الأنبياء
{25} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " نُوحِي إِلَيْهِ " بِالنُّونِ ; لِقَوْلِهِ : " أَرْسَلْنَا " .
{25} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ أَيْ قُلْنَا لِلْجَمِيعِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; فَأَدِلَّة الْعَقْل شَاهِدَة أَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ , وَالنَّقْل عَنْ جَمِيع الْأَنْبِيَاء مَوْجُود , وَالدَّلِيل إِمَّا مَعْقُول وَإِمَّا مَنْقُول . وَقَالَ قَتَادَة : لَمْ يُرْسَل نَبِيّ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ , وَالشَّرَائِع مُخْتَلِفَة فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن , وَكُلّ ذَلِكَ عَلَى الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد .
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ نَزَلَتْ فِي خُزَاعَة حَيْثُ قَالُوا : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , وَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ طَمَعًا فِي شَفَاعَتهمْ لَهُمْ . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ قَالَتْ الْيَهُود - قَالَ مَعْمَر فِي رِوَايَته - أَوْ طَوَائِف مِنْ النَّاس : خَاتَنَ إِلَى الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة مِنْ الْجِنّ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " سُبْحَانه " تَنْزِيهًا لَهُ .
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ أَيْ بَلْ هُمْ عِبَاد
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ أَيْ لَيْسَ كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار . وَيَجُوز النَّصْب عِنْد الزَّجَّاج عَلَى مَعْنَى بَلْ اِتَّخَذَ عِبَادًا مُكْرَمِينَ . وَأَجَازَهُ الْفَرَّاء عَلَى أَنْ يَرُدّهُ عَلَى وَلَد , أَيْ بَلْ لَمْ نَتَّخِذهُمْ وَلَدًا , بَلْ اِتَّخَذْنَاهُمْ عِبَادًا مُكْرَمِينَ . وَالْوَلَد هَاهُنَا لِلْجَمْعِ , وَقَدْ يَكُون الْوَاحِد وَالْجَمْع وَلَدًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون لَفْظ الْوَلَد لِلْجِنْسِ , كَمَا يُقَال لِفُلَانٍ مَال .
{27} لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أَيْ لَا يَقُولُونَ حَتَّى يَقُول , وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأْمُرهُمْ .
{27} لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أَيْ بِطَاعَتِهِ وَأَوَامِره . " يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ " أَيْ يَعْلَم مَا عَمِلُوا وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا : " مَا بَيْن أَيْدِيهمْ " الْآخِرَة " وَمَا خَلْفهمْ " الدُّنْيَا ; ذَكَرَ الْأَوَّل الثَّعْلَبِيّ , وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيّ .
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَهْل شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقَالَ مُجَاهِد : هُمْ كُلّ مَنْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَالْمَلَائِكَة يَشْفَعُونَ غَدًا فِي الْآخِرَة كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره , وَفِي الدُّنْيَا أَيْضًا ; فَإِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِمَنْ فِي الْأَرْض , كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيل عَلَى مَا يَأْتِي .
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَة
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ يَعْنِي مِنْ خَوْفه
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أَيْ خَائِفُونَ لَا يَأْمَنُونَ مَكْره .
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ قَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا : عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة إِبْلِيس حَيْثُ اِدَّعَى الشِّرْكَة , وَدَعَا إِلَى عِبَادَة نَفْسه وَكَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه غَيْره . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى جَمِيع الْمَلَائِكَة ,
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم " أَيْ فَذَلِكَ الْقَائِل وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ أُكْرِمُوا بِالْعِصْمَةِ فَهُمْ مُتَعَبِّدُونَ , وَلَيْسُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى الْعِبَادَة كَمَا ظَنَّهُ بَعْض الْجُهَّال . وَقَدْ اسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل أَهْل السَّمَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " أَيْ كَمَا جَزَيْنَا هَذَا بِالنَّارِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الْوَاضِعِينَ الْأُلُوهِيَّة وَالْعِبَادَة فِي غَيْر مَوْضِعهمَا .
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ قِرَاءَة الْعَامَّة " أَوَ لَمْ " بِالْوَاوِ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَشِبْل بْن عَبَّاد " أَلَمْ تَرَ " بِغَيْرِ وَاو وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَف مَكَّة . " أَوَ لَمْ يَرَ " بِمَعْنَى يَعْلَم . " الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا " قَالَ الْأَخْفَش : " كَانَتَا " لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ , كَمَا تَقُول الْعَرَب : هُمَا لِقَاحَانِ أَسْوَدَانِ , وَكَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا " ( فَاطِر : 41 ) قَالَ أَبُو إِسْحَاق : " كَانَتَا " لِأَنَّهُ يُعَبَّر عَنْ السَّمَوَات بِلَفْظِ الْوَاحِد بِسَمَاءٍ ; وَلِأَنَّ السَّمَوَات كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ . وَقَالَ : " رَتْقًا " وَلَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر ; وَالْمَعْنَى كَانَتَا ذَوَاتَيْ رَتْق . وَقَرَأَ الْحَسَن " رَتَقًا " بِفَتْحِ التَّاء . قَالَ عِيسَى بْن عُمَر : هُوَ صَوَاب وَهِيَ لُغَة . وَالرَّتْق السَّدّ ضِدّ الْفَتْق , وَقَدْ رَتَقْت الْفَتْق أَرْتُقهُ فَارْتَتَقَ أَيْ اِلْتَأَمَ , وَمِنْهُ الرَّتْقَاء لِلْمُنْضَمَّةِ الْفَرْج . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة : يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ شَيْئًا وَاحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . وَكَذَلِكَ قَالَ كَعْب : خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بَعْضهَا عَلَى بَعْض ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا بِوَسَطِهَا فَفَتَحَهَا بِهَا , وَجَعَلَ السَّمَوَات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا . وَقَوْل ثَانٍ قَالَهُ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ وَأَبُو صَالِح : كَانَتْ السَّمَوَات مُؤْتَلِفَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَوَات , وَكَذَلِكَ الْأَرَضِينَ كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعًا . وَحَكَاهُ الْقُتَبِيّ فِي عُيُون الْأَخْبَار لَهُ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء مَخْلُوقَة وَحْدهَا وَالْأَرْض مَخْلُوقَة وَحْدهَا , فَفَتَقَ مِنْ هَذِهِ سَبْع سَمَوَات , وَمِنْ هَذِهِ سَبْع أَرَضِينَ ; خَلَقَ الْأَرْض الْعُلْيَا فَجَعَلَ سُكَّانهَا الْجِنّ وَالْإِنْس , وَشَقَّ فِيهَا الْأَنْهَار وَأَنْبَتَ فِيهَا الْأَثْمَار , وَجَعَلَ فِيهَا الْبِحَار وَسَمَّاهَا رِعَاء , مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام ; ثُمَّ خَلَقَ الثَّانِيَة مِثْلهَا فِي الْعَرْض وَالْغِلَظ وَجَعَلَ فِيهَا أَقْوَامًا , أَفْوَاههمْ كَأَفْوَاهِ الْكِلَاب وَأَيْدِيهمْ أَيْدِي النَّاس ; وَآذَانهمْ آذَان الْبَقَر وَشُعُورهمْ شُعُور الْغَنَم , فَإِذَا كَانَ عِنْد اِقْتِرَاب السَّاعَة أَلْقَتْهُمْ الْأَرْض إِلَى يَأْجُوج وَمَأْجُوج , وَاسْم تِلْكَ الْأَرْض الدَّكْمَاء , ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْض الثَّالِثَة غِلَظهَا مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَمِنْهَا هَوَاء إِلَى الْأَرْض . الرَّابِعَة خَلَقَ فِيهَا ظُلْمَة وَعَقَارِب لِأَهْلِ النَّار مِثْل الْبِغَال السُّود , وَلَهَا أَذْنَاب مِثْل أَذْنَاب الْخَيْل الطِّوَال , يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا فَتُسَلَّط عَلَى بَنِي آدَم . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْخَامِسَة ( مِثْلهَا ) فِي الْغِلَظ وَالطُّول وَالْعَرْض فِيهَا سَلَاسِل وَأَغْلَال وَقُيُود لِأَهْلِ النَّار . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّادِسَة وَاسْمهَا مَاد , فِيهَا حِجَارَة سُود بُهْم , وَمِنْهَا خُلِقَتْ تُرْبَة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , تُبْعَث تِلْكَ الْحِجَارَة يَوْم الْقِيَامَة وَكُلّ حَجَر مِنْهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيم , وَهِيَ مِنْ كِبْرِيت تُعَلَّق فِي أَعْنَاق الْكُفَّار فَتَشْتَعِل حَتَّى تُحْرِق وُجُوههمْ وَأَيْدِيهمْ , فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة " ( الْبَقَرَة : 24 ) ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّابِعَة وَاسْمهَا عَرَبِيَّة وَفِيهَا جَهَنَّم , فِيهَا بَابَانِ اِسْم الْوَاحِد سِجِّين وَالْآخَر الْغَلْق , فَأَمَّا سِجِّين فَهُوَ مَفْتُوح وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي كِتَاب الْكُفَّار , وَعَلَيْهِ يُعْرَض أَصْحَاب الْمَائِدَة وَقَوْم فِرْعَوْن , وَأَمَّا الْغَلْق فَهُوَ مُغْلَق لَا يُفْتَح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَنَّهَا سَبْع أَرَضِينَ بَيْن كُلّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَسَيَأْتِي لَهُ فِي آخِر " الطَّلَاق " زِيَادَة بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ عِكْرِمَة وَعَطِيَّة وَابْن زَيْد وَابْن عَبَّاس أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ : إِنَّ السَّمَوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر , وَالْأَرْض كَانَتْ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ , وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ ; نَظِيره قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع . وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع " ( الطَّارِق : 11 - 12 ) . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الطَّبَرِيّ ; لِأَنَّ بَعْده : " وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " . قُلْت : وَبِهِ يَقَع الِاعْتِبَار مُشَاهَدَة وَمُعَايَنَة ; وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي غَيْر مَا آيَة ; لِيَدُلّ عَلَى كَمَال قُدْرَته , وَعَلَى الْبَعْث وَالْجَزَاء . وَقِيلَ : يَهُون عَلَيْهِمْ إِذَا يَغْضَبُو نَ سَخَط الْعُدَاة وَإِرْغَامهَا وَرَتْق الْفُتُوق وَفَتْق الرُّتُو قِ وَنَقْضِ الْأُمُور وَإِبْرَامهَا
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ثَلَاث تَأْوِيلَات : أَحَدهَا : أَنَّهُ خَلَقَ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَاء ; قَالَهُ قَتَادَة الثَّانِي : حِفْظ حَيَاة كُلّ شَيْء بِالْمَاءِ . الثَّالِث : وَجَعَلْنَا مِنْ مَاء الصُّلْب كُلّ شَيْء حَيّ ; قَالَهُ قُطْرُب . " وَجَعَلْنَا " بِمَعْنَى خَلَقْنَا . وَرَوَى أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِذَا رَأَيْتُك طَابَتْ نَفْسِي , وَقَرَّتْ عَيْنِي , أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء ; قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) الْحَدِيث ; قَالَ أَبُو حَاتِم قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : " أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء " أَرَادَ بِهِ عَنْ كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا جَوَاب الْمُصْطَفَى إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا . وَهَذَا اِحْتِجَاج آخَر سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْن السَّمَوَات وَالْأَرْض رَتْقًا . وَقِيلَ : الْكُلّ قَدْ يُذْكَر بِمَعْنَى الْبَعْض كَقَوْلِ : " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء " ( النَّمْل : 23 ) وَقَوْله : " تُدَمِّر كُلّ شَيْء " ( الْأَحْقَاف : 25 ) وَالصَّحِيح الْعُمُوم ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَاَللَّه أَعْلَم .
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ , بَلْ لِمُكَوِّنٍ كَوَّنَهُ , وَمُدَبِّر أَوْجَدَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْمُكَوِّن مُحْدَثًا .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ جِبَالًا ثَوَابِت .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ لِئَلَّا تَمِيد بِهِمْ , وَلَا تَتَحَرَّك لِيَتِمّ الْقَرَار عَلَيْهَا ; قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : الْمَعْنَى كَرَاهِيَة أَنْ تَمِيد . وَالْمَيْد التَّحَرُّك وَالدَّوَرَان . يُقَال : مَادَ رَأْسه ; أَيْ دَارَ . وَمَضَى فِي " النَّحْل " مُسْتَوْفًى .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يَعْنِي فِي الرَّوَاسِي ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالْفِجَاج الْمَسَالِك . وَالْفَجّ الطَّرِيق الْوَاسِع بَيْن الْجَبَلَيْنِ . وَقِيلَ : وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْض فِجَاجًا أَيْ مَسَالِك ; وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ ; لِقَوْلِهِ :
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ تَفْسِير الْفِجَاج ; لِأَنَّ الْفَجّ قَدْ يَكُون طَرِيقًا نَافِذًا مَسْلُوكًا وَقَدْ لَا يَكُون . وَقِيلَ : لِيَهْتَدُوا بِالِاعْتِبَارِ بِهَا إِلَى دِينهمْ .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ يَهْتَدُونَ إِلَى السَّيْر فِي الْأَرْض .
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ أَيْ مَحْفُوظًا مِنْ أَنْ يَقَع وَيَسْقُط عَلَى الْأَرْض ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " وَيُمْسِك السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ " ( الْحَجّ : 65 ) . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنْ الشَّيَاطِين ; قَالَهُ الْفَرَّاء . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَان رَجِيم " ( الْحِجْر : 17 ) . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا مِنْ الْهَدْم وَالنَّقْض , وَعَنْ أَنْ يَبْلُغهُ أَحَد بِحِيلَةٍ . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا فَلَا يَحْتَاج إِلَى عِمَاد . وَقَالَ مُجَاهِد : مَرْفُوعًا . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا مِنْ الشِّرْك وَالْمَعَاصِي .
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ يَعْنِي الْكُفَّار
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ قَالَ مُجَاهِد يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر . وَأَضَافَ الْآيَات إِلَى السَّمَاء لِأَنَّهَا مَجْعُولَة فِيهَا , وَقَدْ أَضَافَ الْآيَات إِلَى نَفْسه فِي مَوَاضِع , لِأَنَّهُ الْفَاعِل لَهَا . بَيَّنَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ غَفَلُوا عَنْ النَّظَر فِي السَّمَوَات وَآيَاتهَا , مِنْ لَيْلهَا وَنَهَارهَا , وَشَمْسهَا وَقَمَرهَا , وَأَفْلَاكهَا وَرِيَاحهَا وَسَحَابهَا , وَمَا فِيهَا مِنْ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , إِذْ لَوْ نَظَرُوا وَاعْتَبَرُوا لَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا صَانِعًا قَادِرًا فَيَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لَهُ شَرِيك .
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ذَكَّرَهُمْ نِعْمَة أُخْرَى : جَعَلَ لَهُمْ اللَّيْل لِيَسْكُنُوا فِيهِ , وَالنَّهَار لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أَيْ وَجَعَلَ الشَّمْس آيَة النَّهَار , وَالْقَمَر آيَة اللَّيْل ; لِتُعْلَمَ الشُّهُور وَالسُّنُونَ وَالْحِسَاب , كَمَا تَقَدَّمَ فِي " سُبْحَانَ " بَيَانُهُ .
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يَعْنِي مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْكَوَاكِب وَاللَّيْل وَالنَّهَار
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أَيْ يَجْرُونَ وَيَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كَالسَّابِحِ فِي الْمَاء . قَالَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَق الْقَائِلِينَ : " وَالسَّابِحَات سَبْحًا " وَيُقَال لِلْفَرَسِ الَّذِي يَمُدّ يَده فِي الْجَرْي سَابِح . وَفِيهِ مِنْ النَّحْو أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : يُسَبِّحْنَ وَلَا تُسَبِّح ; فَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ : أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِل وَجَعَلَهُنَّ فِي الطَّاعَة بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْقِل , أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِل وَجَعَلَهُنَّ فِي الطَّاعَة بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْقِل , أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِالْوَاوِ وَالنُّون . وَنَحْوه قَالَ الْفَرَّاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " يُوسُف " . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : إِنَّمَا قَالَ : " يُسَبِّحُونَ " لِأَنَّهُ رَأْس آيَة , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " نَحْنُ جَمِيع مُنْتَصِر " ( الْقَمَر : 44 ) وَلَمْ يَقُلْ مُنْتَصِرُونَ . وَقِيلَ : الْجَرْي لِلْفَلَكِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا . وَالْأَصَحّ أَنَّ السَّيَّارَة تَجْرِي فِي الْفَلَك , وَهِيَ سَبْعَة أَفْلَاك دُون السَّمَوَات الْمُطْبِقَة , الَّتِي هِيَ مَجَال الْمَلَائِكَة وَأَسْبَاب الْمَلَكُوت , فَالْقَمَر فِي الْفَلَك الْأَدْنَى , ثُمَّ عُطَارِد , ثُمَّ الزُّهْرَة , ثُمَّ الشَّمْس , ثُمَّ الْمَرِّيخ , ثُمَّ الْمُشْتَرَى , ثُمَّ زُحَل , وَالثَّامِن فَلَك الْبُرُوج , و التَّاسِع الْفَلَك الْأَعْظَم . وَالْفَلَك وَاحِد أَفْلَاك النُّجُوم . قَالَ أَبُو عَمْرو : وَيَجُوز أَنْ يُجْمَع عَلَى فُعْل مِثْل أَسَد وَأُسْد وَخَشَب وَخُشْب . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الدَّوَرَان , وَمِنْهُ فَلْكَة الْمِغْزَل ; لِاسْتِدَارَتِهَا . وَمِنْهُ قِيلَ : فَلَّكَ ثَدْي الْمَرْأَة تَفْلِيكًا , وَتَفَلَّكَ اِسْتَدَارَ . وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود : تَرَكْت فَرَسِي كَأَنَّهُ يَدُور فِي فَلَك . كَأَنَّهُ لِدَوَرَانِهِ شَبَهه بِفَلَكِ السَّمَاء الَّذِي تَدُور عَلَيْهِ النُّجُوم . قَالَ اِبْن زَيْد : الْأَفْلَاك مَجَارِي النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر . قَالَ : وَهِيَ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض . وَقَالَ قَتَادَة : الْفَلَك اِسْتِدَارَة فِي السَّمَاء تَدُور بِالنُّجُومِ مَعَ ثُبُوت السَّمَاء . وَقَالَ مُجَاهِد : الْفَلَك كَهَيْئَةِ حَدِيد الرَّحَى وَهُوَ قُطْبهَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : فَلَكهَا مَجْرَاهَا وَسُرْعَة مَسِيرهَا . وَقِيلَ : الْفَلَك مَوْج مَكْفُوف وَمَجْرَى الشَّمْس وَالْقَمَر فِيهِ ; وَاَللَّه أَعْلَم .
{34} وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ أَيْ دَوَام الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا نَزَلَتْ حِين قَالُوا : نَتَرَبَّص بِمُحَمَّدٍ رَيْب الْمَنُون . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَدْفَعُونَ نُبُوَّته وَيَقُولُونَ : شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون , وَلَعَلَّهُ يَمُوت كَمَا مَاتَ شَاعِر بَنِي فُلَان ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : قَدْ مَاتَ الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلك , وَتَوَلَّى اللَّه دِينه بِالنَّصْرِ وَالْحِيَاطَة , فَهَكَذَا نَحْفَظ دِينك وَشَرْعك .
{34} وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ أَيْ أَفَهُمْ ; مِثْل قَوْل الشَّاعِر : رَفُونِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِد لَا تُرَع فَقُلْت وَأَنْكَرْت الْوُجُوه هُمُ هُمُ أَيْ أَهُمْ ! فَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار . وَقَالَ الْفَرَّاء : جَاءَ بِالْفَاءِ لِيَدُلّ عَلَى الشَّرْط ; لِأَنَّهُ جَوَاب قَوْلهمْ سَيَمُوتُ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جِيءَ بِهَا ; لِأَنَّ التَّقْدِير فِيهَا : أَفَهُمْ الْخَالِدُونَ إِنْ مِتَّ ! قَالَ الْفَرَّاء : وَيَجُوز حَذْف الْفَاء وَإِضْمَارهَا ; لِأَنَّ " هُمْ " لَا يَتَبَيَّن فِيهَا الْإِعْرَاب . أَيْ إِنْ مِتَّ فَهُمْ يَمُوتُونَ أَيْضًا , فَلَا شَمَاتَة فِي الْإِمَاتَة . وَقُرِئَ " مِتَّ " بِكَسْرِ الْمِيم وَضَمّهَا لُغَتَانِ .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الْأَوْلَى : لَمَّا أَخْبَرَ جَلَّ وَتَعَالَى عَنْ الْبَاخِلِينَ وَكُفْرهمْ فِي قَوْلهمْ : " إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء " وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ فِي قَوْله : " لَتُبْلَوُنَّ " ( آل عُمْرَانِ : 186 ) الْآيَة - بَيِّن أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقَضِي وَلَا يَدُوم ; فَإِنَّ أَمَد الدُّنْيَا قَرِيب , وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْجَزَاء . " ذَائِقَة الْمَوْت " مِنْ الذَّوْق , وَهَذَا مِمَّا لَا مَحِيص عَنْهُ لِلْإِنْسَانِ , وَلَا مَحِيد عَنْهُ لِحَيَوَانٍ . وَقَدْ قَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَة يَمُتْ هَرَمًا لِلْمَوْتِ كَأْس وَالْمَرْء ذَائِقهَا وَقَالَ آخَر : الْمَوْت بَاب وَكُلّ النَّاس دَاخِله فَلَيْتَ شِعْرِي بَعْد الْبَاب مَا الدَّار
الثَّانِيَة قِرَاءَة الْعَامَّة " ذَائِقَة الْمَوْت " بِالْإِضَافَةِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى وَابْن أَبِي إِسْحَاق " ذَائِقَةٌ الْمَوْت " بِالتَّنْوِينِ وَنَصْب الْمَوْت . قَالُوا : لِأَنَّهَا لَمْ تَذُقْ بَعْد . وَذَلِكَ أَنَّ اِسْم الْفَاعِل عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمُضِيّ . وَالثَّانِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال ; فَإِنْ أَرَدْت الْأَوَّل لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْإِضَافَة إِلَى مَا بَعْده ; كَقَوْلِك : هَذَا ضَارِب زَيْد أَمْس , وَقَاتِل بَكْر أَمْس ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْم الْجَامِد وَهُوَ الْعِلْم , نَحْو غُلَام زَيْد , وَصَاحِب بَكْر . قَالَ الشَّاعِر : الْحَافِظ عَوْرَة الْعَشِيرَة لَا يَأْتِيهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ وَكَف وَإِنْ أَرَدْت الثَّانِي جَازَ الْجَرّ . وَالنَّصْب وَالتَّنْوِين فِيمَا هَذَا سَبِيله هُوَ الْأَصْل ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْل الْمُضَارِع فَإِنْ كَانَ الْفِعْل غَيْر مُتَعَدٍّ , لَمْ يَتَعَدَّ نَحْو قَاتِل زَيْد . وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا عَدَّيْته وَنَصَبْت بِهِ , فَتَقُول . زَيْد ضَارِب عَمْرًا بِمَعْنَى يَضْرِب عَمْرًا . وَيَجُوز حَذْف التَّنْوِين وَالْإِضَافَة تَخْفِيفًا , كَمَا قَالَ الْمَرَّار : سَلْ الْهُمُوم بِكُلِّ مُعْطِي رَأْسه نَاجٍ مُخَالِط صُهْبَة مُتَعَيِّس مُغْتَال أَحْبُله مُبِين عُنُقه فِي مَنْكِب زَبْن الْمَطِيّ عَرَنْدَس فَحُذِفَ التَّنْوِين تَخْفِيفًا , وَالْأَصْل : مُعْطٍ رَأْسه بِالتَّنْوِينِ وَالنَّصْب , وَمِثْل هَذَا أَيْضًا فِي التَّنْزِيل قَوْله تَعَالَى " هَلْ هُنَّ كَاشِفَات ضُرّه " ( الزُّمَر : 38 ) وَمَا كَانَ مِثْله .
الثَّالِثَة ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ لِلْمَوْتِ أَسْبَابًا وَأَمَارَات , فَمِنْ عَلَامَات مَوْت الْمُؤْمِن عَرَق الْجَبِين . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " الْمُؤْمِن يَمُوت بِعَرَقِ الْجَبِين " . وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " التَّذْكِرَة " فَإِذَا اُحْتُضِرَ لُقِّنَ الشَّهَادَة ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) لِتَكُونَ آخِر كَلَامه فَيُخْتَم لَهُ بِالشَّهَادَةِ ; وَلَا يُعَاد عَلَيْهِ مِنْهَا لِئَلَّا يَضْجَر . وَيُسْتَحَبّ قِرَاءَة " يس " ذَلِكَ الْوَقْت ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " اِقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَذَكَرَ الْآجُرِّيّ فِي كِتَاب النَّصِيحَة مِنْ حَدِيث أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ مَيِّت يُقْرَأ عِنْده سُورَة يس إِلَّا هُوِّنَ عَلَيْهِ الْمَوْت ) . فَإِذَا قُضِيَ وَتَبِعَ الْبَصَر الرُّوح - كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح مُسْلِم - وَارْتَفَعَتْ الْعِبَادَات : وَزَالَ التَّكْلِيف , تَوَجَّهَتْ عَلَى الْأَحْيَاء أَحْكَام ; مِنْهَا تَغْمِيضه , وَإِعْلَام إِخْوَانه الصُّلَحَاء بِمَوْتِهِ ; وَكَرِهَهُ قَوْم وَقَالُوا : هُوَ مِنْ النَّعْي . وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَمِنْهَا الْأَخْذ فِي تَجْهِيزه بِالْغُسْلِ وَالدَّفْن لِئَلَّا يُسْرِع إِلَيْهِ التَّغَيُّر ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمٍ أَخَّرُوا دَفْن مَيِّتهمْ : ( عَجِّلُوا بِدَفْنِ جِيفَتكُمْ ) ; وَقَالَ : ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ) الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي . الثَّالِثَة : فَأَمَّا غُسْله فَهُوَ سُنَّة لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ حَاشَا الشَّهِيد عَلَى مَا تَقَدَّمَ , قِيلَ : غُسْله وَاجِب قَالَهُ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب . وَالْأَوَّل : مَذْهَب الْكِتَاب , وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْعُلَمَاء . وَسَبَب الْخِلَاف قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِأُمِّ عَطِيَّة فِي غُسْلهَا اِبْنَته زَيْنَب , عَلَى مَا فِي كِتَاب مُسْلِم . وَقِيلَ : هِيَ أُمّ كُلْثُوم , عَلَى مَا فِي كِتَاب أَبِي دَاوُد : ( اِغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) الْحَدِيث . وَهُوَ الْأَصْل عِنْد الْعُلَمَاء فِي غُسْل الْمَوْتَى . فَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَذَا الْأَمْر بَيَان حُكْم الْغُسْل فَيَكُون وَاجِبًا . وَقِيلَ : الْمَقْصُود مِنْهُ تَعْلِيم كَيْفِيَّة الْغُسْل فَلَا يَكُون فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب . قَالُوا وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) وَهَذَا يَقْتَضِي إِخْرَاج ظَاهِر الْأَمْر عَنْ الْوُجُوب ; لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَى نَظَرهنَّ . قِيلَ لَهُمْ : هَذَا فِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ رَدّك ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ) إِلَى الْأَمْر , لَيْسَ السَّابِق إِلَى الْفَهْم بَلْ السَّابِق رُجُوع هَذَا الشَّرْط إِلَى أَقْرَب مَذْكُور , وَهُوَ ( أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ) أَوْ إِلَى التَّخْيِير فِي الْأَعْدَاد . وَعَلَى الْجُمْلَة فَلَا خِلَاف فِي أَنَّ غُسْل الْمَيِّت مَشْرُوع مَعْمُول بِهِ فِي الشَّرِيعَة لَا يُتْرَك . وَصِفَته كَصِفَةِ غُسْل الْجَنَابَة عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوف . وَلَا يُجَاوِز السَّبْع غَسَلَات فِي غُسْل الْمَيِّت بِإِجْمَاعٍ ; عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَر . فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء بَعْد السَّبْع غُسِلَ الْمَوْضِع وَحْده , وَحُكْمه حُكْم الْجُنُب إِذَا أَحْدَثَ بَعْد غُسْله . فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غُسْله كَفَّنَهُ فِي ثِيَابه وَهِيَ :
الرَّابِعَة وَالتَّكْفِين وَاجِب عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء , فَإِنْ كَانَ لَهُ مَال فَمِنْ رَأْس مَاله عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء , إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَاوُس أَنَّهُ قَالَ : مِنْ الثُّلُث كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا . فَإِنْ كَانَ الْمَيِّت مِمَّنْ تَلْزَم غَيْره نَفَقَته فِي حَيَاته مِنْ سَيِّد - إِنْ كَانَ عَبْدًا - أَوْ أَب أَوْ زَوْج أَوْ اِبْن ; فَعَلَى السَّيِّد بِاتِّفَاقٍ , وَعَلَى الزَّوْج وَالْأَب وَالِابْن بِاخْتِلَافٍ . ثُمَّ عَلَى بَيْت الْمَال أَوْ عَلَى جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِفَايَة . وَاَلَّذِي يَتَعَيَّن مِنْهُ بِتَعْيِينِ الْفَرْض سَتْر الْعَوْرَة ; فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْل غَيْر أَنَّهُ لَا يَعُمّ جَمِيع الْجَسَد غُطِّيَ رَأْسه وَوَجْهه ; إِكْرَامًا لِوَجْهِهِ وَسَتْرًا لِمَا يَظْهَر مِنْ تَغَيُّر مَحَاسِنه . وَالْأَصْل فِي هَذَا قِصَّة مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَإِنَّهُ تَرَكَ يَوْم أُحُد نَمِرَة كَانَ إِذَا غُطِّيَ رَأْسه خَرَجَتْ رِجْلَاهُ , وَإِذَا غُطِّيَ رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسه ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسه وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِر ) أَخْرَجَ الْحَدِيث مُسْلِم . وَالْوِتْر مُسْتَحَبّ عِنْد كَافَّة الْعُلَمَاء فِي الْكَفَن , وَكُلّهمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدّ . وَالْمُسْتَحَبّ مِنْهُ الْبَيَاض ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِلْبَسُوا مِنْ ثِيَابكُمْ الْبَيَاض فَإِنَّهَا مِنْ خَيْر ثِيَابكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَكُفِّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب بِيض سُحُولِيَّة مِنْ كُرْسُف . وَالْكَفَن فِي غَيْر الْبَيَاض جَائِز إِلَّا أَنْ يَكُون حَرِيرًا أَوْ خَزًّا . فَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَة فِي الْكَفَن قُضِيَ عَلَيْهِمْ فِي مِثْل لِبَاسه فِي جُمْعَته وَأَعْيَاده ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَفَّنَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنه ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . إِلَّا أَنْ يُوصِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ أَوْصَى بِسَرَفٍ قِيلَ : يَبْطُل الزَّائِد . وَقِيلَ : يَكُون فِي الثُّلُث . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تُسْرِفُوا ) ( الْأَنْعَام : 141 ) . وَقَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّهُ لِلْمُهْلَةِ . فَإِذَا فُرِغَ مِنْ غُسْله وَتَكْفِينَهُ وَوُضِعَ عَلَى سَرِيره وَاحْتَمَلَهُ الرِّجَال عَلَى أَعْنَاقهمْ وَهِيَ :
الْخَامِسَة فَالْحُكْم الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَة فَخَيْر تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ تَكُنْ غَيْر ذَلِكَ فَشَرّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ ) . لَا كَمَا يَفْعَلهُ الْيَوْم الْجُهَّال فِي الْمَشْي رُوَيْدًا وَالْوُقُوف بِهَا الْمَرَّة بَعْد الْمَرَّة , وَقِرَاءَة الْقُرْآن بِالْأَلْحَانِ إِلَى مَا لَا يَحِلّ وَلَا يَجُوز حَسَب مَا يَفْعَلهُ أَهْل الدِّيَار الْمِصْرِيَّة بِمَوْتَاهُمْ . رَوَى النَّسَائِيّ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد قَالَ أَنْبَأَنَا عُيَيْنَة بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : شَهِدْت جِنَازَة عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة وَخَرَجَ زِيَاد يَمْشِي بَيْن يَدَيْ السَّرِير , فَجَعَلَ رِجَال مِنْ أَهْل عَبْد الرَّحْمَن وَمَوَالِيهمْ يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِير وَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابهمْ وَيَقُولُونَ : رُوَيْدًا رُوَيْدًا , بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ ! فَكَانُوا يَدِبُّونَ دَبِيبًا , حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ طَرِيق الْمِرْيَد لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى بَغْلَة فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ يَصْنَعُونَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ فَقَالَ : خَلُّوا ! فَوَاَلَّذِي أَكْرَمَ وَجْه أَبِي الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ رَأَيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهَا لَنَكَاد نَرْمُل بِهَا رَمَلًا , فَانْبَسَطَ الْقَوْم . وَرَوَى أَبُو مَاجِدَة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ سَأَلْنَا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة فَقَالَ : ( دُون الْخَبَب إِنْ يَكُنْ خَيْرًا يُعَجَّل إِلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْر ذَلِكَ فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّار ) الْحَدِيث . قَالَ أَبُو عُمَر : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَة الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ الْإِسْرَاع فَوْق السَّجِيَّة قَلِيلًا , وَالْعَجَلَة أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ الْإِبْطَاء . وَيُكْرَه الْإِسْرَاع الَّذِي يَشُقّ عَلَى ضَعَفَة النَّاس مِمَّنْ يَتْبَعهَا . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : بَطِّئُوا بِهَا قَلِيلًا وَلَا تَدِبُّوا دَبِيب الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم الْإِسْرَاع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَعْجِيل الدَّفْن لَا الْمَشْي , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَا ذَكَرْنَا . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .
السَّادِسَة وَأَمَّا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَهِيَ وَاجِبَة عَلَى الْكِفَايَة كَالْجِهَادِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذَاهِب الْعُلَمَاء : مَالِك وَغَيْره ; لِقَوْلِهِ فِي النَّجَاشِيّ : ( قُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ) . وَقَالَ أَصْبَغ : إِنَّهَا سُنَّة . وَرَوَى عَنْ مَالِك . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى زِيَادَة بَيَان فِي " بَرَاءَة " .
السَّابِعَة وَأَمَّا دَفْنه فِي التُّرَاب وَدَسّه وَسَتْره فَذَلِكَ وَاجِب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ " ( الْمَائِدَة : 31 ) . وَهُنَاكَ يُذْكَر حُكْم بُنْيَان الْقَبْر وَمَا يُسْتَحَبّ مِنْهُ , وَكَيْفِيَّة جَعْل الْمَيِّت فِيهِ . وَيَأْتِي فِي " الْكَهْف " حُكْم بِنَاء الْمَسْجِد عَلَيْهِ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَهَذِهِ جُمْلَة مِنْ أَحْكَام الْمَوْتَى وَمَا يَجِب لَهُمْ عَلَى الْأَحْيَاء . وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَفِي سُنَن النَّسَائِيّ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ : ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَالِك بِسُوءٍ فَقَالَ : ( لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ ) .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " فِتْنَة " مَصْدَر عَلَى غَيْر اللَّفْظ . أَيْ نَخْتَبِركُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء وَالْحَلَال وَالْحَرَام , فَنَنْظُر كَيْفَ شُكْركُمْ وَصَبْركُمْ .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ أَيْ لِلْجَزَاءِ بِالْأَعْمَالِ .
{25} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ وَقَرَأَ حَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " نُوحِي إِلَيْهِ " بِالنُّونِ ; لِقَوْلِهِ : " أَرْسَلْنَا " .
{25} وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ أَيْ قُلْنَا لِلْجَمِيعِ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ; فَأَدِلَّة الْعَقْل شَاهِدَة أَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ , وَالنَّقْل عَنْ جَمِيع الْأَنْبِيَاء مَوْجُود , وَالدَّلِيل إِمَّا مَعْقُول وَإِمَّا مَنْقُول . وَقَالَ قَتَادَة : لَمْ يُرْسَل نَبِيّ إِلَّا بِالتَّوْحِيدِ , وَالشَّرَائِع مُخْتَلِفَة فِي التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَالْقُرْآن , وَكُلّ ذَلِكَ عَلَى الْإِخْلَاص وَالتَّوْحِيد .
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ نَزَلَتْ فِي خُزَاعَة حَيْثُ قَالُوا : الْمَلَائِكَة بَنَات اللَّه , وَكَانُوا يَعْبُدُونَهُمْ طَمَعًا فِي شَفَاعَتهمْ لَهُمْ . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة قَالَ قَالَتْ الْيَهُود - قَالَ مَعْمَر فِي رِوَايَته - أَوْ طَوَائِف مِنْ النَّاس : خَاتَنَ إِلَى الْجِنّ وَالْمَلَائِكَة مِنْ الْجِنّ , فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " سُبْحَانه " تَنْزِيهًا لَهُ .
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ أَيْ بَلْ هُمْ عِبَاد
{26} وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ أَيْ لَيْسَ كَمَا زَعَمَ هَؤُلَاءِ الْكُفَّار . وَيَجُوز النَّصْب عِنْد الزَّجَّاج عَلَى مَعْنَى بَلْ اِتَّخَذَ عِبَادًا مُكْرَمِينَ . وَأَجَازَهُ الْفَرَّاء عَلَى أَنْ يَرُدّهُ عَلَى وَلَد , أَيْ بَلْ لَمْ نَتَّخِذهُمْ وَلَدًا , بَلْ اِتَّخَذْنَاهُمْ عِبَادًا مُكْرَمِينَ . وَالْوَلَد هَاهُنَا لِلْجَمْعِ , وَقَدْ يَكُون الْوَاحِد وَالْجَمْع وَلَدًا . وَيَجُوز أَنْ يَكُون لَفْظ الْوَلَد لِلْجِنْسِ , كَمَا يُقَال لِفُلَانٍ مَال .
{27} لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أَيْ لَا يَقُولُونَ حَتَّى يَقُول , وَلَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا بِمَا يَأْمُرهُمْ .
{27} لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ أَيْ بِطَاعَتِهِ وَأَوَامِره . " يَعْلَم مَا بَيْن أَيْدِيهمْ وَمَا خَلْفهمْ " أَيْ يَعْلَم مَا عَمِلُوا وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَعَنْهُ أَيْضًا : " مَا بَيْن أَيْدِيهمْ " الْآخِرَة " وَمَا خَلْفهمْ " الدُّنْيَا ; ذَكَرَ الْأَوَّل الثَّعْلَبِيّ , وَالثَّانِي الْقُشَيْرِيّ .
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : هُمْ أَهْل شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَقَالَ مُجَاهِد : هُمْ كُلّ مَنْ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَالْمَلَائِكَة يَشْفَعُونَ غَدًا فِي الْآخِرَة كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم وَغَيْره , وَفِي الدُّنْيَا أَيْضًا ; فَإِنَّهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلِمَنْ فِي الْأَرْض , كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيل عَلَى مَا يَأْتِي .
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ يَعْنِي الْمَلَائِكَة
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ يَعْنِي مِنْ خَوْفه
{28} يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ أَيْ خَائِفُونَ لَا يَأْمَنُونَ مَكْره .
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ قَالَ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمَا : عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَة إِبْلِيس حَيْثُ اِدَّعَى الشِّرْكَة , وَدَعَا إِلَى عِبَادَة نَفْسه وَكَانَ مِنْ الْمَلَائِكَة , وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْ الْمَلَائِكَة إِنِّي إِلَه غَيْره . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى جَمِيع الْمَلَائِكَة ,
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " فَذَلِكَ نَجْزِيه جَهَنَّم " أَيْ فَذَلِكَ الْقَائِل وَهَذَا دَلِيل عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ أُكْرِمُوا بِالْعِصْمَةِ فَهُمْ مُتَعَبِّدُونَ , وَلَيْسُوا مُضْطَرِّينَ إِلَى الْعِبَادَة كَمَا ظَنَّهُ بَعْض الْجُهَّال . وَقَدْ اسْتَدَلَّ اِبْن عَبَّاس بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَل أَهْل السَّمَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " .
{29} وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ " أَيْ كَمَا جَزَيْنَا هَذَا بِالنَّارِ فَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ الْوَاضِعِينَ الْأُلُوهِيَّة وَالْعِبَادَة فِي غَيْر مَوْضِعهمَا .
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ قِرَاءَة الْعَامَّة " أَوَ لَمْ " بِالْوَاوِ . وَقَرَأَ اِبْن كَثِير وَابْن مُحَيْصِن وَحُمَيْد وَشِبْل بْن عَبَّاد " أَلَمْ تَرَ " بِغَيْرِ وَاو وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَف مَكَّة . " أَوَ لَمْ يَرَ " بِمَعْنَى يَعْلَم . " الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا " قَالَ الْأَخْفَش : " كَانَتَا " لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ , كَمَا تَقُول الْعَرَب : هُمَا لِقَاحَانِ أَسْوَدَانِ , وَكَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِنَّ اللَّه يُمْسِك السَّمَوَات وَالْأَرْض أَنْ تَزُولَا " ( فَاطِر : 41 ) قَالَ أَبُو إِسْحَاق : " كَانَتَا " لِأَنَّهُ يُعَبَّر عَنْ السَّمَوَات بِلَفْظِ الْوَاحِد بِسَمَاءٍ ; وَلِأَنَّ السَّمَوَات كَانَتْ سَمَاء وَاحِدَة , وَكَذَلِكَ الْأَرَضُونَ . وَقَالَ : " رَتْقًا " وَلَمْ يَقُلْ رَتْقَيْنِ ; لِأَنَّهُ مَصْدَر ; وَالْمَعْنَى كَانَتَا ذَوَاتَيْ رَتْق . وَقَرَأَ الْحَسَن " رَتَقًا " بِفَتْحِ التَّاء . قَالَ عِيسَى بْن عُمَر : هُوَ صَوَاب وَهِيَ لُغَة . وَالرَّتْق السَّدّ ضِدّ الْفَتْق , وَقَدْ رَتَقْت الْفَتْق أَرْتُقهُ فَارْتَتَقَ أَيْ اِلْتَأَمَ , وَمِنْهُ الرَّتْقَاء لِلْمُنْضَمَّةِ الْفَرْج . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة : يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ شَيْئًا وَاحِدًا مُلْتَزِقَتَيْنِ فَفَصَلَ اللَّه بَيْنهمَا بِالْهَوَاءِ . وَكَذَلِكَ قَالَ كَعْب : خَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بَعْضهَا عَلَى بَعْض ثُمَّ خَلَقَ رِيحًا بِوَسَطِهَا فَفَتَحَهَا بِهَا , وَجَعَلَ السَّمَوَات سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا . وَقَوْل ثَانٍ قَالَهُ مُجَاهِد وَالسُّدِّيّ وَأَبُو صَالِح : كَانَتْ السَّمَوَات مُؤْتَلِفَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْع سَمَوَات , وَكَذَلِكَ الْأَرَضِينَ كَانَتْ مُرْتَتِقَة طَبَقَة وَاحِدَة فَفَتَقَهَا فَجَعَلَهَا سَبْعًا . وَحَكَاهُ الْقُتَبِيّ فِي عُيُون الْأَخْبَار لَهُ , عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " أَوَ لَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَوَات وَالْأَرْض كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا " قَالَ : كَانَتْ السَّمَاء مَخْلُوقَة وَحْدهَا وَالْأَرْض مَخْلُوقَة وَحْدهَا , فَفَتَقَ مِنْ هَذِهِ سَبْع سَمَوَات , وَمِنْ هَذِهِ سَبْع أَرَضِينَ ; خَلَقَ الْأَرْض الْعُلْيَا فَجَعَلَ سُكَّانهَا الْجِنّ وَالْإِنْس , وَشَقَّ فِيهَا الْأَنْهَار وَأَنْبَتَ فِيهَا الْأَثْمَار , وَجَعَلَ فِيهَا الْبِحَار وَسَمَّاهَا رِعَاء , مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام ; ثُمَّ خَلَقَ الثَّانِيَة مِثْلهَا فِي الْعَرْض وَالْغِلَظ وَجَعَلَ فِيهَا أَقْوَامًا , أَفْوَاههمْ كَأَفْوَاهِ الْكِلَاب وَأَيْدِيهمْ أَيْدِي النَّاس ; وَآذَانهمْ آذَان الْبَقَر وَشُعُورهمْ شُعُور الْغَنَم , فَإِذَا كَانَ عِنْد اِقْتِرَاب السَّاعَة أَلْقَتْهُمْ الْأَرْض إِلَى يَأْجُوج وَمَأْجُوج , وَاسْم تِلْكَ الْأَرْض الدَّكْمَاء , ثُمَّ خَلَقَ الْأَرْض الثَّالِثَة غِلَظهَا مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَمِنْهَا هَوَاء إِلَى الْأَرْض . الرَّابِعَة خَلَقَ فِيهَا ظُلْمَة وَعَقَارِب لِأَهْلِ النَّار مِثْل الْبِغَال السُّود , وَلَهَا أَذْنَاب مِثْل أَذْنَاب الْخَيْل الطِّوَال , يَأْكُل بَعْضهَا بَعْضًا فَتُسَلَّط عَلَى بَنِي آدَم . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْخَامِسَة ( مِثْلهَا ) فِي الْغِلَظ وَالطُّول وَالْعَرْض فِيهَا سَلَاسِل وَأَغْلَال وَقُيُود لِأَهْلِ النَّار . ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّادِسَة وَاسْمهَا مَاد , فِيهَا حِجَارَة سُود بُهْم , وَمِنْهَا خُلِقَتْ تُرْبَة آدَم عَلَيْهِ السَّلَام , تُبْعَث تِلْكَ الْحِجَارَة يَوْم الْقِيَامَة وَكُلّ حَجَر مِنْهَا كَالطَّوْدِ الْعَظِيم , وَهِيَ مِنْ كِبْرِيت تُعَلَّق فِي أَعْنَاق الْكُفَّار فَتَشْتَعِل حَتَّى تُحْرِق وُجُوههمْ وَأَيْدِيهمْ , فَذَلِكَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَقُودهَا النَّاس وَالْحِجَارَة " ( الْبَقَرَة : 24 ) ثُمَّ خَلَقَ اللَّه الْأَرْض السَّابِعَة وَاسْمهَا عَرَبِيَّة وَفِيهَا جَهَنَّم , فِيهَا بَابَانِ اِسْم الْوَاحِد سِجِّين وَالْآخَر الْغَلْق , فَأَمَّا سِجِّين فَهُوَ مَفْتُوح وَإِلَيْهِ يَنْتَهِي كِتَاب الْكُفَّار , وَعَلَيْهِ يُعْرَض أَصْحَاب الْمَائِدَة وَقَوْم فِرْعَوْن , وَأَمَّا الْغَلْق فَهُوَ مُغْلَق لَا يُفْتَح إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " أَنَّهَا سَبْع أَرَضِينَ بَيْن كُلّ أَرْضَيْنِ مَسِيرَة خَمْسمِائَةِ عَام , وَسَيَأْتِي لَهُ فِي آخِر " الطَّلَاق " زِيَادَة بَيَان إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ عِكْرِمَة وَعَطِيَّة وَابْن زَيْد وَابْن عَبَّاس أَيْضًا فِيمَا ذَكَرَ الْمَهْدَوِيّ : إِنَّ السَّمَوَات كَانَتْ رَتْقًا لَا تُمْطِر , وَالْأَرْض كَانَتْ رَتْقًا لَا تُنْبِت , فَفَتَقَ السَّمَاء بِالْمَطَرِ , وَالْأَرْض بِالنَّبَاتِ ; نَظِيره قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَالسَّمَاء ذَات الرَّجْع . وَالْأَرْض ذَات الصَّدْع " ( الطَّارِق : 11 - 12 ) . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل الطَّبَرِيّ ; لِأَنَّ بَعْده : " وَجَعَلْنَا مِنْ الْمَاء كُلّ شَيْء حَيّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " . قُلْت : وَبِهِ يَقَع الِاعْتِبَار مُشَاهَدَة وَمُعَايَنَة ; وَلِذَلِكَ أَخْبَرَ بِذَلِكَ فِي غَيْر مَا آيَة ; لِيَدُلّ عَلَى كَمَال قُدْرَته , وَعَلَى الْبَعْث وَالْجَزَاء . وَقِيلَ : يَهُون عَلَيْهِمْ إِذَا يَغْضَبُو نَ سَخَط الْعُدَاة وَإِرْغَامهَا وَرَتْق الْفُتُوق وَفَتْق الرُّتُو قِ وَنَقْضِ الْأُمُور وَإِبْرَامهَا
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ ثَلَاث تَأْوِيلَات : أَحَدهَا : أَنَّهُ خَلَقَ كُلّ شَيْء مِنْ الْمَاء ; قَالَهُ قَتَادَة الثَّانِي : حِفْظ حَيَاة كُلّ شَيْء بِالْمَاءِ . الثَّالِث : وَجَعَلْنَا مِنْ مَاء الصُّلْب كُلّ شَيْء حَيّ ; قَالَهُ قُطْرُب . " وَجَعَلْنَا " بِمَعْنَى خَلَقْنَا . وَرَوَى أَبُو حَاتِم الْبُسْتِيّ فِي الْمُسْنَد الصَّحِيح لَهُ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه إِذَا رَأَيْتُك طَابَتْ نَفْسِي , وَقَرَّتْ عَيْنِي , أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء ; قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) الْحَدِيث ; قَالَ أَبُو حَاتِم قَوْل أَبِي هُرَيْرَة : " أَنْبِئْنِي عَنْ كُلّ شَيْء " أَرَادَ بِهِ عَنْ كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء , وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا جَوَاب الْمُصْطَفَى إِيَّاهُ حَيْثُ قَالَ : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخْلُوقًا . وَهَذَا اِحْتِجَاج آخَر سِوَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْن السَّمَوَات وَالْأَرْض رَتْقًا . وَقِيلَ : الْكُلّ قَدْ يُذْكَر بِمَعْنَى الْبَعْض كَقَوْلِ : " وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلّ شَيْء " ( النَّمْل : 23 ) وَقَوْله : " تُدَمِّر كُلّ شَيْء " ( الْأَحْقَاف : 25 ) وَالصَّحِيح الْعُمُوم ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( كُلّ شَيْء خُلِقَ مِنْ الْمَاء ) وَاَللَّه أَعْلَم .
{30} أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَفَلَا يُؤْمِنُونَ " أَيْ أَفَلَا يُصَدِّقُونَ بِمَا يُشَاهِدُونَ , وَأَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ بِنَفْسِهِ , بَلْ لِمُكَوِّنٍ كَوَّنَهُ , وَمُدَبِّر أَوْجَدَهُ , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون ذَلِكَ الْمُكَوِّن مُحْدَثًا .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ جِبَالًا ثَوَابِت .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ لِئَلَّا تَمِيد بِهِمْ , وَلَا تَتَحَرَّك لِيَتِمّ الْقَرَار عَلَيْهَا ; قَالَهُ الْكُوفِيُّونَ . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ : الْمَعْنَى كَرَاهِيَة أَنْ تَمِيد . وَالْمَيْد التَّحَرُّك وَالدَّوَرَان . يُقَال : مَادَ رَأْسه ; أَيْ دَارَ . وَمَضَى فِي " النَّحْل " مُسْتَوْفًى .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ يَعْنِي فِي الرَّوَاسِي ; عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَالْفِجَاج الْمَسَالِك . وَالْفَجّ الطَّرِيق الْوَاسِع بَيْن الْجَبَلَيْنِ . وَقِيلَ : وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْض فِجَاجًا أَيْ مَسَالِك ; وَهُوَ اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ ; لِقَوْلِهِ :
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ تَفْسِير الْفِجَاج ; لِأَنَّ الْفَجّ قَدْ يَكُون طَرِيقًا نَافِذًا مَسْلُوكًا وَقَدْ لَا يَكُون . وَقِيلَ : لِيَهْتَدُوا بِالِاعْتِبَارِ بِهَا إِلَى دِينهمْ .
{31} وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ أَيْ يَهْتَدُونَ إِلَى السَّيْر فِي الْأَرْض .
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ أَيْ مَحْفُوظًا مِنْ أَنْ يَقَع وَيَسْقُط عَلَى الْأَرْض ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " وَيُمْسِك السَّمَاء أَنْ تَقَع عَلَى الْأَرْض إِلَّا بِإِذْنِهِ " ( الْحَجّ : 65 ) . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا بِالنُّجُومِ مِنْ الشَّيَاطِين ; قَالَهُ الْفَرَّاء . دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلّ شَيْطَان رَجِيم " ( الْحِجْر : 17 ) . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا مِنْ الْهَدْم وَالنَّقْض , وَعَنْ أَنْ يَبْلُغهُ أَحَد بِحِيلَةٍ . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا فَلَا يَحْتَاج إِلَى عِمَاد . وَقَالَ مُجَاهِد : مَرْفُوعًا . وَقِيلَ : مَحْفُوظًا مِنْ الشِّرْك وَالْمَعَاصِي .
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ يَعْنِي الْكُفَّار
{32} وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ قَالَ مُجَاهِد يَعْنِي الشَّمْس وَالْقَمَر . وَأَضَافَ الْآيَات إِلَى السَّمَاء لِأَنَّهَا مَجْعُولَة فِيهَا , وَقَدْ أَضَافَ الْآيَات إِلَى نَفْسه فِي مَوَاضِع , لِأَنَّهُ الْفَاعِل لَهَا . بَيَّنَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ غَفَلُوا عَنْ النَّظَر فِي السَّمَوَات وَآيَاتهَا , مِنْ لَيْلهَا وَنَهَارهَا , وَشَمْسهَا وَقَمَرهَا , وَأَفْلَاكهَا وَرِيَاحهَا وَسَحَابهَا , وَمَا فِيهَا مِنْ قُدْرَة اللَّه تَعَالَى , إِذْ لَوْ نَظَرُوا وَاعْتَبَرُوا لَعَلِمُوا أَنَّ لَهَا صَانِعًا قَادِرًا فَيَسْتَحِيل أَنْ يَكُون لَهُ شَرِيك .
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ ذَكَّرَهُمْ نِعْمَة أُخْرَى : جَعَلَ لَهُمْ اللَّيْل لِيَسْكُنُوا فِيهِ , وَالنَّهَار لِيَتَصَرَّفُوا فِيهِ لِمَعَايِشِهِمْ
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أَيْ وَجَعَلَ الشَّمْس آيَة النَّهَار , وَالْقَمَر آيَة اللَّيْل ; لِتُعْلَمَ الشُّهُور وَالسُّنُونَ وَالْحِسَاب , كَمَا تَقَدَّمَ فِي " سُبْحَانَ " بَيَانُهُ .
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ يَعْنِي مِنْ الشَّمْس وَالْقَمَر وَالنُّجُوم وَالْكَوَاكِب وَاللَّيْل وَالنَّهَار
{33} وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ أَيْ يَجْرُونَ وَيَسِيرُونَ بِسُرْعَةٍ كَالسَّابِحِ فِي الْمَاء . قَالَ اللَّه تَعَالَى وَهُوَ أَصْدَق الْقَائِلِينَ : " وَالسَّابِحَات سَبْحًا " وَيُقَال لِلْفَرَسِ الَّذِي يَمُدّ يَده فِي الْجَرْي سَابِح . وَفِيهِ مِنْ النَّحْو أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : يُسَبِّحْنَ وَلَا تُسَبِّح ; فَمَذْهَب سِيبَوَيْهِ : أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِل وَجَعَلَهُنَّ فِي الطَّاعَة بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْقِل , أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِفِعْلِ مَنْ يَعْقِل وَجَعَلَهُنَّ فِي الطَّاعَة بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْقِل , أَخْبَرَ عَنْهُنَّ بِالْوَاوِ وَالنُّون . وَنَحْوه قَالَ الْفَرَّاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " يُوسُف " . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : إِنَّمَا قَالَ : " يُسَبِّحُونَ " لِأَنَّهُ رَأْس آيَة , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " نَحْنُ جَمِيع مُنْتَصِر " ( الْقَمَر : 44 ) وَلَمْ يَقُلْ مُنْتَصِرُونَ . وَقِيلَ : الْجَرْي لِلْفَلَكِ فَنُسِبَ إِلَيْهَا . وَالْأَصَحّ أَنَّ السَّيَّارَة تَجْرِي فِي الْفَلَك , وَهِيَ سَبْعَة أَفْلَاك دُون السَّمَوَات الْمُطْبِقَة , الَّتِي هِيَ مَجَال الْمَلَائِكَة وَأَسْبَاب الْمَلَكُوت , فَالْقَمَر فِي الْفَلَك الْأَدْنَى , ثُمَّ عُطَارِد , ثُمَّ الزُّهْرَة , ثُمَّ الشَّمْس , ثُمَّ الْمَرِّيخ , ثُمَّ الْمُشْتَرَى , ثُمَّ زُحَل , وَالثَّامِن فَلَك الْبُرُوج , و التَّاسِع الْفَلَك الْأَعْظَم . وَالْفَلَك وَاحِد أَفْلَاك النُّجُوم . قَالَ أَبُو عَمْرو : وَيَجُوز أَنْ يُجْمَع عَلَى فُعْل مِثْل أَسَد وَأُسْد وَخَشَب وَخُشْب . وَأَصْل الْكَلِمَة مِنْ الدَّوَرَان , وَمِنْهُ فَلْكَة الْمِغْزَل ; لِاسْتِدَارَتِهَا . وَمِنْهُ قِيلَ : فَلَّكَ ثَدْي الْمَرْأَة تَفْلِيكًا , وَتَفَلَّكَ اِسْتَدَارَ . وَفِي حَدِيث اِبْن مَسْعُود : تَرَكْت فَرَسِي كَأَنَّهُ يَدُور فِي فَلَك . كَأَنَّهُ لِدَوَرَانِهِ شَبَهه بِفَلَكِ السَّمَاء الَّذِي تَدُور عَلَيْهِ النُّجُوم . قَالَ اِبْن زَيْد : الْأَفْلَاك مَجَارِي النُّجُوم وَالشَّمْس وَالْقَمَر . قَالَ : وَهِيَ بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض . وَقَالَ قَتَادَة : الْفَلَك اِسْتِدَارَة فِي السَّمَاء تَدُور بِالنُّجُومِ مَعَ ثُبُوت السَّمَاء . وَقَالَ مُجَاهِد : الْفَلَك كَهَيْئَةِ حَدِيد الرَّحَى وَهُوَ قُطْبهَا . وَقَالَ الضَّحَّاك : فَلَكهَا مَجْرَاهَا وَسُرْعَة مَسِيرهَا . وَقِيلَ : الْفَلَك مَوْج مَكْفُوف وَمَجْرَى الشَّمْس وَالْقَمَر فِيهِ ; وَاَللَّه أَعْلَم .
{34} وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ أَيْ دَوَام الْبَقَاء فِي الدُّنْيَا نَزَلَتْ حِين قَالُوا : نَتَرَبَّص بِمُحَمَّدٍ رَيْب الْمَنُون . وَذَلِكَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا يَدْفَعُونَ نُبُوَّته وَيَقُولُونَ : شَاعِر نَتَرَبَّص بِهِ رَيْب الْمَنُون , وَلَعَلَّهُ يَمُوت كَمَا مَاتَ شَاعِر بَنِي فُلَان ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى : قَدْ مَاتَ الْأَنْبِيَاء مِنْ قَبْلك , وَتَوَلَّى اللَّه دِينه بِالنَّصْرِ وَالْحِيَاطَة , فَهَكَذَا نَحْفَظ دِينك وَشَرْعك .
{34} وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ أَيْ أَفَهُمْ ; مِثْل قَوْل الشَّاعِر : رَفُونِي وَقَالُوا يَا خُوَيْلِد لَا تُرَع فَقُلْت وَأَنْكَرْت الْوُجُوه هُمُ هُمُ أَيْ أَهُمْ ! فَهُوَ اِسْتِفْهَام إِنْكَار . وَقَالَ الْفَرَّاء : جَاءَ بِالْفَاءِ لِيَدُلّ عَلَى الشَّرْط ; لِأَنَّهُ جَوَاب قَوْلهمْ سَيَمُوتُ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جِيءَ بِهَا ; لِأَنَّ التَّقْدِير فِيهَا : أَفَهُمْ الْخَالِدُونَ إِنْ مِتَّ ! قَالَ الْفَرَّاء : وَيَجُوز حَذْف الْفَاء وَإِضْمَارهَا ; لِأَنَّ " هُمْ " لَا يَتَبَيَّن فِيهَا الْإِعْرَاب . أَيْ إِنْ مِتَّ فَهُمْ يَمُوتُونَ أَيْضًا , فَلَا شَمَاتَة فِي الْإِمَاتَة . وَقُرِئَ " مِتَّ " بِكَسْرِ الْمِيم وَضَمّهَا لُغَتَانِ .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ الْأَوْلَى : لَمَّا أَخْبَرَ جَلَّ وَتَعَالَى عَنْ الْبَاخِلِينَ وَكُفْرهمْ فِي قَوْلهمْ : " إِنَّ اللَّه فَقِير وَنَحْنُ أَغْنِيَاء " وَأَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِالصَّبْرِ عَلَى أَذَاهُمْ فِي قَوْله : " لَتُبْلَوُنَّ " ( آل عُمْرَانِ : 186 ) الْآيَة - بَيِّن أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا يَنْقَضِي وَلَا يَدُوم ; فَإِنَّ أَمَد الدُّنْيَا قَرِيب , وَيَوْم الْقِيَامَة يَوْم الْجَزَاء . " ذَائِقَة الْمَوْت " مِنْ الذَّوْق , وَهَذَا مِمَّا لَا مَحِيص عَنْهُ لِلْإِنْسَانِ , وَلَا مَحِيد عَنْهُ لِحَيَوَانٍ . وَقَدْ قَالَ أُمَيَّة بْن أَبِي الصَّلْت : مَنْ لَمْ يَمُتْ عَبْطَة يَمُتْ هَرَمًا لِلْمَوْتِ كَأْس وَالْمَرْء ذَائِقهَا وَقَالَ آخَر : الْمَوْت بَاب وَكُلّ النَّاس دَاخِله فَلَيْتَ شِعْرِي بَعْد الْبَاب مَا الدَّار
الثَّانِيَة قِرَاءَة الْعَامَّة " ذَائِقَة الْمَوْت " بِالْإِضَافَةِ . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى وَابْن أَبِي إِسْحَاق " ذَائِقَةٌ الْمَوْت " بِالتَّنْوِينِ وَنَصْب الْمَوْت . قَالُوا : لِأَنَّهَا لَمْ تَذُقْ بَعْد . وَذَلِكَ أَنَّ اِسْم الْفَاعِل عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدهمَا أَنْ يَكُون بِمَعْنَى الْمُضِيّ . وَالثَّانِي بِمَعْنَى الِاسْتِقْبَال ; فَإِنْ أَرَدْت الْأَوَّل لَمْ يَكُنْ فِيهِ إِلَّا الْإِضَافَة إِلَى مَا بَعْده ; كَقَوْلِك : هَذَا ضَارِب زَيْد أَمْس , وَقَاتِل بَكْر أَمْس ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الِاسْم الْجَامِد وَهُوَ الْعِلْم , نَحْو غُلَام زَيْد , وَصَاحِب بَكْر . قَالَ الشَّاعِر : الْحَافِظ عَوْرَة الْعَشِيرَة لَا يَأْتِيهِمْ مِنْ وَرَائِهِمْ وَكَف وَإِنْ أَرَدْت الثَّانِي جَازَ الْجَرّ . وَالنَّصْب وَالتَّنْوِين فِيمَا هَذَا سَبِيله هُوَ الْأَصْل ; لِأَنَّهُ يَجْرِي مَجْرَى الْفِعْل الْمُضَارِع فَإِنْ كَانَ الْفِعْل غَيْر مُتَعَدٍّ , لَمْ يَتَعَدَّ نَحْو قَاتِل زَيْد . وَإِنْ كَانَ مُتَعَدِّيًا عَدَّيْته وَنَصَبْت بِهِ , فَتَقُول . زَيْد ضَارِب عَمْرًا بِمَعْنَى يَضْرِب عَمْرًا . وَيَجُوز حَذْف التَّنْوِين وَالْإِضَافَة تَخْفِيفًا , كَمَا قَالَ الْمَرَّار : سَلْ الْهُمُوم بِكُلِّ مُعْطِي رَأْسه نَاجٍ مُخَالِط صُهْبَة مُتَعَيِّس مُغْتَال أَحْبُله مُبِين عُنُقه فِي مَنْكِب زَبْن الْمَطِيّ عَرَنْدَس فَحُذِفَ التَّنْوِين تَخْفِيفًا , وَالْأَصْل : مُعْطٍ رَأْسه بِالتَّنْوِينِ وَالنَّصْب , وَمِثْل هَذَا أَيْضًا فِي التَّنْزِيل قَوْله تَعَالَى " هَلْ هُنَّ كَاشِفَات ضُرّه " ( الزُّمَر : 38 ) وَمَا كَانَ مِثْله .
الثَّالِثَة ثُمَّ اِعْلَمْ أَنَّ لِلْمَوْتِ أَسْبَابًا وَأَمَارَات , فَمِنْ عَلَامَات مَوْت الْمُؤْمِن عَرَق الْجَبِين . أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث بُرَيْدَة قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " الْمُؤْمِن يَمُوت بِعَرَقِ الْجَبِين " . وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " التَّذْكِرَة " فَإِذَا اُحْتُضِرَ لُقِّنَ الشَّهَادَة ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه ) لِتَكُونَ آخِر كَلَامه فَيُخْتَم لَهُ بِالشَّهَادَةِ ; وَلَا يُعَاد عَلَيْهِ مِنْهَا لِئَلَّا يَضْجَر . وَيُسْتَحَبّ قِرَاءَة " يس " ذَلِكَ الْوَقْت ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " اِقْرَءُوا يس عَلَى مَوْتَاكُمْ " أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَذَكَرَ الْآجُرِّيّ فِي كِتَاب النَّصِيحَة مِنْ حَدِيث أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا مِنْ مَيِّت يُقْرَأ عِنْده سُورَة يس إِلَّا هُوِّنَ عَلَيْهِ الْمَوْت ) . فَإِذَا قُضِيَ وَتَبِعَ الْبَصَر الرُّوح - كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَحِيح مُسْلِم - وَارْتَفَعَتْ الْعِبَادَات : وَزَالَ التَّكْلِيف , تَوَجَّهَتْ عَلَى الْأَحْيَاء أَحْكَام ; مِنْهَا تَغْمِيضه , وَإِعْلَام إِخْوَانه الصُّلَحَاء بِمَوْتِهِ ; وَكَرِهَهُ قَوْم وَقَالُوا : هُوَ مِنْ النَّعْي . وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع . وَمِنْهَا الْأَخْذ فِي تَجْهِيزه بِالْغُسْلِ وَالدَّفْن لِئَلَّا يُسْرِع إِلَيْهِ التَّغَيُّر ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْمٍ أَخَّرُوا دَفْن مَيِّتهمْ : ( عَجِّلُوا بِدَفْنِ جِيفَتكُمْ ) ; وَقَالَ : ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ ) الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي . الثَّالِثَة : فَأَمَّا غُسْله فَهُوَ سُنَّة لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ حَاشَا الشَّهِيد عَلَى مَا تَقَدَّمَ , قِيلَ : غُسْله وَاجِب قَالَهُ الْقَاضِي عَبْد الْوَهَّاب . وَالْأَوَّل : مَذْهَب الْكِتَاب , وَعَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الْعُلَمَاء . وَسَبَب الْخِلَاف قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام لِأُمِّ عَطِيَّة فِي غُسْلهَا اِبْنَته زَيْنَب , عَلَى مَا فِي كِتَاب مُسْلِم . وَقِيلَ : هِيَ أُمّ كُلْثُوم , عَلَى مَا فِي كِتَاب أَبِي دَاوُد : ( اِغْسِلْنَهَا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) الْحَدِيث . وَهُوَ الْأَصْل عِنْد الْعُلَمَاء فِي غُسْل الْمَوْتَى . فَقِيلَ : الْمُرَاد بِهَذَا الْأَمْر بَيَان حُكْم الْغُسْل فَيَكُون وَاجِبًا . وَقِيلَ : الْمَقْصُود مِنْهُ تَعْلِيم كَيْفِيَّة الْغُسْل فَلَا يَكُون فِيهِ مَا يَدُلّ عَلَى الْوُجُوب . قَالُوا وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله : ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ذَلِكَ ) وَهَذَا يَقْتَضِي إِخْرَاج ظَاهِر الْأَمْر عَنْ الْوُجُوب ; لِأَنَّهُ فَوَّضَهُ إِلَى نَظَرهنَّ . قِيلَ لَهُمْ : هَذَا فِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ رَدّك ( إِنْ رَأَيْتُنَّ ) إِلَى الْأَمْر , لَيْسَ السَّابِق إِلَى الْفَهْم بَلْ السَّابِق رُجُوع هَذَا الشَّرْط إِلَى أَقْرَب مَذْكُور , وَهُوَ ( أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ ) أَوْ إِلَى التَّخْيِير فِي الْأَعْدَاد . وَعَلَى الْجُمْلَة فَلَا خِلَاف فِي أَنَّ غُسْل الْمَيِّت مَشْرُوع مَعْمُول بِهِ فِي الشَّرِيعَة لَا يُتْرَك . وَصِفَته كَصِفَةِ غُسْل الْجَنَابَة عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوف . وَلَا يُجَاوِز السَّبْع غَسَلَات فِي غُسْل الْمَيِّت بِإِجْمَاعٍ ; عَلَى مَا حَكَاهُ أَبُو عُمَر . فَإِنْ خَرَجَ مِنْهُ شَيْء بَعْد السَّبْع غُسِلَ الْمَوْضِع وَحْده , وَحُكْمه حُكْم الْجُنُب إِذَا أَحْدَثَ بَعْد غُسْله . فَإِذَا فَرَغَ مِنْ غُسْله كَفَّنَهُ فِي ثِيَابه وَهِيَ :
الرَّابِعَة وَالتَّكْفِين وَاجِب عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء , فَإِنْ كَانَ لَهُ مَال فَمِنْ رَأْس مَاله عِنْد عَامَّة الْعُلَمَاء , إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ طَاوُس أَنَّهُ قَالَ : مِنْ الثُّلُث كَانَ الْمَال قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا . فَإِنْ كَانَ الْمَيِّت مِمَّنْ تَلْزَم غَيْره نَفَقَته فِي حَيَاته مِنْ سَيِّد - إِنْ كَانَ عَبْدًا - أَوْ أَب أَوْ زَوْج أَوْ اِبْن ; فَعَلَى السَّيِّد بِاتِّفَاقٍ , وَعَلَى الزَّوْج وَالْأَب وَالِابْن بِاخْتِلَافٍ . ثُمَّ عَلَى بَيْت الْمَال أَوْ عَلَى جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكِفَايَة . وَاَلَّذِي يَتَعَيَّن مِنْهُ بِتَعْيِينِ الْفَرْض سَتْر الْعَوْرَة ; فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْل غَيْر أَنَّهُ لَا يَعُمّ جَمِيع الْجَسَد غُطِّيَ رَأْسه وَوَجْهه ; إِكْرَامًا لِوَجْهِهِ وَسَتْرًا لِمَا يَظْهَر مِنْ تَغَيُّر مَحَاسِنه . وَالْأَصْل فِي هَذَا قِصَّة مُصْعَب بْن عُمَيْر , فَإِنَّهُ تَرَكَ يَوْم أُحُد نَمِرَة كَانَ إِذَا غُطِّيَ رَأْسه خَرَجَتْ رِجْلَاهُ , وَإِذَا غُطِّيَ رِجْلَاهُ خَرَجَ رَأْسه ; فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسه وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ مِنْ الْإِذْخِر ) أَخْرَجَ الْحَدِيث مُسْلِم . وَالْوِتْر مُسْتَحَبّ عِنْد كَافَّة الْعُلَمَاء فِي الْكَفَن , وَكُلّهمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ حَدّ . وَالْمُسْتَحَبّ مِنْهُ الْبَيَاض ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِلْبَسُوا مِنْ ثِيَابكُمْ الْبَيَاض فَإِنَّهَا مِنْ خَيْر ثِيَابكُمْ وَكَفِّنُوا فِيهَا مَوْتَاكُمْ ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد . وَكُفِّنَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَة أَثْوَاب بِيض سُحُولِيَّة مِنْ كُرْسُف . وَالْكَفَن فِي غَيْر الْبَيَاض جَائِز إِلَّا أَنْ يَكُون حَرِيرًا أَوْ خَزًّا . فَإِنْ تَشَاحَّ الْوَرَثَة فِي الْكَفَن قُضِيَ عَلَيْهِمْ فِي مِثْل لِبَاسه فِي جُمْعَته وَأَعْيَاده ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا كَفَّنَ أَحَدكُمْ أَخَاهُ فَلْيُحْسِنْ كَفَنه ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . إِلَّا أَنْ يُوصِي بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ . فَإِنْ أَوْصَى بِسَرَفٍ قِيلَ : يَبْطُل الزَّائِد . وَقِيلَ : يَكُون فِي الثُّلُث . وَالْأَوَّل أَصَحّ ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : ( وَلَا تُسْرِفُوا ) ( الْأَنْعَام : 141 ) . وَقَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّهُ لِلْمُهْلَةِ . فَإِذَا فُرِغَ مِنْ غُسْله وَتَكْفِينَهُ وَوُضِعَ عَلَى سَرِيره وَاحْتَمَلَهُ الرِّجَال عَلَى أَعْنَاقهمْ وَهِيَ :
الْخَامِسَة فَالْحُكْم الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي ; لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَة فَخَيْر تُقَدِّمُونَهَا إِلَيْهِ وَإِنْ تَكُنْ غَيْر ذَلِكَ فَشَرّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابكُمْ ) . لَا كَمَا يَفْعَلهُ الْيَوْم الْجُهَّال فِي الْمَشْي رُوَيْدًا وَالْوُقُوف بِهَا الْمَرَّة بَعْد الْمَرَّة , وَقِرَاءَة الْقُرْآن بِالْأَلْحَانِ إِلَى مَا لَا يَحِلّ وَلَا يَجُوز حَسَب مَا يَفْعَلهُ أَهْل الدِّيَار الْمِصْرِيَّة بِمَوْتَاهُمْ . رَوَى النَّسَائِيّ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى قَالَ حَدَّثَنَا خَالِد قَالَ أَنْبَأَنَا عُيَيْنَة بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ : شَهِدْت جِنَازَة عَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة وَخَرَجَ زِيَاد يَمْشِي بَيْن يَدَيْ السَّرِير , فَجَعَلَ رِجَال مِنْ أَهْل عَبْد الرَّحْمَن وَمَوَالِيهمْ يَسْتَقْبِلُونَ السَّرِير وَيَمْشُونَ عَلَى أَعْقَابهمْ وَيَقُولُونَ : رُوَيْدًا رُوَيْدًا , بَارَكَ اللَّه فِيكُمْ ! فَكَانُوا يَدِبُّونَ دَبِيبًا , حَتَّى إِذَا كُنَّا بِبَعْضِ طَرِيق الْمِرْيَد لَحِقَنَا أَبُو بَكْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ عَلَى بَغْلَة فَلَمَّا رَأَى الَّذِينَ يَصْنَعُونَ حَمَلَ عَلَيْهِمْ بِبَغْلَتِهِ وَأَهْوَى إِلَيْهِمْ بِالسَّوْطِ فَقَالَ : خَلُّوا ! فَوَاَلَّذِي أَكْرَمَ وَجْه أَبِي الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ رَأَيْنَا مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّهَا لَنَكَاد نَرْمُل بِهَا رَمَلًا , فَانْبَسَطَ الْقَوْم . وَرَوَى أَبُو مَاجِدَة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ سَأَلْنَا نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ سَلَّمَ عَنْ الْمَشْي مَعَ الْجِنَازَة فَقَالَ : ( دُون الْخَبَب إِنْ يَكُنْ خَيْرًا يُعَجَّل إِلَيْهِ وَإِنْ يَكُنْ غَيْر ذَلِكَ فَبُعْدًا لِأَهْلِ النَّار ) الْحَدِيث . قَالَ أَبُو عُمَر : وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَة الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ الْإِسْرَاع فَوْق السَّجِيَّة قَلِيلًا , وَالْعَجَلَة أَحَبّ إِلَيْهِمْ مِنْ الْإِبْطَاء . وَيُكْرَه الْإِسْرَاع الَّذِي يَشُقّ عَلَى ضَعَفَة النَّاس مِمَّنْ يَتْبَعهَا . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ : بَطِّئُوا بِهَا قَلِيلًا وَلَا تَدِبُّوا دَبِيب الْيَهُود وَالنَّصَارَى . وَقَدْ تَأَوَّلَ قَوْم الْإِسْرَاع فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة تَعْجِيل الدَّفْن لَا الْمَشْي , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِمَا ذَكَرْنَا . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق .
السَّادِسَة وَأَمَّا الصَّلَاة عَلَيْهِ فَهِيَ وَاجِبَة عَلَى الْكِفَايَة كَالْجِهَادِ . هَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذَاهِب الْعُلَمَاء : مَالِك وَغَيْره ; لِقَوْلِهِ فِي النَّجَاشِيّ : ( قُومُوا فَصَلُّوا عَلَيْهِ ) . وَقَالَ أَصْبَغ : إِنَّهَا سُنَّة . وَرَوَى عَنْ مَالِك . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْمَعْنَى زِيَادَة بَيَان فِي " بَرَاءَة " .
السَّابِعَة وَأَمَّا دَفْنه فِي التُّرَاب وَدَسّه وَسَتْره فَذَلِكَ وَاجِب ; لِقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَبَعَثَ اللَّه غُرَابًا يَبْحَث فِي الْأَرْض لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَة أَخِيهِ " ( الْمَائِدَة : 31 ) . وَهُنَاكَ يُذْكَر حُكْم بُنْيَان الْقَبْر وَمَا يُسْتَحَبّ مِنْهُ , وَكَيْفِيَّة جَعْل الْمَيِّت فِيهِ . وَيَأْتِي فِي " الْكَهْف " حُكْم بِنَاء الْمَسْجِد عَلَيْهِ , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَهَذِهِ جُمْلَة مِنْ أَحْكَام الْمَوْتَى وَمَا يَجِب لَهُمْ عَلَى الْأَحْيَاء . وَعَنْ عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسُبُّوا الْأَمْوَات فَإِنَّهُمْ قَدْ أَفْضَوْا إِلَى مَا قَدَّمُوا ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَفِي سُنَن النَّسَائِيّ عَنْهَا أَيْضًا قَالَتْ : ذُكِرَ عِنْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَالِك بِسُوءٍ فَقَالَ : ( لَا تَذْكُرُوا هَلْكَاكُمْ إِلَّا بِخَيْرٍ ) .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ " فِتْنَة " مَصْدَر عَلَى غَيْر اللَّفْظ . أَيْ نَخْتَبِركُمْ بِالشِّدَّةِ وَالرَّخَاء وَالْحَلَال وَالْحَرَام , فَنَنْظُر كَيْفَ شُكْركُمْ وَصَبْركُمْ .
{35} كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ أَيْ لِلْجَزَاءِ بِالْأَعْمَالِ .
modified by: Abdurrahman Zaidan
المراجع
موسوعة الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم