أتذكّر الأخت. بالأحرى، لا أنسى الأخت.
كانت تقف وسط ركام البيت حاملة أدوات الزينة الخاصة بأختها القتيلة. وقالت: هذه الأدوات لن تستعمل بعد اليوم. وبكت. في ذاكرتي ارتبطت حرب يوليو 2006 على لبنان، بهذا المشهد. بأختين باتتا على ضفتين متباعدتين. كانت واحدة من المرات القليلة التي شعرت فيها أنني أعرف الضحية حق المعرفة، وأنني من خلالها، أعرف جميع الضحايا.
في بدايات احتلال العراق؛ خبر في صحيفة: أب وأم انتحرا معاً، بعد مقتل طفلهما الوحيد خلال عودته من المدرسة. كلما رأيت أسفل الشاشة أرقام القتلى الذين يسقطون يومياً أتذكّر، أو بالأحرى لا أنسى، هذا الطفل، وأبويه. وحين شاهدت تلك الأخت على شاشة التلفزيون، لا أعرف كيف، تذكّرت الطفل العراقي. شعرت أنني أعرفهما معاً. شعرت أنهما يعرفان بعضيهما. الصبي العائد من المدرسة. الفتاة التي كانت تحب استعمال الماكياج.الفتاة رأيت صورتها، وبات بإمكاني كلما تذكرتها أن أرسم وجهها في مخيلتي. وأحياناً تختلط ملامحها بملامح أختها. أما الصبي فلم أره. كان مجرد خبر بلا صورة. لذلك بات يمكن أن يكون له وجه أيّ صبي، في أي مكان في العالم.
أشعر بالألفة تجاههما، الفتاة والصبي.
أشعر أنني أعرفهما، أنني في وقت ما جلست وتكلمت وضحكت معهما. وأشعر بالخجل. خلال حرب يوليو 2006، كنت أجد عزاء لنفسي بالقول إنني سأفعل شيئاً ما. لابدّ من أن أفعل شيئاً ما. وجدت بعض العزاء في الانشغال بمتابعة الأخبار بكثافة، بمحاولة المساعدة عن بعد في أوضاع النازحين. لكنني ظللت، خلال الحرب، شاعراً بالعجز. بعد الحرب صرت أشعر بالعجز وبالخجل. بأنني لم أرتفع إلى حجم المأساة. بأنني خنت شيئاً ما أو أحداً ما، ربما هذين الفتاة والصبي تحديداً. بتّ أخجل من استحضار صورتهما، إذ ما الذي يمكن أن أقوله لهما، أو لنفسي عبرهما.
كانت حرباً مروّعة بكل المقاييس. وكل حرب مروعة. لكن الأشد روعاً الحرب التي لا نستطيع على الأقل أن نتلو أسماء ضحاياها، لكثرتهم، أو لأننا لا نريد أن نتلو أسماءهم. ولا نريد أن تمرّ صورهم بخاطرنا. لهذا فإن ذكرى هذه الحرب، وهي ذكرى أولى لكنها تبدو الآن شديدة البعد وكأنها مئوية، وفي الوقت نفسه شديدة القرب كأنها حدثت البارحة، لا تقلّ ترويعاً عن الحرب نفسها.
ثمة الإحساس الفاجع: بين قوة مثول الحدث وواقعيته الشديدة، والإحساس بلا واقعيته في آن. ما كان لا يُصدق، لشدة هوله، خلال الحرب، لم يساعد مرور الأيام، وتعاقب الأحداث، على جعله قابلاً للتصديق. ما زالت حرباً لا تُصدّق، وهذا أمرّ ما في الذكرى. ما زالت تشبه شهقة الأخت وهي تحمل ماكياج أختها القتيلة. وهي تعرف يقيناً أنها لن تراها ثانية.
لحظة الصدمة الكبرى، الإحساس الوشيك بأن بلداً بأكمله يمكن فعلاً أن يمحى، تجعل "ما لا يصدق" هو الأكثر رعباً كاحتمال قابل للتكرار في أي لحظة. أكثر ما بات يرعبني بعد هذه الحرب هو السؤال الافتراضي: "ماذا لو؟". ماذا لو طالت الحرب أكثر؟ ماذا لو استعملت فيها أسلحة أشدّ فتكاً؟ ماذا لو استعمل السلاح النووي مثلاً؟ أجل، السلاح النووي. لمَ لا؟ أكثر ما يروّعني اليوم أن حقول القتل المفتوحة هذه، على امتداد مساحات يصعب حصرها، لا تقرع في رؤوسنا الأجراس لاحتمالات الأسوأ والأفدح والأشد رعباً. لذلك ربما نتعامل مع الألف ضحية (وأكثر) الذين سقطوا الصيف الفائت في لبنان، ومع عشرات الآلاف الذين سقطوا ويسقطون في العراق، كما لو أنهم "دفعة أولى" مستحقّة، من "دين" أكبر بكثير. كما لو أنهم أضاحي رمزية تلغي الأسوأ أو تؤجّله. لذلك ربما لا نفعل شيئاً سوى الإنكار في أسوأ الأحوال، والخجل الأخلاقي في أفضل الأحوال.
كيف يمكن أن نتذكر حرباً لا تصدّق؟
بأن نمعن في نسيانها؟
أو ربما بأن ننتظر حرباً أخرى لا تُصدّق؟
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
سياسة