الجزء الأول - باب فرض الصيام قال الله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) فالله تعالى أوجب علينا فرض الصيام بهذه الآية ؛ لأن قوله ( كتب عليكم ) معناه فرض عليكم ، كقوله : ( كتب عليكم القتال وهو كره لكم ) وقوله : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا ) يعني فرضا مؤقتا . الصيام في اللغة هو الإمساك ، قال الله تعالى : ( إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا ) يعني صمتا ، فسمى الإمساك عن الكلام صوما . ويقال : خيل صيام " إذا كانت ممسكة عن العلف ، و " صامت الشمس نصف النهار " لأنها ممسكة عن السير والحركة ، فهذا حكم هذا اللفظ في اللغة .

وهو في الشرع : اسم للكف عن الأكل والشرب وما في معناه ، وعن الجماع في نهار الصوم مع نية القربة أو الفرض . وهو لفظ مجمل مفتقر إلى البيان عند وروده ؛ لأنه اسم - ص 243 - شرعي موضوع لمعان لم تكن معقولة في اللغة ، إلا أنه بعد ثبوت الفرض واستقرار أمر الشريعة قد عقل معناه الموضوع له فيها بتوقيف النبي صلى الله عليه وسلم الأمة عليها . وقوله تعالى : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) يعتوره معان ثلاثة كل واحد منها مروي عن السلف ؛ قال الحسن والشعبي وقتادة : " إنه كتب على الذين من قبلنا وهم النصارى شهر رمضان أو مقداره من عدد الأيام ، وإنما حولوه وزادوا فيه " . وقال ابن عباس والربيع بن أنس والسدي : " كان الصوم من العتمة إلى العتمة ولا يحل بعد النوم مأكل ولا مشرب ولا منكح ، ثم نسخ " . وقال آخرون : " معناه أنه كتب علينا صيام أيام كما كتب عليهم صيام أيام ، ولا دلالة فيه على مساواته في المقدار بل جائز فيه الزيادة والنقصان " . وروي عن مجاهد وقتادة : " الذين من قبلكم " أهل الكتاب " . وروى عبد الرحمن بن أبي ليلى عن معاذ بن جبل قال : « أحيل الصيام ثلاثة أحوال ، فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فجعل الصوم كل شهر ثلاثة أيام ويوم عاشوراء » ، ثم إن الله تعالى فرض الصيام بقوله : ( كتب عليكم الصيام ) وذكر نحو قول ابن عباس الذي قدمنا . قال أبو بكر : لما لم يكن في قوله : ( كما كتب على الذين من قبلكم ) دلالة على المراد في العدد أو في صفة الصيام أو في الوقت كان اللفظ مجملا ، ولو علمنا وقت صيام من قبلنا وعدده كان جائزا أن يكون مراده صفة الصيام وما حظر على الصائم فيه بعد النوم ، فلم يكن لنا سبيل إلى استعمال ظاهر اللفظ في احتذاء صوم من قبلنا ، وقد عقبه تعالى بقوله : ( أياما معدودات ) وذلك جائز وقوعه على قليل الأيام وكثيرها ، فلما قال تعالى : في نسق التلاوة : ( شهر رمضان الذي أنـزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) بين بذلك عدد الأيام المعدودات ووقتها وأمر بصومها .

وقد روي هذا المعنى عن ابن أبي ليلى . وروي عن ابن عباس وعطاء أن المراد بقوله تعالى : ( أياما معدودات ) صوم ثلاثة أيام من كل شهر قبل أن ينزل رمضان ، ثم نسخ برمضان .


المراجع

موسوعة الإسلام

التصانيف

المعرفة-الفقه