الأنبياء
{73} وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ أَيْ رُؤَسَاء يُقْتَدَى بِهِمْ فِي الْخَيْرَات وَأَعْمَال الطَّاعَات . وَمَعْنَى " بِأَمْرِنَا " أَيْ بِمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْوَحْي وَالْأَمْر وَالنَّهْي ; فَكَأَنَّهُ قَالَ يَهْدُونَ بِكِتَابِنَا وَقِيلَ : الْمَعْنَى يَهْدُونَ النَّاس إِلَى دِيننَا بِأَمْرِنَا إِيَّاهُمْ بِإِرْشَادِ الْخَلْق , وَدُعَائِهِمْ إِلَى التَّوْحِيد .
{73} وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ أَيْ أَنْ يَفْعَلُوا الطَّاعَات .
{73} وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ أَيْ مُطِيعِينَ .
{74} وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ" لُوطًا " مَنْصُوب بِفِعْلٍ مُضْمَر دَلَّ عَلَيْهِ الثَّانِي ; أَيْ وَآتَيْنَا لُوطًا آتَيْنَاهُ . وَقِيلَ : أَيْ وَاذْكُرْ لُوطًا . وَالْحُكْم النُّبُوَّة , وَالْعِلْم الْمَعْرِفَة بِأَمْرِ الدِّين وَمَا يَقَع بِهِ الْحُكْم بَيْن الْخُصُوم . وَقِيلَ : " عِلْمًا " فَهْمًا ; وَالْمَعْنَى وَاحِد .
{74} وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ يُرِيد سَدُوم . اِبْن عَبَّاس : كَانَتْ سَبْع قُرَى , قَلَبَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام سِتَّة وَأَبْقَى وَاحِدَة لِلُوطِ وَعِيَاله , وَهِيَ زغر الَّتِي فِيهَا الثَّمَر مِنْ كُورَة فِلَسْطِين إِلَى حَدّ السَّرَاة ; وَلَهَا قُرَى كَثِيرَة إِلَى حَدّ بَحْر الْحِجَاز . وَفِي الْخَبَائِث الَّتِي كَانُوا يَعْمَلُونَهَا قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : اللِّوَاط عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَالثَّانِي : الضُّرَاط ; أَيْ كَانُوا يَتَضَارَطُونَ فِي نَادِيهمْ وَمَجَالِسهمْ . وَقِيلَ : الضُّرَاط وَحَذْف الْحَصْي وَسَيَأْتِي .
{74} وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ أَيْ خَارِجِينَ عَنْ طَاعَة اللَّه , وَالْفُسُوق الْخُرُوج وَقَدْ تَقَدَّمَ .
{75} وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فِي النُّبُوَّة . وَقِيلَ : فِي الْإِسْلَام . وَقِيلَ : الْجَنَّة . وَقِيلَ : عَنَى بِالرَّحْمَةِ إِنْجَاءَهُ مِنْ قَوْمه
{76} وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أَيْ وَاذْكُرْ نُوحًا إِذْ نَادَى ; أَيْ دَعَا . " مِنْ قَبْل " أَيْ مِنْ قَبْل إِبْرَاهِيم وَلُوط عَلَى قَوْمه , وَهُوَ قَوْله : " رَبّ لَا تَذَر عَلَى الْأَرْض مِنْ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا " ( نُوح : 26 ) وَقَالَ لَمَّا كَذَّبُوهُ : " أَنِّي مَغْلُوب فَانْتَصِرْ " ( الْقَمَر : 10 ) .
{76} وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ أَيْ مِنْ الْغَرَق . وَالْكَرْب الْغَمّ الشَّدِيد " وَأَهْله " أَيْ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ .
{77} وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ قَالَ أَبُو عَبْدَة : " مِنْ " بِمَعْنَى عَلَى . وَقِيلَ : الْمَعْنَى فَانْتَقَمْنَا لَهُ " مِنْ الْقَوْم الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا " . " فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ " أَيْ الصَّغِير مِنْهُمْ وَالْكَبِير .
{78} وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ أَيْ وَاذْكُرْهُمَا إِذْ يَحْكُمَانِ , وَلَمْ يُرِدْ بِقَوْلِهِ " إِذْ يَحْكُمَانِ " الِاجْتِمَاع فِي الْحُكْم وَإِنْ جَمَعَهُمَا فِي الْقَوْل ; فَإِنَّ حُكْمَيْنِ عَلَى حُكْم وَاحِد لَا يَجُوز . وَإِنَّمَا حُكْم كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا اِنْفِرَاده ; وَكَانَ سُلَيْمَان الْفَاهِم لَهَا بِتَفْهِيمِ اللَّه تَعَالَى إِيَّاهُ . " فِي الْحَرْث " اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ : كَانَ زَرْعًا ; قَالَهُ قَتَادَة . وَقِيلَ : كَرْمًا نَبَتَتْ عَنَّا قَيْده ; قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَشُرَيْح . وَ " الْحَرْث " يُقَال فِيهِمَا , وَهُوَ فِي الزَّرْع أَبْعَد مِنْ الِاسْتِعَارَة .
{78} وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ أَيْ رَعَتْ فِيهِ لَيْلًا ; وَالنَّفْش الرَّعْي بِاللَّيْلِ . يُقَال : نَفَشَتْ بِاللَّيْلِ , وَهَمَلَتْ بِالنَّهَارِ , إِذَا رَعَتْ بِلَا رَاعٍ . وَأَنْفَشَهَا صَاحِبهَا . وَإِبِل نُفَّاش . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو : الْحَبَّة فِي الْجَنَّة مِثْل كَرِش الْبَعِير يَبِيت نَافِشًا ; أَيْ رَاعِيًا ; حَكَاهُ الْهَرَوِيّ . وَقَالَ اِبْن سِيدَهْ : لَا يُقَال الْهَمَل فِي الْغَنَم وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِبِل .
{78} وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ دَلِيل عَلَى أَنَّ أَقَلّ الْجَمْع اِثْنَانِ . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْحَاكِمَانِ وَالْمَحْكُوم عَلَيْهِ ; فَلِذَلِكَ قَالَ " لِحُكْمِهِمْ " .
{79} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ أَيْ فَهَّمْنَاهُ الْقَضِيَّة وَالْحُكُومَة , فَكَنَّى عَنْهَا إِذْ سَبَقَ مَا يَدُلّ عَلَيْهَا . وَفَضْل حُكْم سُلَيْمَان حُكْم أَبِيهِ فِي أَنَّهُ أَحْرَزَ أَنْ يُبْقِي كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى مَتَاعه , وَتَبْقَى نَفْسه طَيِّبَة بِذَلِكَ ; وَذَلِكَ أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام رَأَى أَنْ يَدْفَع الْغَنَم إِلَى صَاحِب الْحَرْث . وَقَالَتْ فِرْقَة : بَلْ دَفَعَ الْغَنَم إِلَى صَاحِب الْحَرْث , وَالْحَرْث إِلَى صَاحِب الْغَنَم . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : فَيُشْبِه عَلَى الْقَوْل الْوَاحِد أَنَّهُ رَأَى الْغَنَم تُقَاوِم الْغَلَّة الَّتِي أُفْسِدَتْ . وَعَلَى الْقَوْل الثَّانِي رَآهَا تُقَاوِم الْحَرْث وَالْغَلَّة ; فَلَمَّا خَرَجَ الْخَصْمَانِ عَلَى سُلَيْمَان وَكَانَ يَجْلِس عَلَى الْبَاب الَّذِي يَخْرُج مِنْهُ الْخُصُوم , وَكَانُوا يَدْخُلُونَ إِلَى دَاوُد مِنْ بَاب آخَر فَقَالَ : بِمَ قَضَى بَيْنكُمَا نَبِيّ اللَّه دَاوُد ؟ فَقَالَا : قَضَى بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْث . فَقَالَ لَعَلَّ الْحُكْم غَيْر هَذَا اِنْصَرِفَا مَعِي . فَأَتَى أَبَاهُ فَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه إِنَّك حَكَمْت بِكَذَا وَكَذَا وَإِنِّي رَأَيْت مَا هُوَ أَرْفَق بِالْجَمِيعِ . قَالَ : وَمَا هُوَ ؟ قَالَ : يَنْبَغِي أَنْ تَدْفَع الْغَنَم إِلَى صَاحِب الْحَرْث فَيَنْتَفِع بِأَلْبَانِهَا وَسُمُونِهَا وَأَصْوَافهَا , وَتَدْفَع الْحَرْث إِلَى صَاحِب الْغَنَم لِيَقُومَ عَلَيْهِ , فَإِذَا عَادَ الزَّرْع إِلَى حَاله الَّتِي أَصَابَتْهُ الْغَنَم فِي السَّنَة الْمُقْبِلَة , رَدَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَاله إِلَى صَاحِبه . فَقَالَ دَاوُد : وُفِّقْت يَا بُنَيَّ لَا يَقْطَع اللَّه فَهْمك . وَقَضَى بِمَا قَضَى بِهِ سُلَيْمَان ; قَالَ مَعْنَاهُ اِبْن مَسْعُود وَمُجَاهِد وَغَيْرهمَا . قَالَ الْكَلْبِيّ : قَوَّمَ دَاوُد الْغَنَم وَالْكَرْم الَّذِي أَفْسَدَتْهُ الْغَنَم فَكَانَتْ الْقِيمَتَانِ سَوَاء , فَدَفَعَ الْغَنَم إِلَى صَاحِب الْكَرْم . وَهَكَذَا قَالَ النَّحَّاس ; قَالَ : إِنَّمَا قَضَى بِالْغَنَمِ لِصَاحِبِ الْحَرْث ; لِأَنَّ ثَمَنهَا كَانَ قَرِيبًا مِنْهُ . وَأَمَّا فِي حُكْم سُلَيْمَان فَقَدْ قِيلَ : كَانَتْ قِيمَة مَا نَالَ مِنْ الْغَنَم وَقِيمَة مَا أَفْسَدَتْ الْغَنَم سَوَاء أَيْضًا .
{79} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ تَأَوَّلَ قَوْم أَنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يُخْطِئ فِي هَذِهِ النَّازِلَة , بَلْ فِيهَا أُوتِيَ الْحُكْم وَالْعِلْم . وَحَمَلُوا قَوْله : " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان " عَلَى أَنَّهُ فَضِيلَة لَهُ عَلَى دَاوُد وَفَضِيلَته رَاجِعَة إِلَى دَاوُد , وَالْوَالِد تَسُرّهُ زِيَادَة وَلَده عَلَيْهِ . وَقَالَتْ فِرْقَة : بَلْ لِأَنَّهُ لَمْ يُصِبْ الْعَيْن الْمَطْلُوبَة فِي هَذِهِ النَّازِلَة , وَإِنَّمَا مَدَحَهُ اللَّه بِأَنَّ لَهُ حُكْمًا وَعِلْمًا يُرْجَع إِلَيْهِ فِي غَيْر هَذِهِ النَّازِلَة . وَأَمَّا فِي هَذِهِ فَأَصَابَ سُلَيْمَان وَأَخْطَأَ دَاوُد عَلَيْهِمَا الصَّلَاة وَالسَّلَام , وَلَا يَمْتَنِع وُجُود الْغَلَط وَالْخَطَإِ مِنْ الْأَنْبِيَاء كَوُجُودِهِ مِنْ غَيْرهمْ , لَكِنْ لَا يُقِرُّونَ عَلَيْهِ , وَإِنْ أَقَرَّ عَلَيْهِ غَيْرهمْ . وَلَمَّا هَدَمَ الْوَلِيد كَنِيسَة دِمَشْق كَتَبَ إِلَيْهِ مَلِك الرُّوم : إِنَّك هَدَمْت الْكَنِيسَة الَّتِي رَأَى أَبُوك تَرْكهَا , فَإِنْ كُنْت مُصِيبًا فَقَدْ أَخْطَأَ أَبُوك , وَإِنْ كَانَ أَبُوك مُصِيبًا فَقَدْ أَخْطَأْت أَنْتَ ; فَأَجَابَهُ الْوَلِيد " وَدَاوُد وَسُلَيْمَان إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْث إِذْ نَقَشَتْ فِيهِ غَنَم الْقَوْم وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ . فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " . وَقَالَ قَوْم : كَانَ دَاوُد وَسُلَيْمَان - عَلَيْهِمَا السَّلَام - نَبِيَّيْنِ يَقْضِيَانِ بِمَا يُوحَى إِلَيْهِمَا , فَحَكَمَ دَاوُد بِوَحْيٍ , وَحَكَمَ سُلَيْمَان بِوَحْيٍ نَسَخَ اللَّه بِهِ حُكْم دَاوُد , وَعَلَى هَذَا " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان " أَيْ بِطَرِيقِ الْوَحْي النَّاسِخ لِمَا أَوْحَى إِلَى دَاوُد , وَأَمَرَ سُلَيْمَان أَنْ يُبَلِّغ ذَلِكَ دَاوُد ; وَلِهَذَا قَالَ : " وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا " . هَذَا قَوْل جَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء وَمِنْهَا اِبْن فَوْرَك . وَقَالَ الْجُمْهُور : إِنَّ حُكْمهمَا كَانَ بِاجْتِهَادٍ وَهِيَ :
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي جَوَاز الِاجْتِهَاد عَلَى الْأَنْبِيَاء فَمَنَعَهُ قَوْم , وَجَوَّزَهُ الْمُحَقِّقُونَ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ اِسْتِحَالَة عَقْلِيَّة ; لِأَنَّهُ دَلِيل شَرْعِيّ فَلَا إِحَالَة أَنْ يَسْتَدِلّ بِهِ الْأَنْبِيَاء , كَمَا لَوْ قَالَ لَهُ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى : إِذَا غَلَبَ عَلَى ظَنّك كَذَا فَاقْطَعْ بِأَنَّ مَا غَلَبَ عَلَى ظَنّك هُوَ حُكْمِيّ فَبَلَّغَهُ الْأُمَّة ; فَهَذَا غَيْر مُسْتَحِيل فِي الْعَقْل . فَإِنْ قِيلَ : إِنَّمَا يَكُون دَلِيلًا إِذَا عُدِمَ النَّصّ وَهُمْ لَا يُعْدَمُونَهُ . قُلْنَا : إِذَا لَمْ يَنْزِل الْمَلَك فَقَدْ عُدِمَ النَّصّ عِنْدهمْ , وَصَارُوا فِي الْبَحْث كَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عَنْ مَعَانِي النُّصُوص الَّتِي عِنْدهمْ . وَالْفَرْق بَيْنهمْ وَبَيْن غَيْرهمْ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ أَنَّهُمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الْخَطَأ , وَعَنْ الْغَلَط , وَعَنْ التَّقْصِير فِي اِجْتِهَادهمْ , وَغَيْرهمْ لَيْسَ كَذَلِكَ . كَمَا ذَهَبَ الْجُمْهُور فِي أَنَّ جَمِيع الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ مَعْصُومُونَ عَنْ الْخَطَأ وَالْغَلَط فِي اِجْتِهَادهمْ . وَذَهَبَ أَبُو عَلِيّ بْن أَبِي هُرَيْرَة مِنْ أَصْحَاب الشَّافِعِيّ إِلَى أَنَّ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَخْصُوص مِنْهُمْ فِي جَوَاز الْخَطَأ عَلَيْهِمْ , وَفَرَّقَ بَيْنه وَبَيْن غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْده يَسْتَدِرْك غَلَطه , وَلِذَلِكَ عَصَمَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْهُ , وَقَدْ بُعِثَ بَعْد غَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء مَنْ يَسْتَدِرْك غَلَطه . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ عَلَى الْعُمُوم فِي جَمِيع الْأَنْبِيَاء , وَأَنَّ نَبِيّنَا وَغَيْره مِنْ الْأَنْبِيَاء صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ فِي تَجْوِيز الْخَطَإِ عَلَى سَوَاء إِلَّا أَنَّهُمْ لَا يُقَرُّونَ عَلَى إِمْضَائِهِ , فَلَمْ يُعْتَبَر فِيهِ اِسْتِدْرَاك مَنْ بَعْدهمْ مِنْ الْأَنْبِيَاء . هَذَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سَأَلَتْهُ اِمْرَأَة عَنْ الْعِدَّة فَقَالَ لَهَا : ( اِعْتَدِّي حَيْثُ شِئْت ) ثُمَّ قَالَ لَهَا : ( اُمْكُثِي فِي بَيْتك حَتَّى يَبْلُغ الْكِتَاب أَجَله ) . وَقَالَ لَهُ رَجُل : أَرَأَيْت إِنْ قُتِلْت صَبْرًا مُحْتَسِبًا أَيَحْجِزُنِي عَنْ الْجَنَّة شَيْء ؟ فَقَالَ : ( لَا ) ثُمَّ دَعَاهُ فَقَالَ : ( إِلَّا الدَّيْن كَذَا أَخْبَرَنِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام ) .
قَالَ الْحَسَن : لَوْلَا هَذِهِ الْآيَة لَرَأَيْت الْقُضَاة هَلَكُوا , وَلَكِنَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَى سُلَيْمَان بِصَوَابِهِ , وَعَذَرَ دَاوُد بِاجْتِهَادِهِ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي الْمُجْتَهِدِينَ فِي الْفُرُوع إِذْ اِخْتَلَفُوا ; فَقَالَتْ فِرْقَة : الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد عِنْد اللَّه , قَدْ نَصَبَ عَلَى ذَلِكَ أَدِلَّة , وَحَمَلَ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى الْبَحْث عَنْهَا , وَالنَّظَر فِيهَا , فَمَنْ صَادَفَ الْعَيْن الْمَطْلُوبَة فِي الْمَسْأَلَة فَهُوَ الْمُصِيب عَلَى الْإِطْلَاق , وَلَهُ أَجْرَانِ فِي الِاجْتِهَاد وَأَجْر فِي الْإِصَابَة , وَمَنْ لَمْ يُصَادِفهَا فَهُوَ مُصِيب فِي اِجْتِهَاده مُخْطِئ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصِبْ الْعَيْن فَلَهُ أَجْر وَهُوَ غَيْر مَعْذُور . و هَذَا سُلَيْمَان قَدْ صَادَفَ الْعَيْن الْمَطْلُوبَة , وَهِيَ الَّتِي فَهِمَ . وَرَأَتْ فِرْقَة أَنَّ الْعَالِم الْمُخْطِئ لَا إِثْم عَلَيْهِ فِي خَطَئِهِ وَإِنْ كَانَ غَيْر مَعْذُور . وَقَالَتْ فِرْقَة : الْحَقّ فِي طَرَف وَاحِد وَلَمْ يَنْصِب اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ دَلَائِل ( بَلْ ) وَكَّلَ الْأَمْر إِلَى نَظَر الْمُجْتَهِدِينَ فَمَنْ أَصَابَهُ أَصَابَ وَمَنْ أَخْطَأَ فَهُوَ مَعْذُور مَأْجُور , وَلَمْ يَتَعَبَّد بِإِصَابَتِهِ الْعَيْن بَلْ تَعَبَّدَنَا بِالِاجْتِهَادِ فَقَطْ . وَقَالَ جُمْهُور أَهْل السُّنَّة وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ مَالِك وَأَصْحَابه رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ : إِنَّ الْحَقّ فِي مَسَائِل الْفُرُوع فِي الطَّرَفَيْنِ , وَكُلّ مُجْتَهِد مُصِيب , وَالْمَطْلُوب إِنَّمَا هُوَ الْأَفْضَل فِي ظَنّه , وَكُلّ مُجْتَهِد قَدْ أَدَّاهُ نَظَره إِلَى الْأَفْضَل فِي ظَنّه ; وَالدَّلِيل عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّ الصَّحَابَة فَمَنْ بَعْدهمْ قَرَّرَ بَعْضهمْ خِلَاف بَعْض , وَلَمْ يَرَ أَحَد مِنْهُمْ أَنْ يَقَع الْاِنْحِمَال عَلَى قَوْله دُون قَوْل مُخَالِفه . وَمِنْهُ رَدّ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه لِلْمَنْصُورِ أَبِي جَعْفَر عَنْ حَمْل النَّاس " الْمُوَطَّأ " ; فَإِذَا قَالَ عَالِم فِي أَمْر حَلَال فَذَلِكَ هُوَ الْحَقّ فِيمَا يَخْتَصّ بِذَلِكَ الْعَالِم عِنْد اللَّه تَعَالَى وَبِكُلِّ مَنْ أَخَذَ بِقَوْلِهِ , وَكَذَا فِي الْعَكْس . قَالُوا : وَإِنْ كَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام فَهِمَ الْقَضِيَّة الْمُثْلَى وَاَلَّتِي هِيَ أَرْجَح فَالْأُولَى لَيْسَتْ بِخَطَإٍ , وَعَلَى هَذَا يَحْمِلُونَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِذَا اِجْتَهَدَ الْعَالِم فَأَخْطَأَ ) أَيْ فَأَخْطَأَ الْأَفْضَل .
رَوَى مُسْلِم وَغَيْره عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِذَا حَكَمَ الْحَاكِم فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْر ) هَكَذَا لَفْظ الْحَدِيث فِي كِتَاب مُسْلِم ( إِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ) فَبَدَأَ بِالْحُكْمِ قَبْل الِاجْتِهَاد , وَالْأَمْر بِالْعَكْسِ ; فَإِنَّ الِاجْتِهَاد مُقَدَّم عَلَى الْحُكْم , فَلَا يَجُوز الْحُكْم قَبْل الِاجْتِهَاد بِالْإِجْمَاعِ . وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا الْحَدِيث : إِذَا أَرَادَ أَنْ يَحْكُم , كَمَا قَالَ : " فَإِذَا قَرَأْت الْقُرْآن فَاسْتَعِذْ " ( النَّحْل : 98 ) فَعِنْد ذَلِكَ أَرَادَ أَنْ يَجْتَهِد فِي النَّازِلَة . وَيُفِيد هَذَا صِحَّة مَا قَالَهُ الْأُصُولِيُّونَ : إِنَّ الْمُجْتَهِد يَجِب عَلَيْهِ أَنْ يُجَدِّد نَظَرًا عِنْد وُقُوع النَّازِلَة , وَلَا يَعْتَمِد عَلَى اِجْتِهَاده الْمُتَقَدِّم لِإِمْكَانِ أَنْ يَظْهَر لَهُ ثَانِيًا خِلَاف مَا ظَهَرَ لَهُ أَوَّلًا , اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُون ذَاكِرًا لِأَرْكَانِ اِجْتِهَاده , مَائِلًا إِلَيْهِ , فَلَا يَحْتَاج إِلَى اِسْتِئْنَاف نَظَر فِي أَمَارَة أُخْرَى .
إِنَّمَا يَكُون الْأَجْر لِلْحَاكِمِ الْمُخْطِئ إِذَا كَانَ عَالِمًا بِالِاجْتِهَادِ وَالسُّنَن وَالْقِيَاس , وَقَضَاء مَنْ مَضَى ; لِأَنَّ اِجْتِهَاده عِبَادَة وَلَا يُؤْجَر عَلَى الْخَطَأ بَلْ يُوضَع عَنْهُ الْإِثْم فَقَطْ , فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًّا لِلِاجْتِهَادِ فَهُوَ مُتَكَلِّف لَا يُعْذَر بِالْخَطَإِ فِي الْحُكْم , بَلْ يُخَاف عَلَيْهِ أَعْظَم الْوِزْر . يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثه الْآخَر ; رَوَاهُ أَبُو دَاوُد : ( الْقُضَاة ثَلَاثَة ) الْحَدِيث . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : إِنَّمَا يُؤْجَر عَلَى اِجْتِهَاده فِي طَلَب الصَّوَاب لَا عَلَى الْخَطَأ , وَمِمَّا يُؤَيِّد هَذَا قَوْله تَعَالَى : " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان " الْآيَة . قَالَ الْحَسَن : أَثْنَى عَلَى سُلَيْمَان وَلَمْ يَذُمّ دَاوُد .
ذَكَرَ أَبُو التَّمَّام الْمَالِكِيّ أَنَّ مَذْهَب مَالِك أَنَّ الْحَقّ فِي وَاحِد مِنْ أَقَاوِيل الْمُجْتَهِدِينَ , وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَقَاوِيل الْمُخْتَلِفِينَ , وَبِهِ قَالَ أَكْثَر الْفُقَهَاء . قَالَ : وَحَكَى اِبْن الْقَاسِم أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ اِخْتِلَاف الصَّحَابَة , فَقَالَ : مُخْطِئ وَمُصِيب , وَلَيْسَ الْحَقّ فِي جَمِيع أَقَاوِيلهمْ . وَهَذَا الْقَوْل قِيلَ : هُوَ الْمَشْهُور عَنْ مَالِك وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن . وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ هَذَا بِحَدِيثِ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو ; قَالُوا : وَهُوَ نَصّ عَلَى أَنَّ فِي الْمُجْتَهِدِينَ وَفِي الْحَاكِمِينَ مُخْطِئًا وَمُصِيبًا ; قَالُوا : وَالْقَوْل بِأَنَّ كُلّ مُجْتَهِد مُصِيب يُؤَدِّي إِلَى كَوْن الشَّيْء حَلَالًا حَرَامًا , وَوَاجِبًا نَدْبًا . وَاحْتَجَّ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِحَدِيثِ اِبْن عُمَر . قَالَ : نَادَى فِينَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْم اِنْصَرَفَ مِنْ الْأَحْزَاب ( أَلَا لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَد الْعَصْر إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَة ) فَتَخَوَّفَ نَاس فَوْت الْوَقْت فَصَلَّوْا دُون بَنِي قُرَيْظَة , وَقَالَ الْآخَرُونَ : لَا نُصَلِّي إِلَّا حَيْثُ أَمَرَنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ فَاتَنَا الْوَقْت , قَالَ : فَمَا عَنَّفَ وَاحِدًا مِنْ الْفَرِيقَيْنِ ; قَالُوا : فَلَوْ كَانَ أَحَد الْفَرِيقَيْنِ مُخْطِئًا لَعَيَّنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَيُمْكِن أَنْ يُقَال : لَعَلَّهُ إِنَّمَا سَكَتَ عَنْ تَعْيِين الْمُخْطِئِينَ لِأَنَّهُ غَيْر آثِم بَلْ مَأْجُور , فَاسْتَغْنَى عَنْ تَعْيِينه . وَاَللَّه أَعْلَم . وَمَسْأَلَة الِاجْتِهَاد طَوِيلَة مُتَشَعِّبَة ; وَهَذِهِ النُّبْذَة الَّتِي ذَكَرْنَاهَا كَافِيَة فِي مَعْنَى الْآيَة , وَاَللَّه الْمُوَفِّق لِلْهِدَايَةِ .
وَيَتَعَلَّق بِالْآيَةِ فَصْل آخَر : وَهُوَ رُجُوع الْحَاكِم بَعْد قَضَائِهِ مِنْ اِجْتِهَاده إِلَى اِجْتِهَاد آخَر أَرْجَح مِنْ الْأَوَّل ; فَإِنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فَعَلَ ذَلِكَ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمْ اللَّه تَعَالَى ; فَقَالَ عَبْد الْمَلِك وَمُطَرِّف فِي " الْوَاضِحَة " : ذَلِكَ لَهُ مَا دَامَ فِي وِلَايَته ; فَأَمَّا إِنْ كَانَتْ وِلَايَة أُخْرَى فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ , وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ غَيْره مِنْ الْقُضَاة . وَهَذَا هُوَ ظَاهِر قَوْل مَالِك رَحِمَهُ اللَّه فِي " الْمُدَوَّنَة " . وَقَالَ سَحْنُون فِي رُجُوعه مِنْ اِجْتِهَاد فِيهِ قَوْل إِلَى غَيْره مِمَّا رَآهُ أَصْوَب لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ; وَقَالَهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم . قَالَا : وَيَسْتَأْنِف الْحُكْم بِمَا قَوِيَ عِنْده . قَالَ سَحْنُون : إِلَّا أَنْ يَكُون نَسِيَ الْأَقْوَى عِنْده فِي ذَلِكَ الْوَقْت , أَوْ وَهَمَ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ فَلَهُ نَقْضُهُ ; وَأَمَّا وَإِنْ حَكَمَ بِحُكْمٍ هُوَ الْأَقْوَى عِنْده فِي ذَلِكَ الْوَقْت ثُمَّ قَوِيَ عِنْده غَيْره بَعْد ذَلِكَ فَلَا سَبِيل إِلَى نَقْضِ الْأَوَّل ; قَالَهُ سَحْنُون فِي كِتَاب اِبْنه . وَقَالَ أَشْهَب فِي كِتَاب اِبْن الْمَوَّاز : إِنْ كَانَ رُجُوعه إِلَى الْأَصْوَب فِي مَال فَلَهُ نَقْض الْأَوَّل , وَإِنْ كَانَ فِي طَلَاق أَوْ نِكَاح أَوْ عِتْق فَلَيْسَ لَهُ نَقْضه . قُلْت : رُجُوع الْقَاضِي عَمَّا حَكَمَ الْقَاضِي إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّ الْحَقّ فِي غَيْره مَا دَامَ فِي وِلَايَته أَوْلَى . وَهَكَذَا فِي رِسَالَة عُمَر إِلَى أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا ; رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيّ , وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي " الْأَعْرَاف " وَلَمْ يُفَصِّل ; وَهِيَ الْحُجَّة لِظَاهِرِ قَوْل مَالِك . وَلَمْ يَخْتَلِف الْعُلَمَاء أَنَّ الْقَاضِي إِذَا قَضَى تَجَوُّزًا وَبِخِلَافِ أَهْل الْعِلْم فَهُوَ مَرْدُود , إِنْ كَانَ عَلَى وَجْه الِاجْتِهَاد ; فَأَمَّا أَنْ يَتَعَقَّب قَاضٍ حُكْم قَاضٍ آخَر فَلَا يَجُوز ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ فِيهِ مَضَرَّة عُظْمَى مِنْ جِهَة نَقْضِ الْأَحْكَام , وَتَبْدِيل الْحَلَال بِالْحَرَامِ , وَعَدَم ضَبْط قَوَانِين الْإِسْلَام , وَيَتَعَرَّض أَحَد مِنْ الْعُلَمَاء لِنَقْضِ مَا رَوَاهُ الْآخَر , وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُم بِمَا ظَهَرَ لَهُ .
قَالَ بَعْض النَّاس : إِنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَكُنْ أَنْفَذَ الْحُكْم وَظَهَرَ لَهُ مَا قَالَ غَيْر . وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يَكُنْ حُكْمًا وَإِنَّمَا كَانَتْ فُتْيَا . قُلْت : وَهَكَذَا تَئُول فِيمَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ : بَيْنَمَا اِمْرَأَتَانِ مَعَهُمَا اِبْنَاهُمَا جَاءَ الذِّئْب فَذَهَبَ بِابْنِ إِحْدَاهُمَا , فَقَالَتْ هَذِهِ لِصَاحِبَتِهَا : إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك أَنْتِ . وَقَالَتْ الْأُخْرَى : إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِك ; فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُد , فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى ; فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَان بْن دَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام فَأَخْبَرَتَاهُ ; فَقَالَ : اِئْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقّهُ بَيْنكُمَا ; فَقَالَتْ الصُّغْرَى : لَا - يَرْحَمك اللَّه - هُوَ اِبْنهَا ; فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى ; قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : إِنْ سَمِعَتْ بِالسِّكِّينِ قَطُّ إِلَّا يَوْمئِذٍ , مَا كُنَّا نَقُول إِلَّا الْمُدْيَة ; أَخْرَجَهُ مُسْلِم . فَأَمَّا الْقَوْل بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ دَاوُد فُتْيَا فَهُوَ ضَعِيف ; لِأَنَّهُ كَانَ النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفُتْيَاهُ حُكْم . وَأَمَّا الْقَوْل الْآخَر فَيَبْعُد ; لِأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : " إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْث " فَبَيَّنَ أَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا كَانَ قَدْ حَكَمَ . وَكَذَا قَوْله فِي الْحَدِيث : فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى ; يَدُلّ عَلَى إِنْفَاذ الْقَضَاء وَإِنْجَازه . وَلَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ قَالَ : إِنَّهُ كَانَ مِنْ شَرْع دَاوُد أَنْ يَحْكُم بِهِ لِلْكُبْرَى مِنْ حَيْثُ هِيَ كُبْرَى ; لِأَنَّ الْكِبَر وَالصِّغَر طَرْد مَحْض عِنْد الدَّعَاوَى كَالطُّولِ وَالْقِصَر وَالسَّوَاد وَالْبَيَاض وَذَلِكَ لَا يُوجِب تَرْجِيح أَحَد الْمُتَدَاعِيَيْنِ حَتَّى يُحْكَم لَهُ أَوْ عَلَيْهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ . وَهُوَ مِمَّا يَقْطَع بِهِ مَنْ فَهِمَ مَا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِع . وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَال : إِنَّ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام إِنَّمَا قَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى لِسَبَبٍ اِقْتَضَى عِنْده تَرْجِيح قَوْلهَا . وَلَمْ يَذْكُر فِي الْحَدِيث تَعْيِينه إِذْ لَمْ تَدْعُ حَاجَة إِلَيْهِ , فَيُمْكِن أَنَّ الْوَلَد كَانَ بِيَدِهَا , وَعَلِمَ عَجْز الْأُخْرَى عَنْ إِقَامَة الْبَيِّنَة , فَقَضَى بِهِ لَهَا إِبْقَاء لِمَا كَانَ عَلَى مَا كَانَ . وَهَذَا التَّأْوِيل أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا الْحَدِيث . وَهُوَ الَّذِي تَشْهَد لَهُ قَاعِدَة الدَّعَاوَى الشَّرْعِيَّة الَّتِي يَبْعُد اِخْتِلَاف الشَّرَائِع فِيهَا . لَا يُقَال : فَإِنْ كَانَ دَاوُد قَضَى بِسَبَبٍ شَرْعِيّ فَكَيْفَ سَاغَ لِسُلَيْمَانَ نَقْض حُكْمه ; فَالْجَوَاب : أَنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لَمْ يَتَعَرَّض لِحُكْمِ أَبِيهِ بِالنَّقْضِ , وَإِنَّمَا اِحْتَالَ حِيلَة لَطِيفَة ظَهَرَ لَهُ بِسَبَبِهَا صِدْق الصُّغْرَى ; وَهِيَ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ : هَاتِ السِّكِّين أَشُقّهُ بَيْنكُمَا , قَالَتْ الصُّغْرَى : لَا ; فَظَهَرَ لَهُ مِنْ قَرِينه الشَّفَقَة فِي الصُّغْرَى , وَعَدَم ذَلِكَ فِي الْكُبْرَى , مَعَ مَا عَسَاهُ اِنْضَافَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ الْقَرَائِن مَا حَصَلَ لَهُ الْعِلْم بِصِدْقِهَا فَحَكَمَ لَهَا . وَلَعَلَّهُ كَانَ مِمَّنْ سَوَّغَ لَهُ أَنْ يَحْكُم بِعِلْمِهِ . وَقَدْ تَرْجَمَ النَّسَائِيّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث " حُكْم الْحَاكِم بِعِلْمِهِ " . وَتَرْجَمَ لَهُ أَيْضًا " السَّعَة لِلْحَاكِمِ أَنْ يَقُول لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يَفْعَلهُ أَفْعَل لِيَسْتَبِينَ الْحَقّ " . وَتَرْجَمَ لَهُ أَيْضًا " نَقْض الْحَاكِم لَا يَحْكُم بِهِ غَيْره مِمَّنْ هُوَ مِثْله أَوْ أَجَلّ مِنْهُ " . وَلَعَلَّ الْكُبْرَى اِعْتَرَفَتْ بِأَنَّ الْوَلَد لِلصُّغْرَى عِنْدَمَا رَأَتْ مِنْ سُلَيْمَان الْحَزْم وَالْجِدّ فِي ذَلِكَ , فَقَضَى بِالْوَلَدِ لِلصُّغْرَى ; وَيَكُون هَذَا كَمَا إِذَا حَكَمَ الْحَاكِم بِالْيَمِينِ , فَلَمَّا مَضَى لِيَحْلِفَ حَضَرَ مَنْ اِسْتَخْرَجَ مِنْ الْمُنْكَر مَا أَوْجَبَ إِقْرَاره , فَإِنَّهُ يُحْكَم عَلَيْهِ بِذَلِكَ الْإِقْرَار قَبْل الْيَمِين وَبَعْدهَا , وَلَا يَكُون ذَلِكَ مِنْ بَاب نَقْضِ الْحُكْم الْأَوَّل , لَكِنْ مِنْ بَاب تَبَدُّل الْأَحْكَام بِحَسَبِ تَبَدُّل الْأَسْبَاب . وَاَللَّه أَعْلَم . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مِنْ الْفِقْه أَنَّ الْأَنْبِيَاء سُوِّغَ لَهُمْ الْحُكْم بِالِاجْتِهَادِ ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ . وَفِيهِ مِنْ الْفِقْه اِسْتِعْمَال الْحُكَّام الْحِيَل الَّتِي تُسْتَخْرَج بِهَا الْحُقُوق , وَذَلِكَ يَكُون عَنْ قُوَّة الذَّكَاء وَالْفَطِنَة , وَمُمَارَسَة أَحْوَال الْخَلْق ; وَقَدْ يَكُون فِي أَهْل التَّقْوَى فِرَاسَة دِينِيَّة , وَتَوَسُّمَات نُورِيَّة , وَذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء . وَفِيهِ الْحُجَّة لِمَنْ يَقُول : إِنَّ الْأُمّ تُسْتَلْحَق ; وَلَيْسَ مَشْهُور مَذْهَب مَالِك , وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِع ذِكْره . وَعَلَى الْجُمْلَة فَقَضَاء سُلَيْمَان فِي هَذِهِ الْقِصَّة تَضَمَّنَهَا مَدْحه تَعَالَى لَهُ بِقَوْلِهِ : " فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَان " .
قَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْل فِي الْحَرْث وَالْحُكْم فِي هَذِهِ الْوَاقِعَة فِي شَرْعنَا : أَنَّ عَلَى أَصْحَاب الْحَوَائِط حِفْظ حِيطَانهمْ وَزُرُوعهمْ بِالنَّهَارِ , ثُمَّ الضَّمَان فِي الْمِثْل بِالْمِثْلِيَّاتِ , وَبِالْقِيمَةِ فِي ذَوَات الْقِيَم . وَالْأَصْل فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة فِي شَرْعنَا مَا حَكَمَ بِهِ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاقَة الْبَرَاء بْن عَازِب . رَوَاهُ مَالِك عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ حَرَام بْن سَعْد بْن مُحَيِّصَة : أَنَّ نَاقَة لِلْبَرَاءِ دَخَلَتْ حَائِط رَجُل فَأَفْسَدَتْ فِيهِ , فَقَضَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَلَى أَهْل الْحَوَائِط حِفْظهَا بِاللَّيْلِ , وَأَنَّ مَا أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ ضَامِن عَلَى أَهْلهَا . هَكَذَا رَوَاهُ جَمِيع الرُّوَاة مُرْسَلًا . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَصْحَاب اِبْن شِهَاب عَنْ اِبْن شِهَاب , إِلَّا اِبْن عُيَيْنَة فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد وَحَرَام بْن سَعْد بْن مُحَيِّصَة : أَنَّ نَاقَة ; فَذَكَرَ مِثْله بِمَعْنَاهُ . وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي ذِئْب عَنْ اِبْن شِهَاب أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ نَاقَة الْبَرَاء دَخَلَتْ حَائِط قَوْم ; مِثْل حَدِيث مَالِك سَوَاء , إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُر حَرَام بْن سَعْد بْن مُحَيِّصَة وَلَا غَيْره . قَالَ أَبُو عُمَر : لَمْ يَصْنَع اِبْن أَبِي ذِئْب شَيْئًا ; إِلَّا أَنَّهُ أَفْسَدَ إِسْنَاده . وَرَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ حَرَام بْن مُحَيِّصَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يُتَابِع عَبْد الرَّزَّاق عَلَى ذَلِكَ وَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ قَوْله عَنْ أَبِيهِ . وَرَوَاهُ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن شِهَاب قَالَ : حَدَّثَنِي أَبُو أُمَامَة بْن سَهْل بْن حُنَيْف أَنَّ نَاقَة دَخَلَتْ فِي حَائِط قَوْم فَأَفْسَدَتْ ; فَجَعَلَ الْحَدِيث لِابْنِ شِهَاب عَنْ أَبِي أُمَامَة , وَلَمْ يُذْكَر أَنَّ النَّاقَة كَانَتْ لِلْبَرَاءِ . وَجَائِز أَنْ يَكُون الْحَدِيث عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ اِبْن مُحَيِّصَة , وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , وَعَنْ أَبِي أُمَامَة - وَاَللَّه أَعْلَم - فَحَدَّثَ بِهِ عَمَّنْ شَاءَ مِنْهُمْ عَلَى مَا حَضَرَهُ وَكُلّهمْ ثِقَات . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا الْحَدِيث وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ حَدِيث مَشْهُور أَرْسَلَهُ الْأَئِمَّة , وَحَدَّثَ بِهِ الثِّقَات , وَاسْتَعْمَلَهُ فُقَهَاء الْحِجَاز وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ , وَجَرَى فِي الْمَدِينَة الْعَمَل بِهِ , وَحَسْبك بِاسْتِعْمَالِ أَهْل الْمَدِينَة وَسَائِر أَهْل الْحِجَاز لِهَذَا الْحَدِيث .
ذَهَبَ مَالِك وَجُمْهُور الْأَئِمَّة إِلَى الْقَوْل بِحَدِيثِ الْبَرَاء , وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَجَمَاعَة مِنْ الْكُوفِيِّينَ إِلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْم مَنْسُوخ , وَأَنَّ الْبَهَائِم إِذَا أَفْسَدَتْ زَرْعًا فِي لَيْل أَوْ نَهَار أَنَّهُ لَا يَلْزَم صَاحِبهَا شَيْء , وَأُدْخِلَ فَسَادهَا فِي عُمُوم قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( جُرْح الْعَجْمَاء جُبَار ) فَقَاسَ جَمِيع أَعْمَالهَا عَلَى جُرْحهَا . وَيُقَال : إِنَّهُ مَا تَقَدَّمَ أَبَا حَنِيفَة أَحَد بِهَذَا الْقَوْل , وَلَا حُجَّة لَهُ وَلَا لِمَنْ اِتَّبَعَهُ فِي حَدِيث الْعَجْمَاء , وَكَوْنه نَاسِخًا لِحَدِيثِ الْبَرَاء وَمُعَارِضًا لَهُ ; فَإِنَّ النَّسْخ شُرُوطه مَعْدُومَة , وَالتَّعَاوُض إِنَّمَا يَصِحّ إِذَا لَمْ يُمْكِن اِسْتِعْمَال أَحَدهمَا إِلَّا بِنَفْيِ الْآخَر , وَحَدِيث ( الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار ) عُمُوم مُتَّفَق عَلَيْهِ , ثُمَّ خُصَّ مِنْهُ الزَّرْع وَالْحَوَائِط بِحَدِيثِ الْبَرَاء ; لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ جَاءَ عَنْهُ فِي حَدِيث وَاحِد : الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار نَهَارًا لَا لَيْلًا وَفِي الزَّرْع وَالْحَوَائِط وَالْحَرْث , لَمْ يَكُنْ هَذَا مُسْتَحِيلًا مِنْ الْقَوْل ; فَكَيْفَ يَجُوز أَنْ يُقَال فِي هَذَا مُتَعَارِض ؟ ! وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ بَاب الْعُمُوم وَالْخُصُوص عَلَى مَا هُوَ مَذْكُور فِي الْأُصُول . إِنْ قِيلَ : مَا الْحِكْمَة فِي تَفْرِيق الشَّارِع بَيْن اللَّيْل وَالنَّهَار , وَقَدْ قَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يَضْمَن أَرْبَاب الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ وَالنَّهَار كُلّ مَا أَفْسَدَتْ , وَلَا يَضْمَن أَكْثَر مِنْ قِيمَة الْمَاشِيَة ؟ قُلْنَا : الْفَرْق بَيْنهمَا وَاضِح , وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْمَوَاشِي لَهُمْ ضَرُورَة إِلَى إِرْسَال مَوَاشِيهمْ تَرْعَى بِالنَّهَارِ , وَالْأَغْلَب عِنْدهمْ أَنَّ مَنْ عِنْده زَرْع يَتَعَاهَدهُ بِالنَّهَارِ وَيَحْفَظهُ عَمَّنْ أَرَادَهُ , فَجَعَلَ حِفْظ ذَلِكَ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْل الزُّرُوع ; لِأَنَّهُ وَقْت التَّصَرُّف فِي الْمَعَاش , كَمَا قَالَ اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى : " وَجَعَلْنَا النَّهَار مَعَاشًا " ( النَّبَأ : 1 1 ) فَإِذَا جَاءَ اللَّيْل فَقَدْ جَاءَ الْوَقْت الَّذِي يَرْجِع كُلّ شَيْء إِلَى مَوْضِعه وَسَكَنَهُ ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " مَنْ إِلَه غَيْر اللَّه يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ " ( الْقَصَص : 72 ) وَقَالَ : " وَجَعَلَ اللَّيْل سَكَنًا " ( الْأَنْعَام : 96 ) وَيَرُدّ أَهْل الْمَوَاشِي مَوَاشِيهمْ إِلَى مَوَاضِعهمْ لِيَحْفَظُوهَا , فَإِذَا فَرَّطَ صَاحِب الْمَاشِيَة فِي رَدّهَا إِلَى مَنْزِله , أَوْ فَرَّطَ فِي ضَبْطهَا وَحَبْسهَا عَنْ الِانْتِشَار بِاللَّيْلِ حَتَّى أَتْلَفَتْ شَيْئًا فَعَلَيْهِ ضَمَان ذَلِكَ , فَجَرَى الْحُكْم عَلَى الْأَوْفَق الْأَسْمَح , وَكَانَ ذَلِكَ أَرْفَق بِالْفَرِيقَيْنِ , وَأَسْهَل عَلَى الطَّائِفَتَيْنِ , وَأَحْفَظ لِلْمَالَيْنِ , وَقَدْ وَضَحَ الصُّبْح لِذِي عَيْنَيْنِ , وَلَكِنْ لِسَلِيمِ الْحَاسَّتَيْنِ ; وَأَمَّا قَوْل اللَّيْث : لَا يَضْمَن أَكْثَر مِنْ قِيمَة الْمَاشِيَة فَقَدْ قَالَ أَبُو عُمَر : لَا أَعْلَم مِنْ أَيْنَ قَالَ هَذَا اللَّيْث بْن سَعْد , إِلَّا أَنْ يَجْعَلهُ قِيَاسًا عَلَى الْعَبْد الْجَانِي لَا يَفْتَكّ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَته وَلَا يَلْزَم سَيِّده فِي جِنَايَته أَكْثَر مِنْ قِيمَته , وَهَذَا ضَعِيف الْوَجْه ; كَمَا قَالَ فِي " التَّمْهِيد " وَفِي " الِاسْتِذْكَار " فَخَالَفَ الْحَدِيث فِي ( الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار ) وَخَالَفَ نَاقَة الْبَرَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَهُ إِلَى ذَلِكَ طَائِفَة مِنْ الْعُلَمَاء مِنْهُمْ عَطَاء . قَالَ اِبْن جُرَيْج قُلْت لِعَطَاءٍ : الْحَرْث تُصِيبهُ الْمَاشِيَة لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ؟ قَالَ : يَضْمَن صَاحِبهَا وَيَغْرَم . قُلْت : كَانَ عَلَيْهِ حَظِرًا أَوْ لَمْ يَكُنْ ؟ قَالَ نَعَمْ ! يَغْرَم . قُلْت : مَا يَغْرَم ؟ قَالَ : قِيمَة مَا أَكَلَ حِمَاره وَدَابَّته وَمَاشِيَته . وَقَالَ مَعْمَر عَنْ اِبْن شُبْرُمَة : يُقَوَّم الزَّرْع عَلَى حَاله الَّتِي أُصِيبَ عَلَيْهَا دَرَاهِم . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَعُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : يَضْمَن رَبّ الْمَاشِيَة لَيْلًا أَوْ نَهَارًا , مِنْ طُرُق لَا تَصِحّ .
قَالَ مَالِك : وَيُقَوَّم الزَّرْع الَّذِي أَفْسَدَتْ الْمَوَاشِي بِاللَّيْلِ عَلَى الرَّجَاء وَالْخَوْف . قَالَ : وَالْحَوَائِط الَّتِي تُحْرَس وَاَلَّتِي لَا تُحْرَس , وَالْمُحْظَر عَلَيْهَا وَغَيْر الْمُحْظَر سَوَاء , يَغْرَم أَهْلهَا مَا أَصَابَتْ بِاللَّيْلِ بَالِغًا مَا بَلَغَ , وَإِنْ كَانَ أَكْثَر مِنْ قِيمَتهَا . قَالَ : وَإِنْ انْفَلَتَتْ دَابَّة بِاللَّيْلِ فَوَطِئَتْ عَلَى رَجُل نَائِم لَمْ يَغْرَم صَاحِبهَا شَيْئًا , وَإِنَّمَا هَذَا فِي الْحَائِط وَالزَّرْع وَالْحَرْث ; ذَكَرَهُ عَنْهُ اِبْن عَبْد الْحَكَم . وَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : مَا أَفْسَدَتْ الْمَاشِيَة بِاللَّيْلِ فَهُوَ فِي مَال رَبّهَا , وَإِنْ كَانَ أَضْعَاف ثَمَنهَا ; لِأَنَّ الْجِنَايَة مِنْ قِبَله إِذْ لَمْ يَرْبِطهَا , وَلَيْسَتْ الْمَاشِيَة كَالْعَبِيدِ ; حَكَاهُ سَحْنُون وَأَصْبَغ وَأَبُو زَيْد عَنْ اِبْن الْقَاسِم .
وَلَا يُسْتَأْنَى بِالزَّرْعِ أَنْ يَنْبُت أَوْ لَا يَنْبُت كَمَا يُفْعَل فِي سِنّ الصَّغِير . وَقَالَ عِيسَى عَنْ اِبْن الْقَاسِم : قِيمَته لَوْ حَلَّ بَيْعه . وَقَالَ أَشْهَب وَابْن نَافِع فِي الْمَجْمُوعَة عَنْهُ : وَإِنْ لَمْ يَبْدُ صَلَاحه . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَالْأَوَّل أَقْوَى لِأَنَّهَا صِفَته فَتُقَوَّم كَمَا يُقَوَّم كُلّ مُتْلَف عَلَى صِفَته .
لَوْ لَمْ يُقْضَ لِلْمُفْسَدِ لَهُ بِشَيْءٍ حَتَّى نَبَتَ وَانْجَبَرَ فَإِنْ كَانَ فِيهِ قَبْل ذَلِكَ مَنْفَعَة رُعِيَ أَوْ شَيْء ضَمِنَ تِلْكَ الْمَنْفَعَة , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ مَنْفَعَة فَلَا ضَمَان . وَقَالَ أَصْبَغ : يَضْمَن ; لِأَنَّ التَّلَف قَدْ تَحَقَّقَ وَالْجَبْر لَيْسَ مِنْ جِهَته فَلَا يُعْتَدّ لَهُ بِهِ .
وَقَعَ فِي كِتَاب اِبْن سَحْنُون أَنَّ الْحَدِيث إِنَّمَا جَاءَ فِي أَمْثَال الْمَدِينَة الَّتِي هِيَ حِيطَان مُحْدِقَة , وَأَمَّا الْبِلَاد الَّتِي هِيَ زُرُوع مُتَّصِلَة غَيْر مُحْظَرَة , وَبَسَاتِين كَذَلِكَ , فَيَضْمَن أَرْبَاب النَّعَم مَا أَفْسَدَتْ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار ; كَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ تَرْك تَثْقِيف الْحَيَوَان فِي مِثْل هَذِهِ الْبِلَاد تَعَدٍّ ; لِأَنَّهَا وَلَا بُدّ تَفْسُد . وَهَذَا جُنُوح إِلَى قَوْل اللَّيْث .
قَالَ أَصْبَغ فِي الْمَدِينَة : لَيْسَ لِأَهْلِ الْمَوَاشِي أَنْ يُخْرِجُوا مَوَاشِيهمْ إِلَى قُرَى الزَّرْع بِغَيْرِ ذُوَّاد ; فَرَكِبَ الْعُلَمَاء عَلَى هَذَا أَنَّ الْبُقْعَة لَا تَخْلُو أَنْ تَكُون بُقْعَة زَرْع , أَوْ بُقْعَة سَرْح , فَإِنْ كَانَتْ بُقْعَة زَرْع فَلَا تَدْخُلهَا مَاشِيَة إِلَّا مَاشِيَة تَجْتَاح , وَعَلَى أَرْبَابهَا حِفْظهَا , وَمَا أَفْسَدَتْ فَصَاحِبهَا ضَامِن لَيْلًا أَوْ نَهَارًا ; وَإِنْ كَانَتْ بُقْعَة سَرْح فَعَلَى صَاحِب الَّذِي حَرْثه فِيهَا حِفْظه , وَلَا شَيْء عَلَى أَرْبَاب الْمَوَاشِي .
الْمَوَاشِي عَلَى قِسْمَيْنِ : ضَوَارِي وَحَرِيسَة وَعَلَيْهِمَا قَسَمَهَا مَالِك . فَالضَّوَارِي هِيَ الْمُعْتَادَة لِلزَّرْعِ وَالثِّمَار , فَقَالَ مَالِك : تُغَرَّب وَتُبَاع فِي بَلَد لَا زَرْع فِيهِ ; رَوَاهُ اِبْن الْقَاسِم فِي الْكِتَاب وَغَيْره . قَالَ اِبْن حَبِيب : وَإِنْ كَرِهَ ذَلِكَ رَبّهَا , وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِك فِي الدَّابَّة الَّتِي ضَرِيَتْ فِي إِفْسَاد الزَّرْع : تُغَرَّب وَتُبَاع . وَأَمَّا مَا يُسْتَطَاع الِاحْتِرَاس مِنْهُ فَلَا يُؤْمَر صَاحِبه بِإِخْرَاجِهِ .
قَالَ أَصْبَغ : النَّحْل وَالْحَمَام وَالْإِوَزّ وَالدَّجَاج كَالْمَاشِيَةِ , لَا يُمْنَع صَاحِبهَا مِنْ اِتِّخَاذهَا وَإِنْ ( ضَرِيَتْ ) , وَعَلَى أَهْل الْقَرْيَة حِفْظ زُرُوعهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذِهِ رِوَايَة ضَعِيفَة لَا يَلْتَفِت إِلَيْهَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَجِد مَا يَنْتَفِع بِهِ مِمَّا لَا يَضُرّ بِغَيْرِهِ مُكْنٍ مِنْهُ , وَأَمَّا اِنْتِفَاعه بِمَا يَتَّخِذهُ بِإِضْرَارِهِ بِأَحَدٍ فَلَا سَبِيل إِلَيْهِ . قَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا ضَرَر وَلَا ضِرَار ) وَهَذِهِ الضَّوَارِي عَنْ اِبْن الْقَاسِم فِي الْمَدِينَة لَا ضَمَان عَلَى أَرْبَابهَا إِلَّا بَعْد التَّقَدُّم . اِبْن الْعَرَبِيّ : وَأَرَى الضَّمَان عَلَيْهِمْ قَبْل التَّقَدُّم إِذَا كَانَتْ ضَوَارِي .
ذَكَرَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة عَنْ الشَّعْبِيّ أَنَّ شَاة وَقَعَتْ فِي غَزْل حَائِك فَاخْتَصَمُوا إِلَى شُرَيْح , فَقَالَ الشَّعْبِيّ : اُنْظُرُوهُ فَإِنَّهُ سَيَسْأَلُهُمْ لَيْلًا وَقَعَتْ فِيهِ أَوْ نَهَارًا ; فَفَعَلَ . ثُمَّ قَالَ : إِنْ كَانَ بِاللَّيْلِ ضَمِنَ , وَإِنْ كَانَ بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَن , ثُمَّ قَرَأَ شُرَيْح " إِذْ نَقَشَتْ فِيهِ غَنَم الْقَوْم " قَالَ : وَالنَّفْش بِاللَّيْلِ وَالْهَمَل بِالنَّهَارِ . قُلْت : وَمِنْ هَذَا الْبَاب قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار ) الْحَدِيث . وَقَالَ اِبْن شِهَاب : وَالْجُبَار الْهَدَر , وَالْعَجْمَاء الْبَهِيمَة , قَالَ عُلَمَاؤُنَا : ظَاهِر قَوْله : ( الْعَجْمَاء جُرْحهَا جُبَار ) أَنَّ مَا اِنْفَرَدَتْ الْبَهِيمَة بِإِتْلَافِهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَيْء , وَهَذَا مُجْمَع عَلَيْهِ . فَلَوْ كَانَ مَعَهَا قَائِد أَوْ سَائِق أَوْ رَاكِب فَحَمَلَهَا أَحَدهمْ عَلَى شَيْء فَأَتْلَفَتْهُ لَزِمَهُ حُكْم الْمُتْلِف ; فَإِنْ كَانَتْ جِنَايَة مَضْمُونَة بِالْقِصَاصِ وَكَانَ الْحَمْل عَمْدًا كَانَ فِيهِ الْقِصَاص وَلَا يُخْتَلَف فِيهِ ; لِأَنَّ الدَّابَّة كَالْآلَةِ . وَإِنْ كَانَ عَنْ غَيْر قَصْد كَانَتْ فِيهِ الدِّيَة عَلَى الْعَاقِلَة . وَفِي الْأَمْوَال الْغَرَامَة فِي مَال الْجَانِي .
وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَصَابَتْهُ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبهَا , فَلَمْ يَضْمَن مَالِك وَاللَّيْث وَالْأَوْزَاعِيّ صَاحِبهَا , وَضَمَّنَهُ الشَّافِعِيّ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَابْن شُبْرُمَة . وَاخْتَلَفُوا فِي الضَّارِيَة فَجُمْهُورهمْ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا , وَمَالِك وَبَعْض أَصْحَابه يُضَمِّنُونَهُ .
رَوَى سُفْيَان . بْن حُسَيْن عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الرِّجْل جُبَار ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : لَمْ يَرْوِهِ غَيْر سُفْيَان بْن حُسَيْن وَلَمْ يُتَابَع عَلَيْهِ , وَخَالَفَهُ الْحُفَّاظ عَنْ الزُّهْرِيّ مِنْهُمْ مَالِك وَابْن عُيَيْنَة وَيُونُس وَمَعْمَر وَابْن جُرَيْج وَالزُّبَيْدِيّ وَعُقَيْل وَلَيْث بْن سَعْد , وَغَيْرهمْ كُلّهمْ رَوَوْهُ عَنْ الزُّهْرِيّ فَقَالُوا : ( الْعَجْمَاء جُبَار وَالْبِئْر جُبَار وَالْمَعْدِن جُبَار ) وَلَمْ يَذْكُرُوا الرِّجْل وَهُوَ الصَّوَاب . وَكَذَلِكَ رَوَى أَبُو صَالِح السَّمَّانِ , وَعَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج , وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ , وَمُحَمَّد بْن زِيَاد وَغَيْرهمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة , وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ( وَالرِّجْل جُبَار ) وَهُوَ الْمَحْفُوظ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة .
قَوْله : ( وَالْبِئْر جُبَار ) قَدْ رَوَى مَوْضِعه ( وَالنَّار ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : حَدَّثَنَا حَمْزَة بْن الْقَاسِم الْهَاشِمِيّ حَدَّثَنَا حَنْبَل بْن إِسْحَاق قَالَ سَمِعْت أَبَا عَبْد اللَّه أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول فِي حَدِيث عَبْد الرَّزَّاق : حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ( وَالنَّار جُبَار ) لَيْسَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكُنْ فِي الْكِتَاب بَاطِل لَيْسَ هُوَ بِصَحِيحٍ . حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَخْلَد حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن هَانِئ قَالَ سَمِعْت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول : أَهْل الْيَمَن يَكْتُبُونَ النَّار النِّير وَيَكْتُبُونَ الْبِير ; يَعْنِي مِثْل ذَلِكَ . وَإِنَّمَا لَقَّنَ عَبْد الرَّزَّاق ( النَّار جُبَار ) . وَقَالَ الرَّمَادِيّ : قَالَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ مَعْمَر لَا أَرَاهُ إِلَّا وَهُمَا . قَالَ أَبُو عُمَر : رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيث مَعْمَر عَنْ هَمَّام بْن مُنَبِّه عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( النَّار جُبَار ) وَقَالَ يَحْيَى بْن مَعِين : أَصْله الْبِئْر وَلَكِنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ . قَالَ أَبُو عُمَر : لَمْ يَأْتِ اِبْن مَعِين عَلَى قَوْله هَذَا بِدَلِيلِ , وَلَيْسَ هَكَذَا تُرَدّ أَحَادِيث الثِّقَات . ذَكَرَ وَكِيع عَنْ عَبْد الْعَزِيز بْن حُصَيْن عَنْ يَحْيَى بْن يَحْيَى الْغَسَّانِيّ قَالَ : أَحْرَقَ رَجُل سَافَى قَرَاح لَهُ فَخَرَجَتْ شَرَرَة مِنْ نَار حَتَّى أَحْرَقَتْ شَيْئًا لِجَارِهِ . قَالَ : فَكَتَبَ فِيهِ إِلَى عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز رَضِيَ اللَّه عَنْهُ اِبْن حُصَيْن فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْعَجْمَاء جُبَار ) وَأَرَى أَنَّ النَّار جُبَار . وَقَدْ رُوِيَ ( وَالسَّائِمَة جُبَار ) بَدَل الْعَجْمَاء فَهَذَا مَا وَرَدَ فِي أَلْفَاظ هَذَا الْحَدِيث وَلِكُلِّ مَعْنًى لَفْظ صَحِيح مَذْكُور فِي شَرْح الْحَدِيث وَكُتُب الْفِقْه .
{79} فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ قَالَ وَهْب : كَانَ دَاوُد يَمُرّ بِالْجِبَالِ مُسَبِّحًا وَالْجِبَال تُجَاوِبه بِالتَّسْبِيحِ , وَكَذَلِكَ الطَّيْر . وَقِيلَ كَانَ دَاوُد إِذَا وَجَدَ فَتْرَة أَمَرَ الْجِبَال فَسَبَّحَتْ حَتَّى يَشْتَاق ; وَلِهَذَا قَالَ : " وَسَخَّرْنَا " أَيْ جَعَلْنَاهَا بِحَيْثُ تُطِيعهُ إِذَا أَمَرَهَا بِالتَّسْبِيحِ . وَقِيلَ : إِنَّ سَيْرهَا مَعَهُ تَسْبِيحهَا , وَالتَّسْبِيح مَأْخُوذ مِنْ السِّبَاحَة ; دَلِيله قَوْله تَعَالَى : " يَا جِبَال أَوِّبِي مَعَهُ " ( سَبَأ : 10 ) . وَقَالَ قَتَادَة : " يُسَبِّحْنَ " يُصَلِّينَ مَعَهُ إِذَا صَلَّى , وَالتَّسْبِيح الصَّلَاة . وَكُلّ مُحْتَمَل . وَذَلِكَ فِعْل اللَّه تَعَالَى بِهَا ; ذَلِكَ لِأَنَّ الْجِبَال لَا تَعْقِل فَتَسْبِيحهَا دَلَالَة عَلَى تَنْزِيه اللَّه تَعَالَى عَنْ صِفَات الْعَاجِزِينَ وَالْمُحْدَثِينَ .
{80} وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ يَعْنِي اِتِّخَاذ الدُّرُوع بِإِلَانَةِ الْحَدِيد لَهُ , وَاللَّبُوس عِنْد الْعَرَب السِّلَاح كُلّه ; دِرْعًا كَانَ أَوْ جَوْشَنًا أَوْ سَيْفًا أَوْ رُمْحًا . قَالَ الْهُذَلِيّ يَصِف رُمْحًا : وَمَعِي لَبُوس لِلْبَئِيسِ كَأَنَّهُ رَوْق بِجَبْهَة ذِي نِعَاج مُجْفِل وَاللَّبُوس كُلّ مَا يُلْبَس , وَأَنْشَدَ اِبْن السِّكِّيت : أَلْبَسْ لِكُلِّ حَالَة لَبُوسهَا إِمَّا نَعِيمهَا وَإِمَّا بُوسهَا وَأَرَادَ اللَّه تَعَالَى هُنَا الدِّرْع , وَهُوَ بِمَعْنَى الْمَلْبُوس نَحْو الرَّكُوب وَالْحَلُوب . قَالَ قَتَادَة : أَوَّل مَنْ صَنَعَ الدُّرُوع دَاوُد . وَإِنَّمَا كَانَتْ صَفَائِح , فَهُوَ أَوَّل مَنْ سَرَدَهَا وَحَلَّقَهَا .
{80} وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ لِيُحْرِزَكُمْ .
{80} وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ أَيْ مِنْ حَرْبكُمْ . وَقِيلَ : مِنْ السَّيْف وَالسَّهْم وَالرُّمْح , أَيْ مِنْ آلَة بَأْسكُمْ فَحُذِفَ الْمُضَاف . اِبْن عَبَّاس : " مِنْ بَأْسكُمْ " مِنْ سِلَاحكُمْ . الضَّحَّاك : مِنْ حَرْب أَعْدَائِكُمْ . وَالْمَعْنَى وَاحِد . وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو جَعْفَر وَابْن عَامِر وَحَفْص وَرَوْح " لِتُحْصِنَكُمْ " بِالتَّاءِ رَدًّا عَلَى الصِّفَة . وَقِيلَ : عَلَى اللَّبُوس وَالْمَنَعَة الَّتِي هِيَ الدُّرُوع . وَقَرَأَ شَيْبَة وَأَبُو بَكْر وَالْمُفَضَّل وَرُوَيْس وَابْن أَبِي إِسْحَاق " لِنُحْصِنكُمْ " بِالنُّونِ لِقَوْلِهِ : " وَعَلَّمْنَاهُ " . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ جَعَلُوا الْفِعْل لِلَّبُوسِ , أَوْ يَكُون الْمَعْنَى لِيُحْصِنكُمْ اللَّه .
{80} وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ أَيْ عَلَى تَيْسِير نِعْمَة الدُّرُوع لَكُمْ . وَقِيلَ : " فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ " بِأَنْ تُطِيعُوا رَسُولِي .
هَذِهِ الْآيَة أَصْل فِي اِتِّخَاذ الصَّنَائِع وَالْأَسْبَاب , وَهُوَ قَوْل أَهْل الْعُقُول وَالْأَلْبَاب , لَا قَوْل الْجَهَلَة الْأَغْبِيَاء الْقَائِلِينَ بِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا شُرِعَ لِلضُّعَفَاءِ , فَالسَّبَب سُنَّة اللَّه فِي خَلْقه فَمَنْ طَعَنَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ طَعَنَ فِي الْكِتَاب وَالسُّنَّة , وَنَسَبَ مَنْ ذَكَرْنَا إِلَى الضَّعْف وَعَدَم الْمِنَّة . وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ نَبِيّه دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ كَانَ يَصْنَع الدُّرُوع , وَكَانَ أَيْضًا يَصْنَع الْخُوص , وَكَانَ يَأْكُل مِنْ عَمَل يَده , وَكَانَ آدَم حَرَّاثًا , وَنُوح نَجَّارًا , وَلُقْمَان خَيَّاطًا , وَطَالُوت دَبَّاغًا . وَقِيلَ : سَقَّاء ; فَالصَّنْعَة يَكُفّ بِهَا الْإِنْسَان نَفْسه عَنْ النَّاس , وَيَدْفَع بِهَا عَنْ نَفْسه الضَّرَر وَالْبَأْس . وَفِي الْحَدِيث : " إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُؤْمِن الْمُحْتَرِف الضَّعِيف الْمُتَعَفِّف وَيُبْغِض السَّائِل الْمُلْحِف " . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي سُورَة " الْفُرْقَان " وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي غَيْر مَا آيَة , وَفِيهِ كِفَايَة وَالْحَمْد لِلَّهِ .
{81} وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ أَيْ وَسَخَّرْنَا لِسُلَيْمَانَ الرِّيح عَاصِفَة , أَيْ شَدِيدَة الْهُبُوب . يُقَال مِنْهُ : عَصَفَتْ الرِّيح أَيْ اِشْتَدَّتْ فَهِيَ رِيح عَاصِف وَعَصُوف . وَفِي لُغَة بَنِي أَسَد : أَعْصَفَتْ الرِّيح فَهِيَ مُعْصِف وَمُعْصِفَة . وَالْعَصْف التِّبْن فَسُمِّيَ بِهِ شِدَّة الرِّيح ; لِأَنَّهَا تَعْصِفهُ بِشِدَّة تَطَيُّرهَا . وَقَرَأَ عَبْد الرَّحْمَن الْأَعْرَج وَالسُّلَمِيّ وَأَبُو بَكْر " وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيح " بِرَفْعِ الْحَاء عَلَى الْقَطْع مِمَّا قَبْله ; وَالْمَعْنَى وَلِسُلَيْمَانَ تَسْخِير الرِّيح ; اِبْتِدَاء وَخَبَر .
{81} وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ يَعْنِي الشَّام . يُرْوَى أَنَّهَا كَانَتْ تَجْرِي بِهِ وَبِأَصْحَابِهِ إِلَى حَيْثُ أَرَادَ , ثُمَّ تَرُدّهُ إِلَى الشَّام . وَقَالَ وَهْب : كَانَ سُلَيْمَان بْن دَاوُد إِذَا خَرَجَ إِلَى مَجْلِسه عَكَفَتْ عَلَيْهِ الطَّيْر , وَقَامَ لَهُ الْجِنّ وَالْإِنْس حَتَّى يَجْلِس عَلَى سَرِيره . وَكَانَ اِمْرَأً غَزَّاء لَا يَقْعُد عَنْ الْغَزْو ; فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَغْزُو أَمَرَ بِخَشَبٍ فَمُدَّتْ وَرُفِعَ عَلَيْهَا النَّاس وَالدَّوَابّ وَآلَة الْحَرْب , وَأَمَرَ الْعَاصِف فَأَقَلَّتْ ذَلِكَ , ثُمَّ أَمَرَ الرُّخَاء فَمَرَّتْ بِهِ شَهْرًا فِي رَوَاحه وَشَهْرًا فِي غُدُوّهُ , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى : " تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ " ( ص : 36 ) . وَالرُّخَاء اللَّيِّنَة .
{81} وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ أَيْ بِكُلِّ شَيْء عَمِلْنَا عَالِمِينَ بِتَدْبِيرِهِ .
modified by: Abdurrahman Zaidan
المراجع
موسوعة الاسلام
التصانيف
تصنيف :تفسير القران الكريم