الآية الحادية عشرة قوله تعالى وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة » مسألة المراد بالكلالة

الجزء الأول - المسألة الخامسة : واختلف العلماء في المراد بالكلالة على ثلاثة أقوال :

الأول : أن قوما اختاروا أن الكلالة من لا ولد له ولا والد ؛ وهو قول أبي بكر الصديق ، وإحدى الروايتين عن عمر . الثاني : من لا ولد له وإن كان له أب أو إخوة . الثالث : قول طريف لم يذكر في التقسيم الأول ؛ وهو أن الكلالة المال . فأما من قال : إنه المال ، فلا وجه له . وأما من قال : إنه الذي ذهب طرفاه الأسفل فمشكل تحقيق القول فيه ؛ وذلك أن عمر أشكلت عليه هذه الآية حتى ألحف على - ص 450 - رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيانها ؛ فقال له : « ألا تكفيك آية الصيف » يعني الآية التي أنزلت في آخر النساء .

وروى معدان بن أبي طلحة قال : خطب عمر بن الخطاب يوم الجمعة فقال : إني لا أدع بعدي شيئا هو أهم عندي من الكلالة . وفي رواية : أهم عندي من الجد والكلالة وما راجعت رسول الله صلى الله عليه وسلم في شيء ما راجعته في الكلالة ، وما أغلظ لي في شيء ما أغلظ لي فيها حتى طعن بإصبعه في صدري ، وقال : « يا عمر ؛ أما تكفيك آية الصيف » يعني الآية التي في آخر سورة النساء .

قال وإن أعش أقض فيها بقضية يقضي بها من يقرأ القرآن ومن لا يقرأ القرآن . فإذا كان هذا أمرا وقف في وجه عمر فمتى يسفر لنا عنه وجه النظر ؟ لكن الآن نرد في اقتحام هذا الوعر بنية وعلم ، فنقول فيهما والله الموفق المنعم : إن الكلالة وإن كانت معروفة لغة متواردة على معان متماثلة ومتضادة فعلينا أن نتبصر مواردها في الشريعة فنقول : وردت في آيتين : إحداهما هذه ، والأخرى التي في آخر سورة النساء كما تقدم ، فأما هذه فهي التي لا ولد فيها ولا والد وفيها إخوة لأم .

وأما التي في آخر سورة النساء فهي التي لا ولد ذكرا فيها ، وهم إخوة لأب وأم أو إخوة لأب أو أخوات لأب وأم وجد ، فجاءت هذه الآية لبيان حال الإخوة من الأم ، وجاءت في آخر سورة النساء لبيان إخوة الأعيان والعلات حتى يقع البيان بجميع الأقسام ، ولو شاء ربك لجمعه وشرحه . وكان عمر يطلب من النبي صلى الله عليه وسلم النص القاطع للعذر ، وهو عليه السلام يحمله على البيان الواقع مع الإطلاق الذي وكل فيه إلى الاجتهاد بالأخذ من اللغة ومقاطع القول ومرابط البيان ومفاصله . - ص 451 - وهذا نص في جواز الاجتهاد ونص في التكلم بالرأي المستفاد عند النظر الصائب .

وإذا ثبت فيه النظر فإنه يصح في ذلك أن معنى الكلالة من " كل " أي بعد ، ومن " تكلل " أي أحاط على معنيين : أحدهما : أن يكون على معنى السلب ، كما يقال فاز في المفازة أي انتفى له الفوز . والثاني : أن الإحاطة وجدت مع فقد السبب الذي يقتضي الإحاطة وهو قرب النسب . المسألة السادسة : إنما قلنا : إن الكلالة في هذه الآية فقد الابن والأب ؛ لأن الإخوة للأم يحجبون بالجد ، وهم المرادون في الآية بالإخوة إجماعا ، ودخل فيها الجد الخارج عن الكلالة ؛ لأنه أصل النسب كالأب المتولد عنه الابن .

وأما الآية التي في آخر سورة النساء فقد قال المحققون من علمائنا : إن الجد أيضا خارج عنها ؛ لأن الأخت مع الجد لا تأخذ نصفا ؛ إنما هي مقاسمة ، وكذلك الأخ مقاسم لها . فإن قيل : فلم أخرجتم الجد عنها ؟ قلنا : لأن الاشتقاق يقتضي خروجه عنها ؛ إذ حقيقة الكلالة ذهاب الطرفين ، وعليه مبنى اللغة ، وغير ذلك من الأقوال بعيد ضعيف . وأفسدها قول من قال : إنه المال ، فإنه غير مسموع لغة ولا مقيس معنى .

الثاني : أن الجد يرث مع ذكور ولد المتوفى في السدس ، والإخوة لا يرثون معهم ، فكيف يشارك من يسقط الإخوة كلهم ويكون كأحدهم . ولهذه العلة قال حبر الأمة مالك بن أنس : إن امرأة لو ماتت وتركت زوجها وأمها وإخوتها لأبيها وإخوتها لأمها وجدها : إن النصف للزوج ، والسدس للأم فريضة ، وللجد ما بقي ؛ قال : لأن الجد يقول : لو لم أكن كان للإخوة للأم ما بقي ، ولا يأخذ الإخوة للأب شيئا ، فلما حجبت إخوة الأم عنه كنت أنا أحق به . - ص 452 - وقد روي عن مالك أنه جعل للجد السدس ، وللإخوة للأب السدس كهيئة المقاسمة ، وذلك محقق في الفرائض .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه