الشيخ مروان محمد أبوبكر
داعية وباحث سوداني
اجتمعت معه كثيرًا على طاعة الله، فقد كان من أنشط شباب مسجدنا وأوفرهم أدباً وهدوءًا، حتى إني كنت أضرب به المثل لكثير من مشاغبي شبابنا.
ومع نشاطه في الخير، فلم تكن علاقتي به خاصة، أو تتميز عن علاقتي بكثيرمن شباب المسجد، ولعل ذلك يرجع إلى كونه يصغرني سنًا.
المهم، حدث وأن أخبرني ذات يوم أحد المقربين منه أنه على علاقة بزميلته في الدراسة، وأنهما تعاهدا على الزواج بعد التخرج، وأنها على قدر من الالتزام، وقد اشترطت عليه أن يحفظ القران قبل عقد زواجهما، ووو... من نحو هذا المطلب، وأن حجته في إنشاء هذه الصلة تربيتها علي الخير، ليبني في المستقبل أسرة طائعة لربها، قائمة علي حدوده، وأن هذه العلاقة، علاقة علنية، فقد باتت معروفة لكلا الأسرتين.
لم ترق لي الفكرة لحظتها، ولكني آثرت أن لا أتسرع في إبداء النصح، الذي هو من حقوق الأخوة في الله، خاصة في مثل هذه المواضيع، لما أعرف من خطورة التسرع في علاجها، علاوة على ذلك فقد شعرت بأني لم ألم بجوانب الموضوع، ولم يستنصحني صاحبه فيه.
ثم قدر الله لى السفر للعمل بإحدى الدول العربية، وانقطعت صلتي بالأخ شيئاً ما، وأخذتني الحياة بتيارها الجارف.
وبينما أنا في طريقي يوماً، عائد من سفر إلى مكان عملي، يرن هاتفي المحمول:
- السلام عليكم.
- بصوت خافت، وعليكم السلام، أكيد إنك سمعت عن البنت التي كنت أربيها في الجامعة
- نعم سمعت.
- وينفجر باكياً: خطوبتها الليلة، جاءها أحد الميسرين و... أنا تعبت فيها، وبنيت آمالاً عليها، ووو....
- حاولت أن أهدئ من روعه.
فقلت: "عسي أن يكون في ذلك خير لك ولها، و أنت رجل خير، ولن يضيعك الله أبداً، ستجد من تسعد وتهنأ بها"، وكلاماً في هذا المعنى.
وعلى ذلك انتهت المحادثة، ولا أخفيكم فقد تألمت كثيراً، فأنا لا أطيق أن أري أحد إخواني يتألم، هذا من جهة ومن جهة أخرى لأن قضيته لفتت نظري إلى مشكلة خطيرة، هي تلك الصداقات أيّاً كان نوعها، والتي انتشرت في الجامعات المختلطة، بين الطلاب والطالبات، وبدأت أتفكر في هذه القضية، رغم الإرهاق والتعب وعناء السفر، وظللت بعد ذلك مدة، أدير الأمر في راسي، وأبحث عن حل له في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان خلاصة ذلك ما أصوغه في هذه الأسطر، راجيًا أن تصل إلى أصحاب القضية، من طلبة وطالبات الجامعات المختلطة أولاً، وإلى غيرهم ممن أهمهم ما أهمني، وأرحب بأي رأي أو نقد عبر بريدي الإلكتروني .
وقفة أولى:
إن الشريحة المعنية بهذا الخطاب -وهي الأغلبية والحمد لله- من الشباب الذين تربوا على خلق ودين، ممن يحافظون على صلواتهم، ويرتجي المجتمع منهم الكثير، وقد دخلوا تلك الجامعات لتحقيق مستقبل زاهر لهم ولأمتهم، فدخل الشيطان عليهم من باب هذه الصداقات، مستقلاً حسن نواياهم، زاعمًا أن ذلك هو الطريق الممهد للحياة الزوجية السعيدة، ليجترهم إلى هاوية يعسر على من سقط فيها تحقيق النجاحات المطلوبة.
أما أولئك المستهترون، الذين يريدون الإفساد في الأرض، فلا أقول بتركهم يَغرقون ويُغرقون، ولكن أعتقد أنهم يحتاجون إلى خطاب يختلف في صياغته عن هذا.
وقفة ثانية:
أن هذه القضية الخطيرة –الصداقة بين مختلفي الجنس- ليست قاصرة على طلاب الجامعات المختلطة وحدهم بل هي مشكلة موجودة في كثير من المؤسسات والشركات والمرافق التي يوجد بها اختلاط بين الجنسين وما يقال للطلاب يقال لهؤلاء أيضاً.
تنبيه:
ومما يجدر بي في هذا المقام، أن أطرق أصل القضية، التي أضعها بين يدي القاري الكريم، فمما لا شك فيه أن قضية الاختلاط هي أصل موضوعنا.
والاختلاط غير المنضبط والذي لا مبرر له إلا هوى النفس طالما انقطع نفس بعضهم وهو يحاول أن يجد في نصوص الشرع ما يبيحه.
ولست بصدد تقرير حكم في هذا الشأن، ولكني أفسح المجال لنصوص الشريعة، وأقوال الراسخين فيها، فإليك بعض ذلك.
قال الله تعالى :(وإذا سألتموهن متاعاً فاسألوهن من وراء حجاب).
وقال تعالى :(وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى) .
وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم :(خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها) أخرجه مسلم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سلم، قام النساء حين يقضي تسليمه ويمكث في مقامه يسيرًا قبل أن يقوم قال: "نرى والله أعلم أن ذلك كان لكي ينصرف النساء" البخاري.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للنساء: " استأ خرن، فإنه ليس لكنّ أن تحققن الطريق، عليكنّ بحافات الطريق" أخرجه أبوداود.
وجعل النبي صلى الله عليه وسلم للنساء موضعًا في مصلى العيد، ثم أقبل عليهنّ، فوعظهنّ، رواه البخاري.
وقالت النساء للنبي صلى الله عليه وسلم: "غلبنا عليك الرجال، فاجعل لنا يومًا، فوعدهن يوماً لقيهنّ فيه، فوعظهن، وأمرهن" أخرجه البخاري، وقال النبي صلي الله عليه وسلم، عن باب من أبواب المسجد: "لو تركنا هذا الباب للنساء" قال نافع:" فلم يدخل منه ابن عمر حتى مات" رواه أبو داود، وكانت عائشة تطوف حجزة من الرجال، لا تخالطهم، وكانت رضي الله عنها، تعلمُ الرجالَ من وراء حجاب.
قال ابن القيم رحمه الله: "لا ريب أن تمكين النساء من الاختلاط بالرجال أصل كل بلية وشر، وهو من أعظم أسباب نزول العقوبات العامة، واختلاط الرجال بالنساء، سبب لكثرة الفواحش والزنا" .أما ما يقع من اختلاط بين الرجال والنساء للضرورة، كما في الأسواق ونحوها، فإن الضرورة تقدر بقدرها، لا يزاد عليها ولا يتوسع فيها.
ولكن ليس المقصود من هذا المقال بيان الحكم الشرعي للاختلاط، بل المقصود كيف يحفظ الطالب الذي التحق بالجامعة المختلطة نفسه من هاوية الصداقات المسمومة مع الجنس الآخر المدمرة لدينه وأخلاقه ومستقبله بعد أن صار يعيش ذلك الواقع رضينا أم أبينا.
وأتصور أن هذا المطلب العزيز، لابد أن تجتمع فيه ثلاثة أمور، نفصلها في لاحقاً إنشاء الله
المراجع
شبكة المشكاة الاسلامية
التصانيف
تصنيف :عقيدة
login |