذَا وَكَذَا فَسَأَلَنِي عَنْك فَأَخْبَرْته , وَسَأَلَنِي كَيْف عِيشَتنَا فَأَخْبَرْته أَنَّا فِي جَهْد وَشِدَّة , قَالَ فَهَلْ أَوْصَاك بِشَيْءٍ : قَالَتْ : أَمَرَنِي أَنْ أَقْرَأ عَلَيْك السَّلَام , وَيَقُول : غَيِّرْ عَتَبَة بَابك ; قَالَ : ذَاكَ أَبِي وَقَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُفَارِقك اِلْحَقِي بِأَهْلِك ; فَطَلَّقَهَا وَتَزَوَّجَ مِنْهُمْ أُخْرَى , فَلَبِثَ عَنْهُمْ إِبْرَاهِيم مَا شَاءَ اللَّه ثُمَّ أَتَاهُمْ بَعْد فَلَمْ يَجِدهُ , وَدَخَلَ عَلَى اِمْرَأَته فَسَأَلَهَا عَنْهُ فَقَالَتْ : خَرَجَ يَبْتَغِي لَنَا . قَالَ : كَيْف أَنْتُمْ ؟ وَسَأَلَهَا عَنْ عَيْشهمْ وَهَيْئَتهمْ فَقَالَتْ : نَحْنُ بِخَيْرٍ وَسَعَة وَأَثْنَتْ عَلَى اللَّه . قَالَ مَا طَعَامكُمْ ؟ قَالَتْ : اللَّحْم . قَالَ فَمَا شَرَابكُمْ ؟ قَالَتْ : الْمَاء . قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي اللَّحْم وَالْمَاء . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ يَوْمئِذٍ حَبّ وَلَوْ كَانَ لَهُمْ دَعَا لَهُمْ فِيهِ ) . قَالَ : فَهُمَا لَا يَخْلُو عَلَيْهِمَا أَحَد بِغَيْرِ مَكَّة إِلَّا لَمْ يُوَافِقَاهُ ; وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : قَوْل إِبْرَاهِيم " فَاجْعَلْ أَفْئِدَة مِنْ النَّاس تَهْوِي إِلَيْهِمْ " سَأَلَ أَنْ يَجْعَل اللَّه النَّاس يَهْوُونَ السُّكْنَى بِمَكَّة , فَيَصِير بَيْتًا مُحَرَّمًا , وَكُلّ ذَلِكَ كَانَ وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَأَوَّل مَنْ سَكَنَهُ جُرْهُم . فَفِي الْبُخَارِيّ - بَعْد قَوْله : وَإِنَّ اللَّه لَا يُضَيِّع أَهْله - وَكَانَ الْبَيْت مُرْتَفِعًا مِنْ الْأَرْض كَالرَّابِيَةِ تَأْتِيه السُّيُول فَتَأْخُذ عَنْ يَمِينه وَعَنْ شِمَاله , وَكَذَلِكَ حَتَّى مَرَّتْ بِهِمْ رُفْقَة مِنْ جُرْهُم قَافِلِينَ مِنْ طَرِيق كَذَا , فَنَزَلُوا بِأَسْفَل مَكَّة , فَرَأَوْا طَائِرًا عَائِفًا فَقَالُوا : إِنَّ هَذَا الطَّائِر لَيَدُور عَلَى مَاء ! لَعَهْدنَا بِهَذَا الْوَادِي وَمَا فِيهِ مَاء ; فَأَرْسِلُوا جَرِيًّا أَوْ جَرِيَّيْنِ فَإِذَا هُمْ بِالْمَاءِ , فَأَخْبَرُوهُمْ بِالْمَاءِ فَأَقْبَلُوا . قَالَ : وَأُمّ إِسْمَاعِيل عِنْد الْمَاء ; فَقَالُوا : أَتَأْذَنِينَ لَنَا أَنْ نَنْزِل عِنْدك ؟ قَالَتْ : نَعَمْ وَلَكِنْ لَا حَقّ لَكُمْ فِي الْمَاء . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَلْفَى ذَلِكَ أُمّ إِسْمَاعِيل وَهِيَ تُحِبّ الْأُنْس ) فَنَزَلُوا وَأَرْسَلُوا إِلَى أَهْلهمْ فَنَزَلُوا مَعَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ بِهَا أَهْل أَبْيَات مِنْهُمْ , شَبَّ الْغُلَام , وَمَاتَتْ أُمّ إِسْمَاعِيل , فَجَاءَ إِبْرَاهِيم بَعْد مَا تَزَوَّجَ إِسْمَاعِيل يُطَالِع تَرِكَته ; الْحَدِيث .
{38} رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ أَيْ , لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْك شَيْء مِنْ أَحْوَالنَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُقَاتِل : تَعْلَم جَمِيع مَا أُخْفِيه وَمَا أُعْلِنهُ مِنْ الْوَجْد بِإِسْمَاعِيل وَأُمّه حَيْثُ أُسْكِنَا بِوَادٍ غَيْر ذِي زَرْع . " وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّه مِنْ شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء " قِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل إِبْرَاهِيم . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى لَمَّا قَالَ إِبْرَاهِيم : " رَبّنَا إِنَّك تَعْلَم مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِن " قَالَ اللَّه : " وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّه مِنْ شَيْء فِي الْأَرْض وَلَا فِي السَّمَاء " .
{39} الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ أَيْ عَلَى كِبَر سِنِّي وَسِنّ اِمْرَأَتِي ; قَالَ اِبْن عَبَّاس : وُلِدَ لَهُ إِسْمَاعِيل وَهُوَ اِبْن تِسْع وَتِسْعِينَ سَنَة . وَإِسْحَاق وَهُوَ اِبْن مِائَة وَاثْنَتَيْ عَشْرَة سَنَة . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : بُشِّرَ إِبْرَاهِيم بِإِسْحَاق بَعْد عَشْر وَمِائَة سَنَة . " إِنَّ رَبِّي لَسَمِيع الدُّعَاء " .
{40} رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ أَيْ مِنْ الثَّابِتِينَ عَلَى الْإِسْلَام وَالْتِزَام أَحْكَامه .
{40} رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ أَيْ وَاجْعَلْ مِنْ ذُرِّيَّتِي مَنْ يُقِيمهَا .
{40} رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ أَيْ عِبَادَتِي كَمَا قَالَ : " وَقَالَ رَبّكُمْ اُدْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ " { غَافِر : 60 } . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : " الدُّعَاء مُخّ الْعِبَادَة ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .
{41} رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ قِيلَ : اِسْتَغْفَرَ إِبْرَاهِيم لِوَالِدَيْهِ قَبْل أَنْ يَثْبُت عِنْده أَنَّهُمَا عَدُوَّانِ لِلَّهِ . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَلَا يَبْعُد أَنْ تَكُون أُمّه مُسْلِمَة لِأَنَّ اللَّه ذَكَرَ عُذْره فِي اِسْتِغْفَاره لِأَبِيهِ دُون أُمّه . قُلْت : وَعَلَى هَذَا قِرَاءَة سَعِيد بْن جُبَيْر , " رَبّ اِغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ " يَعْنِي . أَبَاهُ . وَقِيلَ : اِسْتَغْفَرَ لَهُمَا طَمَعًا فِي إِيمَانهمَا . وَقِيلَ : اِسْتَغْفَرَ لَهُمَا بِشَرْطِ أَنْ يُسْلِمَا . وَقِيلَ : أَرَادَ آدَم وَحَوَّاء . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَبْد إِذَا قَالَ : اللَّهُمَّ اِغْفِرْ لِي وَلِوَالِدِيَّ وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ مَاتَا كَافِرَيْنِ اِنْصَرَفَتْ الْمَغْفِرَة إِلَى آدَم وَحَوَّاء لِأَنَّهُمَا وَالِدَا الْخَلْق أَجْمَع . وَقِيلَ : إِنَّهُ أَرَادَ وَلَدَيْهِ إِسْمَاعِيل وَإِسْحَاق . وَكَانَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ يَقْرَأ : " وَلِوَلِدَيَّ " يَعْنِي اِبْنَيْهِ , وَكَذَلِكَ قَرَأَ يَحْيَى بْن يَعْمُر ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيّ وَالنَّحَّاس " وَلِلْمُؤْمِنِينَ " قَالَ اِبْن عَبَّاس : مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : " لِلْمُؤْمِنِينَ " كُلّهمْ وَهُوَ أَظْهَر .
{41} رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ أَيْ يَوْم يَقُوم النَّاس لِلْحِسَابِ .
{42} وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وَهَذَا تَسْلِيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد أَنْ أَعْجَبَهُ مِنْ أَفْعَال الْمُشْرِكِينَ وَمُخَالَفَتهمْ دِين إِبْرَاهِيم ; أَيْ اِصْبِرْ كَمَا صَبَرَ إِبْرَاهِيم , وَأَعْلِمْ الْمُشْرِكِينَ أَنَّ تَأْخِير الْعَذَاب لَيْسَ لِلرِّضَا بِأَفْعَالِهِمْ , بَلْ سُنَّة اللَّه إِمْهَال الْعُصَاة مُدَّة . قَالَ مَيْمُون بْن مِهْرَان : هَذَا وَعِيد لِلظَّالِمِ , وَتَعْزِيَة لِلْمَظْلُومِ .
{42} وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ يَعْنِي مُشْرِكِي مَكَّة يُمْهِلهُمْ وَيُؤَخِّر عَذَابهمْ . وَقِرَاءَة الْعَامَّة " يُؤَخِّرهُمْ " بِالْيَاءِ وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم لِقَوْلِهِ " وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّه " . وَقَرَأَ الْحَسَن وَالسُّلَمِيّ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي عَمْرو أَيْضًا " نُؤَخِّرهُمْ " بِالنُّونِ لِلتَّعْظِيمِ .
{42} وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ أَيْ لَا تُغْمَض مِنْ هَوْل مَا تَرَاهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْم , قَالَهُ الْفَرَّاء . يُقَال : شَخَصَ الرَّجُل بَصَره وَشَخَصَ الْبَصَر نَفْسه أَيْ سَمَا وَطَمَحَ مِنْ هَوْل مَا يَرَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس : تَشْخَص أَبْصَار الْخَلَائِق يَوْمئِذٍ إِلَى الْهَوَاء لِشِدَّةِ الْحِيرَة فَلَا يَرْمَضُونَ .
المراجع
موسوعه الاسلام
التصانيف
تفسير القران الكريم