إبراهيم

{11} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ فِي الصُّورَة وَالْهَيْئَة كَمَا قُلْتُمْ .

{11} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ يَتَفَضَّل عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ . وَقِيلَ ; بِالتَّوْفِيقِ , وَالْحِكْمَة وَالْمَعْرِفَة وَالْهِدَايَة . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : بِتِلَاوَةِ الْقُرْآن وَفَهْم مَا فِيهِ . قُلْت : وَهَذَا قَوْل حَسَن , وَقَدْ خَرَّجَ الطَّبَرِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر قَالَ قُلْت لِأَبِي ذَرّ : يَا عَمّ أَوْصِنِي ; قَالَ : سَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلْتنِي فَقَالَ : ( مَا مِنْ يَوْم وَلَا لَيْلَة وَلَا سَاعَة إِلَّا وَلِلَّهِ فِيهِ صَدَقَة يَمُنّ بِهَا عَلَى مَنْ يَشَاء مِنْ عِبَاده وَمَا مَنَّ اللَّه تَعَالَى عَلَى عِبَاده بِمِثْلِ أَنْ يُلْهِمهُمْ ذِكْره ) .

{11} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ بِحُجَّةٍ وَآيَة .

{11} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ أَيْ بِمَشِيئَتِهِ , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي قُدْرَتنَا ; أَيْ لَا نَسْتَطِيع أَنْ نَأْتِي بِحُجَّةٍ كَمَا تَطْلُبُونَ إِلَّا بِأَمْرِهِ وَقُدْرَته ; فَلَفْظه ; لَفْظ الْخَبَر , وَمَعْنَاهُ النَّفْي ; لِأَنَّهُ لَا يَحْظُر عَلَى أَحَد مَا لَا يَقْدِر عَلَيْهِ .

{11} قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ فِيهِ مَسْأَلَة وَاحِدَة , وَهِيَ بَيَان التَّوَكُّل . وَالتَّوَكُّل فِي اللُّغَة إِظْهَار الْعَجْز وَالِاعْتِمَاد عَلَى الْغَيْر . وَوَاكَلَ فُلَان إِذَا ضَيَّعَ أَمْره مُتَّكِلًا عَلَى غَيْره . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي حَقِيقَة التَّوَكُّل ; فَسُئِلَ عَنْهُ سَهْل بْن عَبْد اللَّه فَقَالَ : قَالَتْ فِرْقَةٌ : الرِّضَا بِالضَّمَانِ , وَقَطْع الطَّمَع مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . وَقَالَ قَوْم : التَّوَكُّل تَرْك الْأَسْبَاب وَالرُّكُون إِلَى مُسَبِّب الْأَسْبَاب ; فَإِذَا شَغَلَهُ السَّبَب عَنْ الْمُسَبِّب زَالَ عَنْهُ اِسْم التَّوَكُّل . قَالَ سَهْل : مَنْ قَالَ إِنَّ التَّوَكُّل يَكُون بِتَرْكِ السَّبَب فَقَدْ طَعَنَ فِي سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَقُول : " فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا " { الْأَنْفَال : 69 } فَالْغَنِيمَة اكْتِسَاب . وَقَالَ تَعَالَى : " فَاضْرِبُوا فَوْق الْأَعْنَاق وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلّ بَنَان " { الْأَنْفَال : 12 } فَهَذَا عَمَل . وَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْعَبْد الْمُحْتَرِف ) . وَكَانَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقْرِضُونَ عَلَى السَّرِيَّة . وَقَالَ غَيْره : وَهَذَا قَوْل عَامَّة الْفُقَهَاء , وَأَنَّ التَّوَكُّل عَلَى اللَّه هُوَ الثِّقَة بِاَللَّهِ وَالْإِيقَان بِأَنَّ قَضَاءَهُ مَاضٍ , وَاتِّبَاع سُنَّة نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّعْي فِيمَا لَا بُدّ مِنْهُ مِنْ الْأَسْبَاب مِنْ مَطْعَم وَمَشْرَب وَتَحَرُّز مِنْ عَدُوّ وَإِعْدَاد الْأَسْلِحَة وَاسْتِعْمَال مَا تَقْتَضِيه سُنَّة اللَّه تَعَالَى الْمُعْتَادَة . وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ مُحَقِّقُو الصُّوفِيَّة , لَكِنَّهُ لَا يَسْتَحِقّ اِسْم التَّوَكُّل عِنْدهمْ مَعَ الطُّمَأْنِينَة إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب وَالِالْتِفَات إِلَيْهَا بِالْقُلُوبِ ; فَإِنَّهَا لَا تَجْلِب نَفْعًا وَلَا تَدْفَع ضُرًّا , بَلْ السَّبَب وَالْمُسَبِّب فِعْل اللَّه تَعَالَى , وَالْكُلّ مِنْهُ وَبِمَشِيئَتِهِ ; وَمَتَى وَقَعَ مِنْ الْمُتَوَكِّل رُكُون إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب فَقَدْ اِنْسَلَخَ عَنْ ذَلِكَ الِاسْم . ثُمَّ الْمُتَوَكِّلُونَ عَلَى حَالَيْنِ : الْأَوَّل : حَال الْمُتَمَكِّن فِي التَّوَكُّل فَلَا يَلْتَفِت إِلَى شَيْء مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَاب بِقَلْبِهِ , وَلَا يَتَعَاطَاهُ إِلَّا بِحُكْمِ الْأَمْر . الثَّانِي : حَال غَيْر الْمُتَمَكِّن وَهُوَ الَّذِي يَقَع لَهُ الِالْتِفَات إِلَى تِلْكَ الْأَسْبَاب أَحْيَانًا غَيْر أَنَّهُ يَدْفَعهَا عَنْ نَفْسه بِالطُّرُقِ الْعِلْمِيَّة , وَالْبَرَاهِين الْقَطْعِيَّة , وَالْأَذْوَاق الْحَالِيَّة ; فَلَا يَزَال كَذَلِكَ إِلَى أَنْ يُرَقِّيه اللَّه بِجُودِهِ إِلَى مَقَام الْمُتَوَكِّلِينَ الْمُتَمَكِّنِينَ , وَيُلْحِقهُ بِدَرَجَاتِ الْعَارِفِينَ .

{12} وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " مَا " اِسْتِفْهَام فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ , وَ " لَنَا " الْخَبَر ; وَمَا بَعْدهَا فِي مَوْضِع الْحَال ; التَّقْدِير : أَيّ شَيْء لَنَا فِي تَرْك التَّوَكُّل عَلَى اللَّه .

{12} وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ أَيْ الطَّرِيق الَّذِي يُوَصِّل إِلَى رَحْمَته , وَيُنَجِّي مِنْ سَخَطه وَنِقْمَته .

{12} وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ " وَلَنَصْبِرَنَّ " لَام قَسَم ; مَجَازه : وَاَللَّه لَنَصْبِرَنَّ " عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا " بِهِ , أَيْ مِنْ الْإِهَانَة وَالضَّرْب , وَالتَّكْذِيب وَالْقَتْل , ثِقَة بِاللَّهِ أَنَّهُ يَكْفِينَا وَيُثِيبنَا . " وَعَلَى اللَّه فَلْيَتَوَكَّلْ الْمُتَوَكِّلُونَ " .

{13} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ اللَّام لَام قَسَم ; أَيْ وَاَللَّه لَنُخْرِجَنَّكُمْ .

{13} وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ أَيْ حَتَّى تَعُودُوا أَوْ إِلَّا أَنْ تَعُودُوا ; قَالَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهُوَ غَيْر مُفْتَقِر إِلَى هَذَا التَّقْدِير ; فَإِنَّ " أَوْ " عَلَى بَابهَا مِنْ التَّخْيِير ; خَيَّرَ الْكُفَّارُ الرُّسُلَ بَيْن أَنْ يَعُودُوا فِي مِلَّتهمْ أَوْ يُخْرِجُوهُمْ مِنْ أَرْضهمْ ; وَهَذِهِ سِيرَة اللَّه تَعَالَى فِي رُسُله وَعِبَاده ; أَلَا تَرَى إِلَى قَوْله : " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا سُنَّة مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ رُسُلنَا " { الْإِسْرَاء : 76 - 77 } وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْأَعْرَاف " وَغَيْرهَا . " فِي مِلَّتنَا " أَيْ إِلَى دِيننَا , " فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبّهمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ " .

{14} وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ أَيْ مَقَامه بَيْن يَدَيْ يَوْم الْقِيَامَة ; فَأُضِيفَ الْمَصْدَر إِلَى الْفَاعِل . وَالْمَقَام مَصْدَر كَالْقِيَامِ ; يُقَال : قَامَ قِيَامًا وَمَقَامًا ; وَأَضَافَ ذَلِكَ إِلَيْهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ . وَالْمَقَام بِفَتْحِ الْمِيم مَكَان الْإِقَامَة , وَبِالضَّمِّ فِعْل الْإِقَامَة ; وَ " ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي " أَيْ قِيَامِي عَلَيْهِ , وَمُرَاقَبَتِي لَهُ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " أَفَمَنْ هُوَ قَائِم عَلَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ " . { الرَّعْد33 } وَقَالَ الْأَخْفَش : " ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي " أَيْ عَذَابِي , " وَخَافَ وَعِيد " أَيْ الْقُرْآن وَزَوَاجِره . وَقِيلَ : إِنَّهُ الْعَذَاب . وَالْوَعِيد الِاسْم مِنْ الْوَعْد .

{15} وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ أَيْ وَاسْتَنْصَرُوا ; أَيْ أَذِنَ لِلرُّسُلِ فِي الِاسْتِفْتَاح عَلَى قَوْمهمْ , وَالدُّعَاء بِهَلَاكِهِمْ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " . وَمِنْهُ الْحَدِيث : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِح بِصَعَالِيك الْمُهَاجِرِينَ , أَيْ يَسْتَنْصِر . وَقَالَ اِبْن زَيْد : اِسْتَفْتَحَتْ الْأُمَم بِالدُّعَاءِ كَمَا قَالَتْ قُرَيْش : " اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدك " { الْأَنْفَال : 32 } الْآيَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ قَالَ الرَّسُول : ( إِنَّهُمْ كَذَّبُونِي فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنهمْ فَتْحًا ) وَقَالَتْ الْأُمَم : إِنْ كَانَ هَؤُلَاءِ صَادِقِينَ فَعَذِّبْنَا , عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا ; نَظِيره " اِئْتِنَا بِعَذَابِ اللَّه إِنْ كُنْت مِنْ الصَّادِقِينَ " { الْعَنْكَبُوت : 29 } " اِئْتِنَا بِمَا تَعِدنَا إِنْ كُنْت مِنْ الْمُرْسَلِينَ " { الْأَعْرَاف : 77 } .

{15} وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الَّذِي لَا يَرَى لِأَحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا ; هَكَذَا هُوَ عِنْد أَهْل اللُّغَة ; ذَكَرَهُ النَّحَّاس . وَالْعَنِيد الْمُعَانِد لِلْحَقِّ وَالْمُجَانِب لَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَغَيْره ; يُقَال : عَنَدَ عَنْ قَوْمه أَيْ تَبَاعَدَ عَنْهُمْ . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْعَنَد , وَهُوَ النَّاحِيَة وَعَانَدَ فُلَان أَيْ أَخَذَ فِي نَاحِيَة مُعْرِضًا ; قَالَ الشَّاعِر : إِذَا نَزَلْت فَاجْعَلُونِي وَسَطَا إِنِّي كَبِير لَا أُطِيق الْعُنَّدَا وَقَالَ الْهَرَوِيّ : قَوْله تَعَالَى : " جَبَّار عَنِيد " أَيْ جَائِر عَنْ الْقَصْد ; وَهُوَ الْعَنُود وَالْعَنِيد وَالْعَانِد ; وَفِي حَدِيث اِبْن عَبَّاس وَسُئِلَ عَنْ الْمُسْتَحَاضَة فَقَالَ : إِنَّهُ عِرْق عَانِد . قَالَ أَبُو عُبَيْد : هُوَ الَّذِي عَنَدَ وَبَغَى كَالْإِنْسَانِ يُعَانِد ; فَهَذَا الْعِرْق فِي كَثْرَة مَا يَخْرُج مِنْهُ بِمَنْزِلَتِهِ . وَقَالَ شَمِر : الْعَانِد الَّذِي لَا يَرْقَأ . وَقَالَ عُمَر يَذْكُر سِيرَته : أَضُمُّ الْعَنُود ; قَالَ اللَّيْث : الْعَنُود مِنْ الْإِبِل الَّذِي لَا يُخَالِطهَا إِنَّمَا هُوَ فِي نَاحِيَة أَبَدًا ; أَرَادَ مَنْ هَمَّ بِالْخِلَافِ أَوْ بِمُفَارَقَةِ الْجَمَاعَة عَطَفْت بِهِ إِلَيْهَا . وَقَالَ مُقَاتِل : الْعَنِيد الْمُتَكَبِّر . وَقَالَ اِبْن كَيْسَان : هُوَ الشَّامِخ بِأَنْفِهِ . وَقِيلَ : الْعَنُود وَالْعَنِيد الَّذِي يَتَكَبَّر عَلَى الرُّسُل وَيَذْهَب عَنْ طَرِيق الْحَقّ فَلَا يَسْلُكهَا ; تَقُول الْعَرَب : شَرّ الْإِبِل الْعَنُود الَّذِي يَخْرُج عَنْ الطَّرِيق . وَقِيلَ : الْعَنِيد الْعَاصِي . وَقَالَ قَتَادَة : الْعَنِيد الَّذِي أَبَى أَنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . قُلْت : وَالْجَبَّار وَالْعَنِيد فِي الْآيَة بِمَعْنًى وَاحِد , وَإِنْ كَانَ اللَّفْظ مُخْتَلِفًا , وَكُلّ مُتَبَاعِد عَنْ الْحَقّ جَبَّار وَعَنِيد أَيْ مُتَكَبِّر . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِهِ فِي الْآيَة أَبُو جَهْل ; ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ . وَحَكَى الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَاب { أَدَب الدُّنْيَا وَالدِّين } أَنَّ الْوَلِيد بْن يَزِيد بْن عَبْد الْمَلِك تَفَاءَلَ يَوْمًا فِي الْمُصْحَف فَخَرَجَ لَهُ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلّ جَبَّار عَنِيد " فَمَزَّقَ الْمُصْحَف وَأَنْشَأَ يَقُول : أَتُوعِدُ كُلّ جَبَّار عَنِيد فَهَا أَنَا ذَاكَ جَبَّار عَنِيد إِذَا مَا جِئْت رَبّك يَوْم حَشْر فَقُلْ يَا رَبّ مَزَّقَنِي الْوَلِيد فَلَمْ يَلْبَث إِلَّا أَيَّامًا حَتَّى قُتِلَ شَرّ قِتْلَة , وَصُلِبَ رَأْسه عَلَى قَصْره , ثُمَّ عَلَى سُور بَلَده .

{16} مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ أَيْ مِنْ وَرَاء ذَلِكَ الْكَافِر جَهَنَّم , أَيْ مِنْ بَعْد هَلَاكه . وَوَرَاء بِمَعْنَى بَعْد ; قَالَ النَّابِغَة : حَلَفْت فَلَمْ أَتْرُك لِنَفْسِك رِيبَة وَلَيْسَ وَرَاء اللَّه لِلْمَرْءِ مَذْهَب أَيْ بَعْد اللَّه جَلَّ جَلَاله ; وَكَذَلِكَ قَوْلهُ تَعَالَى : " وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَاب غَلِيظ " أَيْ مِنْ بَعْده ; وَقَوْله تَعَالَى : " وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ " { الْبَقَرَة : 91 } أَيْ بِمَا سِوَاهُ ; قَالَهُ الْفَرَّاء . وَقَالَ أَبُو عُبَيْد : بِمَا بَعْده : وَقِيلَ : " مِنْ وَرَائِهِ " أَيْ مِنْ أَمَامه , وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : وَمِنْ وَرَائِك يَوْم أَنْتَ بَالِغه لَا حَاضِرٌ مُعْجِزٌ عَنْهُ وَلَا بَادِي وَقَالَ آخَر : أَتَرْجُو بَنُو مَرْوَان سَمْعِي وَطَاعَتِي وَقَوْمِي تَمِيم وَالْفَلَاة وَرَائِيَا وَقَالَ لَبِيد : أَلَيْسَ وَرَائِي إِنْ تَرَاخَتْ مَنِيَّتِي لُزُوم الْعَصَا تُحْنَى عَلَيْهَا الْأَصَابِع يُرِيد أَمَامِي . وَفِي التَّنْزِيل : " كَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِك " { الْكَهْف : 79 } أَيْ أَمَامهمْ , وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدَة وَأَبُو عَلِيّ قُطْرُب وَغَيْرهمَا . وَقَالَ الْأَخْفَش : هُوَ كَمَا يُقَال هَذَا الْأَمْر مِنْ وَرَائِك , أَيْ سَوْفَ يَأْتِيك , وَأَنَا مِنْ وَرَاء فُلَان أَيْ فِي طَلَبه وَسَأَصِلُ إِلَيْهِ . وَقَالَ النَّحَّاس فِي قَوْله " مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّم " أَيْ مِنْ أَمَامه , وَلَيْسَ مِنْ الْأَضْدَاد وَلَكِنَّهُ مِنْ تَوَارَى ; أَيْ اِسْتَتَرَ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : إِنَّ وَرَاء تَكُون بِمَعْنَى خَلْف وَأَمَام فَهُوَ مِنْ الْأَضْدَاد , وَقَالَهُ أَبُو عُبَيْدَة أَيْضًا , وَاشْتِقَاقهمَا مِمَّا تَوَارَى وَاسْتَتَرَ , فَجَهَنَّم تَوَارَى وَلَا تَظْهَر , فَصَارَتْ مِنْ وَرَاء لِأَنَّهَا لَا تُرَى , حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ وَهُوَ حَسَن .

{16} مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ أَيْ مِنْ مَاء مِثْل الصَّدِيد , كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ الشُّجَاع أَسَد , أَيْ مِثْل الْأَسَد , وَهُوَ تَمْثِيل وَتَشْبِيه . وَقِيلَ : هُوَ مَا يَسِيل مِنْ أَجْسَام أَهْل النَّار مِنْ الْقَيْح وَالدَّم . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب الْقُرَظِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس : هُوَ غُسَالَة أَهْل النَّار , وَذَلِكَ مَاء يَسِيل مِنْ فُرُوج الزُّنَاة وَالزَّوَانِي . وَقِيلَ : هُوَ مِنْ مَاء كَرِهْته تَصُدّ عَنْهُ , فَيَكُون الصَّدِيد مَأْخُوذًا مِنْ الصَّدّ . وَذَكَرَ اِبْن الْمُبَارَك , أَخْبَرَنَا صَفْوَان بْن عَمْرو عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن بُسْر عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله : " وَيُسْقَى مِنْ مَاء صَدِيد يَتَجَرَّعهُ " قَالَ : ( يُقَرَّب إِلَى فِيهِ فَيَكْرَههُ فَإِذَا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهه وَوَقَعَتْ فَرْوَة رَأْسه فَإِذَا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعَاءَهُ حَتَّى تَخْرُج مِنْ دُبُره يَقُول اللَّه : " وَسُقُوا مَاء حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ " { مُحَمَّد : 15 } وَيَقُول اللَّه : " وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوه بِئْسَ الشَّرَاب " { الْكَهْف : 29 } خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَقَالَ : حَدِيث غَرِيب , وَعُبَيْد اللَّه بْن بُسْر الَّذِي رَوَى عَنْهُ صَفْوَان بْن عَمْرو حَدِيث أَبِي أُمَامَة لَعَلَّهُ أَنْ يَكُون أَخَا عَبْد اللَّه بْن بُسْر .

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أَيْ يَتَحَسَّاهُ جَرْعًا لَا مَرَّة وَاحِدَة لِمَرَارَتِهِ وَحَرَارَته .

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أَيْ يَبْتَلِعهُ ; يُقَال : جَرَعَ الْمَاء وَاجْتَرَعَهُ وَتَجَرَّعَهُ بِمَعْنًى . وَسَاغَ الشَّرَاب فِي الْحَلْق يَسُوغ سَوْغًا إِذَا كَانَ سَلِسًا سَهْلًا , وَأَسَاغَهُ اللَّه إِسَاغَة . وَ " يَكَاد " صِلَة ; أَيْ يُسِيغُهُ بَعْد إِبْطَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " { الْبَقَرَة : 71 } أَيْ فَعَلُوا بَعْد إِبْطَاء , وَلِهَذَا قَالَ : " يُصْهَر بِهِ مَا فِي بُطُونهمْ وَالْجُلُود " { الْحَجّ : 20 } فَهَذَا يَدُلّ عَلَى الْإِسَاغَة . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يُجِيزهُ وَلَا يَمُرّ بِهِ .

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَيْ يَأْتِيه أَسْبَاب الْمَوْت مِنْ كُلّ جِهَة عَنْ يَمِينه وَشِمَاله , وَمِنْ فَوْقه وَتَحْته وَمِنْ قُدَّامه وَخَلْفه , كَقَوْلِ : " لَهُمْ مِنْ فَوْقهمْ ظُلَل مِنْ النَّار وَمِنْ تَحْتهمْ ظُلَل " { الزُّمَر : 16 } . وَقَالَ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ : يَأْتِيه مِنْ كُلّ مَكَان مِنْ جَسَده حَتَّى مِنْ أَطْرَاف شَعْره ; لِلْآلَامِ الَّتِي فِي كُلّ مَكَان مِنْ جَسَده . وَقَالَ الضَّحَّاك : إِنَّهُ لَيَأْتِيه الْمَوْت مِنْ كُلّ نَاحِيَة وَمَكَان حَتَّى مِنْ إِبْهَام رِجْلَيْهِ . وَقَالَ الْأَخْفَش : يَعْنِي الْبَلَايَا الَّتِي تُصِيب الْكَافِر فِي النَّار سَمَّاهَا مَوْتًا , وَهِيَ مِنْ أَعْظَم الْمَوْت . وَقِيلَ : إِنَّهُ لَا يَبْقَى عُضْو مِنْ أَعْضَائِهِ إِلَّا وُكِّلَ بِهِ نَوْع مِنْ الْعَذَاب ; لَوْ مَاتَ سَبْعِينَ مَرَّة لَكَانَ أَهْوَن عَلَيْهِ مِنْ نَوْع مِنْهَا فِي فَرْد لَحْظَة ; إِمَّا حَيَّة تَنْهَشهُ ; أَوْ عَقْرَب تَلْسِبهُ , أَوْ نَار تَسْفَعهُ , أَوْ قَيْد بِرِجْلَيْهِ , أَوْ غُلّ فِي عُنُقه , أَوْ سِلْسِلَة يُقْرَن بِهَا , أَوْ تَابُوت يَكُون فِيهِ , أَوْ زَقُّوم أَوْ حَمِيم , أَوْ غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْعَذَاب , وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب : إِذَا دَعَا الْكَافِر فِي جَهَنَّم بِالشَّرَابِ فَرَآهُ مَاتَ مَوْتَات , فَإِذَا دَنَا مِنْهُ مَاتَ مَوْتَات , فَإِذَا شَرِبَ مِنْهُ مَاتَ مَوْتَات ; فَذَلِكَ قَوْله : " وَيَأْتِيه الْمَوْت مِنْ كُلّ مَكَان وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ " . قَالَ الضَّحَّاك : لَا يَمُوت فَيَسْتَرِيح . وَقَالَ اِبْن جُرَيْج : تَعَلَّقَ رُوحه فِي حَنْجَرَته فَلَا تَخْرُج مِنْ فِيهِ فَيَمُوت , وَلَا تَرْجِع إِلَى مَكَانهَا مِنْ جَوْفه فَتَنْفَعهُ الْحَيَاة ; وَنَظِيره قَوْله : " لَا يَمُوت فِيهَا وَلَا يَحْيَا " { طَه : 74 } . وَقِيلَ : يَخْلُق اللَّه فِي جَسَده آلَامًا كُلّ وَاحِد مِنْهَا كَأَلَمِ الْمَوْت . وَقِيلَ :

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ لِتَطَاوُلِ شَدَائِد الْمَوْت بِهِ , وَامْتِدَاد سَكَرَاته عَلَيْهِ ; لِيَكُونَ ذَلِكَ زِيَادَة فِي عَذَابه . قُلْت : وَيَظْهَر مِنْ هَذَا أَنَّهُ يَمُوت , وَلَيْسَ كَذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّف عَنْهُمْ مِنْ عَذَابهَا " { فَاطِر : 36 } وَبِذَلِكَ وَرَدَتْ السُّنَّة ; فَأَحْوَال الْكُفَّار أَحْوَال مَنْ اِسْتَوْلَى عَلَيْهِ سَكَرَات الْمَوْت دَائِمًا , وَاَللَّه أَعْلَم .

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أَيْ مِنْ أَمَامه .

{17} يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ أَيْ شَدِيد مُتَوَاصِل الْآلَام غَيْر فَتُور ; وَمِنْهُ قَوْله : " وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَة " { التَّوْبَة : 123 } أَيْ شِدَّة وَقُوَّة . وَقَالَ فُضَيْل بْن عِيَاض فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَاب غَلِيظ " قَالَ : حَبْس الْأَنْفَاس .

{18} مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ اِخْتَلَفَ النَّحْوِيُّونَ فِي رَفْع " مَثَل " فَقَالَ سِيبَوَيْهِ : اِرْتَفَعَ بِالِابْتِدَاءِ وَالْخَبَر مُضْمَر ; التَّقْدِير : وَفِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَوْ يُقَصّ " مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ " ثُمَّ اِبْتَدَأَ فَقَالَ : " أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ " أَيْ كَمَثَلِ رَمَاد " اِشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيح " . وَقَالَ الزَّجَّاج : أَيْ مَثَل الَّذِينَ كَفَرُوا فِيمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ , وَهُوَ عِنْد الْفَرَّاء عَلَى إِلْغَاء الْمَثَل , التَّقْدِير : وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالهمْ كَرَمَادٍ . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَى حَذْف مُضَاف ; التَّقْدِير : مَثَل أَعْمَال الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ كَرَمَادٍ ; وَذَكَرَ الْأَوَّل عَنْهُ الْمَهْدَوِيّ , وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيّ وَالثَّعْلَبِيّ وَيَجُوز أَنْ يَكُون مُبْتَدَأ كَمَا يُقَال : صِفَة فُلَان أَسْمَر ; فَ " مَثَل " بِمَعْنَى صِفَة . وَيَجُوز فِي الْكَلَام جَرّ " أَعْمَالهمْ " عَلَى بَدَل الِاشْتِمَال مِنْ " الَّذِينَ " وَاتَّصَلَ هَذَا بِقَوْلِهِ : " وَخَابَ كُلّ جَبَّار عَنِيد " وَالْمَعْنَى : أَعْمَالهمْ مُحْبَطَة غَيْر مَقْبُولَة . وَالرَّمَاد مَا بَقِيَ بَعْد اِحْتِرَاق الشَّيْء ; فَضَرَبَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة مَثَلًا لِأَعْمَالِ الْكُفَّار فِي أَنَّهُ يَمْحَقهَا كَمَا تَمْحَق الرِّيح الشَّدِيدَة الرَّمَاد فِي يَوْم عَاصِف . وَالْعَصْف شِدَّة الرِّيح ; وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ أَشْرَكُوا فِيهَا غَيْر اللَّه تَعَالَى . وَفِي وَصْف الْيَوْم بِالْعُصُوفِ ثَلَاثَة أَقَاوِيل : أَحَدهَا : أَنَّ الْعُصُوف وَإِنْ كَانَ لِلرِّيحِ فَإِنَّ الْيَوْم قَدْ يُوصَف بِهِ ; لِأَنَّ الرِّيح تَكُون فِيهِ , فَجَازَ أَنْ يُقَال : يَوْم عَاصِف , كَمَا يُقَال : يَوْم حَارّ وَيَوْم بَارِد , وَالْبَرْد وَالْحَرّ فِيهِمَا . وَالثَّانِي : أَنْ يُرِيد " فِي يَوْم عَاصِف " الرِّيح ; لِأَنَّهَا ذُكِرَتْ فِي أَوَّل الْكَلِمَة , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إِذَا جَاءَ يَوْم مُظْلِم الشَّمْس كَاسِف يُرِيد كَاسِف الشَّمْس فَحَذَفَ ; لِأَنَّهُ قَدْ مَرَّ ذِكْره ; ذَكَرَهُمَا الْهَرَوِيّ . وَالثَّالِث : أَنَّهُ مِنْ نَعْت الرِّيح ; غَيْر أَنَّهُ لَمَّا جَاءَ بَعْد الْيَوْم أَتْبَعَ إِعْرَابه كَمَا قِيلَ : جُحْر ضَبّ خَرِب ; ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ . وَقَرَأَ اِبْن أَبِي إِسْحَاق وَإِبْرَاهِيم بْن أَبِي بَكْر " فِي يَوْم عَاصِف " .

{18} مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ يَعْنِي الْكُفَّار . " مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْء " يُرِيد فِي الْآخِرَة ; أَيْ مِنْ ثَوَاب مَا عَمِلُوا مِنْ الْبِرّ فِي الدُّنْيَا , لِإِحْبَاطِهِ بِالْكُفْرِ .

{18} مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ أَيْ الْخُسْرَان الْكَبِير ; وَإِنَّمَا جَعَلَهُ كَبِيرًا بَعِيدًا لِفَوَاتِ اِسْتِدْرَاكه بِالْمَوْتِ .


المراجع

موسوعه الاسلام

التصانيف

تفسير القران الكريم