الآية الخامسة والأربعون قوله تعالى وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ » مسألة المقتول الكافر من أهل العهد
الجزء الأول - المسألة الرابعة عشرة : قوله تعالى : ( وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) : والميثاق هو العهد المؤكد الذي قد ارتبط وانتظم ، ومنه الوثيقة ففيه الدية . قال ابن عباس : هذا هو الكافر الذي له ولقومه العهد ، فعلى قاتله الدية لأهله والكفارة لله سبحانه ، وبه قال جماعة من التابعين والشافعي . وقال مالك وابن زيد والحسن : المراد به ، وهو مؤمن . واختار الطبري أن يكون المراد به المقتول الكافر من أهل العهد لأن الله سبحانه أهمله ولم يقل وهو مؤمن ، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب ، وإطلاقه ما قيد قبل ذلك دليل أنه خلافه .
وهذا عند علمائنا محمول على ما قبله من وجهين : أحدهما : أن هذه الجملة نسقت على ما قبلها وربطت بها ؛ فوجب أن يكون حكمها حكمه . الثاني : أن الله سبحانه قال : ( فدية مسلمة ) وقد اختلف الناس في دية الكافر ، فمنهم من جعلها كدية المسلم ، وهو أبو حنيفة وجماعة ؛ ومنهم من جعلها على النصف ، وهو مالك وجماعة ، ومنهم من جعلها ثلث دية المسلم ، وهو الشافعي وجماعة . والدية المسلمة هي الموفرة .
- ص 604 - قال القاضي : والذي عندي أن هذه الجملة محمولة على ما قبلها حمل المطلق على المقيد ، وهو أصل من أصول الفقه اختلف الناس فيه ، وقد أتينا فيه بالعجب في المحصول ، وهو عندي لا يلحق إلا بالقياس عليه . والدليل على حمل هذه الجملة على التي قبلها أمران : أحدهما : أن الكفارة إنما هي لأنه أتلف شخصا عن عبادة الله ؛ فيلزمه أن يخلص آخر لها .
والثاني : أن الكفارة إنما هي زجر عن الاسترسال وتقاة للحذر ، وحمل على التثبت عند الرمي ؛ وهذا إنما هو في حق المسلم . وأما في حق الكافر فلا يلزم فيه مثل هذا . ونحرر هذا قياسا فنقول : كل كافر لا كفارة في قتله ( كالمستأمن وقد اتفقنا على أنه لا كفارة في قتله ) ، ولا عذر لهم عنه به احتفال . المسألة الخامسة عشرة : إذا ثبت أن المذكور في هذه الجملة هو المؤمن ، فمن قتل كافرا خطأ ، وله عهد ففيه الدية إجماعا . وقد اختلفوا فيه كما تقدم ، وهو أصل بديع في رفع الدماء .
ونحن نمهد فيه قاعدة قوية فنقول : مبنى الديات في الشريعة على التفاضل في الحرمة والتفاوت في المرتبة ؛ لأنه حق مالي يتفاوت بالصفات ، بخلاف القتل ، لأنه لما شرع زجرا لم يعتبر فيه ذلك التفاوت ، فإذا ثبت هذا نظرنا إلى الدية فوجدنا الأنثى تنقص فيه عن الذكر ؛ ولا بد أن يكون للمسلم مزية على الكافر ؛ فوجب ألا يساويه في ديته . وزاد الشافعي نظرا ، فقال : إن الأنثى المسلمة فوق الكافر الذكر ، فوجب أن تنقص ديته عن ديتها ، فتكون ديته ثلث دية المسلم .
- ص 605 - وقال مالك بقضاء عمر وهو النصف ؛ إذ لم يراع الصحابة التفاوت بينهما إلا في درجة واحدة ، ولم يتبع ذلك إلى أقصاه ، وليس بعد قضاء عمر بمحضر من الصحابة نظر . وما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه أعطى في ذي العهد مثل دية المسلم » فإنما كان على معنى الاستئلاف لقومهم ؛ إذ كان يؤديه من قبل نفسه ولا يرتبها على العاقلة ، وإلا فقد استقر ما استقر على يد عمر ، حتى جعل في المجوسي ثمانمائة درهم لنقصه عن أهل الكتاب ، وهذا يدل على مراعاة التفاوت واعتبار نقص المرتبة .
المراجع
[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=62&PID=694 موسوعة الإسلام
]
التصانيف
المعرفة-الفقه