في التذكر والنسيان

وفي مكان آخر من هذا الكتاب القيم، يأخذنا الدكتور بنعبد العالي في مقالته “في النسيان” ليخبرنا أن “من حسنات التحليل النفسي كونه أعاد لبعض الأفعال النفسية قيمتها، وبيّن أن كثيرا مما كان يصدر عن الإنسان من حركات وأقوال، ويعدّ من قبيل ما ليس له معنى، لم يكن كذلك، وإنما هو ذو مغزى محدد، بل هو يرمي إلى أهداف وغايات. وهكذا فقد تبيّن أن دلالات الحياة النفسية ومعانيها تظهر أكثر ما تظهر في ما كان ينظر إليه على أنه تافه لا قيمة له شأن الهفوات والأحلام وفلتات اللسان و... والنسيان.

تبين إذن أن النسيان ليس مجرد إهمال وإغفال، وانه ليس “قوة” سلبية، وإنما هو، مثلما سبق لنيتشه أن قال: “قدرة ايجابية بالمعنى الدقيق للكلمة”، “قدرة تغلق من حين لآخر أبواب الوعي ونوافذه” فتحول دون تدفق الماضي وسعيه لان يحضر ويتجمد ويتطابق.”

وبرأي المؤلف فإن “ما نقوله عن النسيان عادة من حيث هو خسارة وضياع، كما ينبه هايدغر، ليس إلا نتيجة للفهم الأفلاطوني الميتافيزيقي للذاكرة من حيث هي امتلاء وغنى. يقول: “لقد تعودنا أن نرى في النسيان مجرد عدم الاحتفاظ، مجرد ضياع... هذا في حين أن تاريخ الفكر الغربي لم يبدأ بالتفكير في ما يمكن أن يفكر فيه بل بالضبط بتركه طيّ النسيان.

عندما نُصح كل مقبل على نظم الشعر قديما أن يحفظ ديوان الأشعار عن ظهر قلب، لينساها فيما بعد، فليس ذلك إلا لكون النسيان قوة حارسة “بفضلها يحافظ على سر الأشياء”. فكل شاعر هو، مبدئيا، منقب في الآثار التي طواها النسيان أو كاد، كل شاعر مصارع لقوة جبارة هي قوة النسيان.وفي الكتاب، مقالات أخرى عميقة تتوقف عند إشكالات وأفكار فلسفية لا يجب أن نتجاوزها وكلها كتبت بأسلوب يشد القارئ، مقالات لها نكهتها الساحرة، وقوتها التي توصل الفكرة بالشذرة، وبالسخرية أحيانا.

محمد نجيم


المراجع

www.alittihad.ae

التصانيف

تصنيف :علم النفس   في النسيان