طه
{99} كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا الْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب نَعْت لِمَصْدَرٍ مَحْذُوف . أَيْ كَمَا قَصَصْنَا عَلَيْك خَبَر مُوسَى " كَذَلِكَ نَقُصّ عَلَيْك " قَصَصًا كَذَلِكَ مِنْ أَخْبَار مَا قَدْ سَبَقَ ; لِيَكُونَ تَسْلِيَة لَك , وَلِيَدُلّ عَلَى صِدْقك .
{99} كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا يَعْنِي الْقُرْآن . وَسُمِّيَ الْقُرْآن ذِكْرًا ; لِمَا فِيهِ مِنْ الذِّكْر كَمَا سُمِّيَ الرَّسُول ذِكْرًا ; الذِّكْر كَانَ يَنْزِل عَلَيْهِ . وَقِيلَ : " أَتَيْنَاك مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا " أَيْ شَرَفًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَك " ( الزُّخْرُف : 44 ) أَيْ شَرَف وَتَنْوِيه بِاسْمِك .
{100} مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا أَيْ الْقُرْآن فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ , وَلَمْ يَعْمَل بِمَا فِيهِ
{100} مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا أَيْ إِثْمًا عَظِيمًا وَحِمْلًا ثَقِيلًا .
{101} خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا يُرِيد مُقِيمِينَ فِيهِ ; أَيْ فِي جَزَائِهِ وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم .
{101} خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا يُرِيد بِئْسَ الْحِمْل حَمَلُوهُ يَوْم الْقِيَامَة . وَقَرَأَ دَاوُد بْن رَفِيع " فَإِنَّهُ يُحَمَّل " .
{102} يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا قِرَاءَة الْعَامَّة " يُنْفَخ " بِضَمِّ الْيَاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَابْن أَبِي إِسْحَاق بِنُون مُسَمَّى الْفَاعِل . وَاسْتَدَلَّ أَبُو عَمْرو بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَنَحْشُر الْمُجْرِمِينَ " بِنُونٍ .
وَعَنْ اِبْن هُرْمُز " يَنْفُخ " بِفَتْحِ الْيَاء أَيْ يَنْفُخ إِسْرَافِيل . أَبُو عِيَاض : " فِي الصُّوَرِ " . الْبَاقُونَ " فِي الصُّورِ " وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا فِي " الْأَنْعَام " مُسْتَوْفًى وَفِي كِتَاب " التَّذْكِرَة "
{102} يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " وَيُحْشَر " بِضَمِّ الْيَاء " الْمُجْرِمُونَ " رَفْعًا بِخِلَافِ الْمُصْحَف . وَالْبَاقُونَ " وَنَحْشُر الْمُجْرِمِينَ " أَيْ الْمُشْرِكِينَ .
{102} يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا حَال مِنْ الْمُجْرِمِينَ , وَالزَّرَق خِلَاف الْكَحَل . وَالْعَرَب تَتَشَاءَم بِزُرْقِ الْعُيُون وَتَذُمّهُ ; أَيْ تُشَوَّه خِلْقَتهمْ بِزُرْقَةِ عُيُونهمْ وَسَوَاد وُجُوههمْ . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَالْفَرَّاء : " زُرْقًا " أَيْ عُمْيًا . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : عِطَاشًا قَدْ اِزْرَقَّتْ أَعْيُنهمْ مِنْ شِدَّة الْعَطَش ; وَقَالَهُ الزَّجَّاج ; قَالَ : لِأَنَّ سَوَاد الْعَيْن يَتَغَيَّر وَيَزْرَقّ مِنْ الْعَطَش . وَقِيلَ : إِنَّهُ الطَّمَع الْكَاذِب إِذَا تَعَقَّبَتْهُ الْخَيْبَة , يُقَال : اِبْيَضَّتْ عَيْنِي لِطُولِ اِنْتِظَارِي لِكَذَا . وَقَوْل خَامِس : إِنَّ الْمُرَاد بِالزُّرْقَةِ شُخُوص الْبَصَر مِنْ شِدَّة الْخَوْف ; قَالَ الشَّاعِر : لَقَدْ زَرِقَتْ عَيْنَاك يَا ابْن مُكَعْبَر كَمَا كُلّ ضَبِّيّ مِنْ اللُّؤْم أَزْرَق يُقَال : رَجُل أَزْرَق الْعَيْن , وَالْمَرْأَة زَرْقَاء بَيِّنَة الزَّرَق . وَالِاسْم الزُّرْقَة . وَقَدْ زَرِقَتْ عَيْنه بِالْكَسْرِ وَازْرَقَّتْ عَيْنه اِزْرِقَاقًا , وَازْرَاقَّتْ عَيْنه اِزْرِيقَاقًا . وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : قِيلَ لِابْنِ عَبَّاس فِي قَوْله : " وَنَحْشُر الْمُجْرِمِينَ يَوْمئِذٍ زُرْقًا " وَقَالَ فِي مَوْضِع آخَر : " وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا " ( الْإِسْرَاء : 97 ) فَقَالَ : إِنَّ لِيَوْمِ الْقِيَامَة حَالَات ; فَحَالَة يَكُونُونَ فِيهِ زُرْقًا , وَحَالَة عُمْيًا .
{103} يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أَصْل الْخَفْت فِي اللُّغَة السُّكُون , ثُمَّ قِيلَ لِمَنْ خَفَضَ صَوْته خَفَته . يَتَسَارُّونَ ; قَالَهُ مُجَاهِد ; أَيْ يَقُولُونَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ فِي الْمَوْقِف سِرًّا
{103} يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا أَيْ مَا لَبِثْتُمْ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا , وَقِيلَ فِي الْقُبُور
{103} يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا يُرِيد عَشْر لَيَالٍ . وَقِيلَ : أَرَادَ مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ وَهُوَ أَرْبَعُونَ سَنَة ; يُرْفَع الْعَذَاب فِي تِلْكَ الْمُدَّة عَنْ الْكُفَّار .
{104} نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا فِي قَوْل اِبْن عَبَّاس - فَيَسْتَقْصِرُونَ تِلْكَ الْمُدَّة . أَوْ مُدَّة مَقَامهمْ فِي الدُّنْيَا لِشِدَّةِ مَا يَرَوْنَ مِنْ أَهْوَال يَوْم الْقِيَامَة ; وَيُخَيَّل إِلَى أَمْثَلهمْ أَيْ أَعْدَلهِمْ قَوْلًا وَأَعْقَلهمْ وَأَعْلَمهمْ عِنْد نَفْسه أَنَّهُمْ مَا لَبِثُوا إِلَّا يَوْمًا وَاحِدًا يَعْنِي لُبْثهمْ فِي الدُّنْيَا ; عَنْ قَتَادَة ; فَالتَّقْدِير : إِلَّا مِثْل يَوْم . وَقِيلَ : إِنَّهُمْ مِنْ شِدَّة هَوْل الْمَطْلَع نَسُوا مَا كَانُوا فِيهِ مِنْ نَعِيم الدُّنْيَا رَأَوْهُ كَيَوْمٍ . وَقِيلَ : أَرَادَ بِيَوْمِ لُبْثهمْ مَا بَيْن النَّفْخَتَيْنِ , أَوْ لُبْثهمْ فِي الْقُبُور عَلَى مَا تَقَدَّمَ . " وَعَشْرًا " و " يَوْمًا " مَنْصُوبَانِ ب "لَبِثْتُمْ " .
{105} وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا أَيْ عَنْ حَال الْجِبَال يَوْم الْقِيَامَة .
{105} وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا جَاءَ هَذَا بِفَاءٍ وَكُلّ سُؤَال فِي الْقُرْآن " قُلْ " بِغَيْرِ فَاء إِلَّا هَذَا , لِأَنَّ الْمَعْنَى إِنْ سَأَلُوك عَنْ الْجِبَال فَقُلْ , فَتَضَمَّنَ الْكَلَام مَعْنَى الشَّرْط وَقَدْ عَلِمَ اللَّه أَنَّهُمْ يَسْأَلُونَهُ عَنْهَا , فَأَجَابَهُمْ قَبْل السُّؤَال , وَتِلْكَ أَسْئِلَة تَقَدَّمَتْ سَأَلُوا عَنْهَا النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ الْجَوَاب عَقِب السُّؤَال ; فَلِذَلِكَ كَانَ بِغَيْرِ فَاء , وَهَذَا سُؤَال لَمْ يَسْأَلُوهُ عَنْهُ بَعْد ; فَتَفَهَّمْهُ .
{105} وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا يُطَيِّرهَا . " نَسْفًا " قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره : يَقْلَعهَا قَلْعًا مِنْ أُصُولهَا ثُمَّ يُصَيِّرهَا رَمْلًا يَسِيل سَيْلًا , ثُمَّ يُصَيِّرهَا كَالصُّوفِ الْمَنْفُوش تُطَيِّرهَا الرِّيَاح هَكَذَا وَهَكَذَا قَالَ : وَلَا يَكُون الْعِهْن مِنْ الصُّوف إِلَّا الْمَصْبُوغ , ثُمَّ كَالْهَبَاءِ الْمَنْثُور .
{106} فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا أَيْ يَذَر مَوَاضِعهَا
{106} فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا الْقَاع الْأَرْض الْمَلْسَاء بِلَا نَبَات وَلَا بِنَاء ; قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالْقَاع الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْض وَالْجَمْع أَقْوُع وَأَقْوَاع وَقِيعَان صَارَتْ الْوَاو يَاء لِكَسْرِ مَا قَبْلهَا .
وَقَالَ الْفَرَّاء : الْقَاع مُسْتَنْقَع الْمَاء وَالصَّفْصَف الْقَرْعَاء . الْكَلْبِيّ : هُوَ الَّذِي لَا نَبَات فِيهِ . وَقِيلَ : الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْض كَأَنَّهُ عَلَى صَفّ وَاحِد فِي اِسْتِوَائِهِ ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَالْمَعْنَى وَاحِد فِي الْقَاع وَالصَّفْصَف ; فَالْقَاع الْمَوْضِع الْمُنْكَشِف , وَالصَّفْصَف الْمُسْتَوِي الْأَمْلَس . وَأَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ وَكَمْ دُون بَيْتك مِنْ صَفْصَف وَدَكْدَاك رَمْل وَأَعْقَادِهَا و " قَاعًا " نُصِبَ عَلَى الْحَال وَالصَّفْصَف .
{107} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا فِي مَوْضِع الصِّفَة .
{107} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْعِوَج التَّعَوُّج فِي الْفِجَاج . وَالْأَمْت النَّبَك . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : الْأَمْت النِّبَاك وَهِيَ التِّلَال الصِّغَار وَاحِدهَا نَبَك ; أَيْ هِيَ أَرْض مُسْتَوِيَة لَا اِنْخِفَاض فِيهَا وَلَا اِرْتِفَاع . تَقُول : اِمْتَلَأَ فَمَا بِهِ أَمْت , وَمَلَأْت الْقِرْبَة مَلْئًا لَا أَمْت فِيهِ ; أَيْ لَا اِسْتِرْخَاء فِيهِ . وَالْأَمْت فِي اللُّغَة الْمَكَان الْمُرْتَفِع . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " عِوَجًا " مَيْلًا . قَالَ : وَالْأَمْت الْأَثَر مِثْل الشِّرَاك . عَنْهُ أَيْضًا " عِوَجًا , وَادِيًا " " وَلَا أَمْتًا " رَابِيَة . وَعَنْهُ أَيْضًا : الْعِوَج ( الِانْخِفَاض ) وَالْأَمْت الِارْتِفَاع . وَقَالَ قَتَادَة : " عِوَجًا " صَدْعًا .
{107} لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا أَيْ أَكَمَة . وَقَالَ يَمَان الْأَمْت الشُّقُوق فِي الْأَرْض . وَقِيلَ : الْأَمْت أَنْ يَغْلُظ مَكَان فِي الْفَضَاء أَوْ الْجَبَل وَيَدِقّ فِي مَكَان ; حَكَاهُ الصُّولِيّ . قُلْت : وَهَذِهِ الْآيَة تَدْخُل فِي بَاب الرُّقَى ; تُرْقَى بِهَا الثَّآلِيل وَهِيَ الَّتِي تُسَمَّى عِنْدنَا " بِالْبَرَارِيق " وَاحِدهَا " بروقة " ; تَطْلُع فِي الْجَسَد وَخَاصَّة فِي الْيَد : تَأْخُذ ثَلَاثَة أَعْوَاد مِنْ تِبْن الشَّعِير , يَكُون فِي طَرَف كُلّ عُود عُقْدَة , تَمُرّ كُلّ عُقْدَة عَلَى الثَّآلِيل وَتَقْرَأ الْآيَة مَرَّة , ثُمَّ تَدْفِن الْأَعْوَاد فِي مَكَان نَدِيّ ; تَعَفَّنَ وَتَعَفَّن الثَّآلِيل فَلَا يَبْقَى لَهَا أَثَر ; جَرَّبْت ذَلِكَ نَفْسِي وَفِي غَيْرِي فَوَجَدْته نَافِعًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .
{108} يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يُرِيد إِسْرَافِيل عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا نَفَخَ فِي الصُّور
{108} يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا أَيْ لَا مَعْدِل لَهُمْ عَنْهُ ; أَيْ عَنْ دُعَائِهِ لَا يَزِيغُونَ وَلَا يَنْحَرِفُونَ بَلْ يُسْرِعُونَ إِلَيْهِ وَلَا يَحِيدُونَ عَنْهُ . وَعَلَى هَذَا أَكْثَر الْعُلَمَاء . وَقِيلَ : " لَا عِوَج لَهُ " أَيْ لِدُعَائِهِ . وَقِيلَ : يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي اِتِّبَاعًا لَا عِوَج لَهُ ; فَالْمَصْدَر مُضْمَر ; وَالْمَعْنَى : يَتَّبِعُونَ صَوْت الدَّاعِي لِلْمَحْشَرِ ; نَظِيره : " وَاسْتَمِعْ يَوْم يُنَادِ الْمُنَادِي مِنْ مَكَان قَرِيب " ( ق : 41 ) الْآيَة . وَسَيَأْتِي .
{108} يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا أَيْ ذَلَّتْ وَسَكَنَتْ ; عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَمَّا أَتَى خَبَر الزُّبَيْر تَوَاضَعَتْ سُوَر الْمَدِينَة وَالْجِبَال الْخُشَّع , فَكُلّ لِسَان سَاكِت هُنَاكَ لِلْهَيْبَةِ .
{108} يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا أَيْ مِنْ أَجْله .
{108} يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا الْهَمْس الصَّوْت الْخَفِيّ ; قَالَهُ مُجَاهِد . عَنْ اِبْن عَبَّاس : الْحِسّ الْخَفِيّ . الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : هُوَ صَوْت وَقْع الْأَقْدَام بَعْضهَا عَلَى بَعْض إِلَى الْمَحْشَر ; وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : وَهُنَّ يَمْشِينَ بِنَا هَمِيسَا يَعْنِي صَوْت أَخْفَاف الْإِبِل فِي سَيْرهَا . وَيُقَال لِلْأَسَدِ الْهَمُوس ; لِأَنَّهُ يَهْمِس فِي الظُّلْمَة ; أَيْ يَطَأ وَطْئًا خَفِيًّا . قَالَ رُؤْبَة يَصِف نَفْسه بِالشِّدَّةِ لَيْث يَدُقّ الْأَسَد الْهَمُوسَا وَالْأَقْهَبَيْنِ الْفِيل وَالْجَامُوسَا وَهَمَسَ الطَّعَام ; أَيْ مَضَغَهُ وَفُوهُ مُنْضَمّ ; قَالَ الرَّاجِز : لَقَدْ رَأَيْت عَجَبًا مُذْ أَمْسَا عَجَائِزًا مِثْل السَّعَالِي خَمْسَا يَأْكُلْنَ مَا أَصْنَع هَمْسًا هَمْسًا وَقِيلَ : الْهَمْس تَحْرِيك الشَّفَة وَاللِّسَان . وَقَرَأَ أُبَيّ بْن كَعْب " فَلَا يَنْطِقُونَ إِلَّا هَمْسًا " . وَالْمَعْنَى مُتَقَارِب ; أَيْ لَا يُسْمَع لَهُمْ نُطْق وَلَا كَلَام وَلَا صَوْت أَقْدَام . وَبِنَاء " ه م س " أَصْله الْخَفَاء كَيْفَمَا تَصَرَّفَ ; وَمِنْهُ الْحُرُوف الْمَهْمُوسَة , وَهِيَ عَشَرَة يَجْمَعهَا قَوْلك : " حَثَّهُ شَخْصٌ فَسَكَتَ " وَإِنَّمَا سُمِّيَ الْحَرْف مَهْمُوسًا لِأَنَّهُ ضَعُفَ الِاعْتِمَاد مِنْ مَوْضِعه حَتَّى جَرَى مَعَهُ النَّفَس .
{109} يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا " مَنْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الِاسْتِثْنَاء الْخَارِج مِنْ الْأَوَّل ; أَيْ لَا تَنْفَع الشَّفَاعَة أَحَدًا إِلَّا شَفَاعَة مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن .
{109} يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا أَيْ رَضِيَ قَوْله فِي الشَّفَاعَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى , أَيْ إِنَّمَا تَنْفَع الشَّفَاعَة لِمَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن فِي أَنْ يَشْفَع لَهُ , وَكَانَ لَهُ قَوْل يُرْضَى . قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُوَ قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه .
{110} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا أَيْ مِنْ أَمْر السَّاعَة .
{110} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا مِنْ أَمْر الدُّنْيَا قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : يَعْلَم مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنْ ثَوَاب أَوْ عِقَاب " وَمَا خَلْفهمْ " مَا خَلَّفُوهُ وَرَاءَهُمْ فِي الدُّنْيَا . ثُمَّ قِيلَ : الْآيَة عَامَّة فِي جَمِيع الْخَلْق . وَقِيلَ الْمُرَاد الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِي . وَالْحَمْد لِلَّهِ .
{110} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا الْهَاء فِي " بِهِ " لِلَّهِ تَعَالَى ; أَيْ أَحَد لَا يُحِيط بِهِ عِلْمًا ; إِذْ الْإِحَاطَة مُشْعِرَة بِالْحَدِّ وَيَتَعَالَى اللَّه عَنْ التَّحْدِيد . وَقِيلَ : تَعُود عَلَى الْعِلْم ; أَيْ أَحَد لَا يُحِيط عِلْمًا بِمَا يَعْلَمهُ اللَّه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ الضَّمِير فِي " أَيْدِيهمْ " و " خَلْفهمْ " و "يُحِيطُونَ " يَعُود عَلَى الْمَلَائِكَة ; أَعْلَمَ اللَّه مَنْ يَعْبُدهَا أَنَّهَا لَا تَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهَا وَمَا خَلْفهَا .
{111} وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا أَيْ ذَلَّتْ وَخَضَعَتْ ; قَالَهُ اِبْن الْأَعْرَابِيّ وَغَيْره . وَمِنْهُ قِيلَ لِلْأَسِيرِ عَانٍ . قَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : مَلِيك عَلَى عَرْش السَّمَاء مُهَيْمِن لِعِزَّتِهِ تَعْنُو الْوُجُوه وَتَسْجُد وَقَالَ أَيْضًا وَعَنَا لَهُ وَجْهِي وَخَلْقِي كُلّه فِي السَّاجِدِينَ لِوَجْهِهِ مَشْكُورَا قَالَ الْجَوْهَرِيّ عَنَا يَعْنُو خَضَعَ وَذَلَّ وَأَعْنَاهُ غَيْره ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَعَنَتْ الْوُجُوه لِلْحَيِّ الْقَيُّوم " . وَيُقَال أَيْضًا : عَنَا فِيهِمْ فُلَان أَسِيرًا ; أَيْ قَامَ فِيهِمْ عَلَى إِسَاره وَاحْتَبَسَ . وَعَنَّاهُ غَيْره تَعْنِيَة حَبَسَهُ . وَالْعَانِي الْأَسِير . وَقَوْم عُنَاة وَنِسْوَة عَوَان . وَعَنَتْ أُمُور نَزَلَتْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : " عَنَتْ " ذَلَّتْ . وَقَالَ مُجَاهِد : خَشَعَتْ . الْمَاوَرْدِيّ : وَالْفَرْق بَيْن الذُّلّ وَالْخُشُوع - وَإِنْ تَقَارَبَ مَعْنَاهُمَا - أَنَّ الذُّلّ أَنْ يَكُون ذَلِيل النَّفْس , وَالْخُشُوع أَنْ يَتَذَلَّل لِذِي طَاعَة . وَقَالَ الْكَلْبِيّ " عَنَتْ " أَيْ عَلِمَتْ . عَطِيَّة الْعَوْفِيّ : اِسْتَسْلَمَتْ . وَقَالَ طَلْق بْن حَبِيب : إِنَّهُ وَضْع الْجَبْهَة وَالْأَنْف عَلَى الْأَرْض فِي السُّجُود . النَّحَّاس : " وَعَنَتْ الْوُجُوه " فِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّ هَذَا فِي الْآخِرَة . وَرَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَعَنَتْ الْوُجُوه لِلْحَيِّ الْقَيُّوم " قَالَ : الرُّكُوع وَالسُّجُود ; وَمَعْنَى " عَنَتْ " فِي اللُّغَة الْقَهْر وَالْغَلَبَة ; وَمِنْهُ فُتِحَتْ الْبِلَاد عَنْوَة أَيْ غَلَبَة ; قَالَ الشَّاعِر فَمَا أَخَذُوهَا عَنْوَة عَنْ مَوَدَّة وَلَكِنَّ ضَرْبَ الْمَشْرَفِيّ اِسْتَقَالَهَا وَقِيلَ : هُوَ مِنْ الْعَنَاء بِمَعْنَى التَّعَب ; وَكَنَّى عَنْ النَّاس بِالْوُجُوهِ ; لِأَنَّ آثَار الذُّلّ إِنَّمَا تَتَبَيَّن فِي الْوَجْه .
{111} وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا وَفِي الْقَيُّوم ثَلَاث تَأْوِيلَات ; أَحَدهمَا : أَنَّهُ الْقَائِم بِتَدْبِيرِ الْخَلْق . الثَّانِي : أَنَّهُ الْقَائِم عَلَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ . الثَّالِث : أَنَّهُ الدَّائِم الَّذِي لَا يَزُول وَلَا يَبِيد . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " هَذَا
{111} وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا أَيْ خَسِرَ مَنْ حَمَلَ شِرْكًا .
{112} وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا لِأَنَّ الْعَمَل لَا يُقْبَل مِنْ غَيْر إِيمَان . و " مِنْ " فِي قَوْله " مِنْ الصَّالِحَات " لِلتَّبْعِيضِ ; أَيْ شَيْئًا مِنْ الصَّالِحَات . وَقِيلَ لِلْجِنْسِ .
{112} وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا قَرَأَ اِبْن كَثِير وَمُجَاهِد وَابْن مُحَيْصِن " يَخَفْ " بِالْجَزْمِ جَوَابًا لِقَوْلِهِ : " وَمَنْ يَعْمَل " . الْبَاقُونَ " يَخَاف " رَفْعًا عَلَى الْخَبَر ; أَيْ فَهُوَ لَا يَخَاف ; أَوْ فَإِنَّهُ لَا يَخَاف .
{112} وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا أَيْ نَقْصًا لِثَوَابِ طَاعَته , وَلَا زِيَادَة عَلَيْهِ فِي سَيِّئَاته .
{112} وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا بِالِانْتِقَاصِ مِنْ حَقّه . وَالْهَضْم النَّقْص وَالْكَسْر ; يُقَال : هَضَمْت ذَلِكَ مِنْ حَقِّي أَيْ حَطَطْته وَتَرَكْته . وَهَذَا يَهْضِم الطَّعَام أَيْ يُنْقِص ثِقَله . وَامْرَأَة هَضِيم الْكَشْح ضَامِرَة الْبَطْن . الْمَاوَرْدِيّ : وَالْفَرْق بَيْن الظُّلْم وَالْهَضْم أَنَّ الظُّلْم الْمَنْع مِنْ الْحَقّ كُلّه , وَالْهَضْم الْمَنْع مِنْ بَعْضه , وَالْهَضْم ظُلْم وَإِنْ اِفْتَرَقَا مِنْ وَجْه ; قَالَ الْمُتَوَكِّل اللَّيْثِيّ : إِنَّ الْأَذِلَّة وَاللِّئَام لَمَعْشَر مَوْلَاهُمْ الْمُتَهَضَّم الْمَظْلُوم قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَرَجُل هَضِيم وَمُهْتَضَم أَيْ مَظْلُوم . وَتَهَضَّمَهُ أَيْ ظَلَمَهُ وَاهْتَضَمَهُ إِذَا ظَلَمَهُ وَكَسَرَ عَلَيْهِ حَقّه .
{113} وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أَيْ كَمَا بَيَّنَّا لَك فِي هَذِهِ السُّورَة مِنْ الْبَيَان فَكَذَلِكَ جَعَلْنَاهُ " قُرْآنًا عَرَبِيًّا " أَيْ بِلُغَةِ الْعَرَب .
{113} وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أَيْ بَيَّنَّا مَا فِيهِ مِنْ التَّخْوِيف وَالتَّهْدِيد وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب .
{113} وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أَيْ يَخَافُونَ اللَّه فَيَجْتَنِبُونَ مَعَاصِيه , وَيَحْذَرُونَ عِقَابه .
{113} وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا أَيْ مَوْعِظَة . وَقَالَ قَتَادَة : حَذَرًا وَوَرَعًا . وَقِيلَ : شَرَفًا ; فَالذِّكْر هَاهُنَا بِمَعْنَى الشَّرَف ; كَقَوْلِهِ : " وَإِنَّهُ لَذِكْر لَك وَلِقَوْمِك " ( الزُّخْرُف 44 ) . وَقِيلَ : أَيْ لِيَتَذَكَّرُوا الْعَذَاب الَّذِي تُوُعِّدُوا بِهِ . وَقَرَأَ الْحَسَن " أَوْ نُحْدِث " بِالنُّونِ ; وَرُوِيَ عَنْهُ رَفْع الثَّاء وَجَزْمهَا .
modified by: Abdurrahman Zaidan
المراجع
موسوعة الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم