- الجزء الأول - وأما العقل ، فإن فقدت معه النية والإرادة فإنما ينفى عنه صحة الصوم لعدم النية ، فإن وجدت منه النية من الليل ثم عزب عقله لم ينف ذلك صحة صومه .
وإنما قلنا إن النية شرط في صحة الصوم من قبل أنه لا يكون صوما شرعيا إلا بأن يكون فاعله متقربا به إلى الله عز وجل ولا تصح القربة إلا بالنية والقصد لها ، قال الله تعالى : ( لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم ) فأخبر عز وجل أن شرط التقوى تحري موافقة أمره .
ولما كان شرط كونه متقيا فعل الصوم من المفروض لم يحصل له ذلك إلا بالنية ؛ لأن التقوى لا تحصل له إلا بتحري موافقة أمر الله والقصد إليه ؛ وقال تعالى : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ) ولا يكون إخلاص الدين له إلا بقصده به إليه راغبا عن أن يريد به غيره . فهذه أصول في تعلق صحة الفروض بالنيات .
ولا خلاف بين المسلمين في أن من شرط الصلاة والزكاة والحج والكفارات إيجاد النية لها ؛ لأنها فروض مقصودة لأعيانها ، فكان حكم الصوم حكمها لهذه العلة بعينها .
فإن قيل : جميع ما استدللت به على كون النية شرطا في الصوم وفي سائر الفروض يلزمك شرط النية في الطهارة ؛ إذ كانت فرضا من الفروض . قيل له : ليس ذلك على ما ظننت ؛ لأن الطهارة ليست فرضا مقصودا لعينها ، وإنما المقصود غيرها وهي شرط فيه ، فقيل لنا : لا تصلوا إلا بطهارة ، كما قيل : لا تصلوا إلا بطهارة من نجاسة ، ولا تصلوا إلا بستر - ص 273 - العورة ؛ فليست هذه الأشياء مفروضة لأنفسها ، فلم يلزم إيجاد النية لها ، ألا ترى أن النية نفسها لما كانت شرطا لغيرهم ، ولم تكن مفروضة لنفسها صحت بغير نية توجد لها ؟ فانفصل بما ذكرنا حكم الفروض المقصودة لأعيانها وحكم ما جعل منها شرطا لغيره وليس هو بمفروض لنفسه ، فلما كانت الطهارة بالماء شرطا لغيرها ، وليست أيضا ببدل عن سواها لم يلزم فيها النية ؛ ولا يلزم على هذا إيجابنا النية في التيمم ؛ لأنه بدل عن غيره فلا يكون طهورا إلا بانضمام النية إليه ؛ إذ ليس هو طهورا في نفسه بل هو بدل عن غيره .
ولم يختلف الأمة في أن كل صوم واجب في الذمة فشرط صحته إيجاد النية له ، فوجب أن يكون كذلك حكم صوم رمضان في كون النية شرطا لصحته . وشبه زفر صوم رمضان بالطهارة في إسقاط النية لهما ، من قبل أن الطهارة مفروضة في أعضاء بعينها فكان الصوم مشبها لها في كونه مفروضا في وقت مستحق العين له .
وهذا عند سائر الفقهاء ليس كذلك ؛ لأن العلة التي ذكرها للطهارة غير موجودة في الصوم ؛ إذ جعل علة الطهارة أنها مفروضة في موضع بعينه ، وهذا المعنى غير موجود في الصوم ؛ لأنه غير موضوع في موضع بعينه ، وإنما هو موضوع في وقت معين لا في موضع معين .
وعلى أن هذه العلة منتقضة بالطواف ؛ لأنه مفروض في موضع معين ، ولو عدا رجل خلف غريم له يوم النحر حوالي البيت لم يكن طائفا طواف الزيارة ، وكذلك لو كان يسقي الناس هناك وبين الصفا والمروة لم يجزه من الواجب .
فإذا كانت هذه العلة غير موجبة للحكم في معلولها من الطواف والسعي فأن لا يوجب حكمها فيما ليست فيه موجودة أولى . وعلى أن الطهارة مخالفة للصوم ، لما بينا من أنها غير مفروضة لنفسها ، وإنما هي شرط لغيرها لا على وجه البدل ، فلم تجب أن تكون النية شرطا فيها ، كأنه قيل : لا تصل إلا ، وأنت طاهر من الحدث ، ومن النجاسة ، ولا تصل إلا مستور العورة . وليس شرط غسل النجاسة وستر العورة النية ، كذلك الطهارة بالماء ؛ وأما الصوم فإنه مفروض مقصود لعينه كسائر الفروض التي ذكرنا ، فوجب أن يكون شرط صحته إيجاد النية له .
ومعنى آخر ؛ وهو أنا قد علمنا أن الصوم على الصوم على ضربين : منه الصوم اللغوي ، ومنه الصوم الشرعي . وأن أحدهما إنما ينفصل من الآخر بالنية مع ما قدمنا من شرائطه ، ومتى لم توجد له النية كان صوما لغويا لا حظ فيه للشرع ، فلذلك وجب اعتبار النية في صوم رمضان ، ألا ترى أن من أمسك في يوم من غير رمضان عما يمسك عنه الصائم ، ولم يكن له نية الصوم أن صومه ذلك لا يكون صوم شرع ؟ وصوم التطوع مشبه لصوم رمضان في جواز ترك النية له من الليل ، فلما - ص 274 - لم يكن صائما متطوعا بالإمساك دون النية وجب أن يكون صوم رمضان كذلك .
ويلزم زفر أن يجعل المغمى عليه أياما في رمضان إذا لم يأكل ولم يشرب صائما لوجود الإمساك ، وهذا إن التزمه قائل كان قائلا قولا مستشنعا .
وإنما قلنا إنه يحتاج إلى إيجاد النية كل يوم إما من الليل أو قبل الزوال ، من قبل أنا قد بينا أن صوم رمضان لا يصح إلا بنية ، ومن حيث افتقر إلى نية في أول الشهر وجب أن يكون اليوم الثاني مثله ؛ لأنه يخرج بالليل من الصوم ، ومتى خرج منه احتاج في دخوله فيه إلى نية . وقال مالك : " ما لم يكن وجوبه معينا من الصيام لم يصح إلا بنية من الليل ، كان وجوبه في وقت بعينه كأن يعلمه ذلك الوقت صائما ، واستغنى عن نية الصيام بذلك ؛ فإذا قال : لله علي أن أصوم شهرا متتابعا ؛ فصام أول يوم أنه يجزيه باقي الأيام بغير نية " ؛ وهو قول الليث بن سعد .
وقال الثوري في صوم التطوع : " إذا نواه في آخر النهار أجزأه " .
قال : وقال إبراهيم النخعي : " له أجر ما يستقبل " وهو مذهب الحسن بن صالح . وقال الثوري : " يحتاج في صوم رمضان أن ينويه من الليل " . وقال الأوزاعي : " يجزيه نية صوم رمضان بعد نصف النهار " . وقال الشافعي : " لا يجزي كل صوم واجب رمضان وغيره إلا بنية من الليل ، ويجزي صوم التطوع بنية قبل الزوال " .
فأما الدلالة على بطلان قول من اكتفى بنية واحدة للشهر كله ، فهو ما قدمنا من افتقار صوم اليوم الثاني إلى الدخول فيه ، والدخول في الصوم لا يصح إلا بنية ، فوجب أن يكون شرط اليوم الثاني إيجاد النية كاليوم الأول .
فإن قيل : يكتفي بالنية الأولى ، وهي نية لجميع الشهر كما يجتزئ في الصلاة بنية واحدة في أولها ولا يحتاج إلى تجديد النية لكل ركعة ، والمعنى الجامع بينهما أن الصلاة الواحدة لا تتخلل ركعاتها صلاة أخرى غيرها كما لا يتخلل صيام شهر رمضان صيام من غيره . قيل له : لو جاز أن يكتفي بنية واحدة للشهر لجاز أن يكتفي بها لعمره كله ، فلما بطل هذا واحتاج إلى نية لأول يوم لم يجز أن تكون تلك النية لسائر أيام الشهر كما لا يجوز أن تكون لسائر عمره .
وأما تشبيهه بالصلاة فلا معنى له ؛ لأن الصلاة إنما اكتفي فيها بنية واحدة ؛ لأن الجميع مفعول بتحريمة واحدة .
ألا ترى أنه لا يصح بعضها دون بعض فكانت الركعات كلها مبنية على تلك التحريمة ؟ ألا ترى أنه متى ترك ركعة حتى خرج منها بطلت صلاته كلها ، وأنه لو ترك صوم يوم من رمضان بأن أفطر فيه لم يبطل عليه صوم سائر الشهر ؟ ومن - ص 275 - جهة أخرى أنه لا يخرج من الصلاة بفعل الركعة الأولى فلم يحتج إلى نية أخرى ، إذ النية إنما يحتاج إليها للدخول فيها ، فأما الصوم ، فإنه إذا دخل الليل خرج من الصوم ؛ ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا أقبل الليل من ههنا وغابت الشمس فقد أفطر الصائم » فاحتاج بعد الخروج من صوم اليوم الأول إلى الدخول في اليوم الثاني ، فلم يصح له ذلك إلا بالنية المتجددة .
وإنما أجاز أصحابنا ترك النية من الليل في كل صوم مستحق العين إذا نواه قبل الزوال لقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) وهذا قد شهد الشهر ، فواجب أن يكون مأمورا بصومه وواجب أن يجزيه إذا فعل ، ما أمر به . ومن جهة السنة ، وهو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه بعث إلى أهل العوالي يوم عاشوراء فقال : « من أكل فليمسك ، ومن لم يأكل فليصم بقية يومه » .
وقد روي أنه أمر الآكلين بالقضاء ؛ حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا أحمد بن علي بن مسلم قال : حدثنا محمد بن منهال قال : حدثنا يزيد بن ربيع قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن عبد الرحمن بن سلمة ، عن عمه قال : « أتيت النبي صلى الله عليه وسلم يوم عاشوراء فقال : أصمتم يومكم هذا ؟ قالوا : لا قال : فأتموا يومكم هذا واقضوا » فدل ذلك على معنيين :
أحدهما : أن صوم يوم عاشوراء كان فرضا ؛ ولذلك أمر بالقضاء من أكل ، والثاني : أنه فرق بين الآكلين ومن لم يأكل فأمر الآكلين بالإمساك والقضاء والذين لم يأكلوا بالصوم ؛ فدل ذلك على أن من الصوم ما كان مفروضا في وقت بعينه فجائز ترك النية من الليل ؛ لأنه لو كان شرط صحته إيجاد النية له من الليل لما أمرهم بالصيام ولكانوا حينئذ بمنزلة الآكلين في باب امتناع صحة صومهم ووجوب القضاء عليهم ، فثبت بما وصفنا أنه ليس شرط صحة الصوم المستحق العين وجود النية له من الليل وأنه جائز له أن يبتدئ النية له في بعض النهار .
فإن قيل : إنما جاز ترك النية له من الليل لأن الفرض لم يكن تقدم قبل ذلك الوقت ، وإنما هو فرض مبتدأ لزمهم في بعض النهار ؛ فلذلك أجزى له مع ترك النية من الليل ، وأما بعد ثبوت فرض الصوم فغير جائز إلا أن يوجد له نية من الليل .
قيل له : لو كان إيجاد النية من الليل من شرائط صحته لوجب أن يكون عدمها مانعا صحته ، كما أنه لما كان ترك الأكل من شرائط صحة الصوم كان وجوده مانعا منه ، وأن لا يختلف في ذلك حكم الفرض المبتدأ في بعض النهار وحكم ما تقدم فرضه ؛ فلما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الآكلين بالإمساك وأمرهم مع ذلك بالقضاء ؛ لأن ترك الأكل من شرط صحته ، ولم يأمر تاركي النية من الليل بالقضاء ، وحكم لهم بصحة صومهم إذا ابتدءوه في بعض النهار ، ثبت بذلك أن إيجاد النية من الليل ليس - ص 276 - بشرط في الصوم المستحق العين ، وصار ذلك أصلا في نظائره مما يوجبه الإنسان على نفسه من الصوم في وقت بعينه أنه يصح بنية يحدثها بالنهار قبل الزوال .
فإن قيل : فرض صوم عاشوراء منسوخ برمضان ، فكيف يستدل بالمنسوخ على صوم ثابت الحكم مفروض ؟ قيل له : إنه نسخ فرضه فلم ينسخ دلالته فيما دلت عليه من نظائره ، ألا ترى أن فرض التوجه إلى بيت المقدس قد نسخ ولم ينسخ بذلك سائر أحكام الصلاة ؟ وكذلك قد نسخ فرض صلاة الليل ، ولم ينسخ سائر أحكام الصلاة ؟ ولم يمنع نسخها من الاستدلال بقوله تعالى : ( فاقرءوا ما تيسر من القرآن ) في إثبات التخيير في إيجاب القراءة بما شاء منه ، وإن كان ذلك نزل في شأن صلاة الليل ، وإنما قالوا : إنه يجزي أن ينويه قبل الزوال ، ولا يجوز بعده ، لما روي في بعض الأخبار « أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث إلى أهل العوالي فقال : من تغدى منكم فليمسك ومن لم يتغد فليصم » والغداء على ما قبل الزوال .
ثم لا يخلو ذكر الغداء من وجهين إما أن يكون قال ذلك بالغداة قبل الزوال ، أو بين لهم أن جواز النية متعلق بوجودها قبل الزوال في وقت يسمى غداة ، وإلا كان اقتصر على ذكر الأكل دون ذكر الغداة لو كان حكم ما قبل الزوال وبعده سواء ، فلما أوجب أن يكسو هذا اللفظ فائدته لئلا يخلو كلام النبي صلى الله عليه وسلم عن فائدة ، وجب أن يختلف حكم نيته قبل الزوال وبعده .
وإنما أجازوا ترك النية من الليل في صوم التطوع بما حدثنا عبد الباقي بن قانع قال : حدثنا إسماعيل بن الفضل بن موسى قال : حدثنا مسلم بن عبد الرحمن السلمي البلخي قال : حدثنا عمر بن هارون ، عن يعقوب بن عطاء ، عن أبيه ، عن ابن عباس : « أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبح ولم يجمع للصوم فيبدو له فيصوم » .
قالت عائشة : « كان النبي صلى الله عليه وسلم يأتينا فيقول : هل عندكم من طعام ؟ فإن كان وإلا قال : فإني إذا صائم » .
فإن قيل : إذا لم يعزم النية من الليل حتى أصبح فقد وجد غير صائم في بعض النهار ، فكان بمنزلة الآكل ، فلا يصح له صوم يومه .
قيل له : قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ابتداء صوم التطوع في بعض النهار ، واتفق الفقهاء عليه ، ولم يجعلوا ما مضى من النهار عاريا من نية متقدمة مانعا من صحة صومه ، ولم يكن ذلك بمنزلة الأكل في أول النهار في منع صوم التطوع ؛ فكذلك عدم نية الصوم في المستحق العين من الصيام لا يمنع ابتداء صومه ، ولا - ص 277 - يكون عدم النية في أوله بمنزلة وجود الأكل فيه كما لم يكن ذلك حكمه في التطوع ، وأيضا فلو نوى الصوم من الليل ثم عزبت نيته لم يكن عزوب نيته مانعا من صحة صومه ، ولم يكن شرط بقائه استصحاب النية له ؛ فلذلك جاز ترك النية في أول النهار لبعض من الصوم على حسب قيام الدلالة عليه ، ولا يمنع ذلك صحة صومه .
ولو ترك الأكل في أول النهار ثم أكل في آخره كان ذلك مبطلا لصومه ، ولم يكن وجود الأكل بمنزلة عزوب النية ؛ فاستوى حكم الأكل في الابتداء والبقاء واختلف ذلك في حكم النية ؛ فلذلك اختلفا . ولم يمتنع أن يكون غير ناو للصوم في أوله ثم ينويه في بعض النهار ، فيكون ما مضى من اليوم محكوما له بحكم الصوم كما يحكم له بحكم الصوم مع عزوب النية .
فإن قيل : لما لم يصح له الدخول في الصلاة إلا بنية مقارنة لها ، كان كذلك حكم الصوم . قيل له : هذا غلط ؛ لأنه لا خلاف بين المسلمين في جواز صوم من نواه من الليل ثم نام فأصبح نائما ، وأن صومه تام صحيح من غير مقارنة نية الصوم بحال الدخول ، ولو نوى الصلاة ثم اشتغل عنها ثم تحرم بالصلاة لم تصح إلا بنية يحدثها عند إرادته الدخول ؛ فلما لم يكن شرط الدخول في الصوم مقارنة النية له عند الجميع وكان شرط الدخول في الصلاة مقارنة النية ، لم يجز أن يحكم له بحكم الصلاة إلا بعد وجود نية الدخول في ابتدائها ، ولم يجز اعتبار الصوم بالصلاة في حكم النية .
وأيضا قد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم « أنه كان يبتدئ صوم التطوع في بعض النهار » واتفق الفقهاء على تلقي هذا الخبر بالقبول واستعمالهم له ، واتفقوا أيضا أنه لا يصح له الدخول في صلاة التطوع إلا بنية تقارنها ، فعلمنا أن نية الصوم غير معتبرة بنية الصلاة من الوجه الذي ذكرت ، وأما ما كان من الصوم الواجب في الذمة غير مفروض في وقت معين ، فإنه لا يجوز ترك النية فيه من الليل ، والأصل فيه حديث حفصة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا صيام لمن لم يعزم عليه من الليل » وكان عموم ذلك يقتضي إيجاد النية من الليل لسائر ضروب الصوم ، إلا أنه لما قامت الدلالة في الصوم المستحق العين وصوم التطوع سلمناه للدلالة له وخصصناه من الجملة وبقي حكم اللفظ فيما عداه ، ولا يختلف على ذلك صوم شهرين متتابعين وقضاء رمضان ؛ لأن صوم الشهرين المتتابعين غير مستحق العين ، وأي وقت ابتدأ فيه فهو وقت فرضه ، فكان كسائر الصوم الواجب في الذمة .
والأحكام المستفادة من قوله : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) إلزام صوم الشهر - ص 278 - من كان منهم شاهدا له ، وشهود الشهر ينقسم إلى أنحاء ثلاثة : العلم به ، من قولهم : شاهدت كذا وكذا ؛ والإقامة في الحضر ، من قولك : مقيم ومسافر وشاهد وغائب ؛ وأن يكون من أهل التكليف على ما بينا .
ثم أفاد من نسخ فرض أيام معدودات ، على قول من قال إن صوم الأيام المعدودات كان فرضا غير رمضان ثم نسخ به ، ونسخ به أيضا التخيير بين الفدية والصوم للصحيح المقيم ، وأفاد أن من رأى الهلال وحده فعليه صومه . وحكم آخر : وهو أن من علم بالشهر بعدما أصبح ، أو كان مريضا فبرأ ولم يأكل ولم يشرب ، أو مسافرا قدم ؛ فعليهم صومه ؛ إذ هم شاهدون للشهر . وأفاد أن فرض الصيام مخصوص بمن شهد الشهر دون غيره ، وأن من ليس من أهل التكليف أو ليس بمقيم أو لم يعلم به فغير لازم له .
وأفاد تعيين الشهر لهذا الفرض حتى لا يجوز تقديمه عليه ولا تأخيره عنه لمن شهده . وأفاد أن مراده بعض الشهر لا جميعه في شرط لزوم الصوم ، وأن الكافر إذا أسلم في بعضه والصبي إذا بلغ فعليهما صوم بقية الشهر . وأفاد أن من نوى بصيامه تطوعا أجزأه ، لورود الأمر مطلقا بفعل الصوم غير مخصوص بصفة ولا مقيد بشرط ، فاقتصر جوازه على أي وجه صامه . ويحتج به من يقول : إنه إذا صام وهو غير عالم بالشهر لم يجزه ؛ ويحتج به أيضا من يقول : إذا طرأ عليه شهر رمضان ، وهو مقيم ثم سافر لم يفطر ، لقوله تعالى : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) .
فهذا الذي حضرنا من ذكر فوائد قوله : ( فمن شهد منكم الشهر ) ولا ندفع أن يكون فيه عدة فوائد غيرها لم يحط علمنا بها ، وعسى أن نقف عليها في وقت غيره أو يستنبطها غيرنا .
وأما ما تضمنه قوله : ( فليصمه ) فهو ما قدمنا ذكره من الأمور التي أمرنا بالإمساك عنها في حال الصوم ، منها متفق عليه ومنها مختلف ، وما قدمناه من ذكر شرائطه وإن لم يكن صوما في نفسه . وقد تقدم بيان حكم المريض والمسافر بعون الله وكرمه . .
المراجع
[http://feqh.al-islam.com/Page.aspx?pageid=278&TOCID=2&BookID=53&PID=157 موسوعة الإسلام
]
التصانيف
المعرفة-الفقه