في الفصل الثاني من كتاب هو ذا الإنسان، حيث يحاول نيتشه أن يجيب عن السؤال: لماذا كنت عليما إلى هذا الحد؟ لا نلفي توقفا عند ما يمكن أن يكون مصدر علم ومعرفة، ولا نجد حديثا عن مصنفات ومفكرين، وإنما عما يٌمَكّن الفكر من أن يبلغ أعلى قواه.
لكن ما يجعل الفكر يبلغ أعلى قواه ليس هنا تنظيما للمعارف ومناهجها، ولا هو مجاهدة روحية، وإنما هو "تدبير للجسد"، وانتقاء لفضاءات الإقامة، وضبط لأوقات الاستراحة ومراعاة لنظام التغذية.
يحتل نظام التغذية هنا الدرجة الأولى إلى حد أن نيتشه يجعل من قضية التغذية أم القضايا. يقول في مستهل الفصل "هناك مسألة تبلغ أهميتها عندي مبلغا خاصا يتوقف عليها مصير الإنسانية جمعاء أكثر مما يتوقف على أية حذلقة لاهوتية، تلك هي قضية نظام التغذية.
ويمكن أن نصوغها على النحو التالي: كيف يتوجب علي أن تكون تغذيتي أنا على الخصوص، كي أبلغ أعلى قواي. أقصد هنا القوة بالمعنى الذي كانت القرون الوسطى تعطيه للكلمة، أي القوةvertu قبل أن تنزل إلى مرتبة الفضيلة الأخلاقية".
إن "الحذلقات اللاهوتية" انصبت على كل الروحانيات من غير أن تعير انتباها إلى "روحانية الجسد". لقد نسيت تلك الحذلقات أن الجسم مشدود إلى إيقاعات العمل والاستراحة، مشروط بالفضاءات التي يرتادها، وأنه ما يفتأ يتجرع سموم العادات الغذائية والقواعد الأخلاقية.
وما "المسخ" الأخلاقي الذي عرفه لفظ الـ vertu إلا دليل على مدى "التهذيب" الذي خضعت له القوة الحيوية، وعلى ما فعلته الإتيكا بالديتيتيكا والاستيتيكا، كما أنه علامة على ضرورة القيام بـ"نقد للعقل الغذائي" لأن "الغياب المطلق للعقل داخل المطبخ هو الذي يكمن وراء ما عرفه تقدم الكائن البشري من تعثر لكل هذه المدة الطويلة".
المراجع
موسوعة الاوان
التصانيف
معرفة