د. فيصل بن سعود الحليبي .
لماذا تخدعنا الدنيا عن حقيقتها؟
لماذا نواري وجوهنا عن مصيرنا فيها؟
نوقن في ضمائرنا أنها ستنتهي دنيا كل إنسان، صغر أو كبر، ولكن جملة منا لا يحب من يذكّرنا بذلك، أو على الأقل نستثقله؛ فنفقد مع ذلك كثيرًا من الاستعدادات الإيمانية والنفسية التي تكون ـ بعد الله تعالى ـ عونًا على وقوع الخطب المحتوم، حتى إذا وقع وجد بعضنا نفسه أنه في خضم بحر متلاطم من الابتلاء الشديد لا يكاد ينجو منه إلاّ بالصبر والإيمان والاحتساب.
نعم .. لن تقضي نفس أجلها قبل يومها المكتوب لها، ولن تتأخر، ومهما بلغ المرء في إيمانه إلاّ أن للفراق حسرة في القلب، وانكسارًا في الفؤاد، ووقعًا أليمًا في النفس، وطعمًا مرًا في الخاطر يصعب تحمّله وتدارك وجعه، فكيف إذا كان الفقيد أبًا أو أمًا أو ولدًا ذكرًا كان أو أنثى؟
وزد على ذلك كله أن يكون ليس له إلاّ هو؛ فالمرارة أشد، والخطب أجلّ، والمصاب أعظم.
والله حكيم، وهل هناك أحكم من الله؟
والله رحيم، وهل هناك أرحم من الله؟
يعطيك الأولاد أمانة: فيبتليك بمحبتك لهم، وحرصك عليهم، وتربيتهم، فلا يهنأ لك نوم إلاّ براحتهم، ولا يطيب لك عيش إلاّ بإسعادهم، تشقى ليسعدوا، وتنصب ليرتاحوا، وتبذل كل شيء في حياتك ليعيشوا العيشة الكريمة، تخاف عليهم من نسمة الهواء الباردة، ومن لفحة الصيف القائضة، ومن زكام طفيف، وجرح خفيف، حتى تراهم زينة تتزين بهم في الدنيا، (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
ولكن قضى العليّ الكبير أن يأتي يوم تُستردّ فيها الأمانة، ليجعلك في امتحان أكثر صعوبة، فيمحّصك، ويجعلك كالذهب إذا أُدخل في كير التنقية، ليخرج لمعانه أشد بريقًا إن وُفّقت في الامتحان، فإن الله تعالى يقول: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنْ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنْ الأَمْوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ).
فما أجمل الزاد، وما أروع الرحلة، وما أكرم العطاء؛ فالزاد الصبر والصلاة، والرحلة هي الابتلاء، والعطاء الكريم من الرب الكريم: صلوات، ورحمة، وهداية.
قال عبد الله بن مطرف بن عبد الله بن الشخيّر، بعد أن مات له ولد: والله لو أن الدنيا وما فيها لي، فأخذها الله -عز وجل- منّي، ثم وعد لي عليها شربة ماء، لرأيتها لتلك الشربة أهلاً، فكيف بالصلاة والرحمة والهدى |
استرجعْ ولك بيت الحمد
كثيرة هي المصائب، ومتلونة أشكالها ـ حمانا الله وإياكم منها ـ ولكن فقد الأبناء أمر أشدّ مما تتوقعه القلوب أو تحسبه له العقول، ولعظمته عظم الله شأنه وجزى عليه بخير الجزاء، لمن كان من الصابرين .
فعَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ دَفَنْتُ ابْنِي سِنَانًا وَأَبُو طَلْحَةَ الْخَوْلَانِيُّ جَالِسٌ عَلَى شَفِيرِ الْقَبْرِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ الْخُرُوجَ أَخَذَ بِيَدِي فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ يَا أَبَا سِنَانٍ؟ قُلْتُ: بَلَى، فَقَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَرْزَبٍ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: إِذَا مَاتَ وَلَدُ الْعَبْدِ قَالَ اللَّهُ لِمَلَائِكَتِهِ: قَبَضْتُمْ وَلَدَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: قَبَضْتُمْ ثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: مَاذَا قَالَ عَبْدِي؟ فَيَقُولُونَ: حَمِدَكَ وَاسْتَرْجَعَ، فَيَقُولُ اللَّهُ: ابْنُوا لِعَبْدِي بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَسَمُّوهُ بَيْتَ الْحَمْدِ) رواه الترمذي وحسنه.
فيا للكرم الرباني؛ إنه إشعار للوالد أمًا أو أبًا أن ابنكم غالٍ وهو ثمرة فؤادكم، وحشاشة صدوركم، ولكن الجزاء أعظم، إنه بيت في الجنة اسمه بيت الحمد، بيت باقٍ في جنة عالية، لا دنيا فانية لا تضحك إلاّ وتبكي.
قدوتك حبيبك
ولكل من فقد أحد أولاده في رسول الله أسوة حسنة؛ فقد ابتلى بموت جميع أبنائه، حتى سخر منه الساخرون ولقبوه بالأبتر، فأنزل الله تعالى قوله مسليًا لفؤاده: (إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ(1)فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ(2)إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ(3).
فلقد مضى نيّف وعشرون سنة لم تلد له خلالها زوجة من زوجاته، وفُجع في هذه الفترة في كل أولاده سوى فاطمة -رضي الله عنها- التي ماتت بعده بقليل، فمات القاسم، والطاهر، طفلين، وماتت زينب ورقية وأم كلثوم بعد أن تزوجن، ولم يتعوض من فقدهن ما يعزيه بعض العزاء.
إنها فجائع تضاعف في قلب الأب الحنون الشوق إلى الوليد المأمول، وطول انتظار يضاعف الحب له، فيتزوج بمارية القبطية لتبشره بحملها، فيا قلب الأب المفجوع في فلذات كبده كيف يكون انتظارُ مولوده الجديد، وكيف ستكون فيه آماله، خفقات قلب الوالدين تعجز الكلمات عن وصفها، وتقصر العبارات عن رسم مشاعرها، فكيف إذا جاءت بعد طول لوعة، وبلاء وحرقة |
ووُلد إبراهيم ابن محمد، فامتدت آمال عراض، إنه على اسم الخليل، تاريخ من التوحيد والعبادة، ليكون امتدادًا لصفائه وتوحيده وعبادته، فيحمل رايةَ الإخلاص أحفاد من بعدهم أحفاد، غير أنه البلاء.. حينما يقع بأكرم الناس وأتقاهم..
مات إبراهيم الصغير ولم يدرك السنتين، والمصيبة تعظم في قلوبنا لعظمة من أصيب بها،كل صبر عظيم .. غير أن صبر الوالدين على فراق الولد أكبر من أن تتصوره العقول، أو أن تتسع له الصدور، لا تسلْ كيف؟ فأنا مثلك أعجز عن الجواب |
لكنه الإيمان حينما يعمر القلوب، فتمتلئ صبرًا وثباتًا ويقينًا، كل هذا بإنسانية النبي العظمى، التي ما تخلت عن شفقتها فتجفو، ولا تعالت عن أبوتها فتقسو، بل أبٌ مؤمن يحب ولده الذي يفقده، فيحزن قلبه، وتدمع عينه، ويرحمه الله بكل ذلك.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: (دَخَلْنَا عَلَيْهِ ـ أي على النبي صلى الله عليه وسلم ـ وَإِبْرَاهِيمُ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَجَعَلَتْ عَيْنَا رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- تَذْرِفَانِ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: وَأَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ | فَقَال: يَا ابْنَ عَوْفٍ، إِنَّهَا رَحْمَةٌ، ثُمَّ أَتْبَعَهَا بِأُخْرَى، فَقَالَ: إِنَّ الْعَيْنَ تَدْمَعُ، وَالْقَلْبَ يَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يَرْضَى رَبُّنَا، وَإِنَّا بِفِرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ لَمَحْزُونُونَ). رواه البخاري.
أمّا أن تحزن، أمّا أن تبكي، أما أن تهلّ الدموع السواكب على فراق الأحبة، فهذا من إنسانيتك، وعطفك وحنانك، فإن لك ذكرى في كل دقيقة من دقائق حبيبك الراحل، ولكن امسح دموع الحزن قليلاً، وعشْ لحظات ربما تغيب عن كثير ممن يبتلون بفقد أولادهم أو زوجاتهم، تلك اللحظة التي يؤمر بنا جميعًا بإذنه سبحانه إلى الجنة، فيقال: (سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ)، فإذا بالأسرة وأفرادها يجتمعون، ويأتلفون بعد طول فراق قضوه في القبور، وكل إنسان تتبعه ذريته، ليزدحموا عند باب الجنة، وإذا بالرسول -صلى الله عليه وسلم- يقرع باب الجنة ليستأذن لدخولها، فيدخل ويدخل معه المؤمنون، وحدهم ... كلا بل معهم ذريتهم الصالحة؛ لتتم الأفراح، وتذهب الأحزان: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ).
عن أنس بن مالك -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا كان يوم القيامة نُودي في أطفال المسلمين، أن اخرجوا من قبوركم، فيخرجون من قبورهم، ثم يُنادى فيهم: أن امضوا إلى الجنة زمراً، فيقولون: يا ربنا ووالدينا معنا؟ فيقول في الرابعة: ووالديكم معكم، فيثب كل طفل إلى أبويه، فيأخذون بأيديهم، فيدخلونهم الجنّة، فهم أعرف بآبائهم وأمهاتهم يومئذ من أولادكم في بيوتكم). خرجه أبو نعيم، من طريق الطبراني.
فيا أيها الصابرون: لِمَ النحيب على الدنيا وقد أعدّ الله لنا في الآخرة من اللقيا والفرحة والأنس في الجنة ما لم ترَ عين ولا سمعت أذن، هناك نلقى الأحبة محمدًا وصحبه .
وإذا كانت المصيبة عظمى بفقد النبي -صلى الله عليه وسلم- أولاده، فمصيبتنا في موته أعظم من أن تُوصف أو تُقدّر، والله تعالى يقول: (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ).
ماذا يجري لحبيبك الفقيد الصالح؟
ولنتذكر أن فلذة الكبد حينما يفقد فإنه إن كان من الصالحين فقد أفضى إلى رب رحيم وحليم، يجازي على الحسنات إحساناً وعلى السيئات عفوًا وغفراناً، فتأتيه ملائكة بيض الوجوه وينادونه بأحب الأسماء إليه، تقبض روحه بكل رفق، ويبشرونه بروح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، حتى إذا أدخل القبر، ونجح في الامتحان، يقول الله: ( َأَفْرِشُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَأَلْبِسُوهُ مِنْ الْجَنَّةِ، وَافْتَحُوا لَهُ بَابًا إِلَى الْجَنَّةِ، قَالَ: فَيَأْتِيهِ مِنْ رَوْحِهَا وَطِيبِهَا، وَيُفْسَحُ لَهُ فِي قَبْرِهِ مَدَّ بَصَرِهِ، قَالَ وَيَأْتِيهِ رَجُلٌ حَسَنُ الْوَجْهِ، حَسَنُ الثِّيَابِ، طَيِّبُ الرِّيحِ، فَيَقُولُ: أَبْشِرْ بِالَّذِي يَسُرُّكَ، هَذَا يَوْمُكَ الَّذِي كُنْتَ تُوعَدُ، فَيَقُولُ لَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فَوَجْهُكَ الْوَجْهُ يَجِيءُ بِالْخَيْرِ، فَيَقُولُ: أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ، فَيَقُولُ: رَبِّ أَقِمْ السَّاعَةَ حَتَّى أَرْجِعَ إِلَى أَهْلِي وَمَالِي).
الموقف أصعب .. فماذا تصنع؟
ما أجمل أن نقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلاّ بالله؛ فإن الأقدار جارية بما قسم الله تعالى، لا يقدم منه شيء ولا يؤخر، ويبقى المبتلى أمام طريقين: الرضا والتسليم والصبر، والجزع والقنوط والاعتراض.
أما شأن المؤمن منهما فهو ما قال الحبيب صلى الله عليه وسلم: (عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلاّ للمؤمن، إن أصابته سرّاء شكر، وكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر، وكان خيراً له). رواه مسلم .
كان أيوب عليه السلام، كلما أصابته مصيبة يقول: اللهم أنت أخذت، وأنت أعطيت، بهما تبقى نفسي، أحمدك على حسن بلائك .
إنما الذي ليس من إيماننا ولا من ديننا هو التسخط والجزع والنياحة وشق الجيوب ولطم الخدود؛ فإنها ليست من التسليم والرضا في شيء، وإنها لا تزيد المبتلى إلاّ حرقة وأسى وقنوطاً.
ولذا يتميز المؤمنون بالصبر، ويتفوّق العباد الصالحون بالصبر عند أول وهلة من خبر المصاب الجلل، فتراهم تلهج ألسنتهم بالحمد على من لا يُحمد على مكروه سواه، وهو الحكيم القدير.
فيدبر الشيطان عن طريقهم ويتولى عن خواطرهم، فتبتهج نفوسهم بالإيمان بالقدر خيره وشره.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: (مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: اتَّقِي اللَّهَ وَاصْبِرِي، قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي؛ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي، وَلَمْ تَعْرِفْهُ، فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ، فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى). رواه البخاري.
تكاتف القلوب
ما أجمل أن تتواسى النفوس الطيبة ببعضها، فيسلي بعضها بعضًا لتخفف من لأواء المصاب، فنذكّرَ المصاب بأن ابنك قد سبقك إلى الجنة بإذن الله، وأنك ستراه كأجمل ما يكون، وستسعد به السعادة الحقيقية بين يدي الله تعالى وعلى حوض الحبيب -صلى الله عليه وسلم- ومع الصحابة الكرام في جنة الفردوس.
فلقد جاء في الأثر: عن عبد الله بن يزيد عن أبيه -رضي الله عنه- قال: كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ بلغه وفاة ابن لامرأة من الأنصار، فقام وقمنا، فلما رآها قال: ما هذا الجزع؟ قالت: يا رسول الله، ما لي لا أجزع وأنا رقوب لا يعيش لي ولد؟ فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: إنما الرقوب التي يعيش لها ولدها، أما تحبين أن ترينه على باب الجنة، وهو يدعوك إليها؟ قالت: بلى، قال: كذلك لك في ذلك.
ولنذكر حبيبنا المصاب بأن لك إخوة أصيبوا بمثل ما أُصبت، بل أشد من ذلك، فقد وقفت على مصيبة أحد أحبابنا قد فُجِع في سبعة من أولاده في حادث واحد، وآخر ثلاثة، فودعوهم، فما رأينا كل واحد منهما إلاّ صابرًا مسترجعًا .
استرجع يا رعاك الله: فإنه ما من مسلم يُصاب بمصيبة فيذكرها، وإن قدم عهدها، فيحدث لذلك استرجاعاً إلاّ جدّد الله تبارك وتعالى له عند ذلك مثل أجرها يوم أصيب، كما روى ذلك أحمد.
وما أجمل ما قال عليُّ بن أبي طالب -رضي الله عنه- للأحنف بن قيس وهو يواسيه في فقد أحد أبنائه: يا أحنف، إنك إنْ صبرت أجرى الله عليك قضاءه وأنت مأجور، وإن جزعت أجرى الله عليك قضاءه وأنت موزور.
فهنيئًا لك ـ أخي الصابر ـ الإيمان بالصبر على المصيبة يا أخي، ونحتسب الأجر عند الله لكل من فقد حبيبًا، أو أُصيب بمصيبة، وإن لله وإنا إليه راجعون.
وإن فقد الشباب موجود منذ أن خُلقت الأرض؛ فالموت لا يفرق بين عمر وعمر، ولكن الحقيقة أن حوادث السيارات رفعت هذه النسبة كثيراً، حتى أصبحت أعداد الضحايا تقارب ضحايا الحروب، وأن المتوفين من الشباب فاق من يموت من المسنين.
صلاح الولد والشرف الممتد
وأخيرًا: الله الله في تربية الأولاد على الصلاح؛ فإن الولد الصالح شرف في حياته، وشرف بعد مماته، والله رأينا من بكاء الناس على الشاب الصالح ربما ما يوازي بكاءهم على العالم الكبير، وكثرتهم في تشييع جنازته ما يوازي الكبراء والعظماء؛ لأنه بذرة خير كان يُرجى لها أن تكون شجرة سامقة في المجتمع، والحمد لله على قضاء الله وقدره، حكيم وعدل ورحيم، وهو أرحم بخلقه من أنفسهم على أنفسهم، فلا ينبغي أن تلهينا الحياة الدنيا عن صياغة حياة إيمانية لأسرنا تقوم على الحرص على الصلاة والأذكار وحسن التعامل والرحمة، والعطاء لهذا الدين.
مواساة وعزاء
لأخي الحبيب .. والداعية المسدّد .. والقلب الكبير: الشيخ المفضال: فهد بن عبد العزيز الباش.. أعزيك على لسان الملايين التي أحبّتك، وأحبّت ثمرة فؤادك الابن الغالي: (عبد العزيز) (1) رحمه الله رحمة واسعة، وأسأل الله تعالى أن يعلي درجته في علّيين، وأن يجمعنا وإياه جميعًا في الفردوس الأعلى، وأن يلبسك وأمه الصابرة المحتسبة ثوب الصبر والسلوان.
دعاء
اللهم اجبرْ مصاب المسلمين في كل مكان في فقْد أحبابهم، اللهم اربطْ على قلوبهم، وثبّتهم بالإيمان والسلوان، ومتعهم بالصبر، وأحسنْ إليهم بالخلف العاجل الذي هو خير مما فقدوه، ورضّهم بما قسمت لهم، وأبدلْ حزنهم فرحًا، وكدرَهم سروراً، وتقبّل دعاء الناس لهم، وارحم فيهم ضعفهم، واجمعنا وإياهم ومن فقدوه في جنات النعيم، وارحم موتانا وموتى المسلمين، فإنك سميع مجيب.
--
(1) هو الشاب الصالح عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز الباش (هكذا نحسبه والله حسيبه)، شاب نشأ في طاعة الله تعالى، بين القرآن والأذكار، وطاعة والديه، والتفوق في دراسته، ونفع الآخرين. يتسم بحسن الخلق، وكرم المعشر، تولى في آخر حياته الأذان في مسجد جده من أمه والدي الشيخ: سعود بن عبد العزيز الحليبي متع الله به وأطال في عمره، وافته المنية إثر حادث مروري، ولا نقول إلاّ ما يرضى ربنا: إنا لله وإنا إليه راجعون.
المراجع
www.almostshar.com/web/Subject_Desc.php?Subject_Id=2617&Cat_Subject_Id=16&Cat_Id=1موسوعه المستشار
التصانيف
الحياة
login |