الجزء الأول - باب القصاص قال الله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) هذا كلام مكتف بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده ، ألا ترى أنه لو اقتصر عليه لكان معناه مفهوما من لفظه ، واقتضى ظاهره وجوب القصاص على المؤمنين في جميع القتلى ؟ والقصاص هو أن يفعل به مثل ما فعل به ، من قولك : " اقتص أثر فلان " إذا فعل مثل فعله ، قال الله تعالى : ( فارتدا على آثارهما قصصا وقوله تعالى : وقالت لأخته قصيه ) أي اتبعي أثره .
وقوله : ( كتب عليكم ) معناه : فرض عليكم ، كقوله تعالى : ( كتب عليكم الصيام ) و ( كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين ) وقد كانت الوصية واجبة . ومنه : الصلوات المكتوبات ، يعني بها المفروضات ، فانتظمت الآية إيجاب القصاص على المؤمنين إذا قتلوا لمن قتلوا من سائر المقتولين لعموم لفظ المقتولين .
والخصوص إنما هو في القاتلين ؛ لأنه لا يكون القصاص مكتوبا عليهم إلا وهم قاتلون ، فاقتضى وجوب القصاص على كل قاتل عمدا بحديدة إلا ما خصه الدليل ، سواء كان المقتول عبدا أو ذميا ، ذكرا أو أنثى ، لشمول لفظ القتلى للجميع . وليس توجيه الخطاب إلى المؤمنين بإيجاب القصاص عليهم في القتلى بموجب أن يكون القتلى مؤمنين ؛ لأن علينا اتباع عموم اللفظ ما لم تقم دلالة الخصوص ، وليس في الآية ما يوجب خصوص الحكم في بعض القتلى دون بعض .
- ص 188 - فإن قال قائل : يدل على خصوص الحكم في القتلى وجهان : أحدهما : في نسق الآية : ( فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف ) والكافر لا يكون أخا للمسلم ، فدل على أن الآية خاصة في قتلى المؤمنين . والثاني : قوله : ( الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى ) قيل له : هذا غلط من وجهين : أحدهما : أنه إذا كان أول الخطاب قد شمل الجميع فما عطف عليه بلفظ الخصوص لا يوجب تخصيص عموم اللفظ ، وذلك نحو قوله تعالى : ( والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء ) وهو عموم في المطلقة ثلاثا وما دونها ، ثم عطف قوله تعالى : ( فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف وقوله تعالى : وبعولتهن أحق بردهن في ذلك ) وهذا حكم خاص في المطلق لما دون الثلاث ، ولم يوجب ذلك تخصيص عموم اللفظ في إيجاب ثلاثة قروء من العدة على جميعهن ، ونظائر هذا كثيرة في القرآن .
والوجه الآخر : أن يريد الإخوة من طريق النسب لا من جهة الدين ، كقوله تعالى : ( وإلى عاد أخاهم هودا ) وأما قوله : ( الحر بالحر والعبد بالعبد ) فلا يوجب تخصيص عموم اللفظ في القتلى ؛ لأنه إذا كان أول الخطاب مكتفيا بنفسه غير مفتقر إلى ما بعده لم يجز لنا أن نقصره عليه . وقوله : ( الحر بالحر ) إنما هو بيان لما تقدم ذكره على وجه التأكيد وذكر الحال التي خرج عليها الكلام ، وهو ما ذكره الشعبي وقتادة : أنه كان بين حيين من العرب قتال .
وكان لأحدهما طول على الآخر ، فقالوا : لا نرضى إلا أن نقتل بالعبد منا الحر منكم ، وبالأنثى منا الذكر منكم فأنزل الله : ( كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد ) مبطلا بذلك ما أرادوه ، ومؤكدا عليهم فرض القصاص على القاتل دون غيره ؛ لأنهم كانوا يقتلون غير القاتل ، فنهاهم الله عن ذلك وهو معنى ما روي عنه عليه السلام أنه قال : « من أعتى الناس على الله يوم القيامة ثلاثة : رجل قتل غير قاتله ، ورجل قتل في الحرم ، ورجل أخذ بذحول الجاهلية » .
وأيضا فإن قوله تعالى : ( الحر بالحر والعبد بالعبد ) تفسير لبعض ما انتظمه عموم اللفظ ، ولا يوجب ذلك تخصيص اللفظ ، ألا ترى أن قول النبي عليه السلام « : الحنطة بالحنطة مثلا بمثل » ، وذكره الأصناف الستة لم يوجب أن يكون حكم - ص 189 - الربا مقصورا عليها ، ولا نفي الربا عما عداها ؟ كذلك قوله ( الحر بالحر ) لا ينفي اعتبار عموم اللفظ في قوله : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) ويدل على أن قوله : ( الحر بالحر ) غير موجب لتخصيص عموم القصاص ، ولم ينف القصاص عن غير المذكور اتفاق الجميع على قتل العبد بالحر والأنثى بالذكر ، فثبت بذلك أن تخصيص الحر بالحر لم ينف موجب حكم اللفظ في جميع القتلى . فإن قال قائل : كيف يكون القصاص مفروضا ، والولي مخير بين العفو وبين القصاص ؟ قيل له : لم يجعله مفروضا على الولي ، وإنما جعله مفروضا على القاتل للولي بقوله تعالى : ( كتب عليكم القصاص في القتلى ) وليس القصاص على الولي ، وإنما هو حق له ، وهذا لا ينفي وجوبه على القاتل ، وإن كان الذي له القصاص مخيرا فيه . وهذه الآية تدل على قتل الحر بالعبد ، والمسلم بالذمي ، والرجل بالمرأة لما بينا من اقتضاء أول الخطاب إيجاب عموم القصاص في سائر القتلى ، وأن تخصيصه الحر بالحر ومن ذكر معه لا يوجب الاقتصار بحكم القصاص عليه دون اعتبار عموم ابتداء الخطاب في إيجاب القصاص .
ونظيرها من الآي في إيجاب القصاص عاما قوله تعالى : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) فانتظم ذلك جميع المقتولين ظلما وجعل لأوليائهم سلطانا ، وهو القود ، لاتفاق الجميع على أن القود مراد بذلك في الحر المسلم إذا قتل حرا مسلما ، فكان بمنزلة قوله تعالى فقد جعلنا لوليه قودا ؛ لأن ما حصل الاتفاق عليه من معنى الآية مراد فكأنه منصوص عليه فيها ، فلفظ السلطان ، وإن كان مجملا فقد عرف معنى مراده من طريق الاتفاق . وقوله : ( ومن قتل مظلوما ) هو عموم يصح اعتباره على حسب ظاهره ، ومقتضى لفظه . ونظيرها أيضا من الآي قوله تعالى : ( وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس ) فأخبر أن ذلك كان مكتوبا على بني إسرائيل .
وهو عموم في إيجاب القصاص في سائر المقتولين . وقد احتج أبو يوسف بذلك في قتل الحر بالعبد ، وهذا يدل على أن من مذهبه أن شريعة من كان قبلنا من الأنبياء ثابتة علينا ما لم يثبت نسخها على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نجد في - ص 190 - القرآن ولا في السنة ما يوجب نسخ ذلك ، فوجب أن يكون حكمه ثابتا علينا على حسب ما اقتضاه ظاهر لفظه من إيجاب القصاص في سائر الأنفس .
ونظيره أيضا قوله تعالى : ( فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ) لأن من قتل وليه يكون معتدى عليه ، وذلك عموم في سائر القتلى . وكذلك قوله : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ) يقتضي عمومه وجوب القصاص في الحر والعبد والذكر والأنثى والمسلم والذمي .
المراجع
[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=121 موسوعة الإسلام
]
التصانيف
المعرفة-الفقه