الآية السادسة قوله تعالى وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح » مسألة محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال لا تنكح إلا به

الجزء الأول - المسألة التاسعة : قوله تعالى : ( ولا تأكلوها إسرافا وبدارا أن يكبروا ) إسرافا : يعني مجاوزة من أموالكم التي تنبغي لكم إلى ما لا يحل لكم من أموالهم . والإسراف : مجاوزة الحد المباح إلى المحظور . وبدارا : يعني مبادرة أن يكبروا ، واستباقا لمعرفتهم لمصالحهم ، واستئثارا عليهم بأموالهم . المسألة العاشرة : قال علماؤنا : لما لم يكن لهم عمل في أموالهم وقبضت عنها أيديهم لم يكن لهم فيها قول ، ولا نفذ لهم فيها عقد ولا عهد ، فلا يجوز فيها بيعهم ولا نذرهم ؛ لأن العلة التي لأجلها قبضت أيديهم عنها الصيانة لها عن تبذيرهم والحفظ لها إلى وقت معرفتهم وتبصرهم ؛ فلو جاز لهم فيها بيع أو هبة أو عهد لبطلت فائدة المنع لهم عنها ، وسقط مقصود حفظها عليهم .

- ص 422 - فأما ما كان في أيديهم من زوجة أو أم ولد تمكنوا منهما فكلامهم نافذ فيهما ، وينفذ طلاق الزوجة وعتق أم الولد عليهم ؛ لأنهم تمكنوا من ذلك فعلا فينفذ القول فيهما شرعا . وهذه نكتة بديعة في الحجة لإنفاذ الطلاق والعتق . المسألة الحادية عشرة : إذا كان الاختبار إلى بلوغ النكاح في الحرة ، وقلنا : إنه في ذات الأب ستة أو سبعة ، وفي اليتيمة ستة فما عملنا في أثناء الستة أو السبعة محمول على الرد وما كان من العمل بعده محمول على الجواز . وقال بعض علمائنا : ما عملت في الستة والسبعة محمول على الرد ، إلا أن يتبين فيه السداد ، وما عملت بعد ذلك محمول على الإمضاء حتى يتبين فيه السفه .

ولقد وقعت هذه المسألة في زماننا في محجورة أرادت نحلة ابنتها بمال لا تنكح إلا به ، فقال بعضهم : لا يجوز فعل المحجور ، وقلنا نحن : يجوز ؛ لأن إيناس الرشد إنما يكون بمثل هذا ؛ ومن نظر لولده واهتبل به فهو في غاية السداد والرشد له ولنفسه ، فوفق الله متولي الحكم يومئذ وأمضى النحلة على ما أفتيناه . المسألة الثانية عشرة : قوله تعالى ( ومن كان غنيا فليستعفف ) اختلف العلماء في هذه المسألة على أربعة أقوال : الأول : أنه لا يأكل من مال اليتيم شيئا بحال ، وهذه الرخصة في قوله سبحانه : ( فليأكل بالمعروف ) منسوخة بقوله تعالى : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) واختاره زيد بن أسلم ، واحتج به .

الثاني : أن المراد به اليتيم ، وإذا كان فقيرا أنفق عليه وإليه بقدر فقره من مال اليتيم ، وإن كان غنيا أنفق عليه بقدر غناه ، ولم يكن للولي فيه شيء . الثالث : أن المراد به الولي إن كان غنيا عف ، وإن كان فقيرا أكل بالمعروف . - ص 423 - الرابع : أن المعروف شربه اللبن وركوبه الظهر غير مضر بنسل ولا ناهك في حلب . قال ابن العربي : أما من قال : إنه منسوخ فهو بعيد ، لا أرضاه ؛ لأن الله تعالى يقول : ( فليأكل بالمعروف ) وهو الجائز الحسن ؛ وقال : ( إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما ) فكيف ينسخ الظلم المعروف ؟ بل هو تأكيد له في التجويز ؛ لأنه خارج عنه مغاير له ؛ وإذا كان المباح غير المحظور لم يصح دعوى نسخ فيه ؛ وهذا أبين من الإطناب .

وأما من قال : إن المراد به اليتيم فلا يصح لوجهين : أحدهما أن الخطاب لا يصلح أن يكون له ؛ لأنه غير مكلف ولا مأمور بشيء من ذلك . الثاني : أنه إن كان غنيا أو فقيرا إنما يأكل بالمعروف ؛ فسقط هذا . وأما من قال : إن الولي إن كان غنيا عف وإن كان فقيرا أكل فهو قول عمر ؛ روي عنه أنه قال : إنما أنا في بيت المال كولي اليتيم إن استغنيت تركت ، وإن احتجت أكلت ؛ وبه أقول . وأما استثناء اللبن ، ومثله التمر ، فهو على قول مالك ؛ لقول ابن عباس : اشرب غير مضر بنسل ولا ناهك للحلب ؛ ولأن شرب اللبن من الضرع ؛ وأكل التمر من الجذوع أمر متعارف بين الخلق متسامح فيه .

فإن أكل هل يقضي - (من مال اليتيم)- ؟ اختلف الناس فيه ؛ فروي عن عمر أنه قال : إن أكلت قضيت . واختلف في ذلك قول عكرمة ؛ وهو قول عبيدة السلماني وأبي العالية ، وهو أحد قولي ابن عباس . فأما من نفى القضاء فاحتج بأن الأكل له ، كما أن النظر عليه ؛ فجرى مجرى الأجرة . وأما من يرى القضاء فاحتج بقوله سبحانه : ( ومن كان غنيا فليستعفف ) - ص 424 - فمنع منه ، فإن فعل قضى . ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف ، أي بقدر الحاجة ، ويقضي كما يقضي المضطر إلى المال في المخمصة .

قال عبيدة السلماني ، في قول الله سبحانه : ( فإذا دفعتم إليهم أموالهم فأشهدوا عليهم ) ذلك دليل على وجوب القضاء على من أكل - ( من مال اليتيم ) - . المعنى : فإذا رددتم ما أكلتم فأشهدوا إذا غرمتم ، وسيأتي الكلام على هذا إن شاء الله . والصحيح أنه لا يقتضي ؛ لأن النظر له ؛ فيتعين به الأكل بالمعروف ، والمعروف هو حق النظر ؛ وقد قال أبو حنيفة : يقارض في مال اليتيم ويأكل حظه من الربح ، فكذلك يأخذ من صميم المال بمقدار النظر ؛ هذا إذا كان فقيرا ؛ أما إذا كان غنيا فلا يأخذ شيئا ؛ لأن الله سبحانه أمره بالعفة والكف عنه .

فإن قيل : فقول عمر : " أنا كولي اليتيم إن استغنيت تركت " أليس يجوز للغني الأكل من بيت المال ؟ كذلك يجوز للوصي إن كان غنيا الأكل من مال اليتيم ؟ قلنا عنه جوابان : أحدهما : أن قول عمر : " أنا كولي اليتيم إن استغنيت " دليل على أن الخليفة ليس كالوصي ، ولكن عمر بورعه جعل نفسه كالوصي . الثاني : أن الذي يأكله الخلفاء والولاة والفقهاء ليس بأجرة ، وإنما هو حق جعله الله لهم لنازلهم ومنتابهم ؛ وإلا فالذي يفعلونه فرض عليهم ، فكيف تجب الأجرة لهم ؛ وهو فرض عليهم ، والفرضية تنفي الأجرة ، لا سيما إذا كان عملا غير معين كعمل الخلفاء والقضاة والمفتين والسعاة والمعلمين ، والله أعلم . المسألة الثالثة عشرة : من هو المخاطب بهذا كله ؟ : قال علماؤنا : كان الأيتام في ذلك الزمان على قسمين : (الأول) : يتيم معهود به ، كقول سعد : هو ابن أخي عهد إلي فيه .

- ص 425 - الثاني : مكفول بقرابة أو جوار . وعند المالكية أن الكافل له ناظر كما لو وصى إليه الأب ، إلا أن الكافل ناظر في حفظ الموجود ، والمعهود إليه قائم مقام الأب في التصرف المطلق ؛ فإن كان اليتيم عريا عن كافل ووصي فالمخاطب ولي الأولياء ، وهو السلطان ؛ فهو ولي من لا ولي له ، وهو ولي على الأولياء ، فصار تقدير الآية : يا من إليه يتيم بكفالة أو عهد أو ولاية عامة ، افعل كذا .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه