الحرية

رقم القصيدة : 73117 نوع القصيدة : فصحى ملف صوتي: لا يوجد
أَنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العتمة

مسرى ، وملعب الشمس مغنى .

أَتملَّى وجه الحقيقة أَيان

تراءَى ، وأَيَّ فعل تبنّى.

فأَحيك الرؤى ، روى العقل ، فكراً

يتجلَّى مع الزمان ، ويغنى :

أَيّ فكرٍ يؤرخ الناس أَجيالا

ويبني لغاية الكون معنى

ويردّ الفناءَ وهماً ، وطيفَ الحقّ

دنيا ، وقوةَ الشرِّ وَهْنا .

أَنا حرٌّ يا ربِّ ! ما أَنت حرٌّ ؟

ما وجودي ، تُرى ، إذا كنتَ عبدا :

شيمةُ الحرّ أَن يروّض أَحراراً

ويأْبى إلا التحرر مبدا .

"كن كما شئت" سنّة الله في الكون

تناهت إلى الخليقة عهدا.

"كن كما شئت" هكذا أَنت إِنسان

وكنْهُ الإنسان أَن لا يُحَدّا :

حدُّه - إن يُحدّ - حرّية تسمو

وتقتاده إلى الخير عمدا .

..

أَنا حرٌّ يا ربّ ! حرّيتي كنهي ،

أَرود الجمال فجراً وفجراً .

كُلُّ فجرٍ أَروده أَفرشُ الارض

ضحايا ، وأَفجُرُ الدمعَ بحرا.

فكأَني وُجدتُ كي أَجتلي كنهي

وأَجني حقي رويداً وقسرا ،

وكأَن التاريخ ساحةُ حربٍ

بين حرٍّ وبين من كان حرّا:

أَتُرى جوهرُ الخليقة حرّية أَولى

بمن فاز في النضال وأَحرى؟

..

أَنا حرٌّ يا رب ، حرٌّ : ليَ العقلُ

جناحٌ وذروة الحق مرمى .

يا إلهي شدّدْ جناحي ، وزده

قوة منك ، فهو غضٌّ - ومهما

همَّ من نفسهِ وحلَّقَ أَجواءً

وطوّى من العلاءِ وضمّا ،

ولا تزالُ الرياحُ تلوي خوافيهِ

وتهوي بهِ إلى ما تَعمّى :

فيصيرُ الوجودُ غمرَ ظلامٍ ،

وتصير الحياة طيفاً ووهما.

..

يا إلهي شدِّدْ جناحي : فما يكفيه

علمٌ ، مهما تساميتُ علما .

أَنتَ أَدرى بهِ ، فلو ينفع العلمُ

لما زادتِ الخليقة إِثما ،

ولما جئتَ ههنا تفتدي العقلَ

وتروي أَنَّ المحبّةَ أَسمى .

هبهُ من عندكَ المحبّةَ يا ربَّ ،

وزوّدهُ بالمحبّة فهما :

فاذا بالرياحِ غيرُ رياحٍ

كلّما قارب الوصولَ ولمّا ...

..

ربِّ هبني محبّةً ، فبها أُدركُ

حريّتي وأَعرفُ نفسي.

أَنا ، إِن لا أُحبُّ ، ما نفع عقلي

لخلاصي ، وباطلٌ كلّ بأْسي.

فخلاصي ، أنا المسيَّرُ بالغيبِ ،

ومَن يومُهُ منوطٌ بأَمسِ ،

إِنما تمَّ بالمحبة والعقلِ ،

فلولاهما أَغوصُ برجسي :

نعمةٌ أَستحقها ، إِنْ أَنا آمنتُ

وطوَّعتُ للحقيقةِ حِسِّي .

..

أَنا حرٌّ يا رب ! في أَضلعي شوقٌ

إلى رؤية الحقيقة حرّا :

شاهدٌ ، إِن رأَيتُها ، معلنٌ عنها

صراحاً لدى الخليقةِ طرّا ،

مفتديها بالروحِ إِنْ رام عبدٌ

طمسَها خيفةً ، وجهلاً ، وغدرا .

ويح نفسي ، ما أَتعسَ الحقَّ في الدنيا

فكم مرةٍ يُباع ويُشرى:

كلُّ شيٍ ، لدى العبيدِ ، حلالٌ

غيرَ شيءٍ : قولُ الحقيقةِ جهرا .



  • 2

    إيهِ حريتي ! تذكرتُ بالأمس

    صراعي مع الزمانِ وبؤسي :

    أَنا في مصر بالعبودية عُمّدتُ ،

    فشبَّت على المذلَّة نفسي .

    وحسبتُ الخلودَ بالجسدِ الفاني

    فعمّّرت بالجماجم رمسي

    هَرَماً ، يسحق الفناءَ بكفَّيهِ

    ويضحي مع البقاءِ ويمسي :

    إِنَ من يطلب الخلود على الأَرض

    كمن يُفرغُ البحار بكأْسِ.

    وعلى شاطئ الفرات سأَلتُ النجمَ

    عن حاضري وعن أَحلامي ،

    أَغنم العيش برهةً قلَّ جدواها

    وعزّت مصحوبةً بالسلام .

    لا خلودٌ بعد الممات لنفسي ،

    ومصيري مغلَّفٌ بالظلامِ

    كنتُ عبداً للعيشِ ، للموتِ ، للشرِّ ،

    وعبداً للخوف والآلام ،

    أَجهلُ الله ، أَجهلُ الحبَّ والحقَّ ،

    وحرّيتي من الأَوهامِ .

    ..

    ويحَ أَشُّور ! كم سكبتُ بها الدمع ،

    وغيّبت في ثراها النفوسا ،

    رافعاً فوقها من المجدِ مُلكاً

    يتحدّى - إذا تُطلُّ - الشموسا

    أيُّّ ملكٍ على العبوديةِ العمياءِ

    يُبنى ، وما أُذِلّ وديسا:

    سلْ أَشوراً ، ورومةً ، والفراعينَ ،

    وكسرى - سلْ نينوى ، والمجوسا ،

    والأُولى طرّقت جيادُهُمُ البحرَ ،

    وصبّت نعالها هندوسا .

    ..

    أَيُّ ملكٍ كذاكَ يُبنى على القوّة

    يبقى ، فلا يزول ويبلى :

    أَين مجد العربان بعد ازدهارٍ

    حطَّ في قمّة الجلال وحلّا ؟

    أَين جنكيزُ فاتحُ الشرقِ والغربِ ،

    نذيرُ الهلاك أَنَّى أَطلَّا ؟

    أَين "تيمور" قاهراً ، والسلاطينُ

    غزاةً ، "والبونابرتيّ" مولى ؟

    هكذا يمّحي ظلام الليالي

    ويفيءُ الصَّباحُ مهما تولَّى .

    ..

    إيهِ حرّيتي ! تذكرتُ بالأَمس

    صراعي مع الزمان ونصري:

    أَنا في موطن الصنوبر والأَرز

    تحرّّيتُ عن حقيقةِ أَمري.

    فتحكمت بالطبيعةِ ، فانقادت

    إلى فكرتي ، سريعاً ، وفكري .

    فإِذا العقل سيِّدٌ ، والأَمانيُّ

    حبالى بكلِّ حبٍّ وخير ،

    وإِذا الله واحدٌ في ربى القدس ،

    وحرٌّ يسير بي حيث أَدري.

    ..

    يا لأَبرام ! يا للنبيّينَ من بعدُ

    ولاةٌ على الحقيقة طفلَهْ .

    سكبوا في سبيلها الدمَ والدمعَ ،

    وعاشوا من أجلها العمرَ كلَهْ

    لهمُ ، دون غيرهم ، شرف الوعدِ ،

    وإِنْ أَنكروا ، لدنْ تمَّ ، فِعلهْ

    واستعاضوا عن الحقيقةِ بالوهمِ

    وبالعيشِ دونها والتعلَّه ،

    واكتَفوا بالتراثِ من قبلُ ، واهاً

    أَينَ شأْن التراث إِنْ ظَلَّ قبلهْ ؟

    ..

    ما لحريتي على ملعب الإِغريق

    تُسقى ، غداة تظمأُ ، سمّا .

    أَيّ سمٍّ أَمدّ حرّية الفكر

    بفيضٍ من الشجاعةٍ أَسمى :

    شرفٌ من يناله يصحب الحقّ

    ويُجزى من المحبة نعمى .

    ذاك يومي ، نعمَّه ، ردّني حرّاً

    أَرى غايتي من العمر وهما ،

    إِنْ أَنا لا أَرود منتهلَ النور

    وأَزداد للحقيقةِ فَهْما .

    ..

    أيّ سمٍّ ، أَقول ، غلَّ يد الليل

    وأَولى على الصباحِ الخلودا .

    فإِذا بالأُلومب ملعب أَحرارٍ

    تحدّوا على الزمان العبيدا :

    ينشدون الجمال ، والعدل ، والخير ،

    ولاءً ، ويحْطمون القيودا ،

    رافعين اللواءَ في موكب الفكر

    جنوداً ، وحاملين البنودا :

    موكبٌ شيّد الحضارة من بعدُ ،

    وأعلى إلى السماء الحدودا.

    ..

    يا لفتحٍ للفكر فتح أَثينا ،

    أَين منه فتح السيوف البواترْ ؟

    تمَّحي دونه العروش ، ويفنى

    كلّ طاغٍ على الشعوب وقاهرْ .

    يا لفتحٍ للفكر ، مهّد للحقّ

    سبيلاً ، وزفّ خير البشائر :

    هوّذا الله عن خطاياي مصلوباً ،

    يريني وجه المحبّة سافرْ :

    فالتقى العالمان : الشرق والغرب ،

    وشدّا على الوداد والأَواصرْ .

    ..

    إِيه حرّيتي - إِذا تمّ نصري

    بفداءٍ من المحبة سمْحِ ،

    فتحررت من عبوديّة الشرِّ

    وفازت على الطبيعة روحي -

    فأَنا ما أَزال عبداً لنفسي ،

    أَبتني من لذاذة الحسّ صرْحي ،

    جائراً ، ظالماً ، أُكنِّن أَيامي

    بدمعٍ ، من الشقاءِ ، وجرح .

    فكأَنَّ البقاء غاية عمري

    أَدّعيها ، إذا تضنّّ ، برمح .

    ..

    أَنا في عالمٍ من الخوف والإرهاب

    صنعُ الفناءِ ، صنعُ يديّا ،

    زائعٍ يحسب المحبّة وهماً ،

    والتفاني في خدمة الحق غيّا ،

    جائعٍ ظنَّ قوته ثروة الأَرض ،

    وما كان جوعه جسديّا .

    فمضى في سبيلها يغرس الأَرض

    حراباً ، ويستبيح البريّا :

    إِنَّّه الملْك ، كم يدنِّس أَقداساً

    ويمشي في مأْتم المرءِ حيّا.

    ..

    أَين عهدٌ غيّبت حريتي فيه

    بسجنٍ من التقاليد قاسي ،

    أَخنق الفكر إِنْ تعدَّى حدوداً

    رسمتها ، من قبلُ ، أَيدي الأُناسي

    فالضحايا ، باسم الكنيسة والدين ،

    ترامت مخنوقة الأَنفاس ،

    تحمل النور في الليالي الدواجي

    وتصبّ الزيوت في النبراس :

    مأْتمٌ للظلام تلك الضحايا ،

    وهي للنور أَبهج الأَعراس.

    ذاك عهدٌ تصارع الفكر فيه

    معَ سجّانه ، فنال انتصارا .

    فأَطلَّت حريتي تنسج الفجر

    رداءً ، على الورى ، وإِزارا ،

    وعليها من الجلالة إِكليلٌ

    تسامى ، فزيّن الأَحرار ،

    ولديها شوق النفوس إلى الموت

    فداءً عنها ، إِذا ما توارى .

    واطمأَنَّت إلى يدٍ زندها غضٌّ ،

    وترمي ، فتسحق الأَشرارا .

    ..

    وغداً ، عندما تعود السيوفُ

    القضْبُ منصورةً إلى الأَغماد ،

    أَترى ينتهي صراعي مع الشرّ ،

    فأَحيا حرّاً إلى الآباد :

    أَصنع الخير ، أَنشد الحبّ والحقّ ،

    وأَطوي الجمال ملءَ فؤادي ؟

    نعمت لحظةٌ بها أَنا نفسي ،

    لا كما شاءَ أَو أَبى أَسيادي :

    مطمئنٌّ إلى غدٍ ، أَزرع الحسنى

    وأَجني المنى على ميعاد .



3

يا بلادي حضنتِ ، من قبلُ ، أَمجاداً

وشيّدت في بناءِ الحضاره ،

تغمرين الأَمداءَ حباً وإِيماناً

وتعلين للجمال منارهْ :

فعلى كل قمةٍ منك شيءُ ،

والليالي تناقلتْ أَخباره.

أَيُّ فكرٍ في تربك السمح لم يزهر ،

فتجني يد الورى أَزهارهْ :

فازدهى عالم ، وكنتِ له الفتح ،

وجلَّى ، فكان غاركِ غاره .

يا بلادي ، وكمْ رفعت لواءً

سرمدياً في موكب الحريَّه :

منك لقيان هازئاً بالسلاطين

وحرباً على النفوس العتيَّه ،

يرسل القول في الوجوه ويعلي

الحق ، رغم الأّذى ورغم البليَّه .

منك أُولئك الذين "تآخوا

للصفا" في عقولهم والرويَّه ،

والأَولى قيل عنهم "اعتزلوا" الحق ،

وفي قولهم عمىً وأَذيَّه .

..

ذاك أمسٌ مضى ، وما ينفع الأَمس

إِذا لم يكن لدى اليوم حيَّا :

وأَبى الدهر أَن يجود ، فغامتْ

أَنجمٌ ، وارتمى جبين الثريَّا .

وامَّحتْ شعلةٌ ، فساد ظلامٌ

في بلادي ، وطأْطأَ الفكر عيَّا ،

يحمل القيد في يديه ويمشي

في عبودية الضلال شقيَّا :

موجةٌ أَسيويةٌ راعها النور

فأَرختْ حجابها البربريَّا .

..

يا بلادي سلمت ، ما زال لبنان

قويَّ العماد ، لما يذلا ،

شامخ الأنف ، رافع الرأْس ، حرّاً ،

هانئاً ، دون غيره ، مستقلاً ،

ينحر الظلمة العتيَّة بالنور

ويبقى لدى الصباح المطلا ،

موئلاً يلجأُ الأُباة إِليه ،

ويوافيه كل حرٍّ ومولى:

ما تراه إلا تفرَّد في الشرق

بأَسمى من البقاءِ وأَغلى !

..

يا بلادي ، أَودعت عندك آمالي

وأَسلمت في يديك القيادا !

أَنت للغير قوة تشهر السيف

وتبني ، على الفتوح ، العمادا -

يا بلادي ، وانت لي موطنٌ حرٌّ

تسامى محبةً ورشادا ،

يحضن الفكر عبقريا ويمشي

في ركاب الحياة أَنى تهادى :

يعربيَّ اللسان ، واليد ، والوجه ،

يولِّي شطرَ البحار الفؤادا.


المراجع

موسوعة العالمية للشعر العربي

التصانيف

شعراء