الجزء الأول - باب قتل الوالد بولده اختلف الفقهاء في قتل الوالد بولده ، فقال عامتهم : " لا يقتل ، وعليه الدية في ماله " قال - ص 203 - بذلك أصحابنا والأوزاعي والشافعي ، وسووا بين الأب والجد .

وقال الحسن بن صالح بن حي : " يقاد الجد بابن الابن " ، وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه ، ولا يجيز شهادة الأب لابنه . وقال عثمان البتي : " إذا قتل ابنه عمدا قتل به " ، وقال مالك : " يقتل به " وقد حكي عنه أنه إذا ذبحه قتل به ، وإن حذفه بالسيف لم يقتل به . والحجة لمن أبى قتله حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يقتل والد بولده » .

وهذا خبر مستفيض مشهور ، وقد حكم به عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة من غير خلاف من واحد منهم عليه ، فكان بمنزلة قوله « لا وصية لوارث » ، ونحوه في لزوم الحكم به ، وكان في حيز المستفيض المتواتر . وقد حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إبراهيم بن هاشم بن الحسين قال : حدثنا عبد الله بن سنان المروزي قال : حدثنا إبراهيم بن رستم ، عن حماد بن سلمة ، عن يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، عن عمر بن الخطاب قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « لا يقاد الأب بابنه » .

وحدثنا عبد الباقي قال : حدثنا بشر بن موسى قال : حدثنا خلاد بن يحيى قال : حدثنا قيس ، عن إسماعيل بن مسلم ، عن عمرو بن دينار ، عن طاوس ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لا يقاد الوالد بولده » . وروي عن النبي عليه السلام أنه قال لرجل : « أنت ومالك لأبيك » فأضاف نفسه إليه كإضافة ماله ، وإطلاق هذه الإضافة ينفي القود كما ينفي أن يقاد المولى بعبده لإطلاق إضافته إليه بلفظ يقتضي الملك في الظاهر ، والأب وإن كان غير مالك لابنه في الحقيقة فإن ذلك لا يسقط استدلالنا بإطلاق الإضافة ؛ لأن القود يسقطه الشبهة ، وصحة هذه الإضافة شبهة في سقوطه .

ويدل عليه أيضا ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه ، وإن ولده من كسبه » ، وقال عليه الصلاة والسلام : « إن أولادكم من كسبكم ؛ فكلوا من كسب أولادكم » فسمى ولده كسبا له كما أن عبده كسبه ، فصار ذلك شبهة في سقوط القود به . وأيضا فلو قتل عبد ابنه لم يقتل به ؛ لأنه عليه السلام سماه كسبا له ، كذلك إذا قتل نفسه . وأيضا قال الله تعالى : ( ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير وإن جاهداك على أن تشرك ) الآية ، فأمر - ص 204 - بمصاحبة الوالدين الكافرين بالمعروف ، وأمره بالشكر لقوله تعالى : ( أن اشكر لي ولوالديك ) وقرن شكرهما بشكره .

وذلك ينفي جواز قتله إذا قتل وليا لابنه ، فكذلك إذا قتل ابنه ؛ لأن من يستحق القود بقتل الابن إنما يثبت له ذلك من جهة الابن المقتول ، فإذا لم يستحق ذلك المقتول لم يستحق ذلك عنه . وكذلك قوله تعالى : ( إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل ربي ارحمهما كما ربياني صغيرا ) ولم يخصص حالا دون حال ، بل أمره بذلك أمرا مطلقا عاما . فغير جائز ثبوت حق القود عليه ؛ لأن قتله له يضاده هذه الأمور التي أمر الله تعالى بها في معاملة والده .

وأيضا « نهى النبي صلى الله عليه وسلم حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه ، وكان مشركا محاربا لله ولرسوله ، وكان مع قريش يقاتل النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد » ، فلو جاز للابن قتل أبيه في حال لكان أولى الأحوال بذلك حال من قاتل النبي عليه السلام وهو مشرك ، إذ ليس يجوز أن يكون أحد أولى باستحقاق العقوبة والذم والقتل ممن هذه حاله ، فلما نهاه عليه السلام عن قتله في هذه الحال علمنا أنه لا يستحق قتله بحال . وكذلك قال أصحابنا : إنه لو قذفه لم يحد له - ( الأب ابنه ) - ، ولو قطع يده لم يقتص منه - ) الأب ابنه ) - ، ولو كان عليه دين له لم يحبس به - ( ؛ الأب ابنه ) - لأن ذلك كله يضاد موجب الآي التي ذكرنا .

ومن الفقهاء من يجعل مال الابن لأبيه في الحقيقة كما يجعل مال العبد ، ومتى أخذ منه لم يحكم برده عليه . فلو لم يكن في سقوط القود به إلا اختلاف الفقهاء في حكم ماله على ما وصفنا لكان كافيا في كونه شبهة في سقوط القود به . وجميع ما ذكرنا من هذه الدلائل يخص آي القصاص ، ويدل على أن الوالد غير مراد بها ، والله أعلم .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه