الجاثية

{14} قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ وَقَوْله تَعَالَى قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه أَيْ لِيَصْفَحُوا عَنْهُمْ وَيَتَحَمَّلُوا الْأَذَى مِنْهُمْ وَكَانَ هَذَا فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام أُمِرُوا أَنْ يَصْبِرُوا عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب لِيَكُونَ ذَلِكَ كَالتَّأْلِيفِ لَهُمْ ثُمَّ لَمَّا أَصَرُّوا عَلَى الْعِنَاد شَرَعَ اللَّه لِلْمُؤْمِنِينَ الْجِلَاد وَالْجِهَاد . هَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَقَالَ مُجَاهِد لَا يَرْجُونَ أَيَّام اللَّه لَا يَنَالُونَ نِعَم اللَّه تَعَالَى وَقَوْله تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ أَيْ إِذَا صَفَحُوا عَنْهُمْ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مُجَازِيهمْ بِأَعْمَالِهِمْ السَّيِّئَة فِي الْآخِرَة.

{15} مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ثُمَّ إِلَى رَبّكُمْ تُرْجَعُونَ أَيْ تَعُودُونَ إِلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة فَتُعْرَضُونَ بِأَعْمَالِكُمْ عَلَيْهِ فَيَجْزِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ خَيْرهَا وَشَرّهَا وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم .

{16} وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ يَذْكُر تَعَالَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل مِنْ إِنْزَال الْكُتُب عَلَيْهِمْ وَإِرْسَال الرُّسُل إِلَيْهِمْ وَجَعْله الْمُلْك فِيهِ وَلِهَذَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيل الْكِتَاب وَالْحُكْم وَالنُّبُوَّة وَرَزَقْنَاهُمْ مِنْ الطَّيِّبَات أَيْ مِنْ الْمَآكِل وَالْمَشَارِب وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ أَيْ فِي زَمَانهمْ .

{17} وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَات مِنْ الْأَمْر أَيْ حُجَجًا وَبَرَاهِين وَأَدِلَّة قَاطِعَات فَقَامَتْ عَلَيْهِمْ الْحُجَج ثُمَّ اِخْتَلَفُوا بَعْد ذَلِكَ مِنْ بَعْد قِيَام الْحُجَّة وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَغْيًا مِنْهُمْ عَلَى بَعْضهمْ بَعْضًا إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد يَقْضِي بَيْنهمْ يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ أَيْ سَيَفْصِلُ بَيْنهمْ بِحُكْمِهِ الْعَدْل وَهَذَا فِيهِ تَحْذِير لِهَذِهِ الْأُمَّة أَنْ تَسْلُك مَسْلَكهمْ وَأَنْ تَقْصِد مَنْهَجهمْ .

{18} ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ وَلِهَذَا قَالَ جَلَّ وَعَلَا ثُمَّ جَعَلْنَاك عَلَى شَرِيعَة مِنْ الْأَمْر فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِع أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ أَيْ اِتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْك مِنْ رَبّك لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ .

{19} إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ وَقَالَ جَلَّ جَلَاله هَهُنَا إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْك مِنْ اللَّه شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض أَيْ وَمَاذَا تُغْنِي عَنْهُمْ وِلَايَتهمْ لِبَعْضِهِمْ بَعْضًا فَإِنَّهُمْ لَا يَزِيدُونَهُمْ إِلَّا خَسَارًا وَدَمَارًا وَهَلَاكًا وَاَللَّه وَلِيّ الْمُتَّقِينَ وَهُوَ تَعَالَى يُخْرِجهُمْ مِنْ الظُّلُمَات إِلَى النُّور وَاَلَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمْ الطَّاغُوت يُخْرِجُونَهُمْ مِنْ النُّور إِلَى الظُّلُمَات .

{20} هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ثُمَّ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ هَذَا بَصَائِر لِلنَّاسِ يَعْنِي الْقُرْآن وَهُدًى وَرَحْمَة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ .

{21} أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ يَقُول تَعَالَى لَا يَسْتَوِي الْمُؤْمِنُونَ وَالْكَافِرُونَ كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَسْتَوِي أَصْحَاب النَّار وَأَصْحَاب الْجَنَّة أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ الْفَائِزُونَ وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَيْ عَمِلُوهَا وَكَسَبُوهَا أَنْ نَجْعَلهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات سَوَاء مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتهمْ أَيْ نُسَاوِيهِمْ بِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ أَيْ سَاءَ مَا ظَنُّوا بِنَا وَبِعَدْلِنَا أَنْ نُسَاوِيَ بَيْن الْأَبْرَار وَالْفُجَّار فِي الدَّار الْآخِرَة وَفِي هَذِهِ الدَّار قَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا مُؤَمِّل بْن إِهَاب حَدَّثَنَا بُكَيْر بْن عُثْمَان التَّنُوخِيّ حَدَّثَنَا الْوَضِين بْن عَطَاء عَنْ يَزِيد بْن مَرْثَد الْبَاجِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ قَالَ : إِنَّ اللَّه تَعَالَى بَنَى دِينه عَلَى أَرْبَعَة أَرْكَان فَمَنْ صَبَرَ عَلَيْهِنَّ وَلَمْ يَعْمَل بِهِنَّ لَقِيَ اللَّه مِنْ الْفَاسِقِينَ قِيلَ وَمَا هُنَّ يَا أَبَا ذَرّ ؟ قَالَ يُسَلَّم حَلَال اللَّه لِلَّهِ وَحَرَام اللَّه لِلَّهِ وَأَمْر اللَّه لِلَّهِ وَنَهْي اللَّه لِلَّهِ لَا يُؤْتَمَن عَلَيْهِنَّ إِلَّا اللَّه قَالَ أَبُو الْقَاسِم صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَمَا أَنَّهُ لَا يُجْتَنَى مِنْ الشَّوْك الْعِنَب كَذَلِكَ لَا يَنَال الْفُجَّار مَنَازِل الْأَبْرَار " هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق فِي كِتَاب السُّرَّة أَنَّهُمْ وَجَدُوا حَجَرًا بِمَكَّة فِي أُسّ الْكَعْبَة مَكْتُوب عَلَيْهِ : تَعْمَلُونَ السَّيِّئَات وَتَرْجُونَ الْحَسَنَات أَجَلْ كَمَا يُجْنَى مِنْ الشَّوْك الْعِنَب . وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيّ مِنْ حَدِيث شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ مَسْرُوق أَنَّ تَمِيمًا الدَّارِيَّ قَامَ لَيْلَة حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّد هَذِهِ الْآيَة أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اِجْتَرَحُوا السَّيِّئَات أَنْ نَجْعَلهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ .

{22} وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ وَخَلَقَ اللَّه السَّمَوَات وَالْأَرْض بِالْحَقِّ أَيْ بِالْعَدْلِ وَلِتُجْزَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

تفسير القرآن الكريم